جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بعد الاستقلال

بقلم: محمّد بومشرة-

يقول شيخ المؤرّخين الدّكتور أبو القاسم سعد الله رحمة الله عليه: "ليس هناك منظّمة جزائريّة كثُر حول دورها الاستفسار والتّساؤل مثلما حدث مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين؛ فمن سائل عن موقفها من السّياسة وقضية الاستقلال الوطني، ومن سائل عن موقفها من الطّرقية ومسألة الإصلاح، ومن سائل عن دورها في الثّورة التّحريرية، ومن مستفسر عن علاقتها بالمنظّمات والحركات الإسلامية الأخرى في العالم الإسلامي..." وأضاف قائلا: "والحقّ إنّه لا تكاد توجد منظّمةٌ وطنيةٌ تركت بصماتها على الحياة الجزائرية، وأثّرت على عقلية أهلها تأثيرا واضحا مثلما فعلت جمعية العلماء.."

إنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين ظهرت في وقتها، من صلب الشّعب الجزائري، ومن محنه وآلامه؛ انطلقت في عملها من قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ." الرّعد-11.

كما استعملوا الوسائل لإخراج الشّعب الجزائري من ظلمات الجهل إلى نور العلم، والاستعداد الكامل لمواجهة هذا الاحتلال الفرنسي، ثمّ الرّضى بما قدّر الله تعالى له إمّا الشّهادة في سبيل الله عزّ وجلّ، وإمّا النّصر المؤزّر المبين.

وأدّت جمعية العلماء دورها الذي بيّض وجوه العرب والمسلمين، كما قال الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي في خطاب له: "لو تأخّر وُجود الجمعية عشرين سنة أخرى لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتنا، ولو سلكنا سبيلا غير الذي سلكناه في إيقاظ الأمّة وتوجيهها في السّبيل السّوي لما قامت هذه الثّورة الجارفة في الجزائر التي بيّضت وجه العرب والمسلمين."

وأدّت الجمعية المباركة دورها شاقّة طريقها قُدُما نحو الأمام حتّى الاستقلال، ليخلفها شيوخٌ علماء يحملون إرثا كبيرا؛ كانوا في بداية الأمر تلاميذ نشؤوا على مبادئ جمعية العلماء، وقد تشبّعوا بفكرها في الميادين من أجل الوطن ومبادئه على الإسلام، (ولا يُنكر هذا إلاّ –جاحد- أو صبي أو غبي أو عقل وراءه خبي) لدور الجمعية خوفا على مصالحهم. قال الشّيخ محمّد العيد آل خليفة –شاعر الشّباب- بعد وفاة الشّيخ عبد الحميد ابن باديس رحمة الله عليهما:

نم هادئا فالشّعب بعدك راشد *** يختطُّ نهجك في الهدى ويسير

لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى *** فالوارثون لما تركت كثير

وبعد الاستقلال يخطبُ فضيلة الشّيخ الإمام محمّد البشير الإبراهيمي أوّل جمعة بمسجد كتشاوة وممّا قال: "أيّها الجزائريّون قد منّ الله عليكم بالاستقلال فطردتم الاحتلال من أرضكم، ألا فاطردوه من قلوبكم!"

وفي سنة 1965 تُحلّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بقرار رسمي بحجّة سياسية من أجل مصلحة البلد؛ محاولين وضعها في متحف للثّقافة والتّاريخ للتّبرّك بها وتقزيمها في الوقت نفسه مستقبلا من قِبل أفراد تغريبيّين فرونكوفيليّين يحملون أفكار الشّيوعيّة والعَلمانيّة استولوا على دواليب الحكم مباشرة بعد الاستقلال وتخندقوا فيه وغاصت جذورهم وامتدّت؛ وكانوا يُشعلون فتيل الفتنة بين جمعية العلماء والطّرق الصّوفية وغيرها في كتاباتهم وجرائدهم، وبين الشّباب المنتمي لهم والشّباب المنتمي للفكر الإسلامي في الجامعات.

وسار التّغريبيّون على المدى الطّويل يُشتّتون الشّعب ويُجزِّئونه ويُقسِّمونه بين هذا مواطن وهذا وطني، وإلى هذا مسلم وهذا إسلامي، ليخلوا لهم الجوّ لتغريب كلّ ما هو أصيل، كما أفلحوا في الإيقاع بين أصحاب فكرة الإسلام هو الحل

وانقسم شيوخ جمعية العلماء إلى قطبين الأوّل عمل داخل نظام الحُكم، لمواجهة هذه الفئة مدافعا على ثوابت الأمّة الجزائرية بكلّ ما أُوتي من قوّة الحجّة، غير أنّ الطّرف الآخر في الحكم كان أقوى في الحيل والخُبث والمكر وقد مرّروا عدّة مشاريع ضدّ مبادئ أوّل نوفمبر 1954 التي قامت عليها الثّورة التّحريرية المباركة.

ومن هؤلاء المشايخ رحمة الله عليهم جميعا، أحمد توفيق المدني، العبّاس بن الشّيخ الحسين، أحمد حمّاني، عبد الرّحمن شيبان وأخوه سعيد شيبان، أحمد حسين، الجيلالي الفارسي، علي المغربي، علي شنتير، علي شرفي، محمّد الأكحل شرفاء، مولاي الحسن البغدادي، محمّد الزّبير، عمّار مطاطلة، سعيد صالحي، أحمد برّي، محمّد الحسن فضلاء، محمّد الطّاهر فضلاء، الصّدّيق سعدي، المنصوري الغسيري، عبد الكريم غريب، علي مرحوم، أحمد جلول البدوي، محمّد لخضر السّايحي، حمزة بوكوشة، محمّد الصّالح رمضان، محمّد الصّالح الصّدّيق، أحمد بن ذياب، أحمد شقّار الثّعالبي، محمّد الطّاهر السّاحلي، أحمد بوروح، رابح بونار، علي عبادة، يحي الضّيف (علي فضّي)، محمّد كتّو، محمّد رحّو، وعبد الوهّاب حمّودة، وأحمد طالب الإبراهيمي، ومولود قاسم نايت بلقاسم، ومالك بن نبي الذي أُوذي من جماعة متطرّفة تنتمي إلى الفكر الشّيوعي وهو عائدٌ من صلاة العشاء.

"فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا." الأحزاب -23- فقد أدّوا ما عليهم وكافحوا من أجل الهُوية والشّخصية الجزائرية من خلال إلقاء دروس توجيهية للعامّة عبر قناة الإذاعة والتّلفزة الجزائرية، أو دروس في النّحو والصّرف وتسمية الأشياء المستعملة في أوساط المواطنين على شكل سكاتش باللّغة العربية عوض الدّارجة أو الكلمات الفرنسية أو الإسبانية.

وفي سنة 1976 سعوا إلى تأسيس مدرسة جزائرية المنهج ضدّ مشروع المسخ والسّلخ والتّغريب؛ كما كانوا ينظّمون ملتقيات دولية سنويا ناجحة عبر ولايات الوطن في الفكر الإسلامي بحضور علماء ومشايخ يمتازون بالمنهج الوسطي المعتدل، واستطاعوا اختطاف مشروع بناء جامعة إسلامية تضاهي جامعة الأزهر أو جامع الزّيتونة أو جامع القرويّين وتعيين فضيلة الشّيخ العلاّمة محمّد الغزالي رحمه الله تعالى مشرفا عليها معيّة شيوخ آخرين.

وتمكّن التّغريبيّون من تمرير الأفكار الهدّامة للهُوية الجزائرية إلى يومنا هذا حيث عجز الاحتلال الفرنسي على تحقيقه طيلة 130 سنة (1830-1962)

وكان العَلمانيّون يتلاعبون سياسيا بل كذبا على الرّؤساء رحمة الله عليهم بدءا بهوّاري بومدين والشّاذلي بن جديد ومحمّد بوضياف والأمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة، وتجرّؤوا بالكيد بينهم وبين شعوبهم.

وأمّا الشّيوخ الذين لم يلتحقوا بالنّظام الحاكم أو خرجوا منه وهم قلّة مصباح حويذق، أحمد سحنون، عبد اللّطيف سلطاني، عمر العرباوي، المكّي عبادة، العربي الشّعاوي،أحمد عبد السّلام، أحمد حفيظ، الهاشمي تيجاني، عبد القادر الياجوري، مختار عنيبة، محمّد خير الدّين، إبراهيم مزهودي رحمهم الله تعالى.

أمّا هؤلاء فتفرّغوا إلى التّأليف والكتابة، وبقوا بمساجد الأحياء لترشيد شباب الصّحوة الإسلامية المباركة بالجزائر وتوجيهها الوجهة السّليمة المبنية على التّقرّب إلى الله تعالى بالعمل لله سبحانه وتعالى، والمزيد من طلب العلم، والتّركيز على جانب الأخوّة، شعارهم وجِّه ولا تواجه، ونبذ كلّ أنواع العنف وأشكال الإرهاب، والصّبر على الأذى.

وزاد انتشار القلق في صفوف العَلمانيّين فاستهدفوا الشّاب الملتحي والشّابّة المرتدية الحجاب بوصفهم عملاء لأمريكا تارة، والإخوان تارة أخرى وأنّهم يوجّهون الأمّة الجزائرية إلى الوراء.. إلى عصر الجاهلية الأولى، وألّفوا نكتا تشوّه صورتهم ونشاطاتهم وتعمّدوا السّب والشّتم وتموّهوا بالزّي الإسلامي لضرب الشّباب الجامعي الذي ينتسب لأفكارهم.

كما عرقلوا مسار كلّ موظّف من الإسلاميّين وحدّدوا مهامهم، وزوّروا لهم السّلم الإداري ولم يسمحوا لهم بالارتقاء في مناصبهم الإدارية أو الوظيفية، وكم من طلاّب ثانويّين أو عمّال طُرِدوا من مؤسّساتهم بتهمة أنّهم ينتمون إلى الحركة الإسلاميّة.

وبينما كان الشّعب الجزائري مشغولا بالسّياسة مندهشا من هذه الدّيمقراطية التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع، تعود جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين من جديد عام 1992 للمّ شتات المسلمين الجزائريّين برئاسة الشّيخ أحمد حمّاني (1915- 1998) وإعادة جريدة البصائر بنفس جديد من شيوخها وأقلامهم السّيّالة، فتلاه الشّيخ علي المغَربي (1915-1996)؛ ثمّ تلاه الشّيخ عبد الرّحمن شيبان (1918-2011) ليليه الشّيخ الدّكتور عبد الرّزّاق قسّوم (1933).

وعلى الرّغم من هذه العراقيل بقي الإسلاميّون متمسّكين بأفكارهم مواصلين المشوار في قطاعات التّربية والتّعليم أساتذة ومعلّمين أو عمّالا بمؤسّسات الدّولة، وحتّى عامّة النّاس الذين ساعدوهم على تبليغ الرّسالة، وبناء المساجد في الأحياء الجديدة والقرى، وانتشار الحجاب في المؤسّسات التّعليمية من المتوسّط حتّى الجامعة، وإلقاء دروس الجمعة أو ما بعد صلاة المغرب تطوّعا. ممّا زاد غضب العَلمانيّين شيئا فشيئا إلى أن اخترعوا الخامس أكتوبر 1988 الذي حصد الأخضر واليابس وأعاد العمل الإسلامي إلى الوراء بسنوات.

واليوم هاهي النّخبة التّغريبية تتلاعب بثوابت الأمّة انطلاقا من المدرسة الجزائرية، بتقليص الحجم السّاعي لمادّة التّربية الإسلامية وحذف البسملة من الصّفحة الأولى لكلّ الكتب المدرسية، وإلغاء شعبة العلوم الإسلامية من الثّانويّات، والتّدخّل غير المنطقي في المدارس القرآنية، وكثرة الأخطاء في الكتب المدرسية بحجّة خطأ مطبعي! ولا معارض لما يفعلون!

واقلع جذور الخائنين *** فمنهم كلّ العطب.

وقد أعجبني تعليق المفكّر التّونسي الأستاذ الفاضل راشد الغنّوشي رئيس حركة النّهضة في كلام عقلانيّ محلّلا التّجربة الإسلامية في العالم:

"عندما أخذنا معظم السّلطة أخذناها على قراءة خاطئة، على أساس أنّنا أخذنا الأغلبية، دون أن ننتبه لميزان النّخبة الذي نحن ضعفاء فيه؛ الذين انتخبوا الرّئيس مرسي 51% فارغة من ميزان القوّة، والذين عارضوه 49% مليئة بالقوّة الصّلبة (المال، الإعلام، القضاء، الشّرطة، الجيش، الاقتصاد، الفن، أصحاب المصالح والنّفوذ ...إلخ)

جبهة الإنقاذ في الجزائر حصّلت عام 1991 على 80% من الأصوات العاطفية النّاعمة، في حين كانت النّخبة والقوّة الخشنة مع الـ20% والحصيلة 250 ألف قتيل، ورجوعٌ للخلف عشرات السّنين.
لا يمكن أن نحكم مجتمعا رغم نخبته، إلاّ إذا مارسنا قدرا عاليا من العنف وهذا آثاره كارثية..
نحن الإسلاميين فقراء من حيث القوّة الصّلبة، فقراء في النّخب، لأنّنا لم نأخذ وقتنا، خرجنا من السّجون وعدنا من المهاجر واختارتنا النّاس بالعواطف، فكيف لنا أن نحكم بهذا الغثاء العاطفي النّخب التي في أيديها كلّ شيء؟! معظم معاركنا هي للمحافظة على الوجود وليس للتّجديد والتّطوير والإبداع."

فيا شباب الجزائر المسلم هكذا كونوا أو لا تكونوا، فكلام الشّيخ راشد في القمّة من تجربة ميدانية، ولكن لا حياة لمن تنادي ما دام هناك من الإسلاميّين الذين يحملون الأفكار نفسها والمنهج نفسه والهدف نفسه وعملهم مبني على الإقصاء والتّهميش والكواليس..

وأخيرا لا يمكن لي أن أكتب عن مراحل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بعد الاستقلال في سطور أو بعض الصّفحات، بل قمت بتسليط الضّوء فقط على مراحل هامّة جدّا، وذلك للتّوضيح لجيل ظهر بعد سياسة التّعدّدية في الجزائر أنّ عليهم بالعِلم ثمّ العِلم لأنّ العَلمانيّين لهم علم واسع وثقافة عميقة في التّاريخ الإسلامي والحركات الإسلامية، وعليها يبنون أسيجة ليحموا أنفسهم ويستعملوا الهجوم على الإسلاميّين، وهم مستمرّون في تكوين شباب يحمل أفكارهم ورسالتهم ضدّ شباب المسلمين.

فلا تكونوا يا شباب الإسلام في موقع الدّفاع بل تعلّموا وتثقّفوا الثّقافة الإسلامية وحتّى العَلمانية وغيرها لتكونوا في موقع الهجوم؛ لأنّهم لا يقدرون على الحوار المبني على الهجوم بالحجّة الدّامغة فتاريخهم أسْود حالك.

واليوم وجب عليكم يا شبابنا حمل المشعل الوطني بروح إسلامية رفيعة بالأخلاق لمواجهة سياسة التّغريب من أبناء جلدتنا الذين يتكلّمون بألسنتنا، وقد تشبّعوا بالمنهج العَلماني كحلٍّ للأزمات على الرّغم من بقائهم في السُّلطة خمسة عقود ونيّف يتراوحون تارة، وتارة أخرى يتحرّكون بخطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف، وذلك أثناء تصريحاتهم المراطونية أو خطاباتهم في حملاتهم الانتخابية:

"الجزائر في طريق النّمو!.." حتّى عبّر بعض الشّباب على صفحاتهم فعلّقوا قائلين: إمّا أنّ الطّريق طويل جدّا؟! وإمّا أنّنا أضعنا الطّريق؟!

لا يخدعنّك هُتاف القوم بالوطن *** فالقوم في السّرّ غير القوم في العلن.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: