جهود المدرسة الإصلاحية الجزائرية في دراسة المصطلح القرآني –تفسير ابن باديس أنموذجًا- (2)

بقلم: نبيل صابري-

المبحث الثالث: عنايته بإقامة المصطلح القرآني وما يقتضيه:

تعاني الأمة الإسلامية اليوم من إشكال مصطلحي عظيم، لا يقدّره إلا الراسخون في العلم، وقد كان همّ النبوات مذ آدم -عليه السلام- تسمية الأشياء بأسمائها، وضبط كلمات الله -عز وجل- لكيلا يعتريها تبديل أو تغيير، والأمة اليوم؛ وهي على عتبة تجديد النطق بالشهادتين، تعاني من أمر المصطلح، وإقامةُ المصطلح هي الأصل، وإذا لم يقم الأصل لم تقم الفروع، ومن ثم كان البدء ضرورة عند محاولة القيام بإقامة المصطلح، إقامة المصطلح الأصل؛ الوحي الإلهي، مصطلح كلام الله -عزّ وجلّ-.

وإقامة المصطلح القرآني تقتضي:

- إقامة لفظه.

- وإقامة مفهومه.

- وإقامة العمل به.

- وإقامة بيانه(56).

ومن خلال تلمسنا لتفسيره اتضح أنه مقيم للمصطلح القرآني الأصل، وما يقتضيه ويستلزمه، ولا عجب في ذلك؛ فقد كان مجددًا للفنّ، بصيرًا بمواضع العلة، وهذا بعض ما ذكره عنه شاعر النهضة محمد العيد آل خليفة في حفل تكريم الإمام:

ودرسك في التفسير أشهى من الجنى * وأبهى من الروض النظير وأبهرُ

ختمتَ كتاب الله ختْمةَ دارس * بصير له حلّ العويص ميسَّرُ

فكم لك في القرآن فهمٌ موفّق * وكم لك في القرآن قولٌ محررُ

قبست من القرآن مِشعل حكمة * ينار بها السرُّ اللطيف ويُبْصرُ

وبيّنتَ بالقرآن فضل حضارة * أقرّ لها كسرى وأذعن قيصرُ

حكيت (جمال الدين) في نظراته * كأن (جمال الدين) فيك مصّورُ

وأشبهت في فقه الشريعة (عبدَه) * فهل كنتَه أم (عبدُه) فيك يُنشرُ(57)

ودونكم ما أجملته تفصيلًا وتأكيدًا:

إقامة لفظه: ابتغى ابن باديس من خلال تجربته التفسيرية إلى ما ذكره في حفلة تكريمه: «فإننا -والحمد لله- نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجّه نفوسهم إلى القرآن في كلّ يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم رجالًا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها، وإن أعزّ ما وصلنا إليه هو تبيّن الغاية وتلاقي الجهود»(58)، فهذه الكلمة منه صريحة باقتفاء القرآن، والتزام تعاليمه في التربية القرآنية.

وبنظرة فاحصة، نجده مقيمًا لألفاظ القرآن في أساليبه وتحليلاته، وتوجيهاته وانتقاداته، مستعملًا إياه في التواصل تبيّنًا وتبيينًا، فمثال عنواناته على الآية المحللة كــــ: الفرار إلى الله، وحشر الكفار إلى النار، تثبيت القلوب بالقرآن العظيم، القرآن شفاء ورحمة، صدق المدخل والمخرج، إرادة الدنيا وإرادة الآخرة(59)، نجد انتقاءه اللفظي واستثماره له كما نصت عليه الآية لفظيًّا، مُظهرًا اعتناءه بالقرآن في التعبير العنواني، وإذا تأملنا في تحليلاته فإننا لا نعثر على مصطلحات عيِيَّة دخيلة انتقلت من علوم الآلة -مع تحكمه فيها وتوظيفها- إلى علم الغاية؛ بل ألفاظه قرآنية صرفة، حتى في تقدير الإعراب الذي ربما هو خارج عن محلّ التوظيف المصطلحي القرآني، حيث قال في تفسير الآية الأولى من سورة الفلق: «الأمر المفرد للنبي عليه السلام، ومن حسن الأدب في مقدرات القرآن أن تقدر في مثل هذا الأمر أيها الرسول أو أيها النبي؛ لأنهما الوصفان اللذان نطق بهما القرآن في نداء النبي عليه السلام، وأن لا تقدر يا محمد كما هو جارٍ على الألسنة وفي التصانيف، فإن القرآن لم يخاطبه باسمه، والأمر لنبينا أمر لنا؛ لأننا المقصودون بالتكليف، ولا دليل على الخصوصية، فهو في قوة: قل أنت، وقل لأمتك يقولون»(60). 

كيف لا تكون ألفاظ القرآن مثالًا للتأسي في التسمية، وهي مصطلحات لها ثقلها في الإيحاءات والدلالات،ذات مفاهيم كبرى وخصوبية مفهومية، عليها تتأسس فلسفة القرآن ونظرته الشمولية للكون والحياة، وهذا الذي أكده ابن باديس مرارًا، كما في تفصيله القول عن كلمة خلْفة في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورً [الفرقان:62]، إذ قال: «فقه لغوي: اختيرت لفظة الخلفة هنا لدلالتها على الهيئة...فكانت هذه اللفظة الواحدة منبهة على ما في اختلاف الليل والنهار من آية دالة ومن نعمة عامة، وهكذا جميع ألفاظ القرآن في انتقائها لمواضعها»(61).

ولكن أبت بعض الفرق المنحرفة هذه الإقامة المصطلحية اللفظية، وتصرّفوا بالحوادث والتحريفات، وهجروا خطاب الله القرآني، وسموا ما لم يسمه الله، حيث تحرّجوا من تسمية دعائهم غير الله عبادة جهلًا أو عنادًا، ولكن سُدّد ابن باديس في إيقافهم عند اعتبار الشارع في قوله: «من دعا غير الله فقد عبده: ما يزال الذكر الحكيم يسمي العبادة دعاء ويعبر به عنها، ذلك لأنه عبادة، فعبر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع؛ لأن الدعاء مخّ العبادة وخلاصتها، فإن العابد يظهر ذلّه أمام عزّ المعبود، وفقره أمام غناه، وعجزه أمام قدرته، وتمام تعظيمه له وخضوعه بين يديه، ويعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلبه منه حوائجه، فالدعاء هو المظهر الدالّ على ذلك كله، ولهذا كان مخّ عبادته... فمن دعا غير الله فقد عبده، وإذا كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة، فالحقيقة لا ترتفع بعدم تسميتهلها باسمها، وتسميته لها بغير اسمها، والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها من الحديثين المتقدمين لا بتسميته»(62).

وهذه اللوثة المنهجية والتطبيقية تأصلت في بداية الوحي مع كفار قريش الملحدين، قد تعاضدوا على دفع الحقّ بكلّ شبهة يتعلقون بها، لا يتورعون من التبديل والتغيير لكلمات الله، وقد وصفهم خالقهم بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} [الفرقان: 4-6].

لم تفت ابن باديس هذه الظاهرة الخطيرة في تبيينها بقوله: «وقال الذين أنكروا الحق مع ظهوره، وجحدوه مع وضوحه: ما هذا الكلام الذي يتلوه محمدٌ علينا إلا كلام كذب مصروف عن وجه الحق، اخترعه وصوّره وأعانه عليه غيره من أناس آخرين، فقد سموا الحق الصراح والصدق الخالص إفكًا، وجعلوا أخبار الأمين الذيكانوا يدعونه هم أمينًا افتراء، وجعلوا القرآن الذي عجزوا عن معارضته كلامًا عاديًّا متعاونًا على تركيبه وتصويره، فسموا الشيء بغير اسمه ووضعوا الوصف في غير موضعه، فانتهوا بذلك إلى ظلم عظيم أتوه ووقعوا فيه، وقد شهدوا بالباطل، فنسبوا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما هو بريء منه من الافتراء والاستعانة بغيره، فانتهوا إلى زور عظيم تحملوه...»(63).

إقامة مفهومه: وهي تعني أن يفهم من لفظه ما فَهمه أو فُهِّمه من أنزل عليه صلى الله عليه وسلم أول مرة دون تبديل أو تغيير، ولكم شوهت قضايا وبدلت علاقات عبر العصور، ولن يصلح آخر هذا الفهم إلا بما صلح به أوله؛ استفادة المفهوم من مجموع صور استعمال اللفظ مفهومًا بدلالة التنزل، وإلا فهو التشوّه والتشويه المستمر(64).

التزم ابن باديس منهجية في التأويل؛ هي: تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانيّة، وربط الآيات بوجوه المناسبات(65)، فوُفّق في تطبيقها، حيث لا يكاد يمر بآية إلا جعل لها فرعين في ابتداء شرحها قبل المعنى العام: المفردات، ثم التراكيب، مبالغة في فكّ الغموض، وتدقيق النظر، وفهم المصطلحات القرآنية كما هي، وقد يمزج بين المفردات والتراكيب، أو يسمي المفردات باسم اللغة، وحينًا يتجاوز التراكيب إذا كانت جلية، ويستوضح صرفها واشتقاقها إذا كانت خفية، ثم يعطف بعدها بالمعنى العام، ويزيده بيانًا عند الاقتضاء، مع توجيه القراءات نادرًا(66).

وقد أبان -رحمه الله- طريقَهُ بقوله: «والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة الفهم، والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين، والاهتداء بهديهم في الفهم عن ربّ العالمين، وهذا أمر قريب على من قرّبه الله عليه، ميسّر على من توكل على الله فيه، وقد بدت طلائعه والحمد لله، وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله، وسبحان من يحيي العظام وهي رميم»(67)، فالمدار كلّه على الفهم الصحيح، مع التنبه إلى ضرورة مراعاة الاستقراء الكامل لكتاب الله، وقد اعتنى بهذا الأصل وصرّح به(68)، فأول تصحيح الفهم هو تتبّع مواقع استعمال اللفظة في القرآن كله استقرائيًّا، واعتبار المقام في فهم الكلام حين تماثل اللفظان(69).

إنّ الدراسة المفهومية إذن هي مربط الفرس؛ فهو يُبين مفردات القرآن وتراكيبه، معتمدًا على صحيح المنقول، وطرائق التأويل بالمعقول، محذرًا من تحريف الفهوم عن أصل وضعها، كالمفسرين اللفظيين الذين يتشبثون بالكلمات بعيدًا عن سداد المنطق واستقامة الرأي وأصالته، ولا أدلّ على هذا من التمثيل بما ذكره في تفسير قوله تعالى:{وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}[الشعراء:129] عن بعض المفسرين: «والمصانع، يقول المفسرون أنها مجاري المياه أو هي القصور، وعلى القولين فهي دليل على معرفتهم بفنّ التعمير علمًا وعملًا، وبلوغهم فيه مبلغًا عظيمًا، فهي من شواهدنا على ما سقنا الحديث إليه، ولكن ليت شعري ما الذي صرف المفسرين اللفظيين عن معنى المصنع اللفظي الاشتقاقي، والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع جمع مصنع من الصنع، كالمعامل من العمل، وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران، وهل كثير على أمة توصف بما وصفت فيه في الآية أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بلى، وإنّ المصانع لأوَّل لازم من لوازم العمران وأول نتيجة من نتائجه.

ولا أغرب من تفسير هؤلاء المفسرين للمصانع؛ إلا تفسير بعضهم للسائحين والسائحات بالصائمين والصائمات، والحقّ أنَ السائحين هم الرحالون والرواد للاطلاع والاكتشاف والاعتبار، والقرآن الذي يحثّ على السير في الأرض والنظر في آثار الأمم الخالية حقيق بأن يحشر السائحين في زمرة العابدين والحامدين والراكعين والساجدين، فربما كانت فائدة السياحة أتم وأعم من فائدة بعض الركوع والسجود»(70)، ثم وصل حديثه بالدليل والبرهان.

كان الاجتهاد في التجديد المفهومي محطّ نظره، فبالرغم من عدم توسعه في شحن أقوال المفسرين، إلا أنه كان مطالعًا لها، يأخذ منها ما يشاء، ويدع ما يشاء، ناقدًا ومعللًا، وهذه جولة أخرى مع تفسير آخر، اقتُصر فيه على الظاهر والسطح، وأُهمل الاستعمال العربي، فكان التشوّه والتبديل، قال -رحمه الله- في بيان قوله تعالى:{فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}[سبأ:19]: «فإن المفسرين السطحيين يحملونه على ظاهره، وأي عاقل يطلب بعد الأسفار؟ والحقيقة أنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، وإنما هو نتيجة أعمالهم، ومن عمل عملًا يفضي إلى نتيجة لازمة؛ فإن العربية تعبر عن تلك النتيجة بأنها قوله، وهذا نحو من أنحاء العربية الطريفة»(71)، فكان تعقيبه في كلّ مرة على المفسرين اللفظيين والسطحيين من مرتكزاته في إقامة مفهوم المصطلح القرآني الأصل.

إقامة العمل به: إنّ آثار ابن باديس آثار عملية قبل أن تكون آثار علمية صرفة، والأجيال التي ربّاها كانت مشعل النهضة ورمز الحركة الوطنية، وقليل من المصلحين في عصره من أتيحت له ظروف التطبيق العملي لنظرياته ومبادئه، فرشيد رضا كان يحلم بمدرسة للدعاة، ولكن لم يتحقق حلمه.

ومن آكد ما يُعمل به؛ القرآن الكريم، والسنة البيان، ولا عمل إلا بالفهم، ولا فهم إلا بالعلم الصحيح؛ الذي من مناهجه العلم المصطلحي(72)، «وبإقامة العمل بالمصطلح الأصل تقوم الحجة، وتمثل القدوة، ويظهر للعيان فضل ما جاء به القرآن، وما منع الناس أن يؤمنوا في هذا الزمان، إلا أن أمة القرآن لا تقيم العمل بمصطلح القرآن»(73).  

ابتكر ابن باديس طريقة خاصة في شرح بعض المصطلحات القرآنية: كمصطلح (الذكر)؛ حيث تناول المصطلح بشرحه من خلال قسمين: قسم علمي، وقسم عملي، تدليلًا على اعتنائه بجانب التنفيذ وممارسة التعاليم القرآنية، حتى نسلم من مشابهة اليهود والنصارى، فالإقامة العملية ركن بعد اللفظية والمفهومية، كما استعمل هذه الطريقة أيضًا في موضوع: (أفضل الأذكار)؛ حيث جعل التلاوة أفضل الأذكار من طريق الأثر والنظر، وقال في بيان ما يقصد من التلاوة: «والقرآن رحمة من الله للمؤمنين، فليستنزل بتلاوته وتدبره الرحمة من الله تعالى بإفاضة علوم القرآن على قلبه، وبتوفيقه إلى القيام بمقتضى هدايته»(74)، ثم أرشد المذنبين إلى التخلق بما يقتضيه مفهومه في الظاهر والباطن معًا، ذاكرًا حظّه من التجربة الواقعية المعاشة بقوله: «وأما حظّ التجربة فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت -وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إلانة للقلب، واستدرارًا للدمع، وإحضارًا للخشية، وأبعث على التوبة، من تلاوة القرآن وسماع القرآن»(75).

وكثيرة تلكم العناوين الفرعية التي ينادي فيها بالعمل، وتكون غالبًا بعد شرح الألفاظ والتراكيب، والتفسير الإجمالي، والمتمثلة في: تطبيق وتحاكم، إرشاد واستنهاض، مشاهدة وتوصية، سلوك، اهتداء؛ ما لا يترك مجالًا للشك بأنه حقيقة صانع أجيال، ومنشئ حضارة، لا صنم وتمثال.

ومن ثمرات العمل ما ذكره عن نفسه، ولكن في سياق التواضع مع أنه الرجل الأمة، استنهاضًا للشباب، وتوصية بالاقتداء، كأحسن وسيلة للنشاط من العِقال، وأفضل حافز للاستباق إلى الكمال، في ختامه لتفسير قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]، حيث وصف حاله بقوله: «نعرف في حياتنا مواطن ما نجونا فيها إلَّا بدفع الله، وبطل كيد الكائدين فيها بمحض صنع الله، وقد كنا فيها -فيما نرى- على شيء من العمل لله، فكيف بمن كانت أعمالهم كلها لله، وهذه المشاهدة التي شاهدنا -ولا نشك أن من غيرنا من شاهد مثلنا أو أكثر منا- توجب علينا أن نوصي بالإيمان بالله، والمحافظة على عهده، والثقة به؛ فإن ذلك يحقق وعد الله بالدفع، وينيل أهله العزة والحفظ، فعلى المسلم أن يعمل لذلك، ويعتد به ثقة بالله وصادق وعده، والله لا يخلف الميعاد»(76).

أما إذا لم يتمثل المفهوم في واقع يمثله فلن تظهر الثمار؛ لذلك رفع صوته بالتحذير والترهيب، وقصّ علينا حالة المسلمين عمومًا يوم تركوا الهداية القرآنية، بارتكاب الشركيّات، وتحوير المصطلحات الشرعية، وذلك في تطبيقه على  قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا}[الإسراء:56]؛ حيث قال: «إذا علمت هذه الأحكام فانظر إلى حالتنا معشر المسلمين الجزائريين وغير الجزائريين؛ تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقًا في هذا الضلال، فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات، يسألونهم حوائجهم من دفع الضر، وجلب النفع، وتيسير الرزق، وإعطاء النسل، وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون...وتراهم هنالك في ذلّ وخشوع وتوجه، قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم، فأعمالهم هذه من دعائهم وتوجههم كلّها عبادة لأولئك المدعوين وإن لم يعتقدوها عبادة؛ إذ العبارة باعتبار الشرع لا باعتبارهم، فيا حسرتنا على أنفسنا كيف لبسنا الدين لباسًا مقلوبًا حتى أصبحنا في هذه الحالة السيئة من الضلال»(77).

إقامة بيانه: وهي تعني أداؤه كما حُمِل، بعد حَمْله كما أُنزل، ولا إقامة للبيان دون إقامة لما سبق من التبيّن؛ لفظًا ومفهومًا وعملًا، ولا شهادة على الناس دون شهادة على النفس، لتحقيق الأهلية للشهادة على الناس(78). 

الدعوة بالقرآن، والدعوة إلى القرآن، وفق إرشادات القرآن؛ ربانية في البيان. ولقد كان أمل ابن باديس الذي أمّله سنين عديدة: البيان الكامل لكتاب الله، ولا أدلّ على هذا من شهادتين؛ شهادة رفيقه، وشهادته على نفسه، فأما الأولى فهي شهادة البشير الإبراهيمي، تؤكد فضل ابن باديس في البيان، وحرقته على الوصول للمبتغى مهما كلّف الثمن، حيث يقول: «أذكر أننا كنا في جماعة من الرفقاء الأوفياء، تذاكرنا مرة في إقامة حفل تكريم لرفيقنا الأستاذ ابن باديس، تنويهًا ببعض حقّه على العلم، وشكرًا لأعماله الجليلة وآثاره الحميدة في التعليم بهذا الوطن، واعترافًا بكونه واضع أسس النهضة، وإنصافًا لكونه أسبقنا إلى التعليم، وأشدنا اضطلاعًا به، وأكثرنا انتاجًا وتخريجًا فيه...وذهبنا في تقدير الفوائد التي تجنى من هذا الاحتفال مذاهب لا غلوّ فيها ولا إسراف، ثم فاتحنا أخانا الأستاذ بهذه الفكرة، فكان الجواب قوله: دعوا هذا حتى نختم دروس التفسير -وبيننا وببين الختم يومئذ سنوات-، كأنه يرى أن عمله في التفسير هو أجلّ أعماله في التعليم، وأنه بإتمامه لهذا العمل يستكمل مزية الاستحقاق للتكريم والإجلال من أمته؛ إذ يكون قدّم لها عملًا تامًّا ناضجًا، وصورة كاملة من مجهوداته، زيادة على ما خرج لها من رجال...كأنه -حفظه الله- كان معلق البال بهذا العمل، ويخشى أن تقطعه قواطع الدهر»(79).  

بعد مرور سنوات من التبين اللفظي والمفهومي والعملي؛ كان البيان في صورة ناضجة كما ترقّبه ورجاه، فحقق أمنيته من ختم التفسير، وللأمة رجاءها في تسجيل هذه المفخرة للجزائر، ولأنصار السلفية غرضهم من تثبيت أركانهم بمدارسة كتاب الله كاملًا، وجاءت شهادته على نفسه -التي أخرها مرة بعد مرة- في تواضع وتحقير كبيرين، حيث قال: «أنتم ضيوف القرآن، وهذا اليوم يوم القرآن، وما أنا إلا خادم القرآن، فاجتماعكم على تنائي الديار، وتباعد الأقطار؛ هو في نفسه تنويه بفضل القرآن، ودعوة جهيرة إلى القرآن، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى دعوة المسلمين إلى قرآنهم، فهل علمتم أنكم باحتفالكم هذا قمتم بواجبات أهونها ما سميتموه احتفالًا بشخصي، إنّ أقوال خطبائكم وشعرائكم كلّها في الحقيقة إشادة بيوم القرآن، ووفود القرآن، وكلّ ما لي من فضل في هذا فهو أنني كنتُ السبب فيه»(80).

فالجهود شاهدة على البيان حقيقة لا ادعاء، والرجال المتخرجون من المدرسة الباديسية أدلّاء، ومضامين تراثه حافلة بشرح آيات الدعوة، وفضلها، وطرقها، وأساليبها، وترغيب الناس فيها، يختار آيات الدعوة، ويسهب في بيانها، وتنزيلها على الواقع، كآية {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:125]، حيث شرحها بقوله: «هدتنا الآية الكريمة إلى أسلوب الدعوة: وهو الحكمة، وتجلت هذه الحكمة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فعلينا أن نلتزمها جهدنا حيثما دعونا، ونقتدي بأساليب القرآن والسنة في دعوتنا، فبها يحصل الفهم واليقين، والفقه في الدين، والرغبة في العمل والدوام عليه، وها نحن قد بلغ الحال بنا إلى ما بلغ إليه من الجهل بحقائق الدين، والجمود في فهمه، والإعراض عن العمل به، والفتور في العمل، فحقّ على أهل الدعوة إلى الله -وخصوصًا المعلمين- أن يقاوموا ما بيَّنَّا من جهل وجمود وإعراض وفتور؛ بالتزام البيان للحقائق العلمية بأدلتها، والعقائد ببراهينها، والأخلاق بمحاسنها، والأعمال بمصالحها، وقد وجد الأخذ بهذه الأساليب القرآنية -والحمد لله- وأخذ أثرها -بفضل الله- يظهر في الناس بقدر الأخذ بها، ويوشك أن تتجدد بذلك في المسلمين حياة إن شاء الله»(81).


يتبع


الهوامش:

[56]دراسات مصطلحية، الشاهد البوشيخي، ص220 وما بعده بتصرف.

[57] ديوان محمد العيد آل خليفة، محمد العيد خليفة، ص146.

[58] مجالس التذكير، ص476.

[59] بالترتيب: 388، 261، 254، 188، 182، 80.

[60] ص405.

[61] مجالس التذكير، ص268.

[62] المصدر نفسه، ص299.

[63] المصدر نفسه، ص232.

[64] دراسات مصطلحية، الشاهد البوشيخي، ص223 باختصار.

[65] مجالس التذكير، عبد الحميد بن باديس، ص49.

[66] ينظر مثلًا: ص136، 144، 148، 156، 159، 163، 167، 173، 177، 182، 211، 222، 226،231، 236، 259، 271، 317.

[67] ص252، وكررها ص 362 بعبارة مشابهة.

[68] كما في رده على المحرفين الزاعمين بأن العبادة الكاملة تكون بدون رجاء ثواب ولا خوف عقاب، ص283.

[69] كما في تماثل لفظة عرش سليمان بعرش ربّ السماوات والأرض، وقد فرق بينهما، ص357.

[70] مجالس التذكير، ص432.

[71] المصدر نفسه، ص437.

[72] كما اقترحت الدكتورة فريدة زمرد تسميته بدلًا من الدراسة؛ لأنه يحدد طبيعتها أكثر، ويرقى بها إلى مستوى يناسب أهميتها، ومقاصدها العلمية، وخصوصياتها المنهجية، وذلك في مداخلتها في المؤتمر العالمي الثاني للباحثين في القرآن الكريم وعلومه، تحت موضوع: «آفاق تطوير الدرس المصطلحي للقرآن الكريم مفهومًا ومنهجًا». بحوث المؤتمر، ص282.

[73] دراسات مصطلحية، الشاهد البوشيخي، ص224.

[74] مجالس التذكير، ص42.

[75] المصدر نفسه، ص45.

[76] مجالس التذكير، ص214.

[77] المصدر نفسه، ص158.

[78] دراسات مصطلحية، الدكتور الشاهد البوشيخي، ص224.

[79] مجالس التذكير، ص453.

[80] المصدر نفسه، ص474.

[81] المصدر نفسه، ص68، وللمزيد ينظر: ص35 ،53، 60، 253، 260، 374.

آخر التغريدات: