من ذكريات بدر: حماس الشباب

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

قال عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-: "بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع (2) منهما. فغمزني (3) أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي، قال: أخبرت أنه يسب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده (4) حتى يموت الأعجل (5) منا فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي مثلها. فلم أنشب (6) أن نظرت إلى أبي جهل يجول (7) في الناس قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه (8) بسيفيهما يضربانه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه (9) لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وهما معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح".

بيان وإيضاح:

شابان ملأ الإيمان قلوبهما، وعظمت على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- غيرتهما، واشتد على مؤذيه حنقهما فهانت عليهما في سبيل الانتصار له والانتقام من عدوه الظالم نفوسهما، وكل واحد منهما يريد أن يفوز بهذا المقام من إرضاء الله ورسوله فيسأل الرجل الكهل الواقف ينهما ويكتم سؤاله عن صاحبه ويقسم أنه لو رأى عدو الله أبا جهل لما فارقه حتى يقتل أحدهما صاحبه. فيقف هذا الرجل الكهل الذي كان استصغرهما واستضعفهما وود لو كان بين رجلين أقوى منهما- متعجباً آمن أمرهما وما ظهر له من قوة قلبهما وتواردهما في السؤال على غاية واحدة لا يبالي كل واحد منهما في سبيلها بالموت الزؤام. وأراد الله أن يبلغهما تلك الغاية وأن يرى ذلك السيد الكهل تصديق فعلهما لقولهما فرأى أبا جهل يتنقل في الناس فأراهما إياه إراءة واحدة فانقضا عليه كبازيين على الفريسة فأغمدا فيه سيفيهما وشفيا- في الله- منه غيظهما وجاءا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يخبرانه بقتل رأس الكفر وأعظم الأعداء وأشدهم أذى يدخلان الفرح عليه ويبتغيان مرضاة الله ورسوله، وكل واحد منهما يرى أنه قد قتله لما علم من أثر سيفه فيه وصدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- دعوى كل واحد منهما لما رأى من أثر دم عدو الله على سيفيهما وأعطى السلب أحدهما ولم يكن السلب قصدهما فخص- باختياره- من شاء منهما فذهبا طيبة بما صنعا نفوسهما راضية برضى الله ورسوله عنهما.

هذا هو الشباب الحي وهذا هو حماسه الدال على قوة حيويته وصدق عقيدته وهذا هو اندفاعه الذي ميزه الله به عن الكهول والشيوخ وهذه مظاهر حزمه ونشاطه في الإنجاز والتنفيذ، فنعم الشباب أولئك الشبان، ينقضون كالصواعق، ونعم الكهول أولئك الكهول، يثبتون كالجبال.


الهوامش:

(1)القصة وهى في عيون الأثر 1/ 262 رواها مسلم عن يحيى بن يحيى عن يوسف بن الماجشون.

(2)أقوى وأشد.

(3) أشار له بطرفه أو وضع عليه يده.

(4) شخصي شخصه.

(5) الأقرب أجلا.

(6) البث.

(7) ينتقل بينهم لا يثبت في موضع يتفقدهم لأنه كان رأسهم.

(8) أسرعا إليه فناجزاه.

(9) ما عليه من ثياب وسلاح.

الشهاب: ج 11، م 11، ص 594 - 595 غرة ذي القعدة 1354هـ/ فيفري 1936م.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: