تربية الأمة عند العلامة محمد البشير الإبراهيمي

بقلم: علي يطو-

إن فكرة الكتابة في موضوع التربية مهم غاية الأهمية، ذلك أنها قاعدة من قواعد التأصيل والتوجيه الحسن للنشأ الصاعد، والذي سيكون مادة مجتمع المستقبل، ومادام الحال كذلك، فإن الأمم اهتمت بها من قديم، ومن تلك الأمم، أمتنا العربية من قديم، ولما جاء الإسلام، أتم مكارم الأخلاق والفضل فيها، وهكذا انتشرت مبادئه في الأقطار، ومنها قطرنا الجزائري، ولكن دائما تجد في طريق الإصلاح عواقب وعتبات ومنها، ضعف ثقافة أوطاننا ودخول الغرب عليها طامعا في أرزاقها، ساعيا للتمكين فيها، زارعا لأسباب البقاء في أرضها، ومنها ذلك الاستدمار الفرنسي الغاشم الذي خرب بلدنا طيلة قرن ونيف من السنين، فعثا في أرضنا فسادا، وسعى في خرابها من جهة تربية أبنائها تربية ترضيه وعلى منواله، فتصدى له علماء هذا القطر ومنهم العلامة الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1303/1383هـ-1889/1965م)(1) -رحمه الله- الذي آثرنا في مقالنا هذا أن نبحث منهجه التربوي والقواعد التي أرادها بنيانا لأبناء بلده الجزائر العربي المسلم، وجاء عنوان البحث أو المقال بما مفاده: تربية الأمة عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي، هذا العالم الذي جاهد بقلمه ولسانه ويده، فتكلم وكتب كلمات تكتب بماء الذهب، لقد كان رحمه الله «فخر علماء الجزائر»(2) كما وصفه صديقه العلامة ابن باديس. (فيا لهما من فرقدين بأفقنا... أنارا وغارا فرقد ثم فرقد)، (سلام على الأعلام ما طاب ذكرهم... وآثارهم في العلم والعلم يخلد)(3)، -رحمهما الله تعالى- علماء، اتفقوا على أن البدء، يكون بفكرة «الأمة واحدة».

أولا- الأمة واحدة:

يخاطب الإمام أمته بقولة نرتّلها كالصلاة، آياتها: «إن هذه الأمة الجزائرية أمة واحدة ولا كلام، ربُها اللّه وإمامها القرآن ونبّيها محمد ولغتها العربية ودينها الإسلام، وإنّها تحمل ما تحمله الأمم من المقومات الكليّة، وإن كانت لا تحمل ما تحمله الأمم من المؤهلات للحياة. وقد أخذت تشعر بنقائصها الاجتماعية وأخذت تتلمّس سبل الهداية لسد تلك النقائص، وتجلي هذا الشعور في رغبتها الصادقة في العلم، ورغبتها الصادقة في التّعارف والاجتماع...، إن أخوف ما نخافه على هذه الأمة وهي في الخطوة الأولى من نهضتها -أن تتشابه عليها السبل ويضيع صوابها بني تفاؤل المتفائلين وتشاؤم المتشائمين- وأن تكبو في غبار هذه المشادات القائمة وفي ميدان الأنظار المختلفة- في أي الطرق هي أقرب للغاية وأمكن وأشد ملاءمة لروح الأمة»(4)، حتى تتكون وتتشكل أمة في نظر الإبراهيمي صحيحة العقيدة، سليمة المنهج، نظيفة الفكر،حسنة الأعمال، تحمل بذورا للبقاء، قائمة على النقاء، مجانبة للدهماء، يحكمها الأمناء، الأخيار العلماء. ولهذا يعتقد الإمام أن إحياء الأمة تَمَّو سيبقى بالقرآن المتواتر والسنة الصحيحة، ولكن بفهم السلف كعمل إصلاحي أولي بني الأمة وقرآنها(5).

فاذكروا حقوق أمتكم عليكم في النهابات، إن لم تذكروها في البدايات، واذكروها في النتائج وإن أغفلتموها في المقدمات، واذكروها عند اقتسام المصالح لعلها تغفر لكم بعض السيئات(6). فبذكر حق غيرنا علينا نعرف حقنا عند غيرنا. ولا تيأسوا «ما دام الإسلام عقيدًة وشعائر، وقرآًنا وحديثًا، وقبلة واحدًة، فالمسلمون كلهم أّمة واحدًة، وما دامت اللّغة العربّية لسانًا وبيانا وتُرجمانا فالعرب كلهم أمة واحدة، كل ذلك كما أراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والأعراق المتواصلة، والأرحام المتشابكة، فلا (إسلام جزائري)(7) كما تريد، ولا عنصرية بربرية كما تشاء»(8). بل الإسلام قاض بل وقضى أن يُعز الأمة بما أودع الله فيه من صدق المقال ورونق الحق والبيان، وصدق الأخبار، ونفحات الرحمن. وعقيدة الحق، عقيدة الأمن والإيمان. وبما أننا «أفراد من الأمة -يقول الشيخ-، لنا رأي في كل ما يضرها وما ينفعها...، هذه الأمة في مجموعها قوة...، قوة بعددها، وبالمعاني التي استيقظت فيها، وبإيمانها بحقها، وبتصميمها على استرجاعه»(9)، فلا تضيعوا حقوقكم بينكم بالتفرق شيعا واحزابا(10)، فتذهب ريحكم(11) وحينها يا ويحكم، بتضييع أسسكم من إسلام وعربية وثقافة تخصكم، وهي أُسس تربيتكم التي وبها «انتهى إلينا من تسقط الأخبار، وقص الآثار، أْن الأمة كانت بعد تلك الكلمات أزواجا ثلاثة(12)»(13). فلا تضيعوا ماضيكم فهو حجر أساس مستقبلكم، ومنه:

ثانيا- مستقبل الأمة:

يقول الشيخ: «جاء الإسلام بالحضارة التي لا تبيد، والمدنية المبنية على حكم الله وآداب النبوة، فكان التوحيد أساسها والفضائ لأركانها والتشريع الإلهي العادل سياجها واللغة العربية الناصعِة البيان الواسعة الأفق لسانها. وبذلك كله أصبحت مهيمنة على المدنيات كلها ووضع الإسلام هذه الحضارة الخالدة على القواعد الثابتة مما ذكرناه»(14)، ولهذا فإن «مستقبل الأمة إنما يبنى على ماضيها، وأنه لا تنافى بني الإسلام والمدينة الصحيحة بل هو روحها وخلاصتها إذا أقيم على وجهه الصحيح، وأن نواميس الكون هي سنن الله فيه، وأن الأخذ بأسباب الحياة هو تحقيق لحكمة الله في تلك السنن، وان تجديد الأمة الجزائرية إنما هو في غير ما هي به مسلمة وفي غير ما هي به عربية»(15)، فلا تجديد مع قتل مقوماتنا، والصلاة عليها بآيات الغرب الكافر، ومن ثم دفنها في مقبرة التاريخ، ومن ثم تخليدها بالقلم الأسود في اللوح الأسود، ومن يستطيع قراءتها حينها، إذا التجديد أصله ليس في قتل مقوماتنا التي لا نبغي عنها حولا، ولا يكون تجديد البتّة بنفي أصول أمتنا، وعليه ننبه أمتنا إلى لطيفة مفادها، أن لا نأخذ مستقبل الإسلام دون ماضيه وحاضره، وغباء وعناء أن نرفض ماضينا لأجل مستقبل موهوم، بقول أحدنا نرفض التراث ونحدث القطيعة معه !!!، وهل رفضت أمة من الأمم نفسها يوما من الدهر، وهل رفض هذا القائل أهله وفصله وأصله. بل ونقول: لا يمكن عقلا وتجربة، حسا وحدسا، الفصل بين هذه الثلاث (ماض، وحاضر، ومستقبل)، ولذلك يقول الشيخ ناصحا للجزائريين بقولة اسمعوها وعوها: «صلوا مستقبل الثقافة الإسلامية بماضيها البعيد، واقطعوا من هذه السلسلة الطويلة عدة حلقات...، ستفترقون غدا. وسيقول الّناس عنكم ما يقولون، فاحذروا أْن يقولوا عنكم بعد الآن ما كانوا يقولون: إنّهم قوالون»(16)، ولذلكم يلزمنا عدم فقد حلقة من سلسلة تاريخنا الذهبية المدبجة بالإسلام والعربية، بالحكمة والفهم والعقل والنور، بالتّراث والوطنية. بالتربية الصالحة الزكية، تلك السلسلة التي ابتدأها رسولنا الكريم بوحي من رب العاملين، ذلك الرسول الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، هل نبغي عنها حولا ؟ كال وربي. لن نتركها لسفاسف وسفسطة وهرطقة وخزعبلات وترهات وخلط وخطل عقول بشر مثلنا، زعموا ان سيقتلون مربعا، فأبشر بطول سالمة يا مربع.

وإن من أهم شيء لبناء الأمة تعلم العلوم المعاصرة وتدريسها للنشء الذي هو رجائنا، ويحكي الشيخ «عبد الرحمن شيبان» في (حفل ختام السنة الدراسية بمعهد عبد الحميد بن باديس)(17)، عن الإمام أّنه حض على ما أشرنا إليه بقولة مفادها أن: «لكل عصر سلاحه، فلنتقدم لعصرنا بسلاح عصرنا، فإن العلوم التّي عندنا لا تكفي، ولا يقول خالف ذلك إلا جهول أو جحود، فإن سلفنا الصالح لم يقتصر على العلوم الدينية وحدها، إلا مع التحقق بأن لكل ميدان من ميادين حياتهم، رجاله القائمين بشؤونه»(18)، ولهذا يشترط الإبراهيمي على المثقفين الامتزاج دائما بالأمة بطبقاتها على تنوعها وبالتالي مشاركتها شؤونها، ولكن لأسف نرى في واقعنا المعاصر أشياء يندى لها الجبين وتقشعر منها الأنفس فتصاب باليأس أحيانا، وبالدوار أخرى، من شرذمة مثقفين ينشرون خالف وصية علماء أمتها المأمونين الصادقين، إنهم يبشرون بقتل الإسلام ولسانه العربية، ويتوعدون أن لو يحكمون أن ينزعوا دين الله الحق من صدور الناس، وان يستبدلوه بكلام رجالهم وبنيات أفكارهم. وبما أن الأمة ببن زعماء وخطباء وفلاسفة ومفكرين و(كل يدعي وصلا بالحقيقة)، فإنها لزاما ستجد نفسها بني مفترق طرق، ولذلك فالأمة في مفترق طرق:

ثالثا- الأمة في مفترق طرق:

واجب العلماء نحو من يعاكسها طريق العلم، ويناكسها سبيل التربية، ويلعب معها في مستقبل الأمة من الرعاع على الحبلين، ويأكل فرص نجاتها على الشدقين، ويزن معها الأقوال والأعمال بميزانين، «واجبها نحو هؤلاء السكوت وتوكيلهم إلى الله، وحسبها ردا عليهم أعمالها، إلا إذا وصل العداء إلى درجة إفسادها أو إفساد أعمالها، فيجب أن تدفع بالتي هي أحسن»(19)، للتي هي أقوم، مصداقا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125)، وقوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53)، وقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} (المؤمنون: 96)، وقوله تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت: 46)، ولقد سكتت الجمعية (أي جمعية العلماء الجزائريين)(20) دهرا عن من يحاربها وهو ليس كفؤا لها علما وعمال ووطنية وإسلاما وعروبة وانتماء جزائريا، من مثل سكوتها عن (حركة الانتصار للحريات الديمقراطية)، هذه الأخيرة وقفت موقف العِداء للعلماء، التي عرفها الناس وعرفوا بها، فأعتبر الشيخ حربهم حربا على العلماء، وبالتالي حرب على الإسلام وعلى لسانه. وقد ردت على أشهر حزب في زمن رئيسها وهو مصالي الحاج(21). وهكذا نبهنا الإبراهيمي هنا إلى ما قام به العلماء الأمناء من تربية للأمة على أصولها النافعة، وما دام أن التربية النافعة قد تمت ولو مع أفراد، فقد جاء الاستبشار إذن، وفيه استبشار بالأمة:

رابعا- استبشار الإمام بالأمة الجزائرية:

وهكذا ترى عاملنا الإبراهيمي مستبشرا خيرا بما ستؤول إليه الأمة الجزائرية، فما قطع الأمل يوما من أيامه الغالية على قلوب أمته، حتّى قال قولة تكتب بماء العين وفيها «أن الحد الأخير الذي يحدده التاريخ لهذه الجمعية هو اليوم الذي يصبح فيه المسلمون كلُّهم بهذا الوطن ولا مرجع لهم في التماس الهداية إلا كتاب الله وسنة رسوله...، ولا مصرف لجوارحهم وإرادتهم إلا الإيمان الصحيح...، لا يعبدون غيره ولا يدعون سواه ولا يسلمون وجوههم إلا إليه، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله»(22). وهذا منه إيذانا بأن هدف تربية الأمة هو الخلوص بها إلى اسلامها الذي اختاره لها ربُّها الله تعالى، بما رأت حكمة شيخها -رحمه الله-، وحكمه هذا جاء من وسطيته التي كانت من ارض صدق في الأولين، لا تأخذه فيه لومة لائم، كيف لا وهو الذي كان لأبناء أمته أبا رحيما، يأبوهم ويحبوهم، سعيا حثيثا لتفويت الفرصة على عدو أمته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وانظر حكمته في مقاله في دستور 1947م: «إن الدستور الذي وضعته الحكومة الفرنسية للجزائر ووافق عليه البرلمان في أكتوبر 1947م هو دستور ناقص...، والمجلس الجزائري الذي ينفذ ذلك الدستور هو مجلس ناقص...، ومع تلك النقائص كلها فإن مصلحة الأمة الحقيقية توجب عليها أن تجاري الظروف وأن تستغل ما في هذا الدستور من خير»(23).

وهذا التقرير من الشيخ نصرة لوطنه وإعداد من يصلح منهم لبناء الوطن ونصرته يوم التنادي، يوم يقول المجاهد في الجهاد بلادي. ألا يعد العاقل أن دور الجمعية ورئيسها الإبراهيمي هنا تربية منه على كيفية الأخذ بأسباب النصر وسبله واضح كالشمس في رائعة النّهار، بناءا منه أرضية صلبة لتلك الثورة، ليس هذا فقط، بل رأيناه حكيما يُسدد ويقارب وفق منهج الإسلام الحق، ولذلكم كان للشيخ مسارا تجاه أمته:

خامسا- مسار الجمعية برئاسة امامها تجاه الأّمة:

«لا تستطيع هيئة من الهيئات العاملة لخير الجزائر أن تتعلق بغبار جمعية العلماء في هذا المضمار، أو تدعي أن لها يدا مثل يدها في توجيه الأمة الجزائرية للصالحات، وتربيتها التربية العقلية والروحية المثمرة، ورياضتها على الفضيلة الشرقية الإسلامية، وتصحيح نظرتها للحياة، ووزنها للرجال، وتقديرها للأعمال...، بذلك التحرير العقلي(24) الذي أساسه توحيد الله، تمكنت الجمعية من توحيد الميول المختلفة، والمشارب المتباينة. والنزاعات المتضاربة. وبذلك التحرير أيقظت في الأمة قوة التمييز بين الصالح من الرجال والصحيح من المبادئ، وبين الطالح والزائف منهما. وبذلك التحرير أراحت الأمة من أصنام كانت تتعبدها باسم الدين أو باسم السياسة...، إن الأمة الجزائرية، كغيرها من الأمم الإسلامية، ما سقطت في هذه الهوة السحيقة من الانحطاط إلا حين فقدت القيادة الرشيدة في الدين، فإذا وجدت الأمة هذه القيادة التي لا يسفه في يدها زمام، ولا نضطرب مقادة، وجدت نفسها، ومن وجد نفسه وجد الحقيقة»(25). ولذلكم تجد «العاقل من جارى العقلاء في أعمالهم في دائرة دينه وقوميته ووجدانه»(26)، فإن وجدان أفراد أمتنا مبناه على القومية العربية الإسلامية، هذا ولم يعني العلامة بالقومية ما يقتد به من يتكلم في الفكر العربي الحديث والمعاصر اليوم، بل يقتد اجتماع الأمة على دينها تعلما بلسانها وعمال بأركانها (الاسلام، واللغة، وشرعتها ومنهاجها)، ولو قصد (القومية العربية التي قصدها مثال محمد عابد الجابري) فلما ثنّى بالإسلام إذن؟، ذلك أن العرب المسيحيين سيخرجون لزاما من القومية الإسلامية، وهذا واضج، ويوضحه كالمه نفسه حين يتكلّم عن الجمعية بأن: «أعمال جمعية العلماء للإسلام والعربية هي البناء المتين للقومية، والتّفسير الصحيج للوطنية، والشرح العملي لمعنى الأمة»(27). وهكذا وصل مسار الشيخ إلى التأكيد على أهمية تربية الأمة في ظل الإسلام وأخلاق العرب، فمثلا «الحديث عن مكارم الأخلاق في آداب الملوك هو غاية اسلامية»(28)، ولذا تظهر أهمية التربية العربية الاسلامية، وعليه فمن سديد الرأي في العمل عند الإمام إرشاد الأمه الإسلامية إلى معرفة ما ضيعت من خير وما خسرت من هداية، فأمة ضيعت (لغتها، ودينها) ضيعت ثقافتها، ومن ضيع ثقافته ضيع هويته، ولهذا بدأت الجمعية بإرجاع ركائز الهوية للأمة معتقدة أنها أولى أُسس التربية، ولما يدخل الإسلام المصفى قلوبهم، ولما تستقيم ألسنتهم بالعربية لسان قرآنهم، يستقيم وجدانهم فيستقيم فكرهم على سبيل واحدة ومنهاج قومي، بها تعرف الأمة انتماءها فتعرف جزائريتها فتطلبها، وهذا هو السر الذي جعلنا نعتقد ما اعتقد الإبراهيمي، من أن جمعية العلماء المسلمين السلفيين الجزائريين هم من صنعوا الأمة والثورة والاستقلال وليس غيرهم، ذلك أنهم صنعوا أمة على عينهم بتربية أزكى من رحيق مختوم، ختامه مسك، وفي ذلك تنافس المتنافسون، وما الثّوار والمجاهدين والمسبلين ومن استشهد منهم إلا جزءا من تلك الأمة التي صنعها أولئك العلماء السلفيون من جمعيتنا الزكية. ذلكم «أن سّنة الاجتماع تقضي ببقاء الأنسب، فإذا كنّا نريد أن نكون أنسب للبقاء فها هي الحكمة الهادئة»(29) وسنّة الإسلام الهادية، وإرادة الشعب العائدة. وهكذا صار للجزائر نهضة، وأمة، ووطن ووطنية. وتم هذا بفضل الله أولا وعلماء الجمعية ثانيا، وصارت الأخيرة تمثل ضمير الأمة، شخصيتها، وكيانها. الحافظة لمقوماتها، وبهذا أشار الشاعر الحكيم مفدي زكريا بشعره: «جمعية العلماء المسلمين ومن... للمسلمين سواك اليوم منشود؟»(30).

سادسا- أهمية الإصلاح الديني القائم على التربية العربية الإسلامية:

وفيها أن «الإسلام دين واجتماع...، وإن الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي، ولهذا الارتباط بني القسمين، فإن جمعية العلماء- وهي الجمعية الرشيدة العالمة بحقائق الإسلام- عملت منذ تكوينها في الإصلاحيين المتلازمين، وهي تعلم أن المسلم لا يكون مسلما حقيقيا مستقيما في دينه على الطريقة حتى تستقيم اجتماعيته فيحسن إدراكه للأشياء وفهمه لمعنى الحياة وتقديره لوظيفته فيها وعلمه بحظه منها وينضح عقله وتفكيره ويلم بزمانه وأهل زمانه ويتقاضى من أفراد البشرية ما يتقاضونه منه من حقوق وواجبات...، وقد جنحت الجمعية إلى حد بعيد في إفهام الأمة هذه المعاني...، لأن تكون أمة عزيزة الجناب مرعية الحقوق»(31). ذلك أن دستور حقوقنا هو الإسلام-حسب الإبراهيمي-(32). ولمثل هذا يضيف «أن الحقوق التي أُخذت اغتصاباً لا تُسترجع إلا غلابا»(33)، وهو الشعار الذي اتخذ معناه جيش التحرير المسلم الجزائري سلسبيلا، وانتهج نهجه معينًا.

سابعا- أمتنا تملك مقومات التربية الحقة:

أّن الأمة الإسلامية العربية الجزائرية وكما يرى الشيخ أنها: «أمة كانت قبل الاستعمار(34) ذات مقومات من دينها ولسانها، وذات مقويّات من ماضيها وحاضرها، وكانت أرقى عقلا، وأسمى روحا، وأوفر علما، وأعلى فكرا من أمم البلقان لذلك العهد، بدليل أن هذه الأمة كان لها حظ من حكم نفسها بنفسها(35) لم تصل إليه تلك...، إننا أّمة علم ودين، لم ينقطع سندنا فيهما إلى آبائنا الأولين، وإننا أّمة شكران لا أمة نكران»(36). ولهذا فما صلح لتربية آبائنا وسلفنا يصلح لزاما لتربية نشئنا وأبنائنا -حسب الشيخ-، والذي صلح لعزة سلفنا سيصلح لعزة خلفنا، أليس القرآن مصلح صالح لكل زمان وآن ومكان. ذلك أننا أمة أعزها الله بالإسلام، ومن ابتغى العزة في غير ما اختار الله لها، أذله الله ولو بعد حني.

فكان واجب الجمعية، ومنها رئيسها الثاني الإبراهيمي، جمع هذه الترفق بتربية النشأ تربية موحدة، يقول الشيخ عن حالها: «ان الأمة كانت فرقا شتّى كلّها على الباطل والضلال، فجاءت جمعية العلماء فردت تلك الفرق إلى فرقتين، إحداهما على الحق والهدى، هذه هي الحقيقة لا ما يهذي بها قصار النظر صغار العقول»(37). من جهة أن خطباء الأمة آنذاك أكثركم يقولون ما لا يفعلون، وفي كل واد كالشعراء يهيمون، فبينت لهم الجمعية، أنه وبالتربية الصالحة قد (دب في الأمة الجزائرية دبيب الحياة وقوى فيها الشعور بسوء الحال التي هي عليها، والشعور بالفساد هو أول مراحل الإصلاح، وتجلى هذا الشعور في عدة نواح من حياتها العامة...، وتجلى في الناحية النفسية بالتفكير الجدي المستقيم...، والإيمان بوجود شيء اسمه الأمة»(38). ولما عرفت السبب بطل العجب.

وأن ما وصل إليه الشيخ وإخوانه العلماء حول الأمة، فهو أن العلماء هم من رفع الأمة، ودليله التاريخ الذي يشهد أن أولئك الجمع بما يلخص الشيخ نفسه وهو شاهد عيان صدوق ثقة ثبت حجة معتمد الرواية، يقول -عن الأمة-: «رفعنا منارها في وطن لم يبق الاستعمار من عروبته إلا (اسم الجنس)، يضربه مثلا للدناءة والخسة وللجهل والانحطاط، ولم يبق من عربيته إلا (اسم الفعل) يجعله رمزا للبذاءة والسب والشتم»(39)، ولم يقم بالدور الاكبر سواهم، أعني بدور التربية.

وخالصة الكلام: أن على الأمة أن لا تبحث في تربية عوجاء، بترك أسباب القوة والمعرفة في تربية الناس تربية علمية ثقافية تنّور العقل، لأن الوعي بالفكر والتنوير لا يكون إلا بعد التربية العلمية الصحيحة، أي «تحرير العقول»، وهذا لن يتم إلا بتحرير العقيدة مما علق بها عبر تاريخها(40)، وهذا لن يتم إلا بشيئين اثنين: التصفية والتربية(41)، ونعني بهما، تصفية قلوب أفراد الأمة وسلوكياتهم من الشركيات والِبدعيات والخرافات والخزعبلات واللاعقليات والجاهليات والفسقيات وكل ما يخالف دبن الإسلام، ومن ثم تربية الخلق على تلك العقيدة الصحيحة المصفاة بمصفاة المنهج الصحيح والعقيدة الطيبة، وهذا هو طريق النبوة في التربية و«منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، الذي فيه الحكمة والعقل». وهكذا كان «تحرير العقول من الأوهام، سبيل ممهد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد، هذا هو رأس المال الضخم الذي أثلته جمعية العلماء للأمة الجزائرية في بضع سنين، وغذت به البقايا المدخرة من ميراث الأسلاف، وهذه هي الأعمال التي عملتها جمعية العلماء للعروبة والإسلام، فحفظت لهم وطنًا أشرف على الضياع، وأمة أحاطت بها عوامل المسخ»(42). ومن عوامل المسخ الذي قام به الاستدمار الصليبي كما يسميه الشيخ نفسه، ويدعوا لتأمل ذلك في محاولة قتل فرنسا لقتل الإسلام مع مسجد (كيتشاوة) العظيم الذي صيرته (كاتدرائية) عظمى في العاصمة وكأنها فعلت ذلك لتجعله عنوانًا لما تبيته الإسلام من شر،... دليل ماثل على أن احتلال فرنسا للجزائر كان حلقة من الصليبية الأولى»(43) فكان يحذر من قتل أسس تربيتنا.

وهكذا نخلص إلى فوائد ونتائج منها:

أولا: أنه يجب علينا أن نبني للمجتمع الإسلامي الذي أصبح مختل، معتل، أنها لمسؤول عما ينفلت من تربيتنا أمام شرقنا وغربنا، وعن شبابنا(44) يُسأل الآباء ودورهم المنسي، وكذا الأمهات مع البنات، وكل جيل سابق عن لاحق، »فإذا تداخلت الأجيال السابقة تعلّقت التبعة بهم جميعا...، لذلك كلّه أصبح من الواجب على قادة النهضة الإسلامية وحماتها أن يرسلوا صيحة جهيرة وراء هذا الجيل الراحل عن الديار بروحه وعقله وهواه...، هذه هي النقطة التي يجب أن تبدأ منها أعمال المصلحين...، فإن كانوا فاعلين فليبدأوا العمل في ميدانين: في البيت الذي هو معمل التكوين، وفي المدرسة التي هي معمل التلوين، وليتعاهدوا البيت بالتطهير وتقوية التربية الدينية(45) لأن »غياب الفلسفة التربوية يؤدي بالضرورة إلى عدم جدوى من وضع استراتيجية لتطوير النظام التعليمي«(46).

ثانيا: وأن نبين للمجتمع: أنه »لا توجد الأّمة إلا بتثبيت مقوماتها من جنس، ولغة، ودين، وتقاليد صحيحة، وعادات صالحة، وفضائل جنسية أصلية، وبتصحيح عقيدتها وإيمانها بالحياة، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها، والاعتزاز بقوتها المعنوية، والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله حتى يكون لها عقيدة راسخة تناضل عنها، وتستميت في سبيلها، وترى أّن وجود تلك المقومات شرط لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط،... بأن تلك المقومات متى اجتمعت تلاقحت، ومتى تلاقحت ولدت (وطنًا)...، وا ّن الاستعمار ما عكف على هدم تلك المقومات قرنًا كاملا إلا لأّنه يعلم أنه سيأتي يوم يصيح فيه صائح بكلمة (حقي)«(47).

ثالثا: وأن نبين للناس: ان الإصلاح يُبنى على التربية وان التربية لها شروطها، ومن شروطها البدء بصغار المسائل قبل كبارها، وأن تُرتب على أبوابها، فمن رام التربية جملة ضاعت عنه جملة، وإنما على مر الأيام واللّيالي، ولذا كان السلف الصالح من علمائنا يبدؤون بالأدب قبل الطلب، ويجعلون الأدب (التربية والسلوك الحسن) قبل طلب مواد المعرفة، وبقي شيء من أثار ذلك إلى اليوم، ألم ترى أننا نسمي المواد بادئين بالتربية، فنقول التربية الإسلامية(48). وهذا النهج، هو الذي انتهجته وسلكته جمعية علمائنا عندنا وحققت منه ما قدر لها، من جهة أنها »أعطت لكل مرحلة حقها، ولم تطلب منها ما لا تحتمله ظروفها الاجتماعية وأحوالها وأوضاعها السياسية، فلم تتجاوز مرحلة إلى ما بعدها إلا بعد الاطمئنان إلى تام المرحلة السابقة، فأقامت كيانها طبقا عن طبق، وأعلنت بنيانها سافا بعد ساف، مما جعلها تسلم من الانتكاس، وتنجوا من الارتكاس«(49) الذي وقعت فيه الاحزاب السياسية والطرق الصوفية آنذاك.

رابعا: وأن يعلم الخلق: أن دين الإسلام وآداب العروبة: هما أرضية تربية الأمة التربية الصالحة: ولهذا بدأ الإبراهيمي رحمه الله بالدين كونه من الله الذي اكمله فارتضاه لعبده، ولم يرضى له سواه، ومن ابتغى غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه، وكان بالخسران أحق وأولى، في الأولى والأخرى، ومرة أخرى، في الدار الأخرى، فكان لابد للشيخ الإمام أن ينبه أمته لما علمه لها من خير، ويحذرها مما علمه لها من شر وويل، فبدأ بما بدأت به الرسل والأنبياء، منبأ قومه أن الأخذ بهذا الدين شرط النجاة وسبيل النجاح، فهو مقوم القوة والانحياز والتميز عن الغير، فكان لابد لهذه السمة أن تكون أصلا في فقه سياسة التربية عند إمامنا الإبراهيمي -رحمه الله- وهذا ما جعله يبين لشعبه حقيقة الإسلام، فقال بأن الإسلام هو دين التحرير...، وال ّتحرير الذي جاء به الإسلام شام ٌل لك ِّل ما تقوم به الحياةُ وتصلح عليه المعاني والأشخاص«(50)، »لأن الدين -وإن اختلفت أوضاعه- يأمر بالخير ويدعو إلى الإحسان ويرش حب الرحمة، ويقيد العزائم الحيوانية، ويضع الموازين القسط لكل شيء«(51) كونه »كتاب الثقافة الأكبر«(52) -على حد تعبير الشعراء- وما دام من صفات الإسلام هذا، فهذا الذي أراده الشيخ غرسا في نفوس أبناء الجزائر، لينبت النشأ نباتا حسنا، مسلما ذا خلفية موحدة، كلّها لله موحدة تنصر دينه وتطبق تعاليمه، فبدأت الجمعية وأفرادها بواجب الواجبات الاجتماعية، لقد بدأت بعلاج أسباب التفرق والتي هي من عمل الشيطان وأعوانه لأجل لم شمل الجزائريين، ولهذا يضيف »إن التفرق شر كله(53)، وشر أنواع التفرق ما كان في الدين، وأشنع أنواع التّفرق في الدين ما كان منشؤه الهوى والغرض، ونتيجته التعادي والتباغض وأثره في نفوس الأجانب السخرية من ىالدين والتنقصله«(54)، وميزة محاربة التفرق لأجل الجمع هي منهج الله تعالى الذي نهى عن التفرق لتعزيز القوة، ولهذا يقول الشيخ -رحمه الله- »عالجت (البصائر) في مستهل سنتها الأولى قضية الأحزاب وهي الفتنة التي مزقت الشمل، وصدعت الوحدة، وأفسدت ما صلُح من ضمائر الأمة«(55).

والأخير: لما وصف الشيخ تربية فرنسا لأبناء الجزائر بالصليبية(56):

لقد فرق الشيخ بين تربيتنا القائمة على أصولنا، وتربية غيرنا القائمة على أصوله بيانا شافيا في كثير من كالمه وحكمه لأسباب لا يتسع لها المقام، نذكر منها على سيبل المثال لا الحصر، قول الشيخ نفسه: -رحمه الله- وهو عالم ومؤرخ وشاهد عيان: »تعدو أطماع فرنسا في الجزائر إلى ما قبل سنة 1830 بوقت طويل...، وتنوعت مشروعاتها، التي تتحدث جميعها عن استعادة هذه البلاد-الجزائر- للمسيحية(57)، وحقق الفرنسيون أملهم باحتلال بلدنا الحبيب سنة 1930 م وشرعوا في خطة محو الإسلام بتبشرهم، والعروبة بفرنستهم، والجزائر بعسكرهم. ولذلك اعتبر الشيخ احتلال فرنسا للجزائر »حلقة من الصليبية الأولى«(58)، ويصف الاستدمار الغربي بأنه: »قرن من الصليبية نجم، الجيش من الفرنسيين هجم«(59)، فلما رأى الشيخ حرص فرنسا على التثليث والصليبية والفرنسية وجعلها موادا في مدارس الملسلمين، ذهب يبين حقيقتهم ويكشفها بقوله: لقد »جاء الاستعمار الدنس الجزائر يحمل: السيف والصليب، ذاك للتّمكن، وهذا للتمكين،... كان استعمارا دينيا مسيحيا عاريا، وقف الإسلام بالمرصاد من أول يوم، وانتهك حرماته من أول يوم،... كل ذلك بروح مسيحية رومانية تشع بالحقد وتفور بالانتقام...، هنا في الجزائر«(60). فِلما سعت فرنسا لغرس الصليبية إذا، ألنها تعلم أن من نتائجه جمع العقائد، واذا اجتمعت وتوحدت في قلوب الناس سهل جمع ابدانهم، واذا اجتمعت الابدان سهل ترويضها وقتل ابداع الناس هو خلاصتها، ولهذا بدأت به،هكذا أراد الغرب أن يربي النشأ المسلم -كما بين الشيخ-، ولكن الله سلم وحفظ للأمة قرآنها ولسانها وتراثها الذي مافتش جميعه إلى يوم الناس هذا، ألن الجيل لم يتربى على القراءة بل تربى على الكسل وساء سبيلا.

ولهذا فمن لوازم اصلاح المجتمع تربويا اصلاح ثقافته(61) تجاه الكتاب، والقراءة.

الهوامش

(1) هو: العالمة محمد البشير الإبراهيمي، ولد يوم الخميس عند طلوع الشمس في الرابع عشر من شهر شوال سنة ست وثلاثمائة وألف، ويوافق الثالث عشر من يونيو سنة 1889 م، في إحدى بيوتات العلم، فنشأ في بيت والده، وبدأ في التعلم بحفظ القرآن الكريم في الثالثة من عمره على التقليد المتّبع في بيته الشائع في بلدنا، ويشرف عليه إشرافا عاليا عالم البيت بل الوطن كله في ذلك الزمان، عمه محمد المكي الإبراهيمي-رحمه الله- وكان حامل لواء الفنون العربية، فما بلغ تسع سنين من عمره حتى حفظ القرآن مع فهم مفرداته وغريبه، وكان يحفظ عشرات المتون العلمية، ولم يزل عمه يتدرج به في العلوم حتى بلغ الحادية عشرة، وأجازه بتدريسها، وعمره أربع عشرة سنة لطلبته الذين كانوا زملائه وغيرهم، ودام مدرسا إلى أن جاوز العشرين من عمره، وسافر بعدها للمدينة، ومر مبصر ومكث فيها ثالثة أشهر، وكان وصوله للمدينة في أواخر سنة 1911م. وأخذ أيام المدينة التفسير، والجرح والتعديل وأسماء الرجال، وأنساب العرب وأدبهم الجاهلي، والسيرة النبوية، وأتم علم المنطق، وكان يلقي دروسا هناك، وخرج مع والده في شتاء 1917م (إلى دمشق)، ودرس بالمدارس الأهلية، وتخرج عنه أمثال جميل صليبا، وحل ببلده وأسس جمعية العلماء مع غيره من العلماء السنية السلفية وكان رئيسها بعد وفاة رئيسها الأول عبد الحميد بن باديس. تلخيص الترجمة من آثاره: محمد البشير الإبراهيمي: آثار الإبراهيمي: جمع وتقديم نجله: أحمد طالب الإبراهيمي (دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1: 997م(ج5: ص272 وج3: ص484 فما فوق. له أعمال لا تزال مخطوطة،منها نحو خمسة آلاف في تاريخ الإسلام وحقائقه«. وآثار الشيخ: ما تم جمعه له من كلماته، عمل على جمعها نجله، وطبعها في هذه المجلدات التي اعتمدناها مصدرا له رحمه الله.

(2) آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، الجزائر، وزارة الشؤون الدينية، 1994م، ج6: ص156./ نقال عن: آثار الإبراهيمي: حاشية: ج1: ص26.

(3) من شعر محمد العيد آل خليفة/ ج3: 40، من الآثار. الملقب بشاعر جمعية العلماء آنذاك. نقد وتنوير- العدد الثاني - سبتمبر/أكتوبر/نوفمبر - خريف )2015(

(4) آثار الإبراهيمي: ج1: ص141.

(5) املصدر السابقج1: 318.

(6) ج3: ص187.

(7) قال الشيخ: “سلكت هذه الحكومة الاستعمارية-منذ كانت- إلى محو الإسلام من الجزائر مسالك شتى . اهـ. من: آثار الشيخ: ج3: ص121.

(8) ج3 : ص63.

(9) ج3 : ص-171 173 .

(10) مصداقا لقوله تعالى: } وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا{ آل عمران: 103 .

(11) مصداقا لقوله تعالى: } وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ {سورة الأنفال: 46 .

(12) قال تعالى: } وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً{ الواقعة: 7. فشبهم الشيخ بما مثله القرآن في سورة الواقعة: وكنتم- أيها الناس- أصنافا ثلاثة: } فَأَصْحَاب الْمَيْمَنَة مَا أَصْحَاب الْمَيْمَنَة وَأَصْحَاب الْمَشْأَمَة مَا أَصْحَاب الْمَشْأَمَة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ {. الواقعة.

(13) ج3: ص189-190 .

(14) آثار الشيخ: ج 1 : ص375 .

(15) آثار الإبراهيمي: ج1 : ص84 .

(16) ج2: ص310 .

(17) انظر للتفصيل ج2 : ص435-437 . حول: المعهد الباديسي. وانظر مقال: معهد عبد الحميد بن باديس/ ج2 : ص289 . وانظر: مقال: معهد عبد الحميد بن باديس. ج2 : ص446 .

(18) ج2: ص313 .

(19) آثار الإبراهيمي: ج1: ص90 . وانظر: ج2: ص247-248 ./ وبما أن الإبراهيمي مشرب الجمعية يمكن القول أن (مادة الجمعية رقم 83 من مواد قوانينها).

(20) »جمعية العلماء جمعية علمية دينية تهذيبية، فهي بالصفة الأولى تعلم وتدعو إلى العلم، وترغب فيه وتعمل على تمكينه في النّفوس بوسائل علنية واضحة لا تتستر، وهي بالصفة الثانية تُعلم الدين والعربية لأنهما شيئا متلازمان وتدعو إليهما وترغب فيهما وتنحو في الدين منحاها الخصوصي، وهو الرجوع يه إلى نقاوته الأولى وسماحته في عقائده وعباداته...، وبمقتضى الصفة الثالثة تدعو إلى مكارم الأخلاق التّي حض الدين والعقل عليها لأّنها من كمالهما، وتحارب الرذائل الاجتماعية التي قبح الّدين اقترافها وذم مقترفيها...، فالجمعية- بهذا الوصف الحقيقي لها- أداة من أدوات الخير والصلاح...، الجمعية جزائرية محدودة بحدود الجزائر، مربوطة بقانون الجزائر، لأن أعضاءها كلهم من أنباء الجزائر«. ج 1 : ص199-200 .

(21) آثار الإبراهيمي: ج2: ص261 .في مثال يرويه العلامة الإبراهيمي عن لسان ولده وأخيه الشيخ »الطيب العقبي« في نفس الجزء والصفحة السابقين.

(22) آثار الإبراهيمي: ج1: ص: 138.

(23) ج2: ص ص: -190 192(./ البصائر العدد 29. السنة الأولى من السلسلة الثانية، 29 مارس 1948م.

(24) فالشيخ «كان يؤمن أن أهم إعداد لذلك الجهاد -جهاد البدن- هو تحرير عقول الجزائريين ونفسياتهم لأنه (محال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا)» ج5: ص17. وانظر مقال: جمعية العلماء: اعمالها ومواقفها 1/ ج3 من الآثار.

(25) آثار الشيخ: ج3: 56.

(26) آثار الإبراهيمي: ج1: ص56.

(27) آثار الإبراهيمي: ج2: ص246.

(28) عز الدين العلام: مقال: اخلاقيات الحاكم بني آداب الملوك الإسلامية ومرايا الامراء المسيحية (مجلة: الباب. العدد 5،الرباط المغرب، ربيع 2015م) ص50.

(29) آثار الإبراهيمي: ج1: ص55.

(30) مفدي زكريا: ديوان اللهب المقدس (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983م) ص268. والقصيدة بتاريخ 25 أكتوبر 1953. نقال عن حاشية ج3: ص18. من آثاره رحمه الله.

(31) ج1: ص: 283.

(32) مجلة الشهاب، ج4: المجلد 12، قسنطينة، جويلية. 1962 وانظر مقال(يوم الجزائر) في هذا الجزء من الآثار/ عن مقدمة ج1: ص34. مجلة من مجلات الجمعية الأولى.

(33) جريدة البصائر، عدد 37، الجزائر، 2 أكتوبر 1936 وانظر مقال(الإصالح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي) في هذا الجزء من الآثار/ نقال عن ج1: ص35/ وانظر للتفصيل ج5: ص17.

وفيه: (إن القوم –الفرنسيين- لا يدينون إلا بالقوة، فأطلبها بأسبابها، وأتها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخذهما بقوة تعش حميدا وتمت شهيدا« إهـ. وانظر مقال: ويحهم.. أهي حملة حربية. في ج3 من آثاره.

(34) مادة هذه الكلمة هي (العمارة= معناها الركب) ومن مشتّقاتها التعمير، والعمران، وفي القرآن: } هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ{ (سورة هود:61)، فأصل هذه الكلمة في لغتنا طيب، وفروعها طيبة، ومعناها القرآني أطيب وأطيب” ج3: 506. فمراد الشيخ أن هذه الكلمة كلمة حق، أراد بها الغرب باطلا، فلينتبه.

(35) لا يقصد الشيخ هنا ما تقصده الديمقراطية من حكم الشعب نفسه بنفسه، لأنه رفض الديمقراطية أصلا: إذ يقول: عنها بأنها حكم: (قائم على أن الّشعب هو مصدر السلطة، ومن ثم فهو صاحب الحق والتشريع، وعلى أن الأفراد متساوون في هذا الحق... إلى أن انتصف الله للحق بالإسلام، فجاء بالشورى والمساواة -حكما من الله- وأين حكم العقول من حكم خالق العقول؟ آثار الشيخ: ج3: 508. فأمة الرسول نفسها في وقته صلى الله عليه وسلم، كانت أمة تحكم نفسها بنفسها، هذا هو قصده، بدليل أن الحكومة آنذاك كانت فرنسية وليست إسلامية، ولهذا يقصد حكم الأمة نفسها بنفسها إسلاميا بالشورى كما ذكر في ثنايا كلامه، منفصلة عن الباباوات الفرنسية الحاكمة للجزائر آنذاك.

لن يفهم كثير من الناس كالم الشيخ ما لم يعرفوا ثلاث: أنه عالم مسلم ذو منهج سلفي، والثاني: أن الحكومة آنذاك صليبية تحارب الإسلام والعربية، والثالث أن هذه الحكومة تعتقد أن الجزائر قطعة فرنسية، ولهذا كان ينتصر للإسلام ويكتب بتلك العربية العالية، ليميز المسلم الجزائري بلسانه واسلامه ووطنه.

(36) ج3: ص98/. وانظر مقال: الرجال أعمال. في الجزء 3.

(37) ج1: ص199-200.

(38) آثار الإبراهيمي: ج1: ص 187.

(39) ج3: 58. انظر مقال: جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها. في نفس الجزء.

(40) وهناك كتابين فيما أعلم حول ((تاريخ العقيدة)) إحداهما لـ: عبد السلام بن برجس آل عبد الكرمي، والثاني لـ: محمد أمان بن علي الجامي، وسمى الأخير كتابه: العقيدة الإسلامية وتاريخها (دار المنهاج، 1425هـ، 2004م) عدد صفحات الكتاب: 152 ويوجد للشيخ محاضرات صوتية في تاريخ العقيدة لعلّها هي التي فرغت فكانت كتابًا (الجامي: عالم معاصر متخصص في العقيدة، وقد كان عميد كلية الحديث ورئيس شعبة العقيدة للدراسات العليا بالجامعة الاسلامية بالمدينة سابقا).

(41) هناك رسالة مستقلة بهذا العنوان: التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما، لمؤلفها: محمد ناصر الدين الألباني (المكتب الإسلامي، ط1، عمان، الأردن: 1421هـ)، وينبه صاحبها صفحة: 29.

(42) ج2: ص235. لقد حولّت صليبية فرنسا أكبر مسجد في العاصمة إلى كنيسة في أول أيامها. يقول الإبراهيمي: وانظر مقال: التقرير الأدبي. في هذا الجزء. والبصائر، العدد 172، 173 السنّة الرابعة من السلسلة الثانية، 15 أكتوبر 1951م.

(43) آثار الشيخ: (ج3: ص: 163-164).

(44)ذلك (أن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها، فمن الواجب أن يصان هذا الدم عن أخلاط الفساد، ومن الواجب أن يتمثل فيهم الطهر والفضيلة والخير، ومن الواجب أن تربي ألسنتهم على الصدق وقول الحق، لا على البذاء وعورات الكلام). آثار الشيخ: ج3 : ص67.

(45) ج4 : ص-26 27.

(46) جمال على الدهشان: مقال: نحو رؤية نقدية للبحث التربوي العربي (مجلة: نقد وتنوير، العدد1 : مايو/آيار- الكويت: 2015م)ص52.

(47) ج3: ص64/ وارجع إلى: محمد فاضل الجمالي: الشيخ الابراهيمي كما عرفته (مجلة الثقافة، عدد 87، الجزائر، مايو، يونيو 1985م). (الفاضل وزير سابق في الحكومة العراقية)، وانظر مقال: (مذكرة ايضاحية) في ج4.

(48) هناك دراسات مستقلة بهذا العنوان ملن أراد تفصيل البيان وما يحمله من معان: مثلا دراسة بعنواذ: فسلفة التربية في العالم الإسلامي، المشكلات والحلول. ن: يزيد عيسى سطورطي.

(49) ج4: ص10.

(50) آثار الإبراهيمي: ج4 : ص357 و358 .

(51) آثار الإبراهيمي: ج2 : ص285 .

(52) ميلود مصطفى عاشور وآخرون: مقال:آليات انسجام النص في شعر رجب الماجري (مجلة: جيل للدراسات الأدبية والفكرية، العدد 7. مايو 2015م) ص101.

(53) وأن المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي فيه أن «اختلاف أمتي رحمة» يقول المحدث الالباني-رحمه الله- في: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، تحت حديث رقم: (57)

«اختلاف أمتي رحمة». لا أصل له...، ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العالمة ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» (5 / 64) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط.

(54) آثار الإبراهيمي: ج2: 162 .

(55) ج2: 317 ./و»جريدة البصائر هي أحد الألسنة الأربعة الصامتة لجمعية العلماء،... وتلك هي: السنّة، والشريعة، والصراط، والبصائر: أسماءٌ ألهم القرآن استعمالها،... وإذا ُكتب للصحف الثالث الأُول أن تستشهد في المعترك...، فقد قدر (للبصائر) أن تُعمر وأن تحتك بالزمن«. ج3: 42 ./ ويضيف رحمه مبينا عمل البصائر في سنتها الثانية في نفس الجزء2: ص318: »أما ال ّسنة الثانية...، فقد كانت قضيتها الشاغلة هي: التعليم العربي، وفصل الدين عن الحكومة«.ال يقصد الشيخ بالفصل هنا، مقصد العلمانيين والليبيراليين، ذلك أ ّن الحكومة آنذاك فرنسية صليبية، والشعب جزائري مسلم معظمه، فأرد الشيخ: فصل الدين الاسلامي عن حكومة فرنسا التي كانت تتدخل في الميراث، والمسجد، والحقوق والواجبات الفردية. وقد كتبنا مقالا مستقال في هذا »الفصل« وسينشر قريبا. وأنظر مقالنا: السياسة عند الإبراهيمي (مجلة الحكمة، تصدر عن: كنوز الحكمة، صنف دراسات إسلامية، العدد 25/الجزائر 2015م) ففيه التفصيل. وقد أثبتنا فيه من كالمه هذا المقصد. وأنظر: آثار العربي التبسي، دراسة فنية، لـ: أقيس خالد (رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي/ جامعة: قسنطينة، السنة الجامعية: 2007م).

(56) »خلطوا صليبك والخناجر والمدى كل أداة لأذى وحمام« (ج3: ص379)

(57) ج3: 23. وأنظر حول المسيحية: مقال: (قضية فصل الدين... حملات تاريخية) في الجزء الثالث. من آثاره -رحمه الله-، ومقال: الأديان الثالثة في الجزائر (ج3: ص78). والدين المسيحي »دين فرنسا الرسمي (بنت الكنيسة البكر)« (ج3: ص120).

(58) أنظر: مقال: قضية فصل ال ّدين... حملات تاريخية. في اجلزء الثالث. من آثاره -رحمه الله-

(59) ج3: ص164 . وأنظر الكلمة في مقال: قضية فصل الدين... حمل.ات تاريخية. من الجزء والصفحة نفسها.

(60) آثار الشيخ: ج3: ص80-81 .

(61) ولدينا مقالا في هذا الموضوع، عسى أن يرى النور قريبا.


علي يطو: كاتب وباحث جزائري متخصص بالدراسات الفلسفية والاجتماعية- جامعة الجزائر

المصدر: نقد وتنوير –العدد الثاني- أوت 2015.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: