جهود المدرسة الإصلاحية الجزائرية في دراسة المصطلح القرآني –تفسير ابن باديس أنموذجًا- (1)

بقلم: نبيل صابري-

في ظل الموجات الاستدمارية التي اكتسحت العالم العربي والاسلامي في العصر الحديث، وبفعل السياسة المنتهجة من التفقير العلمي والتجويع الحضاري، ومع تصاعد الأزمات المتعددة الجوانب؛ نشأ رجال في الأقطار المتباعدة، يهدفون إلى التصدي لضربات التجهيل والزحف المتجني، قاصدين استرجاع الحقّ المسلوب، والانتعاش الفكري التجديدي.

خلال هذه الصراع المتفاقم برز عبد الحميد بن باديس في الجزائر كحلقة في سلسلة الإصلاحات، ثائرًا على الجمود، وناقمًا على الجاهلية، فأنشأ نهضة إصلاحية هدّت عرش الطغيان، وصنم التقليد؛ سيفُهُ القرآن، ودرعُهُ القرآن، وزادُهُ القرآن، ينادي بثلاثية المبدأ؛ الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا، متوسلًا بالتعليم المسجدي والمكتبي، والصحافة، والنادي، والجمعية، والكشافة، موحدًا الجهود، وأمتن جسر تذرّع به التفسير الحديث.

كان التفسير الباديسي عمّالًا بالليل والنهار على مدى خمس وعشرين سنة، يخطو بالأمة من مشهودية الواقع إلى شاهدية الموقع، لم يكن همّه تحرير تأويل جديد، بل تأليف جند من حديد -ممتدًا غرب البلاد وجنوبها انطلاقًا من الجامع الأخضر بقسنطينة-؛ فضاع التراث من غير تدوين، ولم تضع معه الصيحة المدوية في المآذن والأسماع، ومن توفيق الله تعالى أن حفظ لنا نزرًا من تفسيراته كان يصدرها في مجلته «الشهاب» على شكل مقالٍ يناسب الواقع المعاش، فسلمت من الضياع، ثم جمعت بعد وفاته بسنوات في سفر مستقلّ تحت العنوان الذي كان يعنون به، وهو: (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير)، وعبثًا أستنطق النصَّ المدروس أملًا في تناغمه مع المنهجية المصطلحية، وإنما أرتشف بين سطوره نبعًا تجديديًّا، وأتلمّس في عباراته ومضامينه قوة دافعةً صانعةً. كان حاضر الغزو في أوج كبريائه، فقذف بشهبه استراق المؤولين، وأحيا بهداياته قلوب الناشئين على أحسن بيان وأوضح مقال.

وكشفًا للمغطّى، جاءت هذه المحاولة منّي بيانًا لجهود الرائد ابن باديس في دراسة المصطلح القرآني من خلال تفسيره، فكان الموضوع: «جهود المدرسة الإصلاحية الجزائرية في دراسة المصطلح القرآني -تفسير ابن باديس أنموذجًا-»؛ وذلك من خلال مدخل تمهيدي، وأربعة مباحث، وخاتمة.

تتوزع عناصر المباحث كالآتي:

المبحث الأول: ظروف ودوافع نشأة حركة الإصلاح في الجزائر ومقاصدها.

المبحث الثاني: مساعي ابن باديس في تجديد الدرس التفسيري بين النقد والتوظيف.

المبحث الثالث: عنايته بإقامة المصطلح القرآني وما يقتضيه.

المبحث الرابع: معالم في مدى اهتمامه بمنهج الدراسة المصطلحية.

وفي الأخير خاتمة فيها أهم التوصيات والنتائج.

والهدف من كلّ ما سبق توضيحه يتجلى في بيان مركزية الجهد على القرآن عمومًا، والمقال التفسيري خصوصًا، والمصطلح الأصل بصورة أخصّ، في تنبيه الراقدين وصناعة مستقبل الأمة الجزائرية، التي ما إن انتهجت طريقهُ في بناء الصرح حتى توّجت بالحرية، فكان بحقّ ردًّا على مزاعم وأطماع فرنسا التي نطق أحد جنرالاتها قائلًا: «علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من القرآن»، وكانت خطى ابن باديس حجر الأساس في سحق أقوى حيوان مسلح في ذلك الوقت، ولو قدّر له التأخر لكتب تاريخ غير الذي نقرؤه، فالواجب علينا استنساخ الجهود، وإعادة تفعيلها بتطعيمها وصبغها بالمنهجية المصطلحية لقهر العصرنة والتغريب الدخيل الذي تسلّل من تشويه المفاهيم، ولا أدلّ على ذلك من مصطلح الاستعمار الذي أخرجه الاستدمار من المفهوم القرآني الجميل ودنّسه بإطلاقه عليه، ومصطلح الجهاد الذي له سمات دلالية خاصّة في الحقل الشرعي حيث جعله لصيقًا به، وشوّه الأصل باستبداله الخارجون عن القانون.

وليس الشأن في أن نبارك الجهود بالتصفيق والتزويق؛ بل إشكال الإشكال في مواصلة الطريق على المنهج القويم بنظارة الإبصار للمصطلحات القرآنية الأصلية، شعارنا التبيّن والبيان، وسرّ صناعتنا مفتاح المفتاح.

المبحث الأول: ظروف ودوافع نشأة حركة الإصلاح في الجزائر ومقاصدها (الخلفية التاريخية):

تنامت أطماع فرنسا في الجزائر بعد تراكم الديون عليها، واهتماماتها بالشواطئ الساحلية، وتعاظم الفكرة التبشيرية، وما تبعها من مصالح سياسية واقتصادية أخرى، فتحايلت على الداي بإغضابه واغتنام تصرفه السيء، حيث استفسر القنصلَ الفرنسي أمام قناصل الدول الأجنبية عن عدم جوابهم على رسائله، فكان ردّ القنصل استفزازيًّا بقوله: «إن للملك أمورًا أخرى يقوم بها عوض أن يكتب لرجل مثلك»، فثارت حمية الداي، وأمره بالخروج مشيرًا بمروحته، فما كان من كيد فرنسا المهانة إلا المطالبة بالتعويض والاعتذار، ثم إعلان الحصار وتجريد حملة عسكرية، وكان الإنزال يوم 14 جوان 1830م بشاطئ سيدي فرج غرب العاصمة، وإن كانت نية الاحتلال قديمة؛ حيث كشفت الوثائق عن مشاريع ترجع إلى سنة 1729م، بل قبلها مع الحملات المنظّمة من مختلف دول الساحل على البلاد التي كانت تعرقل لهم سفنهم(1).

ظنّت فرنسا أنها ستبسط نفوذها في أيام معدودة على هذه المنطقة الجغرافية من العالم التي تداولت عليها الدول والشعوب من الفينيقيين حتى الفرنسيين، وأن سكانها قبائل متنافرة تخوض حروبًا مستميتة، ولا تُخضعها إلا القوى كالرومان والأتراك وفرنسا(2)، حتى اغتر الجنرال (دي بورمون) فكتب يقول لحكومته: «إنّ العرب ينظرون إلينا كمحررين لهم، وإنّ الجزائر ستصبح مفتوحة كلّها وتحت نفوذنا قبل مضي خمسة عشر يومًا»(3).

ولكن خاب ظنهم، وأظهر الشعب الجزائري رفضه المطلق للاستعمار، واتخذ هذا الإنكار اتجاهين: اتجاه المقاومة السياسية؛ وهم أهل الحضر الطامحين في السلطة، وأنصار التيار العثماني والتيار الفرنسي الذي دخل في خدمة الاحتلال، واتجاه المقاومة المسلحة التي أعلنها زعماء القبائل والأعيان ورجال الدين، وقد بدأت على شكل ردود فعل أوليّة مشتتة تعرف بمقاومة أرياف المتيجة، ثم توزّعت المقاومة على شرق البلاد وغربها في مقاومات وثورات منظمة، ألحقت هزائم ساحقة بالجيش الفرنسي، كثورة أحمد باي، والأمير عبد القادر، كما عرفت المقاومة الجهادية مقاومات شعبية جهوية أقلّ تنظيمًا ابتداء من سنة 1848م؛ منها: ثورة الزعاطشة، ومقاومة منطقة القبائل (ثورات: بومعزة، بوبغلة، لآلا فاطمة نسومر)، ثورة المقراني والشيخ الحداد، ثورة أولاد سيدي الشيخ، ثورة الشيخ بوعمامة، ومقاومات الجنوب والصحراء.

إلى جانب التوسّع الجغرافي بقمع الانتفاضات الناشبة في الأرض البركانية، كانت فرنسا تحيك سياسة تخريبية في معاملة الجنس الذي يقف في وجهها، فأثارت النّعرة الطائفية بين العرب والبربر، وشوّهت الدين، ومسخت العربية، وأحرقت المخطوطات، وقتلت ونفت العلماء المعارضين، وصادرت الأوقاف الاسلامية، وحوّلت المساجد إلى كنائس، وفرضت الضرائب، ولم يكن لها همّ إلا في تدمير معالم الثقافة والفكر، منتهجة التجويع والتجهيل والترحيل، وسياسة الإدماج والاستيطان والفرنسة، على قاعدة: الصليب يحطم الهلال، وفرنسا تحتمل عشرة هزائم في أي مكان من العالم، ولا تحتمل هزيمة واحدة في الجزائر.

كانت النتائج قاسية على الشعب الأعزل، وصفها الأمين العمودي بقوله: «أما حياتي فحياة كلّ مسلم جزائري، حياة بلا غاية ولا أمل، حياة من يأسف على أمسه، ولا يغبط بيومه، ولا يثق في غده، تلك حياتي من يوم عرفت الحياة، لم أظفر بعقد هدنة مع الدهر الذي أشهر عليَّ حربًا عوانًا لا أدري متى يكون انتهاؤها، ولا أظن أن يكون لها انتهاء؛ لأن هذا العدوّ القويّ الظلوم الجائر الغشوم لا يمسك عنّي إحدى يديه إلا ليصفعني بالأخرى»(4).

أثمر الاضطهاد بوادر وعي وإرهاصات تحررية، تمثلت في خيار الكفاح السياسي السّلمي على يد حركة الشبان المثقفين؛ حيث كانت تمهيدًا لظهور الحركة الوطنية الجزائرية التي تأصلّت وتقوّت بعد الحرب العالمية الأولى، وتميزت بثلاثة تيارات: المحافظون، الليبراليون، الإصلاحيون، ثم برز المشهد السياسي مع نهاية عقد العشرينيات في توجهات مختلفة؛ المنتخبون، العلماء، الشيوعيون، الثوريون(5).

بدأت الحركة الوطنية بحملة من أجل اليقظة والمحافظة على الخصائص الذاتية للجزائر، وانتهت بظهور الاتجاه الانفصالي الذي يرفض كلّ مساومة(6)، ولقد كان الاتجاه الإصلاحي الديني قديم النشأة، عرف اختمارًا بجهود فردية، حيث ظهرت «بوار النهضة العلمية والإصلاحية الحديثة على يد جماعة من العلماء، أمثال: صالح بن مهنا، حمدان لونيسي، عبد القادر المجَّاوي، محمد بن مصطفى بن الخوجة، عبد الحليم بن سماية»(7)، محمد بن محمود بن العنابي، محمد بن علي السنوسي، محمد بن رحال، المولود بن الموهوب؛ ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها:

1- عودة الطلبة الذين درسوا في الخارج.

2- الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي.

ولكن الواحد لا يدحر المستعمر ويجليه، ولابدّ من اتحاد العلماء تحت هيئة وطنية ليكتسب العمل صبغة عامة، فظلّت الجهود مشتتة حتى جاء الإمام المصلح عبد الحميد بن باديس، فوصل الصفوف ووحّد السواعد.

كانت الأوساط الإصلاحية في ذلك الوقت يتجاذبها رأيان في المظهر العملي، أحدهما: صرف القوة كلها إلى التعليم المثمر، حتى إذا كثر سواد هذه الطائفة استخدمت في الحملة على الباطل، والرأي الثاني: أخذ المبطلين مغافصة، وإسماع العامة المغرورة صوت الحق فصيحًا غير مجمجم، فالشدة أحزم، وقد رجح الرأي الثاني لمقتضيات لله من ورائها حكمة، فأنشئت جريدة (المنتقد) بقسنطينة ردًّا على فكرة: اعتقد ولا تنتقد، ثم خلفها جريدة (الشهاب) بعد تعطيلها، ثم أسست جريدة (الإصلاح) ببسكرة، ثم تطور (الشهاب) الأسبوعي، فأصبح مجلة شهرية، استلمَت قيادة الحركة من أول يوم، وورثت الأقلام التي كانت تكتب في الجرائد قبلها، وإلى جنب الحركة القلمية كانت حركة أخرى تسايرها وتؤازرها وتغذيها، وهي حركة التعليم التي انتشرت بالمراكز المهمّة من عمالة قسنطينة، فدروس العلم كانت تجتذب أفواجًا من الشباب، ودروس الوعظ والإرشاد كانت تجتذب الجماهير إلى حظيرة الإصلاح، وتحدث كلّ يوم ثغرة في صفوف الضلال، وقد تلاقت الحركتان على أمر قد قُدر، فكان الأمر هو تأسيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)(8).

لم يكن باديسُ فيلسوفًا فيرى الحياة (شرًّا وخيرًا)، وليس هو بشاعر فيراها (دمعة وابتسامة)، وما هو بمحب فيراها (فرقة ولقيا)، ليس باديس بأحد هؤلاء، ولكنه وارث من ورثة الأنبياء الذين لا يرون الحياة إلا جهادًا وانتصارًا، هكذا كان باديس يرى الحياة، وعلى مقتضى ذلك فعل؛ فقد جاهد جهاد الأنبياء، وانتصر انتصار الأنبياء(9)، لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلماته، فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم، فتحولت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل، وهكذا استيقظ المعنى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب(10).

تولى رئاسة الجمعية عبد الحميد بن باديس، وانتخب البشير الإبراهيمي نائبًا له، وضمت في أعضائها كوكبة من المصلحين والعلماء السلفيين، أمثال: المبارك الميلي، العربي التبسي، الطيب العقبي، الأمين العمودي، السعيد الزاهري، وكان تاريخ تأسيسها يوم 5 ماي سنة 1931م بنادي الترقي، في الفترة التي احتفل فيها الفرنسيون بمرور قرن على استعمار الجزائر، وأقاموا مهرجانات استفزازية، وخطب تنصيرية متطرفة، بلغ بها الحدُّ قولَهم: إنا لا نحتفل بمرور مائة سنة، بل نحتفل بتشييع جنازة الإسلام في الجزائر.

كانت الجمعية من الناحية الفكرية على الأقل، عبارة عن (دولة داخل دولة)، وكان العاملون فيها يحسّون بكلّ صدق أنهم ليسوا أناسًا كالناس، ولكنهم كانوا جنودًا في معركة وراءها -إذا اكتسبوها- النصر والعزة للوطن والإسلام والعروبة(11).  

تمثلت أركان الجمعية فيما ذكره ابن باديس في جريدة البصائر؛ لسان حال الجمعية بقوله: «العروبة، والإسلام، والعلم،والفضيلة، هذه أركان نهضتنا، وأركان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي هي مبعث حياتنا، ورمز نهضتنا، فما زالت هذه الجمعية منذ كانت تفقهنا في الدين، وتعلمنا اللغة، وتنيرنا بالعلم، وتحلينا بالأخلاق الإسلامية العالية، وتحفظ علينا جنسيتنا، وقوميتنا، وتربطنا بوطنيتنا الإسلامية الصادقة»(12).

أما أهدافها، فيمكن تلخيصها في: محاربة الخرافات والبدع، وبعث نهضة دينية تقوم أساسًا على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، نشر التعليم وخاصة اللغة العربية، محاربة الآفات الاجتماعية، المحافظة على الشخصية الجزائرية. هذا وقد لخصت الجمعية أهدافها في شعارها المشهور: الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا(13).

قابلت السلطات الفرنسية الجمعية بالتضييق، وقد رصدت تطوراتها بخوف وقلق شديدين، وها هي شهادة إحدى جرائدها(L'Echo De Paris) ، إذ تقول: «إنّ الحركة التي يقوم بها العلماء المسلمون في الجزائر أكثر خطرًا من الحركات التي قامت حتى الآن؛ لأن العلماء المسلمين يرمون من وراء حركتهم هذه إلى هدفين كبيرين، الأول سياسي، والثاني ديني، والعلماء المسلمون المثقفون هم العالمون بأمور الدين الإسلامي وفلسفته، والواقفون على أمور معتقداته، فهم لا يَسْعَون إلى إدماج الجزائر بفرنسا، بل يفتشون في القرآن نفسه عن مبادئ استقلالهم السياسي»(14).

أما التحقيق العسكري بشأن مؤسسها؛ فأكتفي بما سجّله محمود عبدون في كتابه بالفرنسية، إذ يقول: «بينما أنا أيام الحرب العالمية الثانية بالجنوب التونسي قريبًا من خط مارث الذي أقامته فرنسا في الحدود التونسية الليبية، وبما أني من حراس بعض المكاتب، قررتُ يومًا أن أطلع على وثائق الضابط المكلف بالتموين (l’intendant)، فعثرت على وثيقة رسمية «جد سرية» تصنف الشخصيات السياسية الجزائرية الأكثر خطورة على السيادة الفرنسية، ولَكَم كانت دهشتي عظيمة إذ وجدت ابن باديس على رأس القائمة، متبوعًا بمصالي، وبحزب الشعب»(15).

ولئن كان الحديث عن وسائل النهضة، فالحديث عن تفسير ابن باديس هو أول الحاضرين في قائمة البرنامج الإصلاحي؛ حيث كان امتدادًا لسلسلة النهضة العربية، وأقوى مضرب في مدفعها، شرع فيه بعد عودته من الحجاز سنة 1913م، وختمه سنة 1938م، وما قاله الإبراهيمي في حفل اختتام التفسير خير شاهد، إذ يقول: «...ثمّ جاء إمام النّهضة بلا منازع، وفارس الحلبة بلا مدافع، الأستاذ الإمام "محمّد عبده"، فجلا بدروسه في تفسير كتاب اللّه عن حقائقه التي حام حولها من سبقه ولم يقع عليها، وكانت تلك الدّروس آية على أنّ القرآن لا يفسّر إلا بلسانين: لسان العرب ولسان الزّمان... وبه وبشيخه "جمال الدّين" استحكمت هذه النّهضة واستمرّ مريرها، ثمّ جاء الشّيخ "محمد رشيد رضا" جاريًا على ذلك النّهج الذي نهجه "محمّد عبده" في تفسـير القرآن، كما جاء شارحًا لآرائه وحكمته وفلسفته في الدّين والأخلاق والاجتماع(16)، ثمّ جاء أخونا وصديقنا الأستاذ الشّيخ "عبد الحميد بن باديس" قائد تلك النّهضة في الجزائر بتفسيره لكلام اللّه على تلك الطّريقة، وهو ممّن لا يقصر على من ذكرناهم في استكمال وسائلها، من ملكة بيانية راسخة، وسعة اطلاع على السّنة، وتفقّه فيها، وغوص على أسرارها، وإحاطة وباع مديد في علم الاجتماع البشري وعوارضه، وإلمام بمنتجات العقول ومستحدثات الاختراع ومستجدّات العمران، يمدّ ذلك كلّه قوّة خطابية قليلة النّظير، وقلم كاتب لا تفل له شباه...»(17).

بدأت الصحوة الإصلاحية مشتتة بجهود فردية، ثم تطورت لتصبح حركة وطنية بعد الحرب العالمية على يد ابن باديس وطائفة من العلماء، ثم تقوّت فأضحت ممثلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

المبحث الثاني: مساعي ابن باديس في تجديد الدرس التفسيري بين النقد والتوظيف:

إذا كان التجديد في الدين هو إصلاح حال الأمة بإحياء ما اندرس من الدين، ونفي كلّ دخيل عنه، وتطبيقه في جميع مجالات الحياة(18)؛ فإن التجديد في التفسير يقوم على تقديم فهوم القرآن للناس في ضوء أحوالهم وظروفهم، وبما يتناسب مع معطياتهم الواقعية ليكون التفسير قادرًا على إسعاف البشرية بما تحتاج إليه، وما يصلح حالها، وما تطلبه لتحسين ظروفها(19).

ولا يعني بالضرورة أن يكون التجديد في التفسير مرادفًا للإتيان بالجديد الذي لم يسبق إليه، بل هو شامل أيضًا «لفهمه كما يفهم أول مرة، وكأنه جديد يتنزّل، قد جرّد من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين عبر القرون، وما أكثر ما لفّت القرون من خِرق، وشوّهت من مفاهيم، بعد خير القرون!»(20).

كان الإمام ابن باديس يعي فكرة التجديد منذ كان طالبًا، قد تبرّم من التحريفات التي شوّهت الأصل حتى غدا مرتعًا لكلّ منتحل، ولكن غشاوة التقليد غطّت عنه الصحيح من المفهوم، حتى ذاكر شيخه ذات مرة، فأزال عنه الغشاوة، كما ذكر ذلك في نهاية حفل اختتامه للتفسير سنة 1938م في سياق إرجاع الفضل لكلّ من كان عونًا له في تربيته، حيث قال: «ثم لمشائخي الذين علموني العلم، وخطوا لي مناهج العمل في الحياة، ولم يبخسوا استعدادي حقّه، وأذكر منهم رجلين لهما الأثر البليغ في تربيتي، وفي حياتي العملية، وهما من مشائخي، اللذان تجاوزا بي حدّ التعلم المعهود إلى التربية والتثقيف، والأخذ باليد إلى الغايات المثلى في الحياة؛ أحد الرجلين: الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني، نزيل المدينة المنورة ودفينها، وثانيهما: الشيخ محمد النخلي، المدرس بجامع الزيتونة المعمور، رحمهما الله»، ثم بعد ذكر وصية الأول؛ قال: «وأذكر للثاني كلمة لا يقلّ أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية، وذلك أني كنت متبرمًا بأساليب المفسرين، وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية، واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال حتى في دين الله وكتاب الله، فذاكرتُ يومًا الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي: «اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة؛ يسقط الساقط، ويبقي الصحيح وتسترح»، فوالله لقد فتح بهذه الكلمة عن ذهني آفاقًا واسعة لا عهد له بها»(21).

هذه القاعدة الذهبية التي حرص على أن ينقلها للمحتفِلين كتذكار للمنهج الذي تبناه في مسيرته التفسيرية، وكوصية لمن رام التأويل؛ تعد الأصل في تجديداته التي طبقها على التراث التفسيري، ومن خلال استقراء ما دوّنه يمكن أن نغوص في عمق التجديد من خلال خاصيتين: النقد، والتوظيف.

الخاصية الأولى: خاصية المقد:

كانت السمة البارزة على تحليلاته، وأثناء استلهام الدروس من الآيات القرآنية، حيث تشخصّت في:

طريقة تعاطي التفسير: لا تكاد تمر آية إلا وحاول قدر طاقته أن يحييها ويستخرج منها الهداية والإصلاح، منبّهًا على احتواء القرآن لحلول جميع المشاكل التي ترضخ فيها الأمة الإسلامية، ومن أهم المخلّفات الرجعية طريقة تعاطي التفسير، الطويلة الذيل، القليلة النيل، وقد استعرض الإمام الحالة المتردية أثناء تناوله لقوله تعالى:{لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ}[الفرقان:16] بالشرح؛ حيث قال: «ونحن معشر المسلمين، قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل، وإن كنا به مؤمنين...ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه، فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير، كتفسير الجلالين مثلًا، بل ويصير مدرسًا متصدرًا ولم يفعل ذلك، وفي جامع الزيتونة -عمره الله تعالى- إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير فإنه -ويا للمصيبة- يقع في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أيامًا أو شهورًا، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلًا دون أن  يحصل على شيء من حقيقة التفسير، وإنما قضى سَنَتَهُ في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات، كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية، فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن»(22).

مناهج تدريس التفسير: دعا ابن باديس إلى ضرورة استعمال العقل بالتبيّن والبيان؛ حيث قال في معرض كلامه عن مدينة سبأ العربية: «الآيات صريحة في أن مدينة سبأ كانت مدينة زاهرة مستكملة الأدوات، ومن قرأ القرآن بعقله فهم ما نفهم من آياته، وعلم كما نعلم أن مدن سبأ كانت عامرة بالبساتين عن يمين وشمال»(23)، منصفًا العرب في حضارتهم التاريخية انطلاقا من تعقّل الآيات وحدها.

ونهى عن جمود الفكر، وغلبة التقليد، وتحكيم الآراء من غير تدبّر في معانيها، موجّهًا الأبصار، ومقوّمًا الفهوم، ناقدًا ومربيًا؛ إذ قال: «والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونهما بالفكر الخامد والفهم الجامد، وإنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم، وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعد؛ يعنون أنه آتٍ، وأنّ الآتي به حوادث الزمان، ووقائع الأكوان، وكلّ عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه»(24).

كما جَدّد منهج التدريس بالنقد في توجيهه بأن الآيات وما تحمله من أسرارٍ ومعانٍ كفيلة بتعليم الناس عقائدهم، بعيدًا عن الذين يحشرون تفاسيرهم بمصطلحات علم الكلام، ظانّين أنها المعوّل في تجلية الضباب عن الأعين، وأن القرآن قاصر عن إبلاغ المفاهيم التامة، قد حكموا صناعاتهم الغالبة عليهم، فقال -رحمه الله-: «أدلة العقائد مبسوطة كلّها في القرآن العظيم بغاية البيان، ونهاية التيسير... فحقّ على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم؛ إذ يجب على كلّ مكلّف أن يكون في كلّ عقيدة من عقائده الدينية على علم، ولن يجد العامي الأدلة لعقائده سهلة قريبة إلّا في كتاب الله، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه، أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارات الاصطلاحية، فإنه من الهجر لكتاب الله، وتصعيب طريق العلم إلى عباده وهم في أشد الحاجة إليه، لقد كان من نتيجة هذا ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه»(25).

ولَكَم اعترض طريقه بعض غلاة المتصوفة، محرّفين ومشوّهين، عن قصد أو عن جهل، فبيّن عوارهم، وانتقد طريقهم بالحجة الدامغة والدليل الساطع، كما حدث مع الشيخ المولود الحافظي(26)، الذي ادّعى أن العبادة دون رجاء ثواب ولا خوف عقاب هي أكمل العبادات، فأنكر مقالته في بيان قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}[الفرقان:65].

فنشر الأخير ردًّا عليه، ثم عاد ابن باديس للآية ناقدًا ومستدلًّا بمزيد بيان، وذكر منهجه الفاسد بقوله: «وبعد أن مضى على ذلك ثلاثة أشهر كاملة، نشر الشيخ المولود الحافظي مقالًا ردًّا علينا دون أن يذكر جميع أدلتنا، ودون أن يتعرض لنقضها في سندها، أو متنها، أو عدم انطباقها، أو إفادتها لما سيقت لإفادته، ودون أن يعارضها بمثلها في الرتبة والدلالة، وأطال بما بعضه خارج عن محل النزاع، وبعضه هو نفس الدعوى المحتاجة إلى الاستدلال»، ثم أفاض -رحمه الله- في رحاب الآية(27).

ولقد قسّم ابن باديس التفسير الإشاري إلى نوعين: مقبول، ومرفوض، واعتبر التفسير الإشاري المقبول من أجلّ علوم القرآن وذخائره التي يحرص عليها المفسّر لكلام الله، ولذلك وبعد إيراده لنموذج من التفسير الإشاري المقبول، قال(28): «مثل هذه المعاني الدقيقة القرآنية الجليلة النفيسة من مثل هذا الإمام الجليل من أجل علوم القرآن وذخائره؛ إذ هي معاني صحيحة في نفسها، ومأخوذة من التركيب القرآني أخذًا عربيًّا صحيحًا، ولها ما يشهد لها من أدلة الشرع، وكلّ ما استجمع هذه الشروط الثلاثة فهو صحيح مقبول، ومنه فهم عمر وابن عباس -رضي الله عنهما- أَجَلَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سورة النصر، أما ما لم تتوفر فيه الشروط المذكورة وخصوصًا الأول والثاني؛ فهو لا يجوز في تفسير كلام الله، وهو كثير في التفاسير المنسوبة لبعض الصوفية، كتفسير ابن عبد الرحمن السلمي من المتقدمين، والتفسير المنسوب لابن عربي من المتأخرين»(29)، هذا في بيان الأسس السليمة وضدها أثناء العملية الاجتهادية.

ومن بين ما نقده على بعض المفسرين في مناهجهم؛ كثرة استطرادهم بالإسرائيليات التي تضيع معها الهداية في وسط ذلك الركام من الأحاديث المكذوبة التي لا ينتفع معها الدارس، ذَكَرَ ذلك كتحقيق تاريخي في روايات عظم ملك سليمان؛ حيث قال: «رويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الإسرائيليات الباطلة التي امتلأت بها كتب التفسير مما تلقى من غير تثبت ولا تمحيص من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه»(30).

كما نقد تساهل بعض المفسرين في إيرادهم ما لم يصح، خاصة مع وجود ما فيه غنية عن غيره، وذلك أثناء تفسيره للمعوذات وسحر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال -رحمه الله-: «وحديث مسلم هو أصحّ ما ورد في نزولهما، وأما ما يذكر في نزولهما في قصة سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن ذلك لم يصح سببًا لنزولهما، وإن كان لقصة السحر وصاحبها لبيد بن الأعصم أصل ثابت في الصحيح، وقد تساهل كثير من المفسرين في حشر هذا السبب في تفسيرهما وفي حشر كثير مما لم يصح في فضائلهما، ولنا فيما صح غنية عما لم يصح»(31).

الخاصية الثانية: خاصية التوظيف:

التنقية سابقة على التحلية، وقد سبق بيانها في الخاصية الأولى التي هي مشخّصة في نقده لتعاطي التفسير ومنهج تدريسه، اللذان غلبا بمساوئهما على أكثر المفسرين في ذلك الوقت وقبله من العصور المتأخرة الراكدة، ولما كان تمام التجديد منوطًا باقتراح البديل، زيادة على نفي الدخيل؛ كان لتفسير ابن باديس قصب السبق في تفعيل البدل المقبول، وقد تجسد في توظيفاته الكثيرة، والتي يمكن أن نحصرها في ما يلي:

المقالة التفسيرية: لقد كان لتجديد هدف التفسير عند أصحاب الاتجاه الاجتماعي واتخاذه للهداية الإسلامية أساسًا في توجيه المجتمع الإسلامي، أثر واضح في استحداث طرق وأنماط جديدة، كان أسبقها في الظهور هو المقالة التفسيرية؛ لسهولة نشرها وتوظيفها في دفع عملية الإصلاح، وهي شكل من أشكال الكتابة في التفسير، يدار الحديث فيها حول فكرة بعينها، أو رأي محدد يعتضد له بما ورد من آيات قرآنية في موضوعه، وتشهد لفكرة المفسر أو رأيه المحدد(32).

استطاع الإمام بأسلوبه الهادف، وكلماته الموزونة، في وقت صعوبة الطباعة، مع انشغاله بالإقراء(33)؛ أن يخرج للناس بعض مقالاته التفسيرية لتعالج الداء المستفحل، على وجه العجلة، في مجلته الشهاب كافتتاحيات لأعدادها، متأثرًا برياح الإصلاح التي هبّت من المشرق العربي على غرار صنيع الأفغاني ومحمد عبده في الجريدة الوثقى، ورشيد رضا وعبده في مجلة المنار، وابن عاشور في مجلة الزيتونة.

التقسيم المنهجي: الملحظ الماثل بداءة هو تقسيمه لمقالاته بمنهج مطرد في الغالب، ينتقل فيه من وضع عنوان على الآية المقرر شرحها، مرورًا بالمفردات والتراكيب، ومعرجًا على المعنى والأحكام؛ ليصل في الأخير إلى الاستنتاج والتطبيق، مجددًا المنهج القديم في طريقة التفسير.

هذه المنهج يظهر بعنوان أصلي وعناوين فرعية، تساير الموضوع مع تركيز على الفكرة المحللة بدقة، قد ضرب صفحًا عن استطرادات بعض المفسرين فيما يزيد المتأمل تشتتًا وتذبذبًا، لا يدري أهو في مسند لسرد الأحاديث مع تداخلها دون ترجيح، أو في كتاب فقهي لعرض المذاهب مع تعصب صاحبها غالبًا، أم في سفر لإخباري تستهويه الرواية، أم في مصنف للإعراب والبلاغة، ناهيك عن تفاسير أصحاب المذاهب العقلية في استدلالاتهم على العقائد الغيبية.

كلّ هذا جعل من ابن باديس يضفي على تفسيره منهجية خاصة تغيب عند المتقدمين، خاصة إذا استحضرنا ربانيته في التعليم، وعلمنا أن المقالة كانت موجهة لعموم الناس -نشرها في مجلة الشهاب بين سنتي 1929م و1939م-؛ لذلك خرجت المقالة في طابع تستهوي جمهور القراء بدون استثناء، قد زبرجها بالأسئلة اللافتة، وحلاها بالعناوين المغرية، ووشّاها بالنِّكات البارزة، وألهبها بالتحذيرات المجلجلة، فكان بحق؛ فقهه في تراجمه، وهذه بعض العناوين مرتبة كما في الأصل، تزيد وتنقص باعتبار السياق: عنوان أخّاذ، تمهيد، سبب النزول مع المناسبة إن وجدت، الألفاظ، التراكيب، المعنى، تفسير، نظرة عامة في الآيات المتقدمة، بيان واستدلال، الأحكام، استنتاج، إيضاح وتعليل، بيان وتوجيه، تطبيق، تعليم، تفسير نبوي، ترغيب وترهيب، تحذير وإرشاد، عبرة وتحذير، إرشاد واستنهاض، رجاء وتفاؤل، مسائل، تنبيه وإلحاق، سلوك وامتثال، تفصيل، تقسيم، انتقال واعتبار، تبصير وتحذير، إشكال وحله، إيراد وجوابه، تحذير من تحريف، تنظير، تعميم وتقييد، موعظة وإرشاد، سؤال وجوابه، تحرير في التعليل، مشاهدة وتوصية، توجيه الترتيب، عقيدة، الاهتداء، موازنة وترجيح، موعظة، امتثال ورجاء، بيان مراد ودفع اغترار واعتراض، بوارق أمل، توحيد، تفقه واستنباط، تطبيق وتحاكم، فقه لغوي، فقه شرعي، فقه قرآني، لطيفة تاريخية، نصيحة، نكتة استطرادية، لمحة نفسية، إشارة علمية،... خاتمة، دعاء.

الخطاب الهدائي: كان ابن باديس يهدف من خلال تفسيره هداية الناس، وإخراجهم من جهالات الوثنية، وتداعيات المدنية الغربية، فوظّف تجديده في أسلوبه الهدائي، «غرضه من ذلك تبسيط المبادئ القرآنية للنشأ، واستقصاء المسائل العلمية، ولذلك كان تفسيره يتجه إلى القلب والعاطفة أكثر ما يتجه إلى العلم والعقل، ومن ثم كانت دعوته من خلال تفسيره دعوة عمل وتطبيق، فهي تنأى عن التفلسف والتنظير، وتقوم في أساسها على الفكر والعمل الذي يمثل خلاصة تجاربه ومشاهده وثقافته»(34).

ومن خلال اختياره للآيات التي ينشرها مقاليًّا -رغم أنه فسره كله إقرائيًّا- يتضح ومن غير شك أنه كان يحرص على التوجيه والإرشاد، ينتقي موضوعاته بصورة توافق ظروف المجتمع الجزائري الذي تسللت إليه كلّ آفة، وقد قال في مجلته الشهاب كتصدير لما سينشره قريبًا: «ننشر في هذا الباب من (مجلة الشهاب) ما فيه تبصرة للعقول، أو تهذيب للنفوس، من تفسير القرآن الكريم...معتضدين بأنظار أئمة السلف الذين لا يرتاب في رسوخ علمهم، وكمال إيمانهم، وأئمة الخلف الذين درجوا على هديهم في نمط وسط بين الاستقصاء والتقصير»(35).

كان يركز في تفسيره -كما هو الحال بالنسبة لمدرسة المنار- على هداية القرآن الكريم، فلا نجاة للمسلمين من هذا التيه الذي يعيشونه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتفقه فيه وفي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والاستعانة على ذلك كله بإخلاص القصد، وصحة الفهم(36).

حفاظه على أصول التفسير وقواعده: مصطلح التجديد ربما يروع فئامًا من الناس، لكن يحمل بجانب روعته مخاطر ومجازفات تؤدي في حالة عدم التيقظ وشدة الانتباه إلى الذوبان في بوتقة العصرنة، أو الانجراف في سيول التأويلات البعيدة، وأودية التناقضات العقدية، كما حدث لمدرسة المنار، وإن كان لا ينكر لها فضل في التجديد وبث روح اليقظة، «غير أن توسعها في مسائل الغيبيات، وتأويلها بما يتفق مع العقل، ويتلاءم وعصر العلم؛ قد جرّ عليها كثيرًا من النقد، الأمر الذي جعل هذه الدراسة لا تتفق مع مقصد الإسلام وغرضه من التجديد، ولو أنها لم تقحم العقل في مسائل الغيب لجنبت نفسها حملات كثيرة قاسية... والأمثلة كثيرة مبثوثة في ثنايا تفسير المنار وغيره من كتب أصحاب هذه المدرسة، غير أن نظرة عابرة على تفسير المنار تكشف مقدار التساهل والتوسع في مسائل كان الأولى والأسلم التوقف فيها عند حدود النصّ، مثل مسألة وحي الله لرسله، وأشراط الساعة، ومعجزات الأنبياء، والملائكة، والجن، وغير ذلك»(37).

ورغم ما سجله كثيرون عن حركة ابن باديس في كونها حلقة في سلسلة ابتدأت بالأفغاني وترسّمت خطاها، إلا أنه لا يمكننا أن نغضّ الطرف عن نقطة اختلاف جوهرية تتعلق بالمنشأ الرئيس الذي انبثقت منه محاولات كلّ منهم في التجديد والإصلاح، فالتجديد الحقيقي الذي انطلق منه ابن باديس هو من الإسلام وبالإسلام، بينما نقطة البدء في التغريب غربية غريبة؛ إذ هي فكرة متسلطة على العقل، يلتمس لها المفسر من الدين نصًّا أو نصوصًا، مؤوِّلًا إياها على غير وجهها؛ مما يؤدي به في أغلب الأحيان إلى نوع من التعسّف في التفسير لإيجاد تطابق قد يصعب قياسه بين مبادئ العلم الحديث والآيات القرآنية، ومن هنا يتحدد الفرق بين التجديد والتغريب(38).

حافظ ابن باديس في تجديده على أصول التفسير التي هي عماد التأويل، وقواعده التي هي ركن البيان وقاعدة التأصيل، فلم ينزلق في حوض التغريب، وآليات المحدثين ومناهجهم؛ «المحمّلة بتصوراتهم ومبادئهم، ومشبعة بعقائدهم ومذاهبهم وفلسفاتهم، المبثوثة داخل الأبحاث النظرية والتطبيقية»(39).

ويمكن أن نذكر بعض أصوله وقواعده على وجه الاختصار، بناء على التتبع لتفسيره، مع التمثيل لكلّ أصل وقاعدة بمثال واحد:

- تفسير القرآن بالقرآن(40).

- تفسير القرآن بالسنة(41).

- تفسير القرآن بأقوال الصحابة(42).

- تفسير القرآن بأقوال التابعين(43).

- تفسير القرآن بلغة العرب(44).

. تفسير القرآن بأقوال المفسرين(45).

- تفسير القرآن بالاجتهاد(46).

- من عادة المفسرين أنهم يفسرون اللفظ بما يدخل في عمومه دون قصد للقصر عليه(47).

- شروط التفسير المقبول(48).

- اعتبار إجماع المفسرين وعدم الخروج عنه إلى غيره(49).

- ردّ المتشابه إلى المحكم(50).

- ضرورة جمع كلّ معاني اللفظة الواحدة(51).

- اختلاف المفسرين من السلف في معنى الآية دليل على وجود الاحتمال(52).

- الترجيح بالقواعد(53).

- قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع(54).

- من بديع إيجاز القرآن في نظم الآيات أن يؤتى باللفظ مفيدًا للعام ومقويًّا للخاص(55).


يتبع

 


 

الهوامش:

[1] المرجع في تاريخ الجزائر المعاصر، مقلاتي عبد الله، ص9 وما بعدها.

[2] أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، أبو القاسم سعد الله، ج1، ص35.

[3] من قضايا تاريخ الجزائر المعاصر، إبراهيم مياسي، ص21.

[4] شعراء الجزائر في العصر الحاضر، محمد الهادي السنوسي، ج2 ص20.

[5] المرجع في تاريخ الجزائر المعاصر، مقلاتي عبد الله، ص125 وما بعدها.

[6] الحركة الوطنية الجزائرية، أبو القاسم سعد الله، ج1 ص55.

[7] نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في فرنسا (1936-1956)، سعيد بورنان، ص60.

[8] سجل مؤتمر جمعية العلماء  المسلمين الجزائريين المنعقد بمركزها العام (نادي الترقي) بالجزائر 1354ه/1935، تصدير الإمام البشير الابراهيمي، ص52 وما بعده باختصار، وقد عرّف الحركة الإصلاحية بقوله: «لا يطلق في هذا المقام لفظ حركة في العرف العصري العام إلا على كل مبدإ تعتنقه الجماعة، وتتساند لنصرته ونشره والدعاية والعمل له عن عقيدة، وتهيء له نظامًا محددًا، وخطة مرسومة، وغاية مقصودة، وبهذا الاعتبار؛ فإن الحركة الإصلاحية لم تنشأ في الجزائر إلا بعد الحرب العالمية». 

[9] حقائق وأباطيل، عبد الرحمن شيبان، ص30.

[10] شروط النهضة، مالك بن نبي، ص24.

[11] جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية (1931-1954)، مازن صلاح حامد المطبقاني، ص10.

[12] العدد 83، بتاريخ 30 سبتمبر 1937.

[13] نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في فرنسا (1936-1956)، سعيد بورنان، ص62.

[14] نشرته جريدة البصائر في العدد 61، بتاريخ 2 أفريل 1937م، بعنوان: عرب الجزائر.

[15] شهادة مناضل في الحركة الوطنية ص51، نقل وترجمة عبد الرحمن شيبان، حقائق وأباطيل ص322.

[16] زار محمد عبده الجزائر سنة 1903م، واستقبله عبد الحليم بن سماية في بيته، واجتمع به ثلة من المصلحين فألقى عليهم تفسير سورة العصر، ونهرهم على قلة نشاطهم، وقد عهدوا إليه أن يوصي صاحب المنار بأن لا يذكر في مجلته فرنسا بما يسوؤها لئلا تمنعها من الجزائر، وقالوا: «إننا نعده مَدَد الحياة لنا فإذا انقطع انقطعت الحياة عنا». جوانب مجهولة من زيارة محمد عبده للجزائر، المهدي البوعبدلي، مجلة الأصالة، العدد 54/55، ص72، تاريخ الجزائر الثقافي، سعد الله، ج5، ص583.

[17] مجالس التذكير، عبد الحميد بن باديس، ص26.

[18] التجديد في التفسير في العصر الحديث -مفهومه وضوابطه واتجاهاته-، دلال السلمي، ص19 و51.

[19] التجديد في التفسير، نظرة في المفهوم والضوابط، عثمان أحمد عبد الرحيم، ص15.

[20] دراسات مصطلحية، الشاهد البوشيخي، ص110.

[21] مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، عبد الحميد بن باديس، ص475.

[22] المصدر نفسه، ص250، ولقد حدث لرفيقه في النهضة الإمام البشير الإبراهيمي الحادثة نفسها، قال -رحمه الله-: «وأشهد، لقد كنت ضيفًا بتونس منذ سبع عشرة سنة، فقيل لي عن عالم من مشائخ جامع الزيتونة، ومن أبعدهم صيتًا في علم التدريس: إنه يقرئ التفسير، فشهدتُ يومًا درسه لأكوّن فكرة عن دراسة التفسير في ذلك المعهد الجليل، وكنت معنيًّا بهذا البحث، وجلست إليه أكثر من نصف ساعة، فو الذي نفسي بيده، ما سمعت منه كلمة واحدة من الآية التي هي موضوع الدرس، ولا لمحت أمارة ولا إشارة تدل على أن الدرس في التفسير، وما كان كلّ الذي سمعت إلا حكاية لجدل عنيف، وتمثيلًا لمعركة مستعرة بين السيد الجرجاني وعبد الحكيم حول عبارة لعلها لمفسر من المفسرين الاصطلاحيين، ثم انقضت الحصة، وقام الطلبة المساكين يتعثرون تبدو عليهم سيماء التعب والملل والخيبة، وقمتُ أنا مستيقنًا أن هذه الطريقة في التفسير هي أكبر الحجب التي حجبت المسلمين عن فهم كتاب الله، ثم زهدتهم فيه، وصدّتهم عن موارده». المصدر نفسه، ص468.

[23] مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، عبد الحميد بن باديس، ص435.

[24] المصدر نفسه، ص411.

[25] مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، عبد الحميد بن باديس، ص142.

[26] ينظر سيرة حياته في كتاب: الشيخ المولود الحافظي حياته وآثاره، للأستاذ محمد الصالح آيت علجت.

[27] مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، عبد الحميد بن باديس، ص280.

[28] المنهج النقدي في التفسير عند ابن باديس، الدكتور محمد دراجي، ص206.

[29] مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، عبد الحميد بن باديس، ص346.

[30] مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، عبد الحميد بن باديس ص351.

[31] المصدر نفسه ص 402.

[32] اتجاهات التفسير بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري، عبد الله عوينة، ص88.

[33] قال البشير: «كان للأخ الصديق "عبد الحميد بن باديس" -رحمه الله- ذوقًا خاصًّا في فهم القرآن كأنه حاسة زائدة خصّ بها، يرفده -بعد الذكاء المشرق، والقريحة الوقادة، والبصيرة النافذة- بيان ناصع، واطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه، يمد ذلك كلّه شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يرزقهما إلّا الأفذاذ المعدودون في البشر، وله في القرآن رأي بنى عليه كلّ أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية والتعليم: وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلّا بالرجوع إلى هدايته والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله، وكان يرى -حين تصدى لتفسير القرآن- أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم؛ لذلك آثر البدء بتفسيره درسًا تسمعه الجماهير فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجله المريض المنهك من الدواء، وما يتعجله المسافر العجلان من الزاد. وكان -رحمه الله- يستطيع أن يجمع بين الحسنيين، لولا أنه كان مشغولًا مع ذلك بتعليم جيل، وتربية أمة، ومكافحة أميّة، ومعالجة أمراض اجتماعية، ومصارعة استعمار يؤيدها؛ فاقتصر على تفسير القرآن درسًا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة». مقدمة مجالس التذكير، ابن باديس، تحقيق: أحمد شمس الدين، ص19.  

[34] عبد الحميد بن باديس مفسرًا، حسن عبد الرحمن سلوادي، ص253.

[35] مجالس التذكير، عبد الحميد بن باديس، ص47.

[36] المفسرون، مدارسهم ومناهجهم، الدكتور فضل حسن عباس، ص670.

[37] التجديد في التفسير، يحيى شطناوي، ص21.

[38] عبد الحميد بن باديس مفسرًا، حسن عبد الرحمن سلوادي، ص261 وما بعده بتصرف.

[39] الخطاب القرآني ومناهج التأويل نحو دراسة نقدية للتأويلات المعاصرة، الدكتور عبد الرحمن بودرع، ص27.

[40] ص81.

[41] ص92.

[42] ص207.

[43] ص148.

[44] ص241.

[45] ص224.

[46] ص301.

[47] ص325.

[48] ص346.

[49] ص352.

[50] ص362.

[51] ص405.

[52] ص443.

[53] ص443.

[54] ص39.

[55] ص133.

آخر التغريدات: