عمل ابن باديس التربوي

بقلم: أ.د. عمار طالبي-

إن شخصية ابن باديس ثرية متعددة الجوانب لا يمكن لنا أن نتناولها من جميع جوانبها في مثل هذا الوقت القصير لذا رأينا أن نتحدث عن جانب واحد من جوانبه وهو ابن باديس المربي.

أيها السادة:

يمكن القول بأن ابن باديس إتخذ التربية وسيلة للإصلاح الثقافي والإجتماعي والسياسي لأن الأهداف التربوية عنده تشمل ذلك كله وهو ما سنتحدث عنه فيما بعد.

لقد عالج المصلحون في أوروبا خلال القرن التاسع عشر مشكلة الإصلاح الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، فذهب بعضهم إلى أن السبب في التدهور يرجع إلى فقدان الحرية السياسية، وانعدام حق التصويت وهم البرلمانيون. وذهبت طائفة أخرى إلى أنه يرجع إلى العوامل الإقتصادية واستغلال الإنسان للإنسان وهم الماركسيون.

ورأى المفكرون أمثال تولستوي وبركهارت أن السبب في تدهور الرجل الغربي يعود إلى الفقر الروحي والخلقي، وفرويد كان يعتقد أن المشكلة تعود إلى المبالغة في كبت الغريزة مما ينتج عنه مظاهر شاذة. وكل هؤلاء نظروا للمشكلة من جانب واحد، لأن التعليلات الإجتماعية متشابكة متداخلة، ولا ترجع إلى عامل واحد.

إن النظرية الجزئية تكون دائماً عقبة في سبيل الإصلاح، وما يصدق على الأسباب يصدق على أنواع العلاج التي يمكن لنا أن نعالج بها أمراض الإنسان الحديث، فإذا قررنا أن سبب المرض عامل إقتصادي، أو روحي، أو نفسي، فإن العلاج ينحصر في تلك الناحية المعينة، وأما إذا نظرنا نظرة متكاملة، وقررنا أن للظواهر المرضية نواحي متعددة، وأسباباً متنوعة، فإن الإصلاح يتناول ميادين التوجيه الأخلاقي، والإقتصادي، والثقافي، والسياسي، والصناعي، أما الإنصراف إلى إصلاح حالة واحدة فإنه لا يؤدي إلى نتيجة، بل يؤدي إلى الهدم والتخريب، فالإصلاح الإقتصادي دون تكوين الضمير الديني والخلقي، يؤدي إلى كوارث، وقد ذهب إلى هذا الرأي الأستاذ "أريك فروم" في كتابه المجتمع السليم (1).

وأما فيما يتعلق بالمصلحين المسلمين المحدثين والمعاصرين، أمثال محمد بن عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده- ومحمد إقبال وابن باديس فإنهم رأوا أن التدهور الإجتماعي راجع إلى عدم تطبيق الإسلام، وإلى انفصال الإنسان المسلم عن الحقيقة القرآنية، ومعنى ذلك أن السبب ليس واحداً بل هو مجموعة عوامل وأسباب، لأن الحقيقة القرآنية، حقيقة متكاملة تشمل الحياة الأخلاقية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية أو ما يعبر عنه بالدين والدولة أو الدنيا، وليس الإسلام كالمسيحية التي اهتمت اهتماماً بالغاً بالإصلاح الروحي، وأهملت النظام الإجتماعي، وهو ما أراد بعض الناس أن يطبقه على الإسلام أيضاً.

والشيخ ابن باديس من المدرسة التي ترى أن الإصلاح الاجتماعي يقوم على أساس أن الأخلاق تنبع من الداخل، وأن الوسيلة هي تطهير القلوب، وتغيير النفوس، وهذا يؤدي إلى تغيير المؤسسات الإجتماعية. يقول ابن باديس: (إن الذي نوجه إليه الإهتمام الأعظم في تربية أنفسنا، وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد، وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر) (2).

وهو يعتبر أن العناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها، مستشهداً بقول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} وهو على خلاف المدرسة الإصلاحية التي ترى أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ بتغيير المؤسسات الإجتماعية، باعتبار أن الإنسان صار إلى ما صار إليه، نتيجة للعوامل البيئية، المختلفة. وهو لا يتطرف في هذا، ويرى أن إصلاح المؤسسات الإجتماعية لا بدَّ أن يتساوق وإصلاح النفس وتغييرها، ولكن ينبغي البدء بالإنسان، الأمر الذي تجعله المدرسة الأخرى متأخراً عن المسائل المادية. والوسيلة إلى تغيير الذات الإنسانية وتوجيهها، وإلى تحويل الباطن البشري، الذي هو العامل الأخلاقي الأساسي في كل إصلاح عند ابن باديس، إنما هي التربية. لقد كتب مقالاً تحت عنوان: "صَلاَحُ التَّعْلِيمِ أَسَاسُ الإِصْلَاحِ" يقرر فيه هذه الحقيقة فيقول: "لن يصلح المسلمون إلا إذا صلح علماؤهم، لأنهم بمثابة القلب للأمة، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم "فالتعليم في نظره هو الذي: يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من عمله لنفسه، ولغيره، ولن يصلح التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله، وموضوعه، في مادته وصورته، فقد صحَّ عن النبي فيما رواه مسلم: "إنما بعثت معلماً" وليس المقصود بالتغييرالداخلي، وكون النفس هي أساس الإصلاح ذلك التأمل الباطني، والإنقطاع عن الحياة، الأمر الذي يسخر منه الفيلسوف المربي "جون ديوي" في كتابه "تجديد في الفلسفة" فيقول: "وهكذا فبينما كان القديسون مشغولين بالتأمل فيما يجري في نفوسهم، كان الخاطئون المستهترون يتولون تدبير شؤون العالم" (3) لأن طبيعة الفكر الباديسي أو ميزته العقلية أنه يجمع بين الفكر والعمل، بين النظر والتطبيق، وهي ميزة النفوس القوية، وطبيعة المفكرين المؤمنين. وحياته كلها مصْطبغة بهذا الطابع، ونموذج حي له، وقد عبر لنا عن هذه الحقيقة الحية بقوله: "العلم قبل العمل ومن دخل العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال" (4) ويعتبر أنه لا سبيل إلى محو البدع والضلالات إلا بالعلم والعمل، وإظهار الإسلام بسلوكنا في الحياة، أمام الناس في مظهره الصادق الصحيح، ويرى أن المنهج الذي نجح به المسلمون الأولون في تغيير العالم، إنما هو سلوكهم وتطبيقهم الإسلام على أنفسهم وغيرهم في الحياة" (5) وأكثر من ذلك فإنه أدخل الصناعات التطبيقية في منهاج التعليم، وخصوصاً الصناعة اليدوية. والإنقلاب الأساسي الذي حدث في التربية الحديثة هو التوحيد بين التعليم النظري والعمل اليدوي أو التطبيقي، باعتبار أن العمل نشاط قائم على أساس المعرفة وعلى أساس إدراك المرء لما سيعمله (6).

أهداف التربية عند ابن باديس:

إن أهداف أيِّ تربية تشتق من المجتمع، أعني من فلسفته،ونظرته للحياة، لذا فإن التربية فن يرمي إلى تحقيق القيم التي تعينها فلسفة مجتمع ما من المجتمعات، والتربية من جهة أخرى تعتمد على العلم لاختراع أحسن الوسائل لتحقيق هدفها، فالتربية باعتبارها فلسفة عملية تتصل بالفلسفة وبالعلم في آن واحد، فالفلسفة تحدد الغرض، والعلم يحدد الوسيلة، وهذا العلم هو علم النفس أو علم الطبيعة البشرية (7) وبهذا الاعتبار فإن لكل نظام تربوي مباديء ميتافيزيقية، وأسساً فلسفية يعتمد عليها، وربما تكون الصلة بين فلسفةٍ مَّا ونظامٍ مَّا للتربية غير واضحة، ولكنها موجودة، وبما أن التربية تهدف إلى تكوين مواطنين نافعين في أهداف الجهاز الإجتماعي، وإلى نموِّ الأطفال نمواً إنسانياً كاملاً، كما تهدف إلى مساعدة الطفل، والمراهق، والبالغ، على تكوين شخصيتهم وتكاملها، وتعين الإنسان بما هو إنسان على أن يتسم بما يحقق فيه الطبيعة البشرية في أسمى معانيها، فإن المشكلة الأساسية التي تثار في هذا المجال هي ماذا ينبغي أن يتعلم المرء كي تكتمل شخصيته من النواحي الأخلاقية، والعاطفية، والعقلية، والذوقية الجمالية، والإجتماعية، ثم كيف ينبغي أن نعلِّم أو نتعلم؟

قد يكون هدف التربية قائماً على أساس قيم دينية وأخلاقية أو جمالية ذوقية أو إجتماعية أو مادية.
إن ابن باديس يعتبر من المربين الإسلاميين، وهو يستمد أهدافه من أهداف التربية الإسلامية من ناحية، ومن الحالة الإجتماعية التي عليها المجتمع الجزائري من ناحية أخرى، ولذا فإننا نجده أقرب ما يكون إتصالاً بالنظريات التربوية التي وجدت في الحضارة الإسلامية المغربية والمشرقية. فما هي أهداف التربية الإسلامية على العموم؟

يحدِّد بعض الباحثين (8) أهداف التربية الإسلامية في أربعة أغراض: الغرض الديني، والإجتماعي، والإلتذاذ العقلي، والغرض المادي. أو الغرض الديني، والعقلي، والثقافي، والنفعي، على نحو ما تذهب إليه الباحثة أسماء فهمي بالإستناد إلى المصادر الإسلامية في التربية. من أهداف التربية عند ابن باديس كمال الحياة الفردية والإجتماعية فهذا الهدف مزدوج فردي- إجتماعي معاً يقول بهذا الصدد: "إن كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علماً وعملاً فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والإجتماعية، والمثال الكامل لذلك كله هو حياة محمد- صلى الله عليه وآله وسلم-، في سيرته الطيبة" (9) ومعنى هذا أنه يهدف إلى بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، والشخصية المتكاملة عنده هي ما اكتملت فيها جوانبها المختلفة: الجانب الأخلاقي والعقلي والعملي والعضوي وهذا ما يذهب إليه المربون المعاصرون. ولا بأس من أن نستشهد بنصٍ له في هذا الصدد يقول: "إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم، وقوة الإرادة، وقوة العمل، فهي أسس الخلق الكريم والسلوك الحميد" (10) "وحياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها مبنية على هذه الأركان الثلاث: الإرادة، والفكر، والعمل ... وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لا بدَّ للإنسبان منها، فالعمل متوقف على البدن، والفكر متوقف على العقل، والإرادة متوقفة على الخلق، فالتفكير الصحيح، والإرادة القوية من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم، .. فلهذا كان الإنسان مأموراً بالمحافظة على هذه الثلاثة: عقله وخلقه ودينه، ودفع المضار عنها، فيُثقِّف عقله بالعلم، ويُقوِّم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويُقوِّي بدنه بتنظيم الغذاء، وتَوَقِّي الأذى، والتَّرَيُّض على العمل" (11).

ومن هنا فإنه لا يقصد من بناء الفرد الإسلامي والشخصية الإسلامية الناحية الأخلاقية فقط، ولا الناحية المعرفية وحدها، وإنما يرمي إلى بناء الشخصية البشرية في شمولها وكليتها، ووحدتها، من حيث طرق الفكر، والشعور، والعمل، وهذا ما انتهى إليه المربون المعاصرون كما أشرت إلى ذلك، ومن الأهداف إعداد الفرد للحياة بمختلف ميادينها، وهذا متضمن فيما سبق، وإنما نجد ابن باديس يصرح به بوضوح كامل فيقول: "على المربين لأبنائنا وبناتنا، أن يعلموهم ويعلموهن هذه الحقائق الشرعية ليتزودوا وليتزودن بها، وبما يطبعونهم ويطبعونهن عليه من التربية الإسلامية العالية، لميادين الحياة " (12).

ومن أهدافه العليا في التربية خدمة الإنسانية، ومساعدة الفرد على النمو في هذا الإتجاه الذي يخترم الإنسانية باختلاف مذاهبها ونزعاتها: "إن خدمة الإنسانية في جميع مظاهر تفكيرها ونزعاتها هو ما نقصده ونرمي إليه، ونعمل على تربيتنا وتربية من إلينا عليه" (13).

وبما أنه يتسم بالواقعية فإنه يذكر لنا الوسيلة التي يحقق بها هذا الغرض وذلك أن هذه الخدمة تكون بواسطة لا مباشرة، تكون بواسطة الإسلام أولاً، وبخدمة الوطن ثانياً، لأن الإسلام يحترم الإنسانية في جميع أجناسها، ويقرر المساواة والتراحم والتعاطف بين الناس جميعاً، ويعتقد أن خدمة الوطن تأتي في الدرجة الأولى، ثم تأتي خدمة الوطن المغربي ثم العربي الإسلامي ثم وطن الإنسانية العام، ولا نستطيع أن نؤدي أية خدمة مثمرة لهذه الأوطان كلها، إلا إذا خدمنا الجزائر ويشبه هذا ببيوت في قرية فبخدمة كل واحد لبيته تصبح القرية سعيدة راقية ومن ضيغ بيته فهو لما سواها أضيع.
يقول: "وأنا أشعر بأن كلَّ مقوِّماتي الشخصية مستمدة منه (الوطن) مباشرة، فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة لأنني كلما أردت عملاً وجدتني في حاجة إليه إلى رجاله وماله، وحاله، وآماله، وآلامه" (14).

الواقع أن الأهداف التربوية التي يرمي إليها ابن باديس تتفق مع مذهبه في الإصلاح ومع الواقع الإجتماعي، والحضاري للشعب الجزائري، وهذا ما يفسر لنا تعدد الأهداف التربوية عنده، وتنوع المناشط التي يحقق بها هذه الأهداف، التي يمكن أن نحصرها جميعاً، وأن ترتد كلها إلى هدف واحد أساسي وهو النهضة التي تؤدي إلى الحضارة، وأول خطوة في طريق الحضارة إنما هي تكوين الإنسان وربط أفراد المجتمع في شبكة من العلاقات الإجتماعية لتحقيق هدف مشترك (15) وهذا هو عمل التربية الإجتماعية التي خصص لها حياته كلها، والدليل على ذلك هذا النص: "إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله، إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر" (16).

فشرط النهضة عنده إنما هو إيجاد هذه الجماعة القائدة المفكرة التي تقود المجتمع إلى الحضارة، وعمله التربوي يهدف إلى إعداد هؤلاء الرجال يقول: "فإننا نربي- والحمد لله- تلامذتنا على القرآن، ونوجِّه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوِّن القرآن منهم رجالاً كرجال سلفهم، وعلى هؤالاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها" (17).

وغرض التربية الوطنية عنده، هو المحافظة على الشخصية الإسلامية العربية بكل مقوماتها بل إثراؤها وتجديدها، ولذا فإننا نجد في القانون الأساسي لجمعية التربية والتعليم الإسلامية التي أسسها سنة 1349هـ 1930م: إن غرضها من الوجهة التربوية هو تربية أبناء المسلمين وبناتهم تربية إسلامية بالمحافظة على دينهم، ولغتهم، وشخصيتهم، ومن الوجهة التعليمية تثقيف أفكارهم بالعلم، وتعليمهم الصنائع، ومن الوجهة المالية تعويد للأمة على التبرع المنظم، وتوسيع نطاق الجمعية بجعل قيمة الإشتراك فرنكين (18) وهذا مستمد من الحياة الإجتماعية لأنه رأى أن الشخصية الإسلامية مهددة بخطر الذوبان والإنحلال، وبخطر الإنكار والجحود، وعندما اجتمع بجماعة الشباب المتعلمين تعليماً أوروبياً نصحهم بما يلي: "عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنتشلوها ممَّا هي فيه، بما عندكم من علم، وبما اكتسبتم من خبرة، محافظين لها على مقوِّماتها سائرين بها في موكب المدنية " (19).

الوسائل- نقده للمناهج التربوية لعهده:

تعرض لنقد طرق التدريس في جامع الزيتونة وبين أنها ليست وسيلة تؤدي إلى تحقيق الغرض من التربية كما يتصوره، بل إنما تكوِّن ثقافة لفظية، يهتم أصحابها بالمناقشات اللفظية العقيمة طوال سني الدراسة، ويذكر أن الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، وإنما يغرق في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يظن الطالب أنه فرغ منها، ويتخرج الطالب دون أن يعرف من حقيقة التفسير شيئاً، وذلك بدعوى أنهم يطبقون القواعد على الآيات، كأنما التفسير يدرس من أجل تطبيق القواعد لا من أجل فهم الشرائع والأحكام. وهذا يعتبره ابن باديس هجراً للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم يخدمون القرآن" (20).

وهذا كما ترون أيها السادة: يتعارض مع الهدف التربوي الإصلاحي الذي هو إرجاع ضمير الإنسان المسلم إلى الحقيقة القرآنية، كأنه أنزل على قلبه، واتصاله به من جديد اتصالاً حياً دافعاً للعمل.

ومن وجوه النقد التي يوجهها إلى طرق التدريس في المغرب الإسلامي الإقتصار على دراسة الفروع الفقهية دون الرجوع إلى الأصول، ودون الإعتماد على الإستدلال والتعليل والقياس، بل إنه يعتبر هذا بُعداً عن القرآن وهجراً آخر له يقول: "واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاط المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها" (21) وهذا هو نفس النقد الذي وجهه ابن تومرت للفقهاء في عهد المرابطين، وأبو بكر ابن العربي، ومن قبلهما ابن عبد البر الذي نقد طرائق التعليم في الأندلس، والمغرب على هذا النحو نفسه، الذي سار فيه ابن باديس، مما يجعلنا نعتقد أنه متأثر بهم، وخصوصاً أبا بكر بن العربي الذي اهتم به وبكتابه "العواصم من القواصم" الذي حققه وطبعه سنة 1347هـ 1928 وكذلك ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" والدليل على ذلك أنه استشهد بكلامهما في هذا المجال النقدي وذكر أن هذا الإعراض عن ربط الفروع بأصولها، ومعرفة مآخذها، هو داء قديم في هذا المغرب من أقصاه إلى أدناه بل كان داء عضالاً فيما هو أرقى من المغارب الثلاث وهو الأندلس (22).

وذلك لأن ابن عبد البر (493) يتعرض في كتابه المذكور للتعليم، ويذكر أن الغرض من المناظرات التي تقع بين جماعة السلف إنما هو فهم وجه الصواب والحقيقة، فيصار إليها، ومعرفة أصل القول وعليته فتقاس عليه نظائره وأمثلته، وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجهاً، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان. ومن خالف الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها، فكأنه خالف نص الكتاب وثابت السنة، وقد نصح الطالب بالرجوع إلى الأصول والعناية بها، والإعتماد على النظر والبحث والإجتهاد والإطلاع على مختلف المذاهب والآراء والإستعانة بها (23).

وأما أبو بكر بن العربي فقد وجه بدوره نقداً لاذعاً لحركة التعليم، ومناهج العلم، ورمى الأندلسيين بالتقليد، وبين الأسباب السياسية والإجتماعية التي جعلتهم ينحدرون إلى الفروع دون ربطها بأصولها، مما أدّى بهم إلى الجمود، والتقليد، وهذا ما جعل ابن باديس يقرر أن اقتلاع هذه العادة عسير، وأن الرجوع إلى التفقه في الكتاب والسنة وربط الفروع بالمآخذ والأدلة أعسر (24).

المنهج الذي يراه صالحاً:

بعد أن استعرض ابن باديس بإيجاز تاريخ التربية الإسلامية، فضل الرجوع إلى الطريقة النبوية، وطريقة السلف من الصحابة والتابعين، ويرى أن مبنى التعلم، والتعليم في القرون الأولى على التفقه في القرآن والسنة، ويضرب لنا مثلاً بطريقة الإمام مالك الذي اعتمد في بيان الدين على الآيات القرآنية وما صح عنده من أقوال النبي وأفعاله، وما كان من عمل الصحابة، ولكي يتسق مع نظرته الواسعة، وأُفُقه البعيد، ضرب لنا مثلاً آخر بالإمام الشافعي، وطريقته في كتاب الأم (25) ويعتقد أنه من المحال ضبط الفروع دون معرفة أصولها، والقوانين العامة التي تنضوي تحتها، وهكذا فإنه يتفق مع ابن عبد البر، وأبي بكر بن العربي، وابن تومرت، في المنهج التربوي الصحيح. وابن باديس من ناحية أخرى يبني منهجه على أساس علم النفس ومعلوم أن التربية تطبيق لنظريات علم النفس، كما أن الزراعة تطبيق لعلم النبات، ويبين لنا أن المعلم يحتاج إلى معرفة نفسية المتعلمين وفهمها والتنزل لهم، والأخذ بأفهامهم إلى الهدف الذي يرمي إليه، حسب درجاتهم واستعدادهم (26) كما يحتاج إلى معرفة أساليب التفهيم، وإلى التوسع في العلوم التي تصدى لتعليمها، مع التمرين على التعليم بالفعل، ودراسة كتب فن التعليم (27).

شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وبعث باقتراح إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكلها الباي لسنة 1931م ويتضمن هذا الإقتراح خلاصة آرائه في التربية والتعليم. فقسم إتجاه التعليم إلى قسمين: قسم المشاركة ومدته 8 سنوات وقسم التخصص ويشمل: فرغ القضاء والفتوى، وفرع الخطابة والوعظ والإرشاد، وفرع تخريج الأساتذة ومدته سنتان.

ويبين في هذا الإقتراح منهاج التعليم وطريقة تدريسه كما يلي:

1 - اللغة والنحو والصرف والبيان ويشترط في تدريسها تطبيق قواعدها على الكلام الفصيح، لتحصيل الملكة ويعتبر دراستها بلا تطبيق كما هو المعتاد في ذلك العهد تضييعاً للوقت، وتعطيلاً، وقلة تحصيل.

2 - تاريخ الأدب العربي والإنشاء.

3 - حسن الأداء في القراءة والإلقاء.

4 - العقائد وينبغي أن تؤخذ هي وأدلتها من آيات القرآن وهو يعارض الذهاب مع أدلة المتكلمين، ومصطلحاتهم الجافة، ويعتبر ذلك من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. وقد طبق هذا بالفعل في تدريسه، وفي كتابه "العقائد الإسلامية" الذي نشره الأستاذ الفاضل محمد الصالح رمضان (28)

5 - الفقه بحيث تقرر فيه المسائل مع أصولها دون التعرض لتشعباتها.

6 - أصول الفقه تؤخذ كمسائل مجردة، ثم تطبق على المشكلات الفقهية لتحصل للطلاب ملكة الإستدلال والنظر.

7 - التفسير ويكون حسب رأيه بسرد الجلالين على المتعلم، مع بيان الأستاذ ما يحتاج للبيان، بحيث يطلع الطالب على التفسير بفهم المفردات، والمعاني الأصلية بطريق إجمالي، وكان محمد عبده يقريء الجلالين على هذه الطريقة.

8 - الحديث وطريقة تدريسه هي نفس طريقة تدريس التفسير ويبدو هنا أن ابن باديس متأثر بطريقة محمد عبده الذي كان يستعرض النص ثم يحلِّله بخلاف جمال الدين الأفغاني فإنه يتحدث في الموضوع ثم يستعرض النص في النهاية لتلاوته كتلخيص مفهوم لذلك الموضوع ويؤيد هذا تلميذه الشيخ الجيلاني محمد، الذي يرى أن أسلوبه في التفسير والحديث بأسلوب الأستاذ الإمام أشبه وإليه أقرب، وأبرز مميزاتهما فيه التطبيق والتحقيق وسوق العبر وصوغ العظات (29) كما أن ابن باديس يستعمل طريقة الحوار والإستفهام (30)

9 - التربية الأخلاقية ويعتمد فيها على آيات وأحاديث السلف الصالح وهذا يتفق مع ما ورد في برنامج وزارة التربية الوطنية الجزائرية الحالي (31) في هذه المادة ولا شك في وجود تأثيره فيه.

10 - التاريخ الإسلامي ويؤكد عليه لأن معرفة التاريخ عنده ضرورية للنهضة.

11 - الجغرافية.

12 - مبادىء الطبيعة.

13 - الفلك.

14 - الهندسة.

وهنا يلاحظ ملاحظة طريفة وهي أنه إذا لم يكن في الشيوخ المُعَمَّمِين من يقوم ببعض هذه العلوم فلنأت بإخواننا المُطَرْبِشِين من تونس أو من مصر.

وأما منهاج قسم التخصص في القضاء والفتوى فإنه يحتوي على التوسع في فقه المذهب ثم الفقه العام، ودراسة آيات وأحاديث الأحكام، وعلم التوثيق، والتوسع في علم الحساب وعلم الفرائض، والإطلاع على مدارك المذاهب، حتى يكون الطلبة فقهاء إسلاميين ينظرون- على حدِّ تعبيره- إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة، لا من عين المذاهب الضيقة، وهذه هي نفس النزعة التي يذهب إليها ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي. ومن الكتب التي أوصى بتدريسها على الخصوص كتاب بداية المجتهد لابن رشد.

ومنهج التخصص في الخطابة والوعظ يحتوي على دراسة آيات المواعظ والآداب وأحاديثها، والتوسع في السيرة النبوية وتاريخ نشر الدعوة الإسلامية مع التمرين على إلقاء الخطب الإرتجالية.
وأخيراً فإن منهج التخصص في فن التعليم يشتمل على التوسع في العلوم التي سيعلمها المترشحون ويتخصصون فيها، وعلى الدراسة لكتب التربية وفن التعليم، والتمرين على التعليم بالقيام به فعلاً (32) ولتحسين مناهج التعليم وتقويمها وتوحيدها دعا إلى عقد مؤتمر المعلمين الأحرار في سبتمبر سنة 1356هـ 1937م ومن المشكلات التي عرضت في جدول الأعمال مسألة تعليم البنت المسلمة ووسائل تحقيقه، كما عقد مؤتمر آخر سنة 1354 - 1935 كلف فيه بعض أعضاء الجمعية بكتابة تقارير عن مشكلات التعليم في مختلف أنحاء الجزائر، وعرضت هذه التقارير وسجلت في "سجل مؤتمر العلماء المسلمين الجزائريين"، وألقى هو نفسه تقريراً في التعليم المسجدي دعا فيه إلى تأسيس كلية إسلامية.

المؤسسات التربوية:

علم الأستاذ الإمام في المسجد الكبير وفي سيدي قموش وسيدي عبد المؤمن وسيدي بومعزة ومدرسة جمعية التربية والتعليم والجامع الأخضر وسيدي فتح الله وهذه المؤسسات كلها ما زالت إلى اليوم. كان التعليم في مساجد قسنطينة لا يشمل إلا الكبار، وأما الصغار فإنهم يتعلمون القرآن فقط في الكتاتيب على طريقة المغاربة التي يذكرها ابن خلدون في مقدمته، وأول عمل تربوي تعليمي سجله ابن باديس في قسنطينة كان في سنة 1332هـ فكان يعلم صغار الكتاتيب القرآنية بعد خروجهم منها صباحاً وعشية ثم بعد بضع سنوات أسس مع جماعة من الفضلاء المتصلين به، مكتباً للتعليم الإبتدائي وذلك في مسجد سيدي بو معزة ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة 1917م وفي سنة 1349هـ 1930م تطور مكتب الجماعة إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، حيث حرر ابن باديس القانون الأساسي وقدمه باسم الجمعية إلى الحكومة فصادقت عليه دون أن ترى نتائجه بتاريخ رمضان 1349هـ مارس 1931م واعترفت بالجمعية في الجريدة الرسمية وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس وجاء في القانون: إن مقصود الجمعية نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية، والعربية، والصنائع اليدوية، بين أبناء وبنات المسلمين، وبينت المادة الثالثة الوسائل:

1 - تأسيس مكتب للتعليم.

2 - ملجأ للأيتام.

3 - نادٍ للمحاضرات.

4 - معمل للصنائع.

5 - إرسال التلامذة على نفقتها إلى الكليات، والمعامل الكبرى.

ومكتب الجمعية كان موجوداً في بناية الجمعية الخيرية الإسلامية والجدير بالملاحظة أن القانون ينص على أن البنين يدفع القادرون منهم واجب التعليم، وأما البنات فيتعلمن كلهن مجاناً، وهذا لا يحتاج إلى تعليق. وقد شرع ابن باديس من ناحية أخرى في إلقاء دروس على الكبار أول الأمر في الجامع الكبير، حيث كان يدرس فيه الشفاء للقاضي عياض ولكن ما لبث أن منعه مفتي قسنطينة المولود بن الوهوب. وكوَّن جماعة من الشبان تابعة للجمعية واهتم بتهذيبهم، وتربيتهم، فجعل لهم درساً يوم الأحد من كل أسبوع يعلم جماعة منهم على الساعة 10 صباحاً والأخرى على الساعة 8 مساء حسبب أوقات فراغهم وذلك في أفريل سنة 1933م.

هناك من المربين من يذهب إلى أن المجتمعات تحس بالمسؤولية عن ترببة الأطفال فقط ولا تحس بهذه المسؤولية عن تربية جميع البالغين مهما بلغت سنهم ويعتبر أنه ليست سن 16 - 18 خير فترات العمر للتعلم كما نظن وإنما هي أنسب سن لتعلم أوليات القراءة والكتابة، والحساب، واللغات، ولكن إدراك مغزى التاريخ، والفلسفة، والدين، والأدب، وعلم النفس، محدود جداً في هذه السن المبكرة بل إن سن العشرين التي نعلم فيها هذه المواد في الكليات الجامعية ليست السن المثالية، ولكي يدرك المرء المشكلات المعقدة في هذه الميادين إدراكاً حقيقياً ينبغي أن يتوفر لديه قدر من الخبرة في الحياة أكبر مما يتوفر له وهو في سن التعليم الجامعي، وقد تكون سن الأربعين أو الثلاثين لكثير من الناس أنسب الأسنان لإدراك هذه المواد، وفهمها لا مجرد حفظها، وقد أخذت بعض الدول بهذا المبدأ فضاعفت فرص الدراسة للكبار ونوَّعتها (33)

ولذلك كان ابن باديس يعمل في واجهتين واجهة للكبار وواجهة للصغار وكان مصيباً في ذلك إصابة بالغة.

ومن أهم المؤسسات التربوية الجامع الأخضر الذي أسسه حسين باي للصلاة والتعليم كما هو مكتوب عليه (34) وقد تم بناؤه سنة 1156هـ:

لجنة الطلبة:

كون ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية يبلغ أعضاوها 18 عضواً مهمتها العناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، كما تتولى الإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانة الطلبة، ودعا المسلمين الجزائريين إلى تأسيس أمثال هذه الجيمعية، أو تأسيس فروع لها في جميع أنحاء القطر، ويعلل ذلك بأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم (35) وكان من عادة الأستاذ أن يصدر في كل سنة تقريباً بياناً يبين فيه المواد والكتب التي تدرس، أصدر بيانا بتاريخ 2 رجب 1352هـ 21 اكتوبر 1932م بين فيه المنهاج الذي يشتمل عليه التفسير والتجويد والحديث والفقه والعقائد الدينية والأخلاق والآداب الإسلامية واللغة العربية بفنونها: نحو وصرف وبيان وأدب، والفنون العقلية من منطق وحساب وغيرهما وورد في البيان أن الطلبة المحتاجين تعطى لهم إعانة من الخبز ويسكنون في بعض المساجد.

وفي سنة 1355هـ - 1936م صدر بيان آخر يبين تطور التعليم بالجامع الأخضر فبالنسبة لعدد الطلبة الذي كان في سنة 1933م 100 طالب وفي سنة 1935م 200 طالب أصبح في سنة 1936م 300 طالب بالإضافة إلى الذين سافروا إلى جامع الزيتونة لإتمام دراستهم ويبلغ عددهم نحو 300 أيضاً، كما تطور المنهاج فأصبح يشمل بالإضافة إلى ما سبق ذكره، على الفرائض والجغرافيا والتاريخ والأصول والمواعظ وبين لنا فيه الكتب التي تدرس وهي: الموطأ، وأقرب المسالك، والرسالة، وابن عاشر، والمفتاح، والزنديوي، والتنقيح، والسلم، والمكودي، والقطر، والآجرومية، والزنجاني، واللامية، والسعد، والجوهر المكنون، ومن ديوان الحماسة، ومن ديوان المتنبي، والأمالي، ومن مقدمة ابن خلدون.
والشيء المهم في هذا الطور هو دراسة مقدمة ابن خلدون، والواقع أن هذه الكتب مقسمة على طبقات الطلبة ودرجاتهم الثقافية التي نص على أن عددها أربع طبقات كما تعرض للقائمين بالتعليم وهم الشيخ ابن باديس والشيخ عبد المجيد حيرش، والشيخ حمزة بوكوشة المتخرجان من جامع الزيتونة وبعض العرفاء وكبار تلامذة الشيخ ابن باديس أمثال الشيخ عمر دردور والشيخ بلقاسم الزغداني.

تنظيم الطلبة:

إن الطلبة الذين يدرسون بقسنطينة يمثلون جميع أنحاء الجزائر وفي سنة 1353 - 1934 جاء بعض الطلبة من العمالة الوهرانية فكمل بهم تمثيل الجزائر كلها ويعتبر ابن باديس هؤلاء الطلبة نواة للغاية الكبرى التي يسعى إليها وهي إنشاء جامعة إسلامية أو كلية للعلوم الإسلامية.

قسم ابن باديس الطلبة إلى جماعات وجعل على كل جماعة عريفاً منهم يضبط أمورهم ويراقب سيرتهم، وتوجد لدينا قائمة لهؤلاء العرفاء، موزعين حسب المناطق الجزائرية المختلفة، والعريف معروف في تاريخ التربية الإسلامية وهو الطالب البارز في العلم، قال الإمام سحنون: "أحب للمعلم أن يجعل لهم عريفاً منهم" (36). واهتم ابن باديس من جهة أخرى بصحة الطلاب فجعل لهم جماعة من الأطباء يزورونهم للمعالجة تبرعاً منهم، وهم: ابن الموفق، وزرقين، وابن جلول، وأما ما يتعلق بالتغذية فإن الطلبة المحتاجين يتناولون الأكل عند بعض المحسنين، والمتبرعين من العائلات، وأصحاب المطاعم، والجدير بالذكر أن طباخاً وهو ابن جلول محمود كان يتبرع بتغذية خمسين تلميذاً في مطبخه وكان بعض الخبازين يتبرعون بالخبز وأهل بسكرة يرسلون بأكياس من التمر.

رأي ابن باديس في تعليم المرأة:

إن ابن باديس على بصيرة بما للمرأة من وظيفة إجتماعية تربوية عظيمة، ولذلك فإنه أوجب تعليمها وإنقاذها مما هي فيه من الجهالة العمياء، ونصح بتكوينها تكويناً يقوم على أساس العفة وحسن تدبير المنزل، والنفقة والشفقة على الأولاد، وحسن تربيتهم، كما أنه حمل مسؤولية جهل المرأة الجزائرية أولياءها، والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلموا الأمة رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثماً كبيراً إذ فرطوا في هذا الواجب. واستدل على وجوب تعليم المرأة بالعمومات القرآنية الكثيرة الشاملة للرجال والنساء، وبأحديث شريفة، ومذهبه أن الخطاب بصيغة التذكير شامل للنساء إلا بمخصص من إجماع أو نص أو ضرورة طبيعية، لأن النساء شقائق الرجال، ولا خلاف بين اللغويين والأصوليين في أنه إذا ما اجتمع النساء والرجال، كان الخطاب أو الخبر بصيغة التذكير على طريقة التغليب، واستدل بقوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} (37) وبالحديث الذي رواه أبو داود عن الشفاء بنت عبد الله قالت. ((دَخَلَ عَلَيَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا عند حفصة فقال لي: ألا تعلمين هذه رُقْيَة النَملة كما علمتها الكتابة" (38).

كما استدل بدليل تاريخي، وهو ما استفاض في تاريخ الأمة الإسلامية من وجود العالمات الكاتبات الكثيرات (39).

مواقفه إزاء مقاومة الإستعمار للتعليم:

إنه لا يكفي الوقت لاستعراض تاريخ دفاع ابن باديس عن الحركة التعليمية وجهاده التربوي الذي وقف حياته كلها عليه، لقد تعرَّض لاضطهاد الإستعمار ومطاردته وعراقيله، ولكنه ثبت ثبات الرجال أصحاب المبادىء لما يتسم به من التفاؤل واليقين بأن العاقبة له، وللأمة الجزائرية معتقداً أن كل محاولة لحمل الجزائريين على ترك لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم محاولة فاشلة. وحين أراد الإستعمار منعه من التعليم كتب مقالا تحت عنوان: "بعد عشرين سنة في التعليم نسأل هل عندنا رخصة" (40). وحين صدر قانون 8 مارس 1938م بمنع التعليم كتب مقالاً آخر تحت عنوان: "يالله للإسلام والعربية في الجزائر كل من يعلم بلا رخصة يغرم ثم يغرم ثم يسجن" وأعلن فيه عزمه على المقاومة بكل قوة قائلاً: "وإننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية عقدنا على المقاومة المشروعة عزمنا وسنمضي بحول الله في تعليم ديننا ولغتنا رغم كل ما يصيبنا ولن يصدنا عن ذلك شيء فنكون قد شاركنا في قتلهما بأيدينا وأننا على يقين من أن العاقبة- وإن طال البلاء- لنا وأن النصر سيكون حليفنا (41). وكتب في مناسبة أخرى: "أما الذين يحاربون العربية فهم يفرقون ويشوشون فسيندمون، وتنشر العربية بقوة الحق والفطرة وهم كارهون".

ولا نريد أن نستمر في الإطالة عليكم فإن مواقفه في الدفاع عن تعليم الدين والعربية ضد الإستعمار تتطلب وحدها محاضرة كاملة.

أيها السادة: إن الشيخ ابن باديس أمة وحده إستطاع بمفرده أولاً وبمساعدة إخوانه من العلماء ثانياً أن يقوم بتربية جيل وتكوين أمة، وتبصيرها بشخصيتها ومقوماتها، وهو الذي استطاع أن يضع أصول نهضتنا الفكرية والإجتماعية والأخلاقية والسياسية، وأن الثورة الجزائرية العظيمة في جوانبها النفسية وقوتها المعنوية التي تتمثل في كلمة "الجهاد" ترتد إلى عمله التربوي الخاص والعام، تربية الجيل في المدارس وتربية الأمة في المساجد وبرحلاته في مختلف أنحاء القطر. وإحياؤنا لذكراه إنما هو اعتراف بالجميل، وتخليد لعمله العظيم، وروحه القوية التي تمثل رمزاً من رموز حياتنا العقلية والأخلاقية، وعنصراً من عناصر وجودنا الذاتي، لأن ابن باديس قام بعملية التربية والوعي، تلك العملية التي تعتبر أعمق نشاط يؤديه الكائن البشري على الإطلاق، لأنه به يصنع المادة البشرية الصالحة، ويصوغ الذات الإجتماعية النافعة، ويبني الشخصية المتكاملة الشاعرة بوجودها وذاتيتها وحريتها.
إننا نحيِّي بإقامة ذكراه جرأته، وشجاعبه، وثباته، وتضحيته، وزهده في متاع الدنيا، في سبيل المبدأ، ونطبق ذلك العهد الذي أخذه على نفسه بقوله: "إني أعاهدكم على أني أقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما وإنها لواجبات، وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم" (42) كما نبرهن بهذا أننا سنواصل رسالته ونحقق دعوته التي دعا إليها تلامذته ودعانا جميعاً معهم: "أطلب منكم شيئاً واحداً وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن " (43).

رحمك الله يا ابن باديس في الخالدين والسلام

عمار الطالبي

محاضرة ألقاها مساء السبت 16 أفريل 1966 تحت إشراف وزير التربية الوطنية ومدير التعليم العالي في قاعة المحاضرات الجامعية بالجزائر

الهوامش:

(1) ترجمة محمود محمود القاهرة 1960 ص 181

(2) تفسير آية 84 - 85 من سورة الإسراء.

(3) ص 317.

(4) ج 12 م 8 ص 616 - 618 شعبان 1351 - ديسمبر 1932م

(5) ج 7 م 15 ص 332/ 334.

(6) أنظر المجتمع السليم ص 232.

(7) دراسات في التكامل النفيس للدكتور يوسف مراد القاهرة 1958 ص 257.

(8) خليل طوطم، أنظر التربية في الإسلام لأستاذنا الدكتور أحمد فؤاد الاهوانى القاهرة 1955 م ص 87 - 90 وكتاب التربية والتعليم في الإسلام للدكتور محمد اسعد طلس بيروت 1957 م ص 142.

(9) ج 7 م 15 ص 344 رجب 1358 - أوت 1939.

(10) ج 6 م 22 ص 346.

(11) تفسير آية 62 من سورة الفرقان.

(12) ج 1 م 13 ص 5 - 8 - 1352 - 1937م

(13) ج 10 م 12 ص 424 - 428 والضمير في "عليه" يعود على خدمة الإنسانية.

(14) ج 10 م 12 ص 424 - 428 شوال 1355هـ جانفى 1937م.

(15) أنظر كتاب "ميلاد مجتمع" لمالك بن نبي.

(16) تفسير آية 62 - 63 من سورة النور.

(17) ج 4 م 10 ص 352 ربيع الأول 1353هـ جويلية 1934م.

(18) نشرة جمعية التربية 1354هـ 1936 م ص1 - 4.

(19) ج 8 م 11 ص444، 1354هـ 1935م.

(20) تفسير آية 30 من سوره الفرقان.

(21) ج 12 م 10 ص 518 - 521 شعبان هـ نوفمبر 1934م.

(22) ج 12 م 10 ص 518 - 521 شعبان هـ نوفمبر،1934م.

(23) ص 170.

(24) ج 12 م 10 ص 518 شعبان 1352 - نوفمبر 1934م.

(25) ج 11 م 10 ص 478 - 481 رجب 1353هـ اكتوبر 1934م

(26) ج 10 م 7 ص 601 جمادى الثانية 1350هـ اكتوبر 1931م

(27) ن. ص.

(28) مطابع الكيلاني بالقاهرة دون تاريخ.

(29) ج 7 م 15 ص 328.

(30) ج 7 م 15 ص 327.

(31) المواقيت والبرامج توجيهات تربوية (المعهد التربوي الجزائر 1964 م ص 32 – 33)

(32) ج 10 م 7 ص 601.

(33) المجتمع السليم ص 233.

(34) كتب عليه ما يلي:

السطر الأول: أمر بتأسيس هذا المسجد العظيم.

س2: وتشييد بنائه للصلاة والتسبيح والتعليم.

س3: ذو القدر العلي، والتدبير الكامل، وحسن الرأي أميرنا.

س4: وسيدنا حسين باي أدام الله أيامه وكان تمام بنائه

س5: أواخر شعبان سنة ست وخمسين ومائة والف.

(35) نشرة جمعية التربية 1354 - 1936 ص 1 - 4.

(36) التربية في الإسلام للدكتور الاهواني ص 190.

(37) البقرة 2/282

(38) رواه مسلم.

(39) ج 3 م 25 ص 110. 1358هـ 1939.

(40) الصراط عدد 7 - 1352هـ 1933م.

(41) البصائر محرم 1358هـ أفريل 1938م ص 1.

(42) 7 م 15 ص 346 رجب 1358هـ أوت 1939م

(43) ن. م. ن. ص.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: