الفقيه المجتهد والعالم المجاهد الشيخ أحمد حماني

بقلم: عبد الحميد عبدوس-

في أواخر هذا الشهر الميلادي (29 جوان) تمر الذكرى العشرون  لالتحاق فقيه الجزائر المجتهد، ورئيس علمائها العلامة المجاهد الشيخ أحمد حماني -رحمه الله- بالرفيق الأعلى، ومرت هذه الرزية الوطنية -آنذاك- في صمت شبه كامل وعدم مبالاة محيرة في الأوساط الثقافية والإعلامية، وتجاهل متعمد لقيمة هذه القامة الباسقة في الفقه المالكي في الجزائر والعالم الإسلامي.

رحل الشيخ أحمد حماني في 29 جوان 1998 وكانت الجزائر تعيش أزمة دامية ومأساة وطنية مشؤومة، في سياق ما عرف داخليا بالعشرية السوداء.

ولد الشيخ أحمد حماني في 6 سبتمبر 1915 ببلدية العنصر، دائرة الميلية ولاية جيجل، ومن أجل تمكينه من إكمال دراسته قبل أن تدركه الخدمة العسكرية قام والده الشيخ محمد بتغيير تاريخ ميلاده على سنة 1920.

سخر العلامة أحمد حماني حياته لخدمة الإسلام والعربية والجزائر، فكان من أنجب تلاميذ الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الجزائرية، وأوفاهم لتعاليمه ومنهج مدرسته الإصلاحية وروحه الوطنية الثائرة.

اشتهر الشيخ أحمد حماني -رحمه الله- بشدة بغضه للمحتل الفرنسي إلى درجة أنه حاول في تونس تأسيس شبه جيش من الشباب الجزائري في سنة 1944 والتحالف مع القوات الألمانية لطرد فرنسا من الجزائر.

لم تنمح من ذاكرة أحمد حماني بشاعات جرائم الاحتلال الفرنسي في حق الشعب الجزائري وذلك منذ حملة الجنرال السفاح سانت آرنو على منطقة جيجل في سنة 1851 حيث قامت القوات الفرنسية بحرق أكثر من 100 قرية وقتل أكثر من 1500 شخص في الأيام الأولى من الحملة، ولكن سياسة الرعب والترويع التي انتهجها قادة الاحتلال لم تفت في إرادة المقاومة عند أجداد الشيخ حماني الذين تصدوا رغم الفارق المهول في العدد والعتاد مقارنة بقوات الجنرال سانت آرنو وألحقوا بعساكره خسائر كبيرة في معركة “الركابة” الشهيرة بمنطقة بني عيشة ببلدية العنصر، واستطاعوا القضاء على ما يزيد عن 50 عسكريا وإصابة 200 جريح!

انخرط الشيخ أحمد حماني في ملحمة الجهاد بعد اندلاع ثورة نوفمبر 1954 وألقي عليه القبض في سنة 1957 وعرف محنة السجن وصنوف التنكيل والتعذيب على يد قوات المحتل، وقد مكث في السجن حتى سنة 1962 تاريخ استعادة الجزائر استقلالها.

ظل الشيخ أحمد حماني -رحمه الله- وفيا لمبادئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تعلم في مدارسها وعلم في معاهدها وناضل في صفوفها وكتب في جرائدها “الشهاب” و”البصائر”. وبعد إعادة بعث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى النشاط في سنة 1991 انتخب من طرف إخوانه العلماء رئيسا لها وبقي في هذا المنصب إلى جوان 1998 تاريخ رحيله، كما تولى إدارة جريدة البصائر لسان حال الجمعية في سلسلتها الثالثة من 1992 إلى ماي 1993 (تاريخ توقف صدور الجريدة لأسباب مادية وأمنية).

ظل الشيخ أحمد حماني راسخا في مبدئه ومحافظا على موقفه الداعي إلى وأد الفتنة وحقن الدماء ونبذ العنف وتفضيل مسعى الصلح والمصالحة بين الجزائريين، لقد جلب له هذا الموقف الشجاع والمتبصر الكثير من المتاعب والعداوات والانتقادات في أوساط فرقاء الأزمة وأنصار المواجهة وتغليب منطق الصدام.

وحتى قبل هذا التاريخ، أي قبل الدخول في نفق الأزمة الدموية التي عصفت بمقدرات الجزائر طوال أكثر من عشرية كاملة من العنف والدم، كان منتقدو الشيخ حماني يتهمونه بالخضوع لرغبات النظام والإفتاء حسب توجيهات السلطة السياسية وأحسن من رد على كل هذه الافتراءات والأباطيل فضيلة الشيخ الجليل الطاهر آيت علجت بقوله:” إن الشباب الذين ينقمون على الشيخ أحمد حماني ولاءه للسلطة أصبحوا بعد موته يقرؤون كتبه التي يجدون فيها كنوزا عظيمة يجادلون بها ويقدمونها لأنهم أدركوا أنه كان علامة وأنه كان وطنيا وطنية صحيحة”.

ومما ذكره الأستاذ التهامي مجوري في مقال له بعنوان: (في ذكرى وفاة عميد الدعوة الإسلامية في الجزائر) منشور في موقع الشهاب الالكتروني: أن شابا جاء ذات يوم يستفتي الشيح أحمد سحنون -رحمه الله- في مسألة، فقال له: اذهب إلى الشيخ أحمد حماني فإنه أحسن من يفيدك في هذه المسألة، فرد عليه الشاب: أنا لا أثق في الشيخ حماني، وكان الشيخ حماني، رحمه الله، يومها رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى، فقال له الشيخ:” إذا كنت لا تثق في حماني ففي من تثق إذن؟”

وهذه الشهادة تكاد تطابق ما سمعته بأذني من شقيقي الأكبر الشيخ محمد الشريف، الذي كان في السبعينيات إماما متطوعا بمسجد “السلام” بمناخ فرنسا بأعالي باب الوادي، فقد روى لي أنه ذهب ذات يوم مع جماعة من أعضاء اللجنة الدينية لمسجد “السلام” إلى الشيخ أحمد سحنون ـ رحمه الله- بمسجد “النصر” بباب الوادي، وسألوه عن رأيه في بعض المشايخ المعروفين من أعضاء جمعية العلماء الذين تولوا مناصب هامة في وزارة الشؤون الدينية، فذكر لهم الشيخ أحمد حماني بكل خير وأثنى على علمه ودينه، فتعجب أخي ومن معه من كلام الشيخ سحنون الذي كان يعتبر رمزا ومرجعية للأئمة الأحرار الرافضين للوظيفة في المناصب الحكومية، في الشيخ حماني الذي كانوا يعتبرونه آنذاك من موظفي النظام، واستدرك أخي محمد الشريف قائلا: لقد تعلمت منذ ذلك اليوم درسا في أخلاق العلماء وفي ضرورة عدم التسرع في الحكم على الرجال عن طريق الأقوال التي تشاع عنهم هنا وهناك!

ومن الشهادات  التي سجلها بعض الإطارات الدينية الذين عاصروا الشيخ أحمد حماني -رحمه الله- وعملوا معه، شهادة الأستاذ محمد الصغير بلعلام الإطار السابق بوزارة الشؤون الدينية الذي قال: “طلب منا عند تأسيس الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط إصدار فتوى لتشجيع الناس على وضع أموالهم في الصندوق، غير أن حماني رفض ولم يصدرها، وعقدنا اجتماعا درسنا الموضوع وقال بأن وضع الأموال في الصندوق يدخل ضمن الربا، كما رفض إصدار فتوى تبيح إنتاج “بيرا” بدون خمور وهو مشروب خال من الكحول أنتج في الجزائر في سنة 1973  تحت اسم “مالطا” ورغم الضغوط التي خضع لها من طرف نظام الرئيس الراحل هواري بومدين ـ رحمه الله ـ أصر على تطبيق القاعدة الفقهية القائلة: ما أسكر كثيره فقليله حرام”.

ولابد من الإشارة إلى مبادرة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف التي أصدرت في 2012 كتابا بعنوان( الفتوى الوطنية في فكر الشيخ أحمد حماني). ولكن هذا يبقى جهدا متواضعا مقارنة مع ما يستحقه الشيخ أحمد حماني من واجب التكريم والتعريف بتراثه، هذا العالم الجليل الذي كان وما زال مرجعا فقهيا في المذهب المالكي، في الجزائر وفي العالم الإسلامي.

رحم الشيخ أحمد حماني عالم الجزائر وفقيهها المجتهد الذي كان أول من أفتى في العالم الإسلامي في العصر الحديث بجواز نقل الأعضاء البشرية لأغراض طبية.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: