الشيخ المهدي البوعبدلي (1907-1992) راهب التاريخ

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

يعتبر الشيخ المهدي البوعبدلي واحدا من أبرز العلماء الجزائريين الذين اشتغلوا بالبحث التاريخي رغم عدم تكوينهم العلمي في مجال التاريخ الذي تعرض هو أيضا لكل أنواع التشويه التي لا تقل على ما تعرضت له اللغة العربية من مضايقة، وما أصاب الدين الإسلامي من التحريف.

ولذلك فإن الشيخ البوعبدلي تنبّه إلى هذه الخطورة، وانخرط في معركة الهوية في ميدان التاريخ محددا مهمته في « إعادة النظر في البحث في ماضينا، ومعرفتنا بقيمنا الحقيقية، والاعتناء بدراسة هذا الماضي دراسة علمية دقيقة، مجردة من الأغراض والارتجال... وتقديمها للقراء حتى يتسنى للخلف أن يعرفوا حقائق ماضي البلاد بصورة واضحة وأن يطلعوا على المشاكل التي واجهت السلف وتغلب عليها أو تغلبت عليه».

وهكذا ألف كتبا ونشر مقالات ودراسات معتمدا على وثائق ومخطوطات نادرة سلطت الأضواء على شخصيات مغمورة وأحداث منسية ومعالم مهملة. فما هي أهم محطات في حياته العامرة؟ وما هي إسهاماته في مجال الثقافة والتاريخ ؟ وما هي القيمة العلمية لكتاباته؟

مسار في سطور:

ولد الشيخ المهدي البوعبدلي في بطيوة (آرزيو) في عام 1907. درس في مسقط رأسه ثم واصل تعليمه في مازونة. انتقل في عام 1931 إلى تونس للدراسة في جامع الزيتونة على كوكبة من العلماء أمثال الشيخ عبد العزيز جعيط والشيخ البشير النيفر، وغيرهما من علماء الزيتونة العامرة.

وكان من أنجب الطلبة والمقبلين على كسب المعرفة. قال في هذا الشأن زميله في الدراسة الشيخ زاهر الزاهري: «لقد عرفته بتونس بجامع الزيتونة حيث كنا ندرس معا ... فكان مثال الاجتهاد في طلب العلم».

ولم يكتف البوعبدلي بالتحصيل العلمي فقط إذ اهتم كذلك بالنشاط الطلابي، وساهم مع مجموعة من زملائه: الحفناوي هالي، أبو بكر الأغواطي، علي المغربي، عبد المجيد حيرش، وأحمد حماني في تأسيس جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين، وصار من أبرز قادتها.

تخرج في عام 1933 بشهادة التطويع فعاد إلى الجزائر. عمل أولا نائبا لرئيس تحرير جريدة "الرشاد" لفترة قصيرة ثم تركها ليعمل إماما ومفتيا في بجاية، وبعدها عيّن في نفس المنصب بالشلف في بداية الخمسينيات.

وفي عام 1956 انتقل إلى المغرب ا أقصى وقام بمهمات لصالح الثورة التحريرية. وبعد الاستقلال عاد إلى الجزائر، واشتغل بالبحث التاريخي، وتفرغ للعمل الثقافي والدعوي.

ولم يقتصر نشاطه على الجزائر بل ساهم في ملتقيات وندوات دولية في المغرب، وتونس وليبيا ومصر والهند، وباكستان وروسيا، وأذربيجان، وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا.

وربط سلسلة من العلاقات مع مشاهير الفكر والدعوة العرب والمسلمين والمستشرقين، ومن يقرأ مراسلاته المنشورة يتأكد من ذلك بدون مشقة.

كان الشيخ المهدي البوعبدلي يجمع بين الثقافة العربية الأصيلة التي استمدها من كتب التراث وكذلك الثقافة العصرية التي استخلصها من المنشورات الحديثة سواء الصادرة بالعربية أو باللغة الفرنسية التي كان يجيدها، أو مكتسبة من أسفاره المتعددة في الشرق والغرب.

وتقديرا لجهوده العلمية وتتويجا لإنتاجه التاريخي عيّن عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى التابع آنذاك لوزارة الشؤون الدينية، وباحثا في المركز الوطني للبحوث التاريخية، وعضوا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، ومنحت له جامعة وهران شهادة الدكتوراه الفخرية في عام 1991.

ودأب الشيخ المهدي البوعبدلي على البحث التاريخي، والنشاط الثقافي إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في 6 جوان 1992 بعد صراع مع المرض.

الرجل المولع بالمخطوطات:

لم يكن الشيخ المهدي البوعبدلي فقط باحثا في مجال تاريخ الجزائر عبر العصور، يجمع المادة التاريخية القريبة من اليد، ويؤلف الكتب، ويكتب المقالات، بل كان يبحث عن الوثائق النادرة حيثما وجدت، ويجمع المخطوطات النادرة التي كان مولعا بها، مهما بعدت المسافة للاطلاع على محتوياتها، أو الحصول عليها مهما ثقل وزنها وغلى ثمنها.

لقد جمع رصيدا معتبرا من المخطوطات وأنشأ مكتبة غنية بالمطبوعات والكتب القديمة والمخطوطات النادرة، ليس للتباهي بمقتنياتها، أو الافتخار برصيدها، وإنما رغبة في إنقاذ هذا التراث من الضياع، والاستفادة منه في أبحاثه ومحاضراته، وفتحها للباحثين والطلبة ليغترفوا من بحر علومها.

وقد وصف أحد أصدقائه تلك العلاقة المتينة بين الشيخ البوعبدلي ومكتبته العامرة، فقال: «لعلنا لا نجد جملة تعبر عن حبه لمكتبته وغيرته عليها أفضل من مجنون المكتبة، وليس حبه لمكتبته من صنف حب أولائك المظهريين الذين يجمعون الكتب وينظمونها في أشكال جمالية تضفي على المكان رونق بهاء، وتنشر فيه منظر إيهام بالانتساب إلى قادة الثقافة ورجال المعرفة، ولكنه من صنف حب الذين ينسون العالم وما فيه ومن فيه حين تطأ أقدامهم عتبة المكتبة، فيندمجون في ذلك الجو الذي يمتزج فيه الجد في التحصيل بالتقديس للمعرفة فهو كالنحلة المجتهدة تتنقل بين الأزهار طوال يومها لتعود مساء إلى مأواها مستوفرة بالرحيق مثقلة بالشهد».

لم يسعف الشيخ البوعبدلي الوقت والإمكانات المالية لتحقيق المخطوطات التي تحصل عليها ونشرها باستثناء: "دليل الحيران وأنيس السهران وأخبار مدينة وهران" للشيخ محمد يوسف الزياني، و"الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني" للشيخ أحمد بن محمد الراشدي.

غير أنه نشر مجموعة من المقالات، وقدم محاضرات عديدة عرّف من خلالها العديد من المخطوطات النادرة، وسلط الأضواء على عدد من الكتب النفيسة.

وفعلا، صار خبيرا بالمخطوطات وعالما بأماكن تواجدها في الجزائر وفي الخارج ومرجعية في هذا المجال، وهو لا يبخل بها الباحثين الجادين الذين راسلوه في شأنها، وأمدهم بالمعلومات التي استفسروا عنها، وأذكر هنا على سبيل المثال، وليس الحصر: المؤرخين الجزائريين الدكتور أبا القاسم سعد الله والدكتور يحي بوعزيز، والمستشرق الفرنسي جاك بيرك، وغيرهم من العلماء الجزائريين والأجانب.

وقد نشر الدكتور سعد الله 16 رسالة وصلته من الشيخ البوعبدلي، وقد ساعدته في كتابة موسوعته "تاريخ الجزائر الثقافي" لما تحمله من «معلومات أدبية وتاريخية وثقافية ... فهي تتحدث عن كتب وأعلام من المثقفين وعن أنشطة فكرية واجتهادات علمية وأخبار جغرافية، وعن وثائق ومخطوطات ذات أهمية عالية في التاريخ».

محاضرات وملتقيات:

لم يكتف الشيخ المهدي البوعبدلي بالكتابة والتأليف في المجال التاريخي، وهو جالس في مكتبه محاطا بالكتب والمخطوطات وأكوام من الأوراق، بل كان يسافر إلى مختلف المدن الجزائرية من أجل المشاركة في الملتقيات الوطنية حول التاريخ الثقافي والديني والسياسي للجزائر.

وهكذا قدم محاضرات كثيرة حول تاريخ الحواضر الجزائرية مثل الجزائر وتلمسان وبجاية ووهران والمدية وتيهرت...، وسلط الأضواء على أشهر أعلامها في المجالات المختلفة، أذكر على سبيل المثال: عبد الرحمان الأخضري، وصالح بن مهنا، وعلي بن الحفاف، وعبد الكريم بن الفكون، والأمير عبد القادر، والطاهر الجزائري...الخ.

أما المشاركة في المؤتمرات التاريخية الدولية، فإنه كان يحرص على ذلك ليعرّف بتاريخنا الوطني وتراثنا الثقافي في المحافل العلمية العالمية، وأذكر هنا مثالين: أولا: مشاركته في المؤتمر الدولي الذي نظمه معهد فرنسا (الكوليج دو فرانس) بباريس في 20 ماي 1977 قدم خلاله محاضرة عنوانها: "حياة الأمير عبد القادر العلمية وتربيته الدينية حسب الوثائق التي لم تر النور"؛ وثانيا: مشاركته في مؤتمر المستشرقين الألمان المنعقد في مدينة برلين في مارس 1980، وساهم ببحث عنوانه: "توشيح طراز الخياطة بشمائل شيخ شلاّطة" للشيخ محمد العربي بن مصباح.

نظرات عابرة في آثاره:

وما يلفت الانتباه في آثاره هو أن أوج عطائه العلمي كان خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين. ويفسر ذلك بدعم الأستاذ مولود قاسم (وزير الشؤون الدينية آنذاك) له، فكان يقدره كثيرا، ويستكتبه باستمرار للمشاركة في أعمال ملتقيات الفكر الإسلامي، وكذلك المساهمة في مجلة "الأصالة" بأنفس دراساته وأجود أبحاثه التاريخية، وأذكر هنا بالخصوص مقاليه: "أغناتي كراتشوفسكي وآثاره في ميدان الإستشراق العربي"، و"جوانب مجهولة من آثار زيارة محمد عبده للجزائر".

لا يمكنني هنا الحديث عن القيمة العلمية لآثاره التي صدرت في عام 2013 في 8 مجلدات، فهي تحتاج إلى دراسة عميقة، لذلك أكتفي هنا بهذه الملاحظات السريعة، وهي أن كتاباته لا تلتزم بدراسة فترة دقيقة بل تدرس عصورا تاريخية مختلفة، وتعالج موضوعات متعددة ومتشعبة ومكررة، تغلب عليها المقاربة السردية الشمولية كما هو شأن كثير من المؤرخين الذين لم يتخرجوا من الجامعات الحديثة، ولم يستفيدوا من المناهج العلمية المعاصرة.

على أن الجهد الذي بذله للإحاطة بتفاصيل تاريخنا الوطني، ونشر وثائقه ومخطوطاته تجعل معارفنا حول تراثنا الحضاري أكثر اتساعا ووضوحا وفهما.


* أستاذ تاريخ الفكر المعاصر بجامعة الجزائر 2.

آخر التغريدات: