رؤية الاستشراق الإسرائيلي لعلماء الإصلاح الديني في العالم الإسلامي «ابن باديس والنورسي أنموذجان»

بقلم: أحمد بهنسي-

اهتم اليهود في العصر الحديث اهتماما كبيرا بالدراسات العربية والإسلامية وذلك لأسباب دينية وسياسية ارتبطت بالمصالح الدينية والسياسية اليهودية والإسرائيلية في العالمين العربي والإسلامي، ومن أهمهما تحقيق الهدف اليهودي-الصهيوني القومي الخاص بأنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وقد استدعى ذلك الطلب القومي اليهودي دراسة الشرق الأوسط عموما وفلسطين خصوصا، كما اتسع الاهتمام البحثي الاستشراقي اليهودي-الإسرائيلي ليغطي العالم الإسلامي بأكمله، وغطت الدراسات الاستشراقية اليهودية- الإسرائيلية كل المجالات الساسية والاقتصادية والدينية والفكرية، كما اهتمت أيضا بالمجالات الخاصة بلغات وآداب وفنون المسلمين(1).

فقد اعتمدت الحركة الصهيونية منذ ظهورها عام 1881 في شرق أوروبا مشروعا معرفيا ومعلوماتيا ضخما عن الإسلام ومصادره الأساسية (القرآن الكريم، والحديث النيوي الشريف)، إضافة إلى كل ما يخص شؤون العالمين العربي والإسلامي. ومن أبرز الأمثلة الدالة على ذلك ما نجده في دائرة معارف أرشيف الوكالة اليهودية في إسرائيل من كم معلوماتي هائل عن الدين الإسلامي، إضافة إلى كم كبير من الوثائق والمراجع عن تاريخ وجغرافيا وفنون وآداب وعادات وتقاليد العرب والمسلمين، علاوة على كم كبير من المعلومات عن أحزاب وحكومات واقصاديات الدول العربية جميعها(2).

وبعد قيام دولة إسرائيل عام 1984، اتسمت المنطومة البحثية بها بطابع "مؤسسي" مرتبط وظيفيا بأداء الدولة وتوجهاتها؛ حيث ينتمي معظم المستشرقين والباحثين الإسرائيليين لمؤسسات بحثية رسمية أو خاصة تعنى بتنظيم نشاطاتهم وأنتاجهم، والزج بها في إطار مشروع بحثي ومعلوماتي إسرائيلي ضخم يهدف لخدمة مؤسسات الدولة الإسرائيلية بكافة أنواعها وأشكالها(3).

من ناحية أخرى؛ فأن كل هذه المعلومات الضخمة عن الدول العربية، وخصوصا فلسطين، التي قام اليهود بحصرها؛ إضافة إلى الدراسات والأبحاث الكثيرة التي قام المستشرقون الإسرائيليون بأًنجازها؛ استخدمتها الحركة الصهيونية ومن بعدها إسرائيل لتكون وسيلة جيدة للغاية لتشويه صورة الحضارة العربية-الإسلامية، وتصوير العرب على أنهم مجرد "بدو" و"فلاحون" لا يملكون أي حق في أي شيء لأنهم مجرد مجموعة من البشر "جهلة" و"متخلفون" و"متعصبون" و"وحشيون"، وأنعكس هذا بدوره على تصور الآخر عامة، والإسرائيلي خاصة، عن العربي مما كان له أكبر الأثر على تطور مجريات الصراع الإسرائيلي-العربي؛ حيث نجح الإسرائيليون في استدرار عطف الرأي العام العالمي وكسب تأييد دولي لصالحهم على الرغم من عدم عدالة قضيتهم؛ إذ أظهروا العرب في صورة المتشددين الذين لا يقبلون الحوار والتقاهم.

وقد توزعت اهتمامات وموضوعات الاستشراق الإسرائيلي بين عدة مجالات واتجاهات لكنها غطت جميعها معظم أو كل مجالات دراسة العالمين العربي والإسلامي، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو دينيا أو أنثروبولوجيا أو تاريخيا أو جغرافيا... إلخ.

برز من بين اهتمامات الاستشراق الإسرائيلي وموضوعاته؛ الاهتمام بالشخصيات العربية والإسلامية الفكرية والقيادية ذات التأثير في مجتمعها وأمتها، لاسيما التي لعبت منها أدوارا تاريخية وسياسية مهمة في مراحل تاريخية حساسة؛ والتي كان من بينهما الإمامين ابن باديس والنورسي.

في ضوء ما سبق، يأتي هذا البحث حول رؤية الاستشراق الإسرائيلي للإمامين ابن باديس والنورسي، مستعرضا دوافع الاستشراق الإسرائيلي لدراستهما، وأهم المحاور والموضوعات التي طرحت من جانب الاستشراق الإسرائيلي حول الإمامين.

ويمكن استعراض موضوع البحث ومحاوره على النحو التالي:

أولأ: الاستشراق الإسرائيلي: الموضوعات والأهداف

لا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال عن الاستشراق الإسرائيلي بدون الحديث عن الاستشراق "اليهودي" و"الصهيوني" وكذلك "الغربي". فالاستشراق الإسرائيلي يمثل المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تطور "المدرسة اليهودية في الاستشراق" والتي تبدأ بالاستشراق اليهودي العام، ثم الاستشراق الصهويني، وأخيرا الاستشراق الإسرائيلي، الأمر الذي يضيف عبئا على الباحث في مجال الاستشراق الإسرائيلي، يتمثل في ضرورة تمييزه لموضوعات وسمات الاستشراق الإسرائيلي عن المرحلتين السابقتين له، خاصة وأنه ارتبط أيضا بالاستشراق الغربي من حيث أنه وقع في نفس أزماته ومشاكله، وخاصة ثشابهه وربما تماثله معه في الشبهات التي ردها إلى الإسلام.

فقي التاريخ الحديث يبدأ الاستشراق اليهودي بالتوجه نحو دراسة الإسلام والمجتمعات الإسلامية، كجزء من الحركة الاستشراقية في الغرب، التي ظهرت مع بدايات القرن الـ18 م، فقد احتل اليهود مكانة مرموقة داخل حركة الاستشراق الغربي-الأوروبي(5)، أما الاستشراق الصهيوني فقد ارتبط بطبيعة الحال بالحركة الصهيونية التي ظهرت بالأساس في شرق أوروبا عام 1881 م، الأمر الذي ميزه عن الاستشراق الغربي من حيث أنه أصبح له أهدافه وموضوعاته الخاصة التي تهدف بطبيعة الحال لخدمة الحركة الصهيونية وتأصيل الوجود اليهودي في فلسطين، ثم يأتي بعد ذلك "الاستشراق الإسرائيلي" مع بداية قيام الدولة عام 1984 م كامتداد للاستشراق "اليهودي" و"الصهيوني"، بالتالي نجد أن هناك تداخلا وتشابكا في موضوعات الاستشراق الإسرائيلي مع موضوعات كل من الاستشراق "اليهودي" و ”الصهيوني" و"الغربي”.

1) موضوعات الاستشراق الإسرائيلي:

لما كان الاستشراق الإسرائيلي امتدادا للاستشراق "اليهودي" و"الصهيوني" وواقع تحت تأثير الاستشراق "الغربي" فقد تشابه معهم جميعا في كثير من موضوعاته ومضامينه وسماته، وبخاصة في الشبهات المنسوبة إلى الإسلام ومصادره وتاريخه، فقد اتسع اهتمام الاستشراق الإسرائيلي ليغطي شؤون العالم الإسلامي بأكمله (سياسية- اقتصادية- تاريخية-دينية... إلخ)، إلا أنه اتسم ببعض السمات الخاصة التي ميزته عن غيره من اتجاهات أو مدارس الاستشراق الأخرى.

وتركزت موضوعات الاستشراق الإسرائيلي فيما يلي:

أ- دراسة وترجمة المصادر الأساسية للإسلام وأمهات الكتب الإسلامية

اهتم المستشرقون الإسرائيليون بدراسة وترجمة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة باعتبارهما المصدرين الأساسيين للإسلام ويلعبان دورا أساسيا ومركزيا في الوجدان والفكر الديني لكل مسلم، لذلك نجد أن هناك ترجمتين عبريتين لمعاني القرآن الكريم صدرتا إبان مرحلة الاستشراق الإسرايلي أولهما صدرت عام 1971 وقام بها "أهارون بن شيمش"، وثأنيهما أصدرتها جامعة تل أبيب في شهر مارس عام 2005 كباكورة سلسلة أعمال مترجمة لروائع الأدب العربي إلى العبرية التي تعتزم الجامعة إصدارها، وقام بها البروفيسور "أوري روبين" أستاذ الدراسات الإسلامية بقسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة تل أبيب، وقد تميزتا بالتشويه وعدم الأمانة العلمية في النقل والترجمة، كما قام المستشرق الإسرائيلي رأوبين ريفيلن بترجمة السيرة النبوية لابن هشام، وصدرت في إسرائيل أكثر من طبعة لها كانت آخرهم عام 1996(6).

ب- دراسة اللغة العرية وآدابها

أولى الاستشراق الإسرائيلي أهمية بالغة بدراسة اللغة العربية وآدابها بل ولهجاتها أيضا؛ وقد طبق المستشرقين الإسرائيليين المناهح اللغوية الحديثة في دراسة اللغة العربية ولهجاتها(7)، وكان من أبرز المجهودات الاستشراقية الإسرائيلية في ذلك إرساء معهد الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية مشروع دراسي كبير لعمل سجل ضخم للشعر العربي القديم.

ج- دراسة تاريخ المنطقة العربية (فلسطين خاصة)

لم تكن دراسة تاريخ المنطقة العربية محور اهتمام المتشرقين الغربيين فقط، بل الإسرائيليين أيضا، وبطبيعة الحال كانت (فلسطين) بتاريخها, وآثارها، وأنثروبولوجياتها، هي مركز اهتمام الدراسات الاستشراقين الإسرائيلية، وكان الهدف الكامن وراء ذلك هو محاولة إعادة كتابة وتفسير تاريخ المنطقة العربية وفلسطين ومدينة القدس بشكل خاص بشكل يؤصل للتواجد اليهودي المستمر بها منذ أقدم العصور، فعلى سبيل المثال نجد أن معهد "يد بن تسفي" للدراسات اليهودية التابع للجامعة العبرية يركز في معظم أبحاثه ودراساته على التاريخ اليهودي في فلسطين والقدس بشكل خاص ومن أبرز إصدارته في هذا المجال كتاب (أبحاث ومصادر تاريخ طوائف إسرائيل في الشرق) لـ"مائير بنياهو"(8).

د- دراسة المجتمعات الإسلامية وحركات "الإسلام السيامي" الناشطة بها

وجه المستشرقون الإسرائيليون جل اهتمامهم لدراسة المجتمع العربي عامة والفلسطيتي خاصة وطبقوا في ذلك العديد من المناهج التي استقوها من علوم إنسانية مختلفة، مثل "علم الاجتماع، علم الأنثروبولوجيا..."، وذلك في محاولة جادة منهم للتعرف على نظم المجتمع العربي والإسلامي ووحداته الاجتماعية وأنساقه المختلفة، كما اهتموا بشكل خاص بدراسة الأقليات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني والعلاقات بين هذه الأقليات واليهود في فلسطين(9)، ومن أبرز المجهودات الاستشراقية الإسرائيلية في هذا المجال إعداد الجامعة العبرية مجلدان ضخمان يضمان مجموعة من الأعمال الاستشرافية تحت عنوان "دراسات حول اليهودية والإسلام" تحت إشراف البروفيسور (بن عمي) يتناولان تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية بشكل عام وفي اليمن والمغرب والجزائر خاصة(10).

بالإضافة إلى ذلك فقد أولى الاستشراق الإسرائيلي اهتماما خاصا بحركات (الإسلام السياسي) الناشطة بالمجتمعات العربية-الإسلامية، وعلى رأسها حركة (الإخوان المسلمين) التي نشأت في مصر وأنتشرت في معظم البلدان الإسلامية، وذلك لما لها من تأثير فكري وديني قوي داخل المجتمعات العربية والإسلامية لذلك نجد أن قسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية بكلية الآداب جامعة تل أبيب يخصص منهح دراسي كامل لدراسة هذه الحركة منذ نشأتها وحتي وقتنا الحالي، حيث أن هناك مادة تحمل عنوان: "دراسة في كتابات حركة الإخوان المسلمين في مصر" يقوم بتدريسها المستشرق "يسرائيل شنتسرل" وتتناول دراسة عدد من مؤلفات "حسن البنا" مؤسس الحركة و"سيد قطب" وفحص الأفكار الواردة بها(11).

هـ- دراسة الطوائف والغرق الإسلامية (الشيعة خاصة)

كما كان الاستشراق هو الجناح العلمي للاستعمار الغربي يوظفه لخدمته ولتحقيق أغراضه وأهدافه التي يأتي على رأسها تفريق وتقسيم الشرق العربي الإسلامي فأن الاستشراق الإسرائيلي ركز هو الآخر بشكل كبير على دراسة الطوائف الإسلامية و(الشيعة) خاصة لكونها تمثل الطائفة الأكبر والأهم صاحبة التأثير الساسي والاجتماعي الكبير في التاريخ الإسلامي؛ ومن أمثلة الأعمال الاستشراقين الإسرائيلية الخاصة بدراسة الشيعة كتاب المستشرق "مارثن كرمر" الذي يحمل عنوان: (الشيعة، زمرة علي: احتجاج وثورة في الإسلام الشيعي) والذي صدر في تل أيب عام 1985 م.

و- دراسة قضايا الصراع الإسرائيلي-العربي

تعد قضايا المراع الإسرائيلي-العربي بمثابة حجر الزاوية في الموضوعات محل اهتمام الأعمال الاستشراقية الإسرائيلية؛ وذلك باعتبار أن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية التي دار حولها هذا الصراع منذ ظهور الحركة الصهيونية؛ فقد اهتم الاستشراق الإسرائيلي بالصراع الخاص مع الفلسطينيين وبكيفية إدارته حيث تناول بالدراسة القوى السياسية داخل المجتمع الفلسطيني وعلى رأسها "منظمة التحرير الفلسطنية" كذلك الحركات القومية والإسلامية.

ويأتي على رأس المستشرقين الإسرائيليين الذين اهتموا بإعداد دراسات في مجالات الصراع العربي-الإسرائيلي المستشرق "يهوشفاط هركابي"؛ الذي له العديد من المؤلفات في هذا المجال منها: كتاب "مواقف العرب من النزاع العربي-الإسرائيلي" صدر في تل أيب عام 1968 م(12).

(2) اهداف الاستشراق الإسرائيلي

تنوعت أهداف الاستشراق الإسرائيلي ما بين الدينية والسياسية والتاريخية؛ لكن نظرا لارتباطه الاستشراق بـ"إسرائيل" ككيأن سياسي فقد كانت غالبية أهدافه سياسية بحتة، تهب جميعها في صالح تدعيم التواجد الإسرائيلي في المنطقة؛ ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:

أ- تشويه المصادر الأساسية للإسلام والتشكيك فيها:

يعد هذا الهدف من الأهداف المشتركة بين الاستشراق اليهودي والصهيوني والإسرائيلي والغربي فكل هذه المدارس أو المراحل الاستشراقية حاولت قدر إمكانها تشويه المصادر الأساسية للإسلام (القرأن الكريم؛ الحديث الشريف) للتشكيك في مدى مصداقيتها وصحتها، حيث أن النجاح في ذلك معناه في النهاية النجاح في القضاء على الدين الإسلامي، وبالنسبة للاستشراق الإسرائيلي فقد لجأ إلى محاولة تشويه القرآن الكريم والتشكيك في مصادره، وكانت أبرز وسائله في ذلك إعداد ترجمات عبرية "غير أمنية" ومشوه" لمعاني القرآن الكريم، وتزويدها بحواشي وهواش ترد المادة القرآنية لمصادر يهودية ومسيحية ووثنية(13).

ب- إعادة كتابة تاريخ المنطقة العربية لتأصيل التواجد اليهودي في فلسطين:

بذل الاستشراق الإسرائيلي الكثير من المجهودات العلمية لإعادة كتابة تاريخ المنطقة العربية بشكل عام وفلسطين ومدينة القدس بشكل خاص، وذلك لتأصيل التواجد اليهودي في فلسطبن، والتأكيد على أنها بمثابة المركز الديني والسياسي لليهود على مر التاريخ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف قامت الدراسات الاستشراقية الإسرائيلية بإعادة تفسير أحداث التاريخ القديم والوسيط والحديث بشكل يزيف أحداثه ويشوه حقائقه ويغير من شخوصه(14).

ج- تشويه صورة الشخصية والمجتمعات العربية:

ركزت الدراسات الاستشرافية الإسرائيلية على دراسة الشخصية والمجتمعات العربية وذلك من أجل وضع الخطط العلمية اللازمة للقضاء على إيجابياتها وإبراز سلبياتها وتقديم المجتمعات العربية للعالم على أنها مجتمعات تتكون من مجموعة من الهمج والمتطرفين والبدو الرحل الذين ليست لهم جذور في المنطقة، وبالتالي الوصول للهدف الرئيس للحركة الصهيونية وإسرائيل المتمثل في استخدام ديباجات علمية وأكاديمية للترويح للشعار الصهيوني-الإسرائيني القائل بأن العرب ليس لهم أي حق في أي شيء وأن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

د- تقديم خدمات علمية للطرف الإسرائيلي في إدارته لقضايا الصراع الإسرائيلي-العربي:

تعد قضايا الصراع العربي-الإسرائيلي هي المحور الأساسي في الدراسات الاستشراقية الإسرائيلية، حيث أن الاستشراق -كما ذكرنا- هو الجناح العلمي لحركات الاستعمار، وإسرائيل ما هي إلا شكل استعماري جديد من أشكال الاستعمار الأوروبي القديمة، لذلك فأن الاستشراق يمثل بالنسبة لإسرائيل صمام أمان استراتيجي وسياسي لا غنى لها عنه نظرا لقيامه بقديم المجهودات العلمية والأكاديمية لصناع القرار الإسرائيليين حول القضايا المنطقة المرتبطة بالصراع مع العرب(15).

ثانيا: أسباب اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بـ"بن باديس" و"النورسي"

من خلال العرض السابق للاستشراق الإسرائيلي من حيث تاريخه وأهدافه وموضوعاته، من الممكن استنتاج أن هناك عددا من الدوافع العلمية والدينية والسياسية التي تقف وراء اهتمام المستشرقين الإسرائيليين بتناول ودراسة كلا من الإمامين ابن باديس والنورسي.

وبشكل عام يمكن حصر هذه الأسباب والدوافع فيما يلي:

(1) اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بدراسة الشخصيات العربية والإسلامية المؤثرة

يلاحظ بشدة أن المجهودات الاستشراقية الإسرائيلية تركز على دراسة الشخصيات العربية والاسلامية المهمة والمؤثرة، فعلى سبيل المثال نجد أن المستشرقة الإسرائيلية "حافا لازروس" ركزت كثيرا من دراساتها حول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما اعتبرته تأثيرا قويا له في بناء الدين الإسلامي والشرائع المتعلقة به(16).

كما نجد المستشرق الإسرائيلي "يهوشفاط هركابي"، ركز في أبحاثه على دراسة زعماء حركات المقاومة الإسلامية وحركات ما يسمى استشراقيا بـ"الإسلام السياسي"، مثل الأستاذ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين(17).

ويأتي هذا الاهتمام من جانب الاستشراق الإسرائيلي لدراسة الشخصيات العربية والإسلامية المؤثرة، في محاولة لتحليل الشخصية العربية والإسلامية عامة، ووضع الخطط من أجل مقاومتها وإفشال جهودها، والقضاء على ايجابياتها وإبراز سلبياتها؛ وبالتالي أفرد الاستشراق الإسرائيلي عددا من الدراسات النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية لدراسة الشخصية العربية والإسلامية(18).

انطلاقا مما سبق؛ جاء اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بـ ابن باديس والنورسي، بصفتهما من الشخصيات العربية والإسلامية ذات التأثير الفكري والسياسي، بل ومن المؤسسين لفكر إصلاحي وسياسي له تأثير حتى وقتنا الحالي.

(2) اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بدراسة المجتمعات العربية والإسلامية

إلى جانب الدراسات المتعلقة بالشخصية العربية والإسلامية، وجه المستشرقون الإسرائيليون جل اهتمامهم لدراسة المجتمعات العربية والإسلامية في محاولة جادة للتعرف على نظم المجتمع الإسلامي وقيمه ووحداته الاجتماعية وأنساقه المختلفة، والمقومات الأساسية للمجتمعات العربية والإسلامية والفوارق الأساسية بينها(19).

وبالنسبة لابن باديس؛ فقد اعتبر كتاب ظهور الدولة الحديثة في أفريقيا للمستشرقين ميخائيل افيتبول ودانيال زينسون، أنه من أبرز المؤثرين في تشكيل المجتمع الجزائري؛ إذ اعبره مجتمع إسلامي له استقلايته عن المجتمع الفرنسي المسيحي(20).

أما النورسي، فهو في نظر الاستشراق الإسرائيلي صاحب تأثير اجتماعي بارز، فقد رأت المستشرقة الاسرائيلية ميري شيقير(21)، أنه -أي النورسي- حاول رفع حالة الوعي داخل المجتمع التركي ضد الاحتلال الإنجليزي وتقسيم أواصر الخلافة العثمانية(22).

(3) اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بدراسة حركات المقاومة الإسلامية

يولي الاستشراق الإسرائيلي، اهتماما بالغا بدراسة حركات المقاومة الإسلامية التي ظهرت في بلدان غربية وإسلامية إبان فترة الاستعمار الفرنسي والإنجليزي لمناطق عديدة في البدان العربية والإسلامية، وذلك بهدف تقديم أكبر كم معلوماتي لصانع القرار الإسرائيلي عن هذه الحركات وكيفية التعامل معها.

فقد استفاد الاستشراق الإسرائيلي من توظيف مدارس الاستشراق الغربية المختلفة للكم المعلوماتي الهائل التي تحصلت عليه من حركات المقاومة الإسلامية والعربية داخل المجتمعات العربية والإسلامية من أجل مواجهتها والقضاء عليها، وتيسير طرق التعامل مع أهل البلاد المستعمرة. فرغم تعدد مراحل الاستعمار؛ إلا أن المرحلة الأخيرة التي تعطي القرنين التاسع عشر والعشرين (والتي ينتمي إليها كلا من باديس والنورسي) تعد من أهم وأخطر المرحل، إذ لم يكتف المستعمر، لاسيما الفرنسي، بنهب الموارد الاقصادية؛ بل إنه اتجه لإحداث التغير في التفكير السياسي والاجتماعي عند المسلمين، وهو ما قام به الاستشراق السياسي الذي نقد النظم الإسلامية والبنى الفكرية والدينية الإسلامية؛ وقدم نظيراتها الغربية كبدل لها(24).

ولم كانت (إسرائيل) دولة غاصبة ومحتلة؛ فإن دراسة حركات المقاومة بالنسية للاستشراقى الإسرائيلي في العالمين العربي والإسلامي يحتل أهمية كبيرة وخطيرة، إذ أنه من خلال دراسة هذه الحركات يمكن مساعدة صانع القرار الإسرائيلي على اتخاذ القرارات ورسم السياسات لمواجهتها والقضاء عيها.

وقد ظهر كلا من "النورسي" و"ابن باديس" في الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية على أنهما زعيمين لحركتي مقاومة إسلامية في كل من تركيا والجزائر. فبالنسبة لابن باديس اعتبره كتاب ظهور الدول الحديثة في أفريقيا "زعيما لحركة العلماء" التي مثلت الطموحات القومية ذات الطابع الديني لكثير من الجزائريين؛ الذين حملوا لواء المقاومة والتمرد ضد الاستعمار الفرنسي". مبرزا في ذلك الصدد الخلاف بينه وبين فرحات عباس الذي لم يعترف بوجود الأمة الجزائرية، في حين أكد بن باديس في خطاب له عام 1936 على كينونة الأمة الجزائرية وجذورها الإسلامية(25).

أما "النورسي" فقد تعرضت له الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية ليس لكونه عالم دين أو مفكر ديني فحسب؛ بل لكونه زعيم قومي حض الناس على مقاومة الاستعمار والحفاظ على الخلافة العثمانية(26).

(4) أهمية المرحلة التاريخية التي ينتمي لها "ابن باديس" و"النورسي" بالنسبة للاستشراق الإسرائيلي

ينتمي كل من ابن باديس النورسي إلى مرحلة تاريخية مهمة للغاية بالنسبة للاستشراق الإسرائيلي، فهي مرحلة سبقت قيام دولة (إسرائيل) وشهدت محاولات صهيونية حثيثة لقيام الدولة وتهجير عدد كبير من اليهود إلى فلسطين لاستيطانها وطرد سكانها الفلسطينيين الأصليين منها.

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن عددا كبير من المستشرين اليهود في هذه القترة التاريخية، جاؤوا إلى الشرق كأفراد في الجيوش الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية، وعملوا في مجال الاستشراق الذي كان يمثل الجناح العلمي للحرقة الاستعمارية، يمدها بما يلزمها من المعرفة الميسرة للاستعمار وفرض السيادة(27).

وبالنسبة لابن باديس، فهو ينتمي لمرحلة تاريخية أسمتها الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية بمرحلة الانتقال من الكولونيانية إلي القومية(28)، وهي مرحلة اهتم الاستشراق الإسرائيلي بدرستها لأنها من أهم المراحل التي شكلت وبلورت الوعي الفكري والاجتماعي لجمبع الشعوب العربية.

في هذا الصدد، يشير المستشرق ألبرت حوراني في كتابه تاريخ الشعوب العربية إلى أن حصول مرحلة حصول الجزائر علي استقلالها كانت من أهم وأصعب المراحل التي مرت بها الدول العربية قاطبة، إذ مرت الجزائر عن غيرها من دول عربية وإسلامية أخرى بكثير من الصعوبات والمعاناة للحصول على استقلالها، مما جعل من المرحلة التي شهت مقاوميه للمستعمر الفرنسي من أهم المراحل في تاريخ الشعب الجزائري بل وتاريخ الشعوب العربية والإسلامية(29).

أما النورسي؛ فإنه ينتمي لمرحلة تاريخية تعد حساسة بالنسبة للاستشراق الإسرائيلي بل وللمشروع الصهيوني بأسره، فهو ينتمي لمرحلة شهدت صراعا قويا بين الصهيونية والخلافة العثمانية، إذ حاولت الأولى انتزاع قطعة أرض من الخلافة العثمانية لإقامة وطن قومي لليهود، وهو ما قوبل بمقاومة شديدة سواء من الخلافة أو من حركات المقاومة الإسلامية التي ظهرت في هذه المرحلة والي كان يقف على رأس إحداها النورسي.

(5) اهتمام الاستشراق الإسرائيلي بدراسة التصوف

درس الاستشراق الإسرائيلي "التصوف الإسلامي" وفرقه المختلفة بعمق وتركيز، لكن بشكل يظهر الضعف في العقيدة الإسلامية ويشوهها ويصورها على أنها عقيدة تدعو أصحابها للانعزال والرهبنة، الأمر الذي دفع الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب لنشر بيان في شهر فبراير عام 1986 يدين الأعمال الاستشراقية الإسرائيلية حول التصوف الإسلامي ويصفها بالمشوهة والمغرضة(30).

كما يولي الاهتمام الاستشراق الإسرائيلي بدراسة حركات وفرق الصوف الإسلامي، بهدف إثبات فرضية عدم أصالة الفكر الديني الإسلامي، إذ يتم رد الفكر التصوفي الإسلامي لمصادر وعوامل مسيحية أو وثية غير إسلامية أصيلة(31).

برز في هذا الصدد، دراسة الاستشراق الإسرائيلي للإمام النورسي، والذي اعتبرته المستشرقة الإسرائيلية "ميري شيفير" صاحب مدرسة فكرية دينية جديدة في التصوف الإسلامي". مشيرة إلى أن عناصر "التصوف" كانت بادية بوضوح في فكر النورسي الإصلاحي والمقاوم، بل إن التصوف يعد من أهم مقومات فكر النورسي(32).

ثالثا: تناول الاستشراق الإسرائيلي لـ"ابن باديس" و"النورسي" وفكرهما

تركز تناول الاستشراق الإسرائيلي للإمامين "ابن باديس" والنورسي" في محورين أساسيين أولهما: يتعلق بدورهما في حركات المقاومة الإسلامية في كل من الجزئر وتركيا، وثانيهما: يتعلق بموقفهما من الصهيونية ومشروعها القومي الداعي لما يسمى بإنشاء "وطن قومي لليهود على أرض فلسطين".

ويمكن استعراض التناول الاستشراقي الإسرائيلي لكل من ابن باديس والنورسي وفكرهما على النحو التالي:

(1) دور "ابن باديس" و"النورسي" في حركات المقاومة الإسلامية

ركزت مجموعة من الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية على دور كلا من ابن باديس والنورسي في حركات المقاومة الإسلامية في كلا من الجزائر وتركيا، لا سيما ما يتعلق بدورهما الفكري والدعوي (المقاوم) المبتعد عن العنف، وما كان لهما من تأثير قوي على حشد شعبيهما لمقاومة ومحاربة الاستعمار بشتى الطرق والوسائل.

أ- ابن باديس:

أشار كتاب ظهور الدولة الحديثة ببلدان المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب) من الكولونيانية إلى القومية، إلى اعتبار ابن باديس أحد القادة الإسلاميين والقوميين الذين ساعدوا على التخلص من الاحتلال الفرنسي للجزائر منذ العشرينيات من القرن الماضي(33).

واستعرض الكتاب ظهور "ابن باديس" كقائد سياسي مقاوم في الجزائر، بالتنويه إلى أنه حتى نهاية القرن 19 لم تكن هناك أنشطة سياسية منطمة في أوساط السكان المسلمين بالجزائر، باستثناء كيان سياسي ضعيف وصغير عرف باسم "الجزائريون الشباب" والذي تكون بفضل تأثير تنظيم ساسي مشابه أطلق عليه "الشباب التونسي" ظهر في تونس عقب انتهاء الحرب العلمية الأولى. إلا أن التنظيم السياسي الجزائري لم يرفع شعارات مقاومة قومية أنما اراد أن يستفيد من كل الحقوق السياسية الفرنسية، وقد أطلق عليهم الفرنسيون اسم "المتطورون أو المنفتحون Evolves" والتي كان من أبرز قادتها بن جلون وفرحات عباس(34).

أضاف الكتاب أنه على العكس من "فرحات عباس"، كان هناك قائد ديني آخر وهو "بن باديس" الذي اعترف بكينونة وأهمية الأمة الجزائرية التي لم يعترف بوجودها فرحات عباس، أذ أن ابن باديس اعتبر أن الأمة الجزائرية ذات كيان تاريخي وديني وقومي وأثني، واقتطف الكتاب جزء من خطاب ألقاه ابن باديس عان 1936 م اعتبر فيه أن كتب التاريخ تؤكد وجود أمة جزائرية مسلمة كانت وستبقى مثل أي أمة أخرى(35).

انتقل الكتاب بعد ذلك، لتناول دور "حركة العلماء المسلمين" التي قادها ابن باديس في قيادة المقاومة الإسلامية ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، معتبرا أن الانطلاقة الحقيقة لهذه الحركة كانت عام 1936 م وذلك بصعوبة الجبهة الشعبية Fort Populaire للحكم في فرنسا، وهو الأمر الذي حفز ومكن ابن باديس نحو زيادة وتفعيل نشاطه الساسي، وهو العام الذي شهد مطالبة حركة العلماء المسلمين بإجراء استفتاء شعبي عام حول مدى الولاء والارتباط بفرنسا(36).

في هذا الصدد، أكد الكتاب على أن شعارات حركة العلماء المسلمين بقيادة ابن باديس حملت طابعا "إصلاحيا" مثل شعارات "إصلاح العيوب، استعادة المسار...الخ"، إلا أن هذه الشعارات انقلبت إلى شعارات راديكالية وقومية أكثر بعد فترة لتتحول إلى شعارات مثل "الإسلام هو ديننا، العربية هي لغتنا، الجزائر وطننا"(37).

واعتبر الكتاب أن الفكر المقاوم السياسي الإصلاحي لـ"ابن باديس"، يتلخص في أن حركة العلماء المسلمين بقيادته مثلت الطموحات "القومية" لكثير من الجزائريين، في نفس الوقت الذي احتفظت فيه الحركة بطابعها "الديني" الإسلامي، لأنها رأت في الإسلام أحد أبرز وأهم سمات الأمة الجزائرية التي تختلف عن الأمة الفرنسية المسحية(38).

الكتاب أيضا أن الفكر الاصلاحي لـ"بن باديس"، اعتمد على ذلك الفكر الذي قاده كلا من الثعلبي(39) في تونس و علال الفاسي(40) في المغرب، إذ عمل "ابن باديس" على إحياء الإسلام من خلال خطبه وعظاته ودروسه الدينية وجولاته ومقالاته الصحفية، فقد عمل على بث الفكر المقاوم والاستقلال عن الاستعمار لكن بدون عنف، مؤمنا بأن الإصلاح والتطور التدريجي من شأنهما أن يقودا إلى نهوض أمة جزائرية مستقلة(41).

أما البحث الذي حمل عنوان "حركات التمرد الإسلامية في المغرب العربي" من إعداد المستشرق الإسرائيلي يعقوب دانيال، فقد أشار إلى أن الشيخ ابن باديس هو أول من شكل الصورة القومية الجزائرية؛ التي مزجت بين المقومات الدينية (الإسلامية) والقومية، معتبرا إياه القيادي الجزائري الأول الذي عمل على تحقيق استقلال سياسي للجزائر عن فرنسا. وذلك بما طوره وبثه في نفوس الجزائريين من فكر تحرري وثوري(42).

واعتبر دانيال أن الفكر الإصلاحي لـ"اين باديس" يتلخص في محاولته تطوير مفهوم "الأمة الجزائرية ذي الخصوصية الثقافية والماضي المشرف"، واختلاف الشديد مع مشايخ الصوفية بالجزائر الذين عملوا على إضعاف مظاهر القوة القومية والإسلامية الحقة في نفوس الشعب الجزائري(43).

كما اعتبر دانيال أن كلا من "ابن باديس" و"فرحات عباس" و"محمد بن جلول"، هم من قاموا ببلورة الصورة القومية الجزائر في مواجهة الاستعمار الفرنسي، تلك الصورة التي تبلورت من خلال عمل سياسي ودعائي اكد على مساواة الجزائريين المسلمين مع الفرنسيين الأوربيين "المسحيين"، إلا أن هؤلاء القادة الثلاث اختلفوا فيما بينهم حول ما هو الشرط الذي يحكم المساواة بين الجزائريين والفرنسيين، هل هو الاندماج الجزائري في المجتمع الفرنسي، أم الحصول على استقلالية عن فرنسا؟ وبرز من ين ذلك فكر "ابن باديس" المؤكد على ضرورة الاستقلال وعدم التبعية لفرنسا"(44).

في إطار تقسيمه لمراحل ظهور حركات المقاومة أو "التمرد" -كما أطلق عليها- في بلدان المغرب العربي، اعتبر دانيال أن "ابن باديس" ينتمي لمرحلة اطلق عليها اسم "الإصلاحية الإسلامية"، مشيرا إلى أن هذه مرحلة واكبت تدشين الحكم الكولونيالي في بلدان المغرب الاسلامي (تونس، الجزائر، المغرب)، وهو ما نتج عيه ظهور حركات وقادة حاولوا تحليل الأسباب التي أدت لسقوط بلدانهم تحت الاحتلال، ومحاولة البحث عن طرق ووسائل للتخلص منه، وهو تيار أو توجه ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في جميع أنحاء العالم العربي وليس في بلدان المغرب فقط؛ حيث وجد هذا التيار طريقة للتوفيق بين الفكر القومي والمبادئ الإسلامية لتحفيز الشعوب للتخلص من الاحتلال(45).

ب-النورسي

كان تركيز الاستشراق الإسرائيلي على تناول فكر النورسي الإصلاحي والمقاوم باعباره ممن قاوموا الاحتلال الأنجليزي لتركيا وعارض سقوط الخلافة العثمانية.

فنجد المستشرقة الإسرائيلية ميري شيفير المتخصصة بالشؤون التركية بالجامعة العبرية بالقدس، تعتبر النورسي من أبرز من قادوا الحركة الإسلامية المقاومة في تركيا ما قبل سقوط الخلافة، مشيرة إلى أن فكر النورسي المقاوم جمع ما بين المقومات الإسلامية الداعية للجهاد، والمقومات الفكرية؛ إذ اعتبرته صاحب مدرسة فكرية دينية جديدة في التصوف الإسلامي(46).

وأضاًفت شيفير أن "النورسي" كان من المؤسسين الأوائل للفكر المقاوم للاستعمار في المنطقة وأنه تسمك بوجود الخلافة العثمانية وضرورة الدفاع عنها، بل أنه التحق بالجيش العثماني وعمل على نشر دعايات مناهضة للاحتلال الإنجليزي سواء بين الأتراك أو غيرهم من بقية الشعوب(47).

بالنسبة للمستشرق يحزقئيل لانداو(48) فقد اعتبر في بحث له حمل عنوان Bediuzzaman Said Nursi's Lifeand Legacy: A Jewish Appreciation‘ (49) أن "النورسي" كان واحدا من أبرز الشخصيات صاحبة الفكر المقاوم التي عرفها نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وذلك نظرا لأن حياته تزامنت مع تغيرات جذرية شهدتها منطقة الشرق الأوسط وتركيا الحديثة(50).

كما ركز لانداو على أن الفكر الإصلاحي لـ"النورسي"‘ تمحور حول استخدام حق المقاومة لكن بدون استخدام عنف من أجل لتحقيق أهداف قومية، معتبرا أن مصطلح "الجهاد" عند "النورسي" كان يعني الجهاد بالكلمة وليس بالعنف، وإظهار العمل الايجابي، محاولا بذلك جذب الكثير من جموع الشعب حول فكره الإصلاحي الداعي للمقاومة ضد الاستعمار(51).

واعتبر لانداو أن هذا الفكر الإصلاحي الذي يميل للاعتدال عند "النورسي" أدى إلى أنه بحلول عام 1960 لم تعد أفكار "النورسي" وحركته وأتباعه من المطاردين من جانب الدولة التركية الحديثة العلمانية، فرغم فكر النورسي الثوري، إلا أنه كان مؤمنا بأن قوة الإسلام تكمن في الكلمة وليس في شيء آخر(52).

ذهب لانداو إلى أبعد من ذلك، باعتبار أن فكر النورسي كان مؤثرا على ظهور بعض الحركات الفكرية والدينية اليهودية في إسرائيل مثل حركة طرق السلام؛ ظهرت في إسرائيل عام 1980 على أنها جماعة دينية يهودية، وكما فعل "النورسي" من خلال تدشين فكر معتدل، حاولت هذه الحركة اليهودية أن تكون "جسرا" بين معكسر اليمين المتشدد واليسار المعتدل(53).

ويضيف لانداو أن الفكر الإصلاحي لـ"النورسي"، دافع عن الأفكار والأيديولوجيات المحركة لعملية التحرر القومي والديني، بل إنه فكر في إنشاء جامعة شرقي تركيا تحت اسم مدرسة زاهرة، والتي حاولت الدمج بين العلوم العصرية الغربية والعلوم الدينية الإسلامية الشرقية، وساوى لانداو بين جامعة النورسي وبين جامعة بارايلان جنويي تل أبيب الدينية اليهودية، التي هي في نظره جامعة عصرية لكنها تدرس العلوم الحديثة أيضا(54).

ورأى لانداو أن "النورسي" كان منفتحا في فكره "الإصلاحي" الهادف للتحرر والمقاوم للاحتلال، ففي الأيام الأولى من الثورة التركية، تعاون مع جمعية الاتحاد والتقدم وقام بالقاء عدة خطب استانبول وسلونيكا من أجل تحفيز الناس وتشجيعهم. واعتبر لانداو أن حياة النورسي المفكر والمعلم والمقاوم، تجسدت فيها الكثير من القيم والأخلاقيات، وأن قصة حياته كما لوكانت قصة أحد القديسيين والحاخامات اليهود الممجدين في التراث الديني اليهودي(55).

(2) ابن باديس والنورسي وموقفهما من الصهيونية

اعتبرت الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية، أن كلا من الإمامين "ابن باديس" والنورسي" تشاكا في فكرهما حول معاداة الصهيونية ومقاومة مشروعها الهادف لقيام دولة لليهود في فلسطين.

أبرزت الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية كذلك، ظهور كلا من "ابن باديس" والنورسي"، في مرحلة تاريخية شهدت صداما قويا بين المشاريع القومية العربية والمشروع القومي اليهودي المتمثل في الفكر الصهيوني الهادف لإقامة ما يسمى بـ"وطن قومي لليهود" في فلسطين، وهو ما أدى إلى ظهور صدام بين المشروعين العربي والصهيوني وكانت أحد مظاهره هو معارضة القادة القوميين والإسلاميين من أمثال "ابن باديس" و النورسي" للمشروع الصهيوني جملة وتفصيلا.

أ- بن باديس

أشار المستشرق الإسرائيلي يجيئال شالوم نزري(56) في كتابه الذي حمل عنوان "المسلمون واليهود في المغرب: مجموعى أبحاث جديدة"؛ إلى أن ابن باديس كان من المتنبهين مبكرا للمشروع الصهيوني في فلسطين وله مقالة نشرت في صحيفة الشهاب عام 1938 م أعرب فيها عن ضرورة الحرص على المقدسات الإسلامية في فلسطين وعدم السماح بأي مشروع قومي صهيوني بالأراضي المقدسة(57).

واعتبر نزري أن موقف "ابن باديس"، يأتي كرد فعل طبيعي للفكر القومي الذي يحمله والذي يعادي أنة مشاريع قومية أخرى في المنطقة العربية أو الإسلامية، مثيرا إلى أن موقف "ابن باديس" يحمل إشكالية في حد ذاته تتعلق بموقف "بن باديس" من اليهود، مشيرا إلى أن اليهود عاشوا منذ أقدم العصور في الجزائر بسلام مع سكانها الأصليين، بل إن الجرائر تسجل أن كان بها حتى منتصف القرن الماضي ما يقارب من الـ60 معبدا يهوديا، ومع ذلك نجد "ابن باديس" يتمسك بموقف قومي معادي لأي طموح قومي يهودي في المنطقة(58).

وأضاف نزري؛ أن معاداة الصهيونية كانت قاسما مشتركا بين حركات قومية تحررية كثيرة في مصر والمغرب وتونس، تلك الحركات التي كاتت تتبنى مشاريع قومية عربية في نفس الوقت الذي كانت تناهض به مشاريع قومية يهودية، وفي هذا الصدد يبرز "ابن باديس" كمثال لواحد من قادة الحركات القومية العربية(59).

اعتبر نزري أيضا؛ أن فكر "ابن باديس" الإصلاحي الذي حاول من خلال الدمج بين المفاهيم السياسية الحديثة والمبادئ الإسلامية، لم يتحرر من الفكر "العنصري" تجاه اليهود الذي ميز ما سماه "المشروع القومي العربي" الذي ظهر منذ العشرينات من القرن الماضي، ذلك الفكر الذي أدى إلى هجرة يهود البلدان العربية وتركهم لممتلكاتهم وتراثهم(60).

ب- النورسي

يمكن التيعرف على وجهة نظر الاستشراق الإسرائيلي فيما يتعلق بموقف "النورسي" من الصهيونية واليهود واليهودية من خلال بحث حمل عنوان Nursi's views of Jews aid Judaism in the risael-i nur للمستشرق نورتون ميزفينسكي(61)، وهو عبارة عن بحث حول تعليقات وآراء "النورسي" في اليهود والصهيونية من خلال مؤلفه رسائل النور.

فقد أكد المستشرق أن موقف "النورسي" من اليهود وحتى المسيحيين اتسم بالتسامج، مشيرا إلى أن "النورسي" أكد خلال محاكمته في إفيون على أن اليهود والمسيحيين في ظل الدولة الإسلامية يتمتعون بالحرية الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الطقوس. وأن ذلك يمكن لمسه بسهولة في الجزء الرابع من مؤلف "النورسي" المعروف باسم "رسائل النور"(62).

مع ذلك؛ يرى المستشرق أنه رغم الموقف الإيجابي من جانب "النورسي” تجاه اليهود، إلا أنه أخذ موقفا متشددا تجاه الصهيونبة، معبرا أنها -أي الصهيونية- ذات أطماع دينية وقومية في الأرض المقدسة الإسلامية(63)

كما أشار المستشرق ميزفينيكسي إلى أن موقف النورسي من الصهيونية، اعتمد على بعد التأويلات والتفسيرات الدينية إلى طورها النورسي من خلال اعتماده على بعض نصوص توراتية حاول من خلال أثبات أن اليهود الصهاينة يحاولون استخدام الثوراة من أجل إثبات حق ديني وقومي لهم سواء في القدس أو في فلسطين(64).

الهوامش:

(1) محمد خليفة حسن (د): المدرسة اليهودية في الاستشراق، مجلة رسالة المشرق، الأعداد 1-4، المجلد 12، القاهرة 2003، ص 31.

(2) أحمد البهنسي، صورة الشخصية العربية في الأدب العبري الحديث، مجلة الوطن العمانية، العدد 1237، مايو 2005.

(3) إبراهيم عبد الكريم، الاستشراق وأبحاث الصرع لدى إسرائيل، دار الجيل للنشر والتوقع، عمان 1992، ص158.

(4) جرت العادة عند وصف الصرع القائم بين الإسرائيليين والعرب استخدام مصطلح "الصرع العربي الإسرائيلي" إلا أننا نرى أنه من الأفضل استخدام مصطلح "الصرع الإسرائيلي العربي" فهم اللذين بدأوا بالصرع وليس العرب، وقد يبدو هذا الأمر هينا وبسيطا لكنه في حقيقة الأمر مهم، فعادة ما يستخدم الإسرائيليون طريقة التلاعب بالألفاظ والمصطلحات لتشويه الحقائق وتزيف التاريخ وذلك لإثبات عدالة قضيتهم بأي شكل لذا يجب علينا أن نفوت عليهم هذه الفرصة.

(5) محمد خليفة حسن (دكتور): المرجع السابق، ص45.

(6) أحمد البهنسي، الاستشراق الإسرائيلي..الاشكالية الشمات الأهداف، مجلة الدواسات الشرقية؛ جامعة القاهرة؛ مصر؛ العدد 37؛ 2007، ص145.

(7) محمد خلفية حسن (د)، المرجع السابق، ص 76-77.

(8) ابراهيم عبد الكريم، مرجع سابق، ص 183

(9) محمد خليفة حسن (د) ، المرجع السابق، ص 75.

(10) إبراهيم عبد الكريم، المرجع السابق، ص 184-185.

(11) www.tau.ac.il/humanities/yedion/courses/arabic.html

(12) إبراهيم عبد الكريم، المرجع السابق، ص 537-540.

(13) للاستزادة حول هذا الموضوع، يمكنك العودة د: أحمد البهنسي، التعليقات والهوامش لترجمة اوري روبين العبرية لمعانًي القرآن الكريم، دراسة نقدية، رسالة ماجستير (غير منشورة) جامعة القاهرة، 2013.

(14) محمد خليفة حسن (د) ، المرجع السابق، ص 69-70.

(15) أحمد البهنسي، الاستشراق الإسرائيلي، مرجع سابق 148.

(16) أنظر: سمية كمال محمد حسن، عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مرآة الاستشراق الإسرائيلي، كتابات حافا لازروس أنموذجا، رسالة دكتوراة (غير منشورة) جامعة الأزهر، كلية اللغات والترجمة، 1999.

(17) أنظر: إبراهيم عبد الكريم، المرجع السابق، ص 356.

(18) محمد خليفة حسن (د): المرجع السابق، ص 74.

(19) نفس المرجع، ص 75.

(20) מיכאל אביטבול ודניאל סינזון، צמיחת המדינות החדשות באפרקיה، האונברסיטה הפתוחה، תל אביב 2001، ص 20

(21) ميري سفير: مستشرقة إسرائيلية معاصرة، تعمل أستاذة متخصصة في الشؤون الإسلامية لاسيما التركية بالجامعة العبرية بالقدس. وصاحبة كتاب "الإسلام ...مدخل مختصر"؛ الذي صدر عام 2006 عن جامعة تل أيب في إطار سلسلة تصدرها الجامعة تحت عنوان أديان العالم" (أنظر: מירי שפר، האסלאם....מבוא קצר، אוניברסיטת תל-אביב 2006، עמ׳ 2-3)..

(22) מירי שבר، " משוגעים ושיגעון באימפריה העות ' מאנית במאות החמש עשרה עד השבע עשרה ," בתוך שולמית - - וולקוב . עורכת . מיעוטים , זרים ושונים . ירושלים : מרכז זלמן שז " ר לתולדות ישראל , תשס " א . ע " ע 191 - 204.

(23) محمد خيفة حسن، آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية، دار عين للبحوث والدراساب؛ القاهرة 1997، ص 56.

(24) نفس المرجع، ص 36.

(25) ע״ע מיכאל אביטבול ודניאל סינזון. עמ׳ 20-21.

(26) ע״ע ، מירי שבר، עמ׳ 201.

(27) محمد خليفة حسن (د): المدومة اليهودية في الاستشراق، مرجع دابق، ص 76.

(28) ע״ע، מיכאל אביטבול ודניאל סינזון. עמ׳ 61.

(29) אלברט חוראני، היסטוריה של העמים הערבים، דביר، תל אביב 1996، עמ׳ 363.

(30) أحمد البهنسي، الاستغراق الإسرائيلي... الاشكالية والسمات والأهداف، مرجع سابق، ص 157 .

(31) نفس المرجع، ص 158.

(32) ע״ע ، מירי שבר، עמ׳ 198.

(33) ע״ע، מיכאל אביטבול ודניאל סינזון. עמ׳ 21

(34) ע״ע، מיכאל אביטבול ודניאל סינזון. עמ׳ 21

(35) שם، עמ׳ 21.

(36) שם، עמ׳ 21.

(37) שם، עמ׳ 21.

(38) ע״ע، מיכאל אביטבול ודניאל סינזון. עמ׳ 62.

(39) عبد العزيز الثعالبي (15 شعبان 1293 هـ= 5 ستمبر 1876 م – أول أكتوبر 1944 م) زعيم تونسي سياسي وديني. من القليلين الذين زاوجوا بين السياسي والديني، وبين المحلي والإقليمي والعالمي في عملهم؛ للتخلص من الاستعمار وظلمه والرفعة بالمجتمع والرقي به في الوقت ذاته. (انظر: عبد العزيز الثعالبي http:/ar.wikipedia.org/wiki/).

(40) علال الفاسي: عالم ومجاهد ومصلح مغربي، ينتمي لأسرة عربية عريقة، استقرت ببلاد الأندلس، ثم فرت منها إلى المغرب بسبب محاكم التفتيش الإسبانية، ومن هذه الأسرة السيدة فاطمة بنت محمد الفهري التي بنت بمالها جامع القرويين الشهير، عام 245 هجرية، ولد علال سنة 1328 هـ 1910 م لأحد كبار علماء المغرب في مدينة فاس، الذي كان مدرسا بالقرويين وقاضيا، كما كان أجداده من قبله، والفترة التي ولد فيها علال كانت فترة تاريخية صعبة، حيث كانت البلاد الإسلامية تحت حكم الاحتلال الصلبي، وهذه البئة الصعبة والعائلة العريقة والإرادة الربانية من قبل هي التي جعلت من علال أحد رموز الإصلاح في الأمة (انظر: أحمد بابانا العلوي، علال الفاسي رائد التنوير الفكري في المغرب، المفكر السلفي المجدد والزعيم السياسي، دار قراقر، الرباط، 2010).

(41) ע״ע، מיכאל אביטבול ודניאל סינזון. עמ׳ 62.

(42) יעקבד דניאל، מסאלי חאג': פועלו למען שחרורה של אלג'יריה ועצמאותה בראשית שנות העשרים،תל –אביב. 1995 ، עמ׳ 20

(43) שם، עמ׳ 50

(44) ע״ע، יעקבד דניאל، עמ׳ 53

(45) שם، עמ׳ 53

(46) ע״ע، מירי שבר، עמ׳ 191 - 200.

(47) ע״ע، מירי שבר، . עמ׳ 201

(48) مستشرق إسرائيلي من أصل أمريكي ومحاضر في التاريخ بجامعة بار ايلأن الإسرائيلية جنوبي تل أبيب.

(49) Yehezkel Landau, Bediuzzaman Said Nursi's Life and Legacy: A Jewish Appreciation; Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1999), pp106.

(50) Ibid.pp106

(51) Ibid.pp107

(52) Ibid.pp107

(53) Yehezkel Landau ; Ob;cit; pp110.

(54) Yehezkel Landau ; Ob;cit; pp201

(55) Ibid؛ pp110.

(56) يجئال شالوم نزري: مستشرق إسرائيلي متخصص في تاريخ المغرب الإسلامي، واستاذ في كلية الدراسات الإنسانية والاجتماعية بجامعة تل أبيب.

(57) יגאל שלום נזרי، מוסלמים ויהודים במגרב-קובץ מחקרים، דביר תל אביב، 2001، עמ׳ 121.

(58) ע״ע، יגאל שלום נזרי، עמ׳ 122

(59) שם.

(60) שם.

(61) مستشرق يهودي من أصل أمريكي، ويدرس في جامعة Central Connecticut State University، وله عدد من المؤلفات حول الصراع الإسرائيلي-العربي، كما أنه يدرس بعدد من الجامعات الإسرائيلية من أهمها الجامعة العبرية في القدس.

(62) Norton Mezvinsky; Nursi's views of Jews and Judaism in the risael-i nur; MESIA; JERUSALEM.1998;PP35-36

(63) Ibid; pp 43.

(64) Norton Mezvinsky; Ob;cit; p47.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: