الصفات النادرة التي جمعها الأمير عبد القادر في شخصيته

بقلم إدريس جزائري-

جمع الأمير عبد القادر في شخصيته صفات نادرة

أولاً: أنشأ الوطن الواحد المبني على مفاهيم توافقية سابقة لعهده.

ثانياً: إبراز مواهب عسكرية في مفاخره القتالية والتي كانت ومازالت محل إعجاب رغم المحاولات المغرضة للنيل من سمعتها.

ثالثاً: قدوته الفكرية التي نستنير بها لمعالجة المعاداة للإسلام وكذلك لمواجهة الغلاة والتطرف في الدين وقهرهم.

وأخيرًا وليس آَخراً أشير إلى أن الأمير يلح على القيم المشتركة بين الأديان السماوية من أجل الحث على عمل الخير ونشر السلام والوئام في عالمنا المعاصر الذي يعاني من تشويه تلك العقائد بغية إحلال الحرب محل السلام.

قال الشاعر العربي أبو العتاهية، في القرن التاسع الميلادي:

“من الناس مَيْتٌ وهو حيٌّ بذكره * وحيٌّ سليمٌ وهو في الناس ميِّتُ”.

وفي ضوء هذه المقولة، يعدُّ الأمير عبد القادر الجزائري حيا والسبب فعلا في جميع أنحاء المعمورة.

مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة

ما زال الأمير حيا فعلا، لأنه استطاع أن يكون دولة حديثة موحدة من مجموعة من القبائل. ففي أول خطاب ألقاه بعد توليه القيادة، التزم الأمير بدعم سيادة القانون لموظفي الحكومة والمواطنين على حد سواء. وكان الكل يتلقى منه معاملة متساوية، مع عدم وجود أي أفضلية للأقارب. وهذا عكس ما يحصل في الحوكمة المعاصرة من تضارب المصالح بين الدولة والأسرة، وهي مسألة سياسية مثيرة للجدل اليوم في بعض الدول الكبرى التي تدعي تمسكها بالديمقراطية.

وبعد أن فصل السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية، أنشأ الأمير أيضا محكمة النقض لمواجهة مسألة استغلال النفوذ، وهي تعدُّ بالفعل مسألة لا تزال مطروحة في الوقت الحاضر. تعد ملحمة الأمير ترياقا وعلاجا للإسلاموفوبيا اليوم، والذي أصبح مقبولا بكل سهولة في بعض الأوساط بحجة “حرية الرأي”.

ملحمة السيف

حارب الأمير المستعمرين الفرنسيين طيلة سبعة عشر عاما من 1830 وحتى 1847. وشن 116 معركة ضد خمسة أمراء وعشرة مارشالات و150 لواء، ورغم أن عدد جنود الجيش الفرنسي كان يفوق عدد جيشه بنسبة عشرة أضعاف وأنهم يستخدمون أسلحة ثقيلة في ذلك العصر كالمدفع المتحرك الضخم، إلا أن الغزو الفرنسي قد تم ببطء وبشق الأنفس.

هذا، وكان خلفاء الأمير الذين نحن في حاجة ماسة إلى اكتشاف مفاخرهم، وفي طليعتهم شريف بلّحرش، لعبوا دورا حاسما إلى جانبه في المعارك. وكما بقيت إلى الآن شجرة الدردار في الدردارة في ساحل غريس شاهدة على مبايعة الأمير، فإن أشجار البطم ممتدة حول التذكار في كربطيط ببلدية دلدول في مسعد التي تمدنا بظِلالها اليوم، قد شهدت استشهاد 86 من الأبطال الذين لاقوا ربهم في مقاومة الغزاة الإفرنج، وذلك في صفوف شريف بلّحرش إلى جانب الأمير.

وكما قال الأمير:

“سلوا، تخبرْكمُ عنا فرنسا * ويصدقُ إن حكتْ منها المقالُ

فكم لي فيهِمُ من يوم حربٍ * بها افتخر الزمان، ولا يزال”.

وفي ديسمبر 1847، انتهى القتال بموجب معاهدة ثنائية رسمية. ولكنَّ الفرنسيين زعموا أن الأمير قد استسلم، علما بأن المستسلِم يكون بعد هزيمته في معركة، وهذا لم يحدث، ومن المؤسف أن بعض المؤرخين من أصل جزائري الذين يعيشون في فرنسا يدعمون مثل هذه الأكاذيب لإرضاء المستعمر السابق. وتنص هذه المعاهدة على التزام الفرنسيين في جملة ما أتفِق عليه، بنقل الأمير وعائلته وأتباعه إلى الإسكندرية أو عكا. ولكن انتهك الفرنسيون هذه المعاهدة. وقال ثاكري الشاعر الإنجليزي بالإشارة إلى موقف فرنسا: “هل حافظوا على عهدهم؟ هل وجهوا سفنهم تجاه عكا أو الإسكندرية كما تعهدوا بذلك؟ كلا.. بل وجهت الشراع البيض البراقة واللامعة من ميناء وهران متجهة نحو الشمال لترسل هذا الصقر الحر من الصحراء إلى فرنسا!”

المبشِّر في القانون الإنساني

وكون هذه الملحمة مذهلة لا يعني أن هذا هو السبب الوحيد لبقاء ذكر الأمير حياً في أذهان الناس حتى يومنا هذا حسب بيت أبي العتاهية. إن تراثه الثمين على المستوى الروحاني كان هو السبب في هذه الديمومة حيث يُعْزى إلى الطابع العالمي للقيم التي يدعو إليها الأمير ومدى اتصال فكره بمشاغل عصرنا هذا.

على الرغم من قسوة الغزاة الفرنسيين، قاد الأمير حربا تتَّسم بالشهامة. وفي نهاية عام 1830، طرح قواعدَ تتعلق بالمعاملة الإنسانية للأسرى وتطورت عام 1842 لتصبح قانونا لحماية الأسرى، ومنع قانون التعذيب، هذا وقد عادت الممارسة التعذيبية من جديد في عصرنا على يد قوة عظمى لاسيما من خلال طريقة التعذيب بالإيهام بالغرق. إن التمسك بحقوق الإنسان وقت الحرب لا يعدُّ أمرا سهلا، فحتى المملكة البريطانية أعلنت في أكتوبر 2016 أنها لا تلتزم بأحكام المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان وقت الحرب. وفي السياق ذاته، قرّرت إيقاف أعمال فريق التحقيق في الادعاءات الخاصة بانتهاك حقوق الإنسان في العراق خلال حرب مارس 2003.

وقد منع قانون الأمير أيضا سوء معاملة الأسرى وقتْل الجنود الأعداء العزّل أو الأسرى. وفي سجونه، لم يحرم هناك أي محارب عدو من حقوق الإنسان الأساسية. وبالفعل، اعترف القانون بحقوق الأسرى في التجائهم إلى قسٍّ أو في التمتع بالحقوق المادية ذاتها التي يتمتع بها جنود الأمير. فهل يحصل ذلك في سجون جوانتانامو؟

ويعود الفضل إلى هنري دونان الناشط السويسري الشهير، الذي طرح ثاني قانون لحماية أسرى الحرب وأفضى بدوره إلى إنشاء الصليب الأحمر في عام 1863، أي بعد مرور ما يقرب من عشرين عاما على تبني قانون الأمير.

المفند للتأويلات الكاذبة في الدين

أوضح الأمير المعنى الحقيقي للجهاد، وهي كلمة مشوَّهة في وسائل الإعلام الدولية؛ الجهاد الأكبر بالنسبة له، كما هو الحال بالنسبة لجميع المسلمين الحقيقيين، هو محاربة الإغراءات وضعف الشخصية، ومن أجل ممارسة الجهاد الأكبر لجأ إلى التصوف، والجدير بالذكر أنه تم الاعتراف الآن في الفاتيكان بأن التصوف متصل بالروحانية العالمية لاسيما المسيحية منها. هذا وقد مارس الأمير الجهاد الأصغر، المتمثل في حق الدفاع عن النفس وعن المجتمع المستهدَف على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. وكان جهاده محلّ إعجاب المراقبين الأجانب بما في ذلك في أمريكا الشمالية، وقاد هذا الشعور مؤسسو مدينة في ولاية آيوا إلى جعل الأمير رمزا لعشقهم للحرية في الخمسينيات من عام 1800.

وقد تلاشى هذا الفهم الصحيح لمفهوم الجهاد في الغرب في عصرنا. ويُعْزى ذلك للأسف إلى أن الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط التي أساءت استخدام مفهوم “الجهاد” لتبرير جرائمهم الشنيعة. إن التوظيف المضلل لا يختلف عما يفعله إرهابيون آخرون مثل “جيش الرب للمقاومة” الأوغندي الذي يزعم أنه يتخذ من الإيمان المسيحي مصدر إلهام له، أو جماعة “بوكو حرام” النيجيرية التي تفعل الشيء نفسه ولكن باسم الإسلام. هؤلاء الإرهابيون يتلاعبون بالدين قصد إضفاء طابع الشرعية على جرائم تُدينها سائر الحضارات. وأينما تنتشر أسباب ضعف الفهم كالأمية أو الجهل وكذا الإجحاف على نطاق واسع، يمكن أن يمثل هذا الغطاءُ الديني المزعوم مناورة ناجحة لتجنيد وتضليل الأفراد.
ولكن ما يبعث على القلق هو أن وسائل الإعلام العالمية تسمي هذه الجماعات “جهاديين”، وهو مصطلح مفتعَل في اللغة العربية، مما يؤكد في الواقع على شرعيتهم الدينية المزعومة. وبدلا من إدانة تجريم الإسلام، فهم يُضفون طابعا إسلاميا على الجرائم المرتَكبة. ومن ثم، فإن وسائل الإعلام الغربية تزوّد هذه الجماعات بدعاية تساعدهم على التجنيد وتُنمّي التطرف في أذهان المهمّشين الذين سرعان ما يصدقون ما يسمعونه، سواء في الشرق الأوسط أو في الغرب. وكل هذا يجعل الجميع، لا محال يخلطون بين الإسلام والإرهاب. حتى رئيس قوة عظمى يقوم بهذا الخلط حينما منع دخول مواطنين من عدة بلدان مسلمة إلى بلاده. وهذا يوفر دعما إضافيا، نحن في غنى عنه لتجنيد شباب في الشرق والغرب من قبل الجماعات الإرهابية مثل ما يسمى بـ”داعش”. إن أعدادا كبيرة من المسلمين يشعرون بالإهانة بسبب هذا الخلط. وبالتالي يلجأ هؤلاء إلى إدانات جارفة ضد منتقدي معتقداتهم. وهذا يخلق توترا اجتماعيا على الصعيدين المحلي والدولي.

وكان الأمير قد توقع العداء الشعبوي الذي نشهده اليوم. وحينما تناول مسألة المواقف المبنية على معاداة الإسلام قال: “عندما نرى الناس الذين يفتقرون إلى البصيرة والذين يستندون إلى الوهم القائل بأن مبادئ الإسلام تشتهر بالتصلب في الرأي والتعصُّب والأعمال الوحشية، نقول العبارة الآتية: “ينبغي علينا التحلي بالصبر وفي الله وبالله نثق”. وبعبارة أخرى، يوصي الأمير المسلمين، الذين يتعرضون لضغوط متزايدة اليوم والذين يعيشون خارج أراضي أجدادهم بألا تستحوذ عليهم مشاعر الغضب عند هذا الاعتداء على كرامتهم. فوفقا لنصيحته، فإن الروحانية وحدها هي التي ستمكِّنهم من التحلي بالحكمة والتروي ليكون العقل والتدابير سيدا للموقف بغية تقديم الردود المنطقية. وهذه المقولة تنطبق تماما على ما يتعرض له اليوم المسلمون في الغرب من استفزازات بحجة “حرية التعبير”. وقد يشير كذلك إلى بعض الدعاة المعاصرين المتطرفين عندما يكتب، مشيرا إلى الإسلام: “إن الضرر الذي لحق بالتعاليم الدينية يمكن أن يُعْزى للأسف إلى أولئك الذين ادَّعوا بأنهم يدعمون الدين من خلال وسائل غير مناسبة، أكثر من أولئك الذين حاربوا الدين”.

المدعو للتلاقي بين الأديان الإبراهيمية

هذا الرجل الشريف، أكد من جديد التقارب الكبير بين الديانات الإبراهيمية، ولاسيما بين الإسلام والمسيحية. وأكد في رسالة كتبها في يوليو 1862 إلى أسقف فرنسي، مونسنيور بافي، أن تعاليم هاتين الديانتين هي نفسها وهي تكمن في مبدأين: عبادة الله والرحمة تجاه مخلوقاته. وأكد أن الديانتين لا تختلفان إلا فيما يتعلق بالتعاليم الخاصة بأفضل السبل للامتثال لهذه المبادئ الأساسية. واختتم الأمير رسالته المشهورة في كتابه المعنون” ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” قائلا: إن الأديان تُعدّ متكاملة، وكلها ترشدنا إلى التسامح. وهكذا يوحي بان مصطلح كالتعصب الديني أو العنف الديني تناقدَا لفظيا.

وكان التسامح هو السمة المميزة لعمله العظيم في كتابه “المواقف”، الذي كتب فيه: “إن الذات الإلهية في حد ذاتها تكتسي أحوالا كثيرة وترفض البقاء في ذاتٍ واحدة”. وبعبارة أخرى، فإنه يفسر ذلك قائلا إن تصوّر المسيحيين للذات الإلهية تتوافق وحقيقة الإله ولكن حقيقة الذات الإلهية تتعدى ذلك التصور. والمسلمون أيضا من جميع المذاهب لديهم رؤية صحيحة بخصوص الذات الإلهية ولكن حقيقتها تتعدى كذلك هذه الرؤية. فيقول الأمير: “كل من يقيد الحقيقة أو الذات الإلهية في إطار عقيدة واحدة ولا يعترف بهذه الذات في أي عقيدة أخرى، مهما كانت، ينكر وجود الله”، وخلُص إلى أن “الله يحتضن معتقدات كل مخلوقاته كما يختصُّهم برحمته”.

وهذه الرؤية المتمثلة في التقارب الأكبر بين الإسلام والمسيحية، ينبغي أن تسخَّر في خدمة حماية جميع الأقليات الدينية في جميع أنحاء العالم، وتحتاج إلى إعادة اكتشاف مزاياها. وهو ما يدعو إليه القرآن الكريم نفسه في سورة العنكبوت حيث يقول الله”: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(46)”.

وهذا الأمر يتجاوز حقا حدود التسامح التي يجب أن يمثِّل فقط مرحلة انتقالية لبلوغ الهدف المنشود، وهو التعاطف، ثم التلاقي الروحاني.

وقد رأى عبد القادر بن محي الدين، باعتباره صوفيا، أنه فقط من خلال التلاقي الروحاني مع أتباع الديانات الأخرى، يمكن أن يخطو المرء خطوة إلى الأمام في طريق إيمانه. الحوار يبدأ بينك وبيني ثم أصير أنا أنت وأنت تصير أنا. ثم ندرك أنه لا وجود لأحد إلا هو. وهذه، بطبيعة الحال، هي المرحلة النهائية للإيمان والحكمة الصوفية.

لا عجب إذن أنه عندما اندلع في 18 يوليو1860 نزاعٌ أهلي بين المسلمين والمسيحيين في دمشق، حيث استقر الأمير بشكل نهائي في منفاه، دافع بشجاعة عن الأقلية المسيحية المضطهَدة. وكان هناك 14,000 مسيحي في المدينة. وقد نجح الأمير، بمساعدة مائتي تابع جزائري انضموا إليه في منفاه السوري، في جمع 11,000 منهم تحت حمايته. ولم يسمح أبدا، لا هو ولا أتباعه، للحشود الغاضبة بإلحاق الأذى بهؤلاء المسيحيين. غير مبال بالخطر على حياته.

وسأله مراقبون أجانب في وقت لاحق عن سبب تعريض حياته للخطر من أجل إنقاذ هؤلاء المسيحيين في الوقت الذي قام فيه مسيحيون آخرون بغزو بلاده، ودمروها واستولوا عليها؟ فردّ قائلا بأنه قاتل الفرنسيين لفترة طويلة ليس لأنهم مسيحيون بل لأنهم قاموا بغزو بلاده. أما فيما يخص إنقاذ المسيحيين في دمشق من الموت المحتم، فقد امتثل لتعاليم القرآن التي تنص على ما يلي”: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” سورة المائدة الآية 32 (وأضاف في رسالة في عام 1862 إلى الأسقف بافي أن عمله ينبع من اهتمامه بـ”حقوق الإنسانية”، وهو مفهومٌ شبيه بالتنبؤ باعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد مرور 85 عاما. وكان هذا هو فكر رجل الدولة المستنير، الذي كان سابقا لعصره بكل وضوح، وقد أفنى حياته في بناء الوطن الموحد ونشر مفهوم الإسلام الحقيقي وحماية الأقليات والدفاع عن الحق في الحياة الذي يمثل أكثر الحقوق قداسة من بين كافة حقوق الإنسان.


ألقى السفير إدريس جزائري (من عائلة الأمير عبد القادر): مدير مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي المحاضرة في الملتقى الدولي الأول: الأمير عبد القادر في ربوع أولاد نائل ومن جاورهم 1836 ـــ 1847 بجامعة ريان عاشور، بمدينة الجلفة، في أيام 15 و16 و17 أفريل 2018.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: