!3M

بقلم: محمد الهادي الحسني-

ما أكثر “العلماء” في الأمة الإسلامية، ولكن علم أكثرهم لا يتجاوز حفظ متون وترديدها على أسماع السامعين من الطلاب وغيرهم من دون أي إضافة لمعنى أو فكرة متستّرين تحت مقولة “ليس في الإمكان أبدع ممّا كان”، حتى إن أحدهم افتخر بأنه حفظ كتاب (….) فقال له أحد الظرفاء ما معناه: فقد أضفت نسخة من ذلك الكتاب إلى السوق.

من الأمور التي تستوقفني في الإمام محمد البشير الإبراهيمي أنه ذو نزعة “مقاصدية”، لا يفرق في الجزئيات التي تحجب رؤية الكليات، وحتى إن تناول قضية جزئية أعطاها هذا البعد المقاصدي الذي يغفل عنه كثير من الناس.

كما أن أحد الأساتذة حدثني أنه لا يكاد يجد فرقا في الأسلوب بين أوائل ما كتبه الإمام الإبراهيمي وبين أواخره، ولولا تاريخ المكتوب وموضوعه لما اهتدى إلى التفريق بين ذلك.

ومما يدل على نظرة الإمام الإبراهيمي غير “التقليدية” وعدم “غرقه” في الجزئيات ما قام به في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، حيث دعا ثلاثة من خيرة الجزائريين وهم محمد خطاب الفرقاني، وعباس التركي، والحاج طيار، وهم من ميسوري الحال.

جاء الثلاثة إلى مركز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهم لا يعرفون سبب دعوة الإمام الإبراهيمي لهم. فلما استقر بهم المجلس واطمأنوا قال الإمام: “إن فرنسا احتلت الجزائر بالاعتماد على الثالوث المكوّن من العسكر، والتنصير، والتجار”. (أحمد طالب الإبراهيمي: مذكرات جزائري. ج1. ص58). وعبّر عن هذا الثالوث بجملة فرنسية هي” les 3M”.

كان الإمام يقصد بالـ “M” الأولى militaires، أي العسكر، ويقصد بالـ “M” الثانية missionnaires، أي المنصّرين، ويقصد بالـ “M” الثالثة marchands أي التجار.

ثم أضاف الإمام قائلا: “فإذا كانت جمعية العلماء تتصدى للتنصير بالعمل التربوي، فإن عليكم أن تقوموا بدوركم في مواجهة التجار من أجل التحرر الاقتصادي، أما بالنسبة إلى العسكر فثقتنا كبيرة في المستقبل.. وحثهم على تنظيم أنفسهم من أجل الاستيراد مباشرة من دون اللجوء إلى وسطاء، وهكذا ولدت شركة “أمل” (المصدر نفسه. ص 58).

وأعود إلى ما أشرت إليه آنفا، وهو أن الإمام الإبراهيمي لم يكن من “العلماء” الذين “يغرقون” في الخوض في الجزئيات الفقهية أو في فرعيات الأمور، ولم يكن من الذين لا تتجاوز أنظارهم أرنبة أنوفهم، بل كان ينظر بفكره إلى بعيد.. وأحسب أن الإمام لو ساعدته الظروف وتفرّغ للعلم لجدّد للأمة أعلامها الذين ما تزال تفاخر بهم غيرها من الأمم.

إن كثيرا من “العلماء” ما يزالون إلى اليوم بعيدين عن الاهتمام بالتحرر الاقتصادي من هيمنة غير المسلمين عليه، وأقصى ما يملأون به أوقاتهم هو الخوض في الجزئيات الخلافية مما يعدّ أقرب إلى ما يسمى “الترف الفكري”، على حساب الانشغال بما يحل كبرى مشكلات الأمة، وإخراجها مما هي فيه إلى ماهو مرجوّ منها من العزة في كل الميادين، هذه العزة التي حصرها الله – عز وجل – في ثلاثة، في قوله تعالى: “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”.

إننا نكاد نيأس – لولا نهي الله – عز وجل- من مستقبل هذه الأمة، لأن الذين يفترض فيهم أن يقودها هم “عمي” الأبصار والبصائر، واضعين أنفسهم تحت إرادة الحكام الفاسدين المفسدين، والمهم عندهم – أولا وأخيرا – هو ما يدخل حساباتهم وجيوبهم، مبررين خضوعهم الذليل لهؤلاء الحكام بآية يفهمونها على غير حقيقتها، وهي قوله عز وجل: “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، إذ لو كان هؤلاء منا لأحسوا بما يعانيه غالب الأمة، ولحكموا فيها أمر ربّها ورسوله، ولكنهم من الذين قالوا آمنّا بأفواههم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم. هدانا الله جميعا إلى التي هي أقوم، وبعث فينا علماء يهدوننا إلى سواء السبيل، وينفخون في أرواحنا العزة والكرامة.

آخر التغريدات: