الإصلاحى الجزائرى «ابن باديس».. حينما يكون الوطن قبل كل شىء

بقلم: محمود هاشم-

«إن هذه الأمة الجزائرية ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون، ولا تستطيع أن تصير كذلك ولو أرادت، بل هى أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، فى لغتها، وفى أخلاقها، وفى عنصرها، وفى دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود هو الوطن بحدوده الحالية المعروفة».

فى الوقت الذى كان يئن الجزائريون من ويلات الاحتلال، الذى سعى حثيثا لطمس هويتهم القومية، باستبدال اللغة الفرنسية بالعربية، وهدم صروح الثقافة فى تلمسان وقسنطينة، وإغلاق نحو ألف مدرسة فى وجه أكثر ما يزيد عن 150 ألف طالب، وتشريد معظم أساتذة التخصصات العلمية، وحرمان أجيال كاملة من التعليم، فضلا عن الزج برموز المقاومة فى السجون، ظهر رائد الإصلاح فى البلاد الإمام عبدالحميد بن باديس، ليقود جيلا جديدا يؤسس لحركة نهضة واسعة فى البلاد، تترك إرثا لا يزال أثره جليا حتى اليوم.

تلقى بن باديس ــ الأمازيغى الأصل ــ مبادئ العلوم العربية والإسلامية فى جامع سيدى عبدالمؤمن على يد الشيخ حمدان الونيسى القسنطينى، الذى وجهه حينها لطلب العلم دون الاقتراب من الوظائف الحكومية عند فرنسا، ثم التحق بجامع الزيتونة بتونس، كما سافر فى رحلة طويلة امتدت إلى الحجاز ومنه إلى الشام ومصر، للاتصال بعلمائها والاطلاع على ما يجرى بها، فى سبيله إلى إفادة أبناء وطنه بما تلقى من معرفة.

فى أثناء وجوده بالمدينة المنورة، التقى بن باديس بشاب من سنه هو محمد البشير الإبراهيمى، ليتعارفا ويبحثان معا خطتهما الإصلاحية لخدمة البلاد، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر، ويحددان شروط ووسائل نهضتها، وبالفعل بدأ بن باديس المشروع عندما عاد إلى الجزائر، فنفذ نشاطه التعليمى فى المسجد الكبير فى قسنطينة، التى اتخذها مركزا لنشاطه الإصلاحى والسياسى، بعدها انتقل إلى المسجد الأخضر، بادئا بمجموعة قليلة من التلاميذ، حتى نشأت مدارس فكرية متعددة أخرجت العديد من قادة حركة النهضة حينها.

اتجه الإمام الجزائرى إلى الصحافة فى سبيل مواجهة السيطرة الفرنسية على هذا المجال، فأصدر جريدة المنتقد، وكان شعارها «الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شىء»، قبل أن توقف فى عددها الـ18، فيصدر صحيفة «الشهاب» الأسبوعية الإصلاحية، وغيرها.

أسس بن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فى 1931، وكان هدفها تطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد شعلة مقاومة الاحتلال، والمحافظة على الهوية الجزائرية، حيث عملت على نشر إعادة اللغة العربية على نطاق واسع، وإحياء الثقافة العربية الإسلامية، وكانت سببا فى انتشار المدارس فى جميع مدن الجزائر وقراها.

وفى 1936، قاد بن باديس والإبراهيمى، وغيرهما، وفدا انبثق عن مؤتمر التنظيمات السياسية، الذى دعا إليه الأول، لعرض القضية الجزائرية فى فرنسا، لم تستجب باريس لمطالبهم وفشل الوفد فى مهمته، لكن كان قد حرك بالفعل المياه الراكدة فى القضية.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: