استراتيجيات الكفاح الجزائري لللإستدمار الفرنسي عبد الحميد ابن باديس ومالك بن نبي أنموذج

بقلم: بن نية بشير نذير -

بعد معاهدة الاستسلام دخلت فرنسا للجزائر لتعيث في الأرض فسادا، ونقضت عهدها والوعود التي قدمتها للشعب الجزائري في أنها ستجلب الحضارة وتمحوا التخلف العثماني. ولما رأى الجزائريون أن بلادهم قد دخلها الكافر ليأخذ خيراتها كان لزاما أن ينتفض الشعب الأبي وأن يحاول استرجاع أرضه حيث بدأ الثورات الشعبية التي جاءت لإرجاع الاعتبار للشعب المغتصبة أرضه فثارت متيجة، وجاءت ثورة بوبغلة والمقراني و لالة فاطمة نسومر...إلخ. إلا أن كلها فشعلت في تحقيق الهدف وطرد المحتل، نتيجتا لعدم وجود تكتل موحد يجب الجزائريين تحت كلمة واحدة وراية واحدة. وبعد هذه الثورات يأس الشعب الجزائري وظنت فرنسا الغاشمة أنها قادرة عليه وأن الجزائر فرنسية لا محال.

وفي 1925 بدأت تتغير الأمور وظهر نوع من الصحوة وبدأ الخوف يدخل في نفوس العدو، لبدأ عهد جديد من الثورة المنظمة ويرتقي وعي الشعب الجزائري ويظهر فيهم رجالا عاهدوا الله أن يخرج الكفرة من بلادهم الإسلامية السنية. ومنهم عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي، اللذان تزامنت فترة ظهورهم في ساحة الصراع وهما أول نموذجين كانت لهما استراتيجية تنوعت أسالبهما في كفاح العدو واشتركت في بعض الأحيان إلا أن هدفهما واحد وهو طرد (الفرنساويين) من أرضهم. فما هي الاستراتيجية الكفاحية الجديدة التي جاء بها كل من عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي؟ وماهي نقاط الاختلاف والتشابه في أسلوب كفاحهما؟

ولد عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن مكي بن باديس بمدينة قسنطينة في 10 ربيع الثاني 1307هـ الموافق لـ4 ديسمبر 1889. حفظ القرآن وهو صغير ودرس على يد الشيخ حمدان الونيسي(1)، ثم سافر إلى تونس ودرس بجامعها الزيتونة شتى العلوم الشرعية وذلك (1326-1331هـ/1908-1912م)(2). ثم أدى فريضة الحج(3). وفي 1913 عاد إلى الجزائر واستغل فرصت صلة والده بالسلطة الفرنسية وبدأ تفسير كتاب الله في المساجد، وتزاحم الناس حوله لينهلوا العلم، وكان والده يسانده ماديا ومعنويا حيث قال له: "اكفني هم الآخرة اكفيك هم الدنيا"(4) ولما زار ابن باديس بلدان إسلامية مختلف تأثر بمناهج الإصلاحيين مثل محمد عبدو ورشيد رضا، ومن هنا احتضن المنهج السلفي كمنهج لإصلاح المجتمع الجزائري(5)، وفي 1925م بدأت الحركة الإسلامية بقيادته بهدف تحرير عقول الجزائريين وتغيير ما بأنفسهم وتخليصهم من "الفكر الميت" أو "التراث الوثني" كما أطلق عليه الدكتور عبد العزيز خالدي(6)، شارك عبد الحميد بن باديس مع البشير الإبراهيمي مشروع الصحوة. وأسس ابن باديس "نادي الترقي" في العاصمة(7) كهيئة لبعث وعي جديد للشباب الجزائري. دعى عبد الحميد بن باديس طلاب جامع الزيتونة والآتين من المشرق الإسلامي الذي يتوسم فيهم خيرا، قال الشيخ محمد خير الدين (وهو أحد المقربين من الشيخ عبد الحميد بن باديس) عن الاجتماع حيث أبدى المجتمعين حماس وعزيمة واستعداد لعهد التضحية في سبيل الله ودينه والنهوض للوطن(8). ومن هنا بدأ بن باديس يعد العدة لتأسيس جمعية تضم علماء والتي ترعى النهضة الثقافية والدينية، وفي 1349هـ/1931م تظهر جمعية العلماء المسلمين(9) بزعامة ابن باديس كجمعية إصلاحية للمجتمع الجزائري توعوية وهي أحد أساليب كفاح ابن باديس الاستدمار الفرنسي. وكان شعاره الإصلاحي هو الآية الكريمة. قال الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (11)" {الرعد/11}.

ولد مالك بن نبي في 5 ذو القعدة 1323هـ الموفق لـ1 جانفي 1905م بمدينة قسنطينة ثم انتقلت أسرته إلى تبسة حيث درس هناك في مدرسة قرآنية وحفظ ما تيسر من القرآن ثم تعلم في مدرسة نظامية ورجع إلى قسنطينة لإتمام مرحلته الثانوية وتخرج منها سنة 1925م(11). وفي 1927 عين قاضيا بمدينة أفلوا، وهدفه من وراء هذا المنصب هو منافسة الفرنسيين وابتغاء منه أن يكون عادلا على الأثر، وكان هذا سببا في دخول أول عدد من مجلة الشهاب(12) وفي 1930غادر إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، وسمحت له إقامته هناك بالتعرف على رجال الفكر والأدب والإصلاح والتحرير، ومهدت له السبيل ليعرف أوضاع المسلمين وأسباب ضعفهم وتخلفهم، واستنتج أن استرجاع حريتهم وإحياء مجدهم وحضارتهم لا يتحقق إلا بالوحدة والرغبة الحقيقة من أجل التخلص من الاستعمار(13). وقد عاصر حينها حركة الإصلاح التي قادها آنذاك جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو والكواكبي وكذلك أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بلاده عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والعربي التبسي...إلخ(14)، مالك بن نبي لم يحضر دروس ولم يتتلمذ على يد عبد الحميد بن باديس ولا جلس معه رغم أن مالك بن نبي من قسنطينة(15). رغم تفاعل مالك بن نبي مع حركات الإصلاح الإسلامية إلا أنه كان دائما يحتفظ بحياده العلمي وفكره المتميز الذي كان يدعوه إلى نقد أعمال الإصلاحيين أحيانا(16). وعبر عن أفكاره الإصلاحية والوطنية بتصديره لدعوات الإصلاح والإسلام والوحدة المغربية والدعوة السلفية(17). رغم استعمال مالك بن نبي اللغة الفرنسية كثيرا في بدايات التأليف، ورغم أسلوب خطابه الممتاز والموجه إلى نخبة المجتمع، إلا أن أفكاره الهادفة ومصطلحاته المميزة تركت أثر في نفوس أفراد المجتمع الجزائر وكتابته لاقت رواج كبيرا، مثلا كتابه الظاهرة القرآنية والذي كتبه باللغة الفرنسية عندما كان في السجن في فرنسا، صدر سنة 1947م طبع منه 5000 نسخة وبيعت النسخ كلها(18) وهذا إن دل على شيء وإنما يدل على وعي الشعب الجزائري في تلك الفترة بقيمة الحركات الإصلاحية والإحياء الديني والالتفاف حولها لتكون سلاحا يكافحون به العدو الفرنسي الغاشم.

ختاما لما سبق نستنج أن كلا من عبد الحميد ابن باديس ومالك بن نبي هم ممن لهم الفضل في إحياء وعي الشعب الجزائري بعد سبات طويل وبعد تماطل ممن يزعمون حب الوطن الذين لا يعرفون قيمة ولا الإسلام ألا الجشع والطمع. الخائنين الذين باعوا أنفسهم للفرنسيين الكفرة. فما إن سطع نجم ابن باديس ومالك بن نبي حتى تغيرت ذهنيات الشعب الجزائري، فكان من الاستراتيجية التي بجاء بها كل من ابن باديس وابن نبي هي إصلاح الشعب، وهي مسح براثين الخرافات وعبادة القبور والجمود الفكري، فقاموا بإحياء العقيدة الإسلامية السليمة الخالية من البدع ووعوا الشباب على ضرورة إصلاح المجتمع كأول لبنة لبداية كفاح المستدمر الكافر، فهم بذلك تأثروا بحركات الإصلاح الإسلامي في المشرق. وكان لهذه النموذجين اللذان درسناهم أثر بالغ في دفع عجلت التقدم الفكري والعقدي ولما لا سببا في الثورة التحريرية المجيدة.

ومن نقاط الاختلاف والتشابه لابن باديس وابن نبي في أسلوبهما لكفاح العدو الفرنسي نجد أن الاختلاف يكمن في أن ابن باديس اعتمد على القومية العربية في إصلاح مجتمعه الذي يعج بالبدع والخرافات واعتماده على القومية في كفاح المستدمر راجع إلى تأثر بالإصلاحيين العرب في المشرق وتذكير مجتمع أن اللغة العربية هي اللغة الراقية ولغة القرآن والابتعاد عن الاندماج مع العدو الفرنسي. بينما كان لمالك بن نبي طريقة أخرى في إصلاح المجتمع وذلك باستعمال لغة العدو وهي الفرنسية ومحاربة المستدمر بلغته التي يفهما. وهذا ترك في نفوس الفرنسيين مهابة من ابن نبي حيث أن من الفرنسيين من دخل الإسلام بفعل استراتيجيته الكفاحية حيث تمكنوا من قراءة كتبه وفهموا الإسلام فهما صحيحا وخاصتا في كتابه الذي لم يرى النور إلا بشق الأنفس وهو الظاهرة القرآنية التي تعتبر من بين إبداعات ابن نبي الخالدة. ومن الاختلافات أن لابن باديس لغة ميسورة موجهة إلى كل شرائح المجتمع وأفكاره عميقة وتثير الحماس في نفوس الجزائرية بينما مالك بن نبي كانت موسوعته الخاصة من الكلمات والتي يفهمها إلا أصحاب العقول النيرة فمن بين المصطلحات الرائجة في فكر ابن نبي "القابلية للاستعمار" "التأثيث التراثي".

أما نقاط التشابه بين الزعيمين ابن باديس وابن نبي أنهما تأثرا بحركة الإصلاح الإسلامي التي تزعمها محمد بن عبد الوهاب ومحمد عبده والكواكبي وجمال الدين الأفغاني وخاصتا محمد عبده فانتهجا نهج السلف للبدء في مشروعها الإصلاحي والتوعي تمهيدا للكفاح المسلح. ومن التشابه بين الرجلين أنهما من أبناء قسنطينة بلاد العلم والمعرفة حيث درسوا هناك على يد مشايخ كبار ألا أن ابن نبي أكمل دراسته في المدرسة النظامية بينما أكل ابن باديس دراسته في المدارس القرآنية ثم في الزيتونة. وأن كل من ابن باديس وابن نبي قدموا إصلاح أخلاق وعقيدة المجتمع على الكفاح المسلح وطرد العدو ظنا منهم أن الشعب الغير متخلق والذين يبنون دينهم على البدع والشعب الغير مثقف لا يمكنه أن يحكم بلده بعد طرد العدو فتسود بذلك الخيانة والاغتيال.


الهوامش:

1 عبد الحميد بن باديس (رائد الإصلاح والنهضة في تاريخ الجزائر الحديث 1307-1359هـ/1889-1940م)، فهمي توفيق محمد مقبل، د.ط، د.د.ن، ص4

2 المرجع نفسه، ص5

3 المرجع نفسه، ص6-7

4 انشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 26/11/2008 12:00 http://islamstory.com/events

5 Le réformisme musulman en Algérie (1925-1940), Ali Merad, deuxième Edition, les Edition el hikma : Algérie, 1999, p74

6 مالك بن نبي: لمحات من حياته وقبسات من فكره www.binnabi.net/infos/detail/KWi785KkI55d14/

7 المرجع السابق، انشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

8 جمعية العلماء المسلمين والطرق الصوفية وتاريخ العلاقة بينهما (دراسة علمية)، نورالدين أبو لحية، ط2، دار الأنوار للنشر والتوزيع، 2016م، ص32

9 المرجع السابق، عبد الحميد بن باديس (رائد الإصلاح والنهضة في تاريخ الجزائر الحديث 1307-1359هـ/1889-1940م)، ص9

10 المرجع السابق، مالك بن نبي: لمحات من حياته وقبسات من فكره.

11 مالك بن نبي: رجل فكر وفكر حضارة، عبد النور ق، http://www.binnabi.net/infis/detail/9FDIyi059ix45/

12 من أعلام الجزائر البارزين وموسوعة علمية في القرن ال 20، بن حوش مصطفى. http://binbadis.net/2017/02/05/

13 المرجع نفسه.

14 مواقف مالك بن نبي السياسية وآراؤه ونشاطاته، موقع فيض القلم، http://9alam.com/community/thereads/muaqf-malkbn-nabi-alsiasi-unshtatx/19991/

15 المرجع السابق، من أعلام الجزائر البارزين وموسوعة علمية في القرن ال 20.

16 المرجع السابق، مالك بن نبي: رجل فكر ومفكر حضارة، عبد النور ق

17 مداخلة للأستاذ محمد أمين بلغيث بعنوان رجال حول مالك بن نبي الظاهرة القرآنية أنموذج، بمناسبة الذكرى السبعين لصدور كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي وذلك بمؤسسة أصالة للدراسات والأبحاث يوم 12 صفر 1483هـ/12 نوفمبر 2016م.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: