أيها المسلم الجزائري

 

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

هاك وصايا نافعة مختصرة على وجه الإجمال، وسنعيدها عليك مختصرة على وجه التفصيل.

هاك آدابًا تقتضيها إنسانيتك ويفرضها عليك دينك وتستدعيها مصلحتك في هاته الحياة..

هاك ما أن تمسكت به كنت إنسان المدينة ورجل السياسة وسيدا حقيقيا يرمق من كل أحد بعين الاحترام والتعظيم.

حافط على صحتك فهي أساس وشرط قيامك بالأعمال النافعة لفنسك ولغيرك، تجنب العفونة فإنها مصدر جراثيم الأمراض ومثار نفور وبعض لطلعتك، ومجلبة سببَّ لجنسك ولديك الشريف البريء منك في مثل هذه الحال.

تظف بدنك، نظف ثوبك، تبعث الخفة والنشاط في نفسك، وتنيل في عين غيرك وتجلبه إلى الاستئناس بمعاشرتك.

قه أهلك وولدك ومن إلى رعايتك مما تقي منه نفسك، وسيرهم على نظام صحي وقانون أدبي تكفل سعادة عائلتك ورخاء عيشتك، وهدوء بالك.

حافظ على عقلك فهو النور الإلهي الذي منحته لتهتدي به إلى طريق السعادة في حياتك.

فاحذر كل (متعيلم) يزهدك في علم من العلوم، فإن العلوم كلها أثمرتها العقول لخدمة الإنسان ودعا إليها القرآن بالآيات الصريحة، وخدم علماء الإسلام بالتحسيس والاستباط ما عرف منها في عهد مدنيتهم الرقية والغربية حتى اعترف باستاذيتهم علماء أوروبا اليوم.

واحذر كل (متريبط) يريد أن يقف بينك وبين ربك ويسيطر على عقلك وقلبك وجسمك ومالك بقوة، يزعم التصرف بها في الكون، فربك يقول لك إذا سألت عنه : "فإني قريب" الآية. ويقول لك : " ألا له الخلق والأمر " وأن الأولياء الصالحين بعيدون، عن كل تظاهر ودعوى بالزهد والتواضع والتقوى، يعرفهم المؤمن بنور الإيمان وبهذا الميزان.

واحذر من دجال يتأجر بالرقي والطلاسم، ويتخذ آيات القرآن واسماء الرحمن هزوءًا يستعملونها في التمويه والتضليل و(القيادة) و(التفرق) ويرفقونها بعقاقير سمية فيهلكون العقول والأبدان.

حافظ على مالك فهو قوام أعمالك، فأسلك كل سبيل مشروع لتحصيله وتنميته، وأطرق كل باب خيري لبذله.

وأحذر بالوعة المضاربات الربوبة في معاملاتك ومن مسارب الرسف في جميع ملذاتك إذا كانت من المباحات، دع ما إذا كانت من المحرمات.

حافظ على حياتك، ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميل عاداتك، وإذا أردت الحياة لهذا كله، فكن ابن وقتك تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل.

كن عصريًا في فكرك وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك وفي تمدنك ورقيك. كن صادقًا في معاملاتك بقولك وفعلك.

إحذر من التوحش فإن المتوحش في عصر المدنية محكوم عليه طبيعًا بالتناقض ثم الفناء والاضمحلال والاندثار، كما فنيت جميع الأمم المتباعدة عن التمدن والرقي.

إحذر من التعصب الجنسي الممقوت فإنه أكبر علامة من علامات الهمجية والانحطاط. كن أخًا إنسانيًا لكل جنس من أجناس البشر وخصوصًا ابن جلدتك المتجنس بجنسية أخرى، فهو أخوك في الدم الأصلي، على كل حال كن محسنًا لكل أحد من كل جنس ودين فدينك الشريف يأمرك بالإحسان.

حافظ على مبادئك السياسية ولا سياسية إلا سياسة الاتباط بفرنسا(1) والقيام بالواجبات اللازمة لجميع أبنائها والسعي لنيل جميع حقوقهم فتمسك بفرنسة العدالة والأخوة والمساواة فإن مستقبلك مرتبط بها.

ثق بأن سياسة الصدق والصراحة والإخلاص المرتكزة على الحب والعمل والتعاون، لا بد أن تظهرك أمام العالم بمظهرك الحقيقي رغم كل الغيوم التي ينشرها حولك خصومك ومنافسوك فتعطيك حينئذ فرنسا جميع الحقوق كما قمت لها بجميع الواجبات وتحيا حياة طيبة كجميع أبناء العالم العالمين المخلصين(2).

 

1- هذه  تقية من ابن باديس لأنه يؤمن بأن الشعب الجزائري سيستقل عن فرنسا متى حان الوقت، وقد حان وتحقق ذلك في عام 1962 م.

2- جريدة الشهاب عدد 94، السنة الثالثة، 15 صفر 1345 هـ / 23 أوت 1926 م، وذلك قبل أن تتحول إلى مجلة شهرية ابتداءا من سنة 1929 م.

آخر التغريدات: