جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خطة شاملة لاتستعاة التاريخ الهُوية

بقلم: د.جمال حضري-

حين تصدق الوجهة مع الله تعالى تتجاوز جهود أي هيئة حدود الزمان المكان، وعوض أن يطويها النسيان ويتجاوزها الزمن، تستعصي على الإنطفاء وتتجاوز التاريخ. تلك هي حال هذه الجمعية الربانية وحال ما قامت به لإرساء هوية الشعب الجزائرى وتثبيت وجوده. وما أحرى حملة المشعل من بعدها أن يقرؤوا مسيرتها بعد ثمانية عقود ونيف قراءة المستلهم المقتدى، كيف لا وقد نهضوا لما نهضت له، وتشوفوا لذات الغرض الذي استهدفته فأصابت غرته ونالت ذرته.

نقلة العمل الجماعي..

لم يكن إعلان قيام جمعية العلماء يوم الثلاثاء 17 ذي الحجة 1349 هـ الوافق لـ5 ماي 1931 بنادي الترقي حدثا طارئا في حياة الثلة من علماء الجزائر ومصلحيها الذين تصدوا لهذه الرسالة الجليلة. بل إن أغلبهم قد أمضى سنين عديدة من عمره في نشر العربية وتربية الناس على الإسلام النقي من شبهات التعطيل، بل حتى في تأسيس الجرائد والنوادي والجمعيات الثقافية. فقد كانت تلك حال ابن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي والعربي التبسي وأبي اليقظان وغيرهم. فما إن عادوا من تحصيل العلم من الشرق حتى باشروا العمل كل حسب طاقته. فالجديد ليس همّ خدمة اللغة والهوية العربية الإسلامية للشعب الجزائر، يلكنّه الإيمان بضرورة العمل الجماعي، الذي تذوب فيه الصدارة للشخص، وتمحى فيه السمعة للفرد وتنطمس من أجله الوجاهة. وليس وراء هذا الإيمان الوليد غير تجربة مريرة مع مستعمر لئيم، يقتات على تشتت الجهود وتبعثر الطاقات.

خطط للتعليم وللخطاب المسجدي لدحر التجهيل والشعوذة

ولم تمض على تأسيس الجمعية سنوات معدودة، حتى أثمر غرسها وتناثر على القطر الجزائري الميمون من خلال عشرات المدارس النظامية الت نقلت التعليم العربي من هامش الحياة إلى قلبها.
وانتفضت منابر المساجد تحت وقع خطبا الجمعية النين جابوا البلاد يصلون بواديها بحواضرها، وينشرون روحا جديدة في العبادة وفهم الدين والحياة، لم يكن للناس عهد به. ولا أدلّ على ذلك من خطة رئيس الجمعية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي يمضي أسبوعه في التعليم في المسجد الأخضر بحاضرة الشرق قسنطينة، فإذا كان يوم الخميس ركب القطار ويمّم شطر مدينة من مدن البلاد، فيصلها ليلا أو نهارا ليصلي الجمعة فيها ويخطب في الناس،ويحضّهم على تعليم أولادهم وإرسالهم لمدارس الجمعية مهما بعدت الشقة، ثم يقفل راجعا ليكون صباح السبت في قسنطينة مستأنفا عمله فيها. ومثل هذه خطة رفاقه جميعا. فقد حملتهم هممهم على الترحال الدائب حتى تلتئم عقول الأمة جميعا بفهم واحد ووعي حي ولسان نقي من شوائب التغريب والتبعية. خاصة وأن البعض من أبناء جلدتنا قد غاص حتى الركب، بوعي أو بغفلة، فيتنفيذ خطة المستعمر في ترسيخ الجهالة وتأبيد البدع وترسيخ المذلة للمستعمر كمظهر لفهم الدين!!

منابر إعلامية تلاحق تزبيف الماضي والحاضر..

وأسند هذا الجهد الإصلاحي التعليمي والزبوي جهد لا يقل خطورة وفعالية هو الحضور الإعلامي والصحافي. فقد دأبت الجمعية كهيئة وكذلك رجالها بشكل فردي على تأسيس الجرائد والدوريات لتحقيق أهداف عديدة، ليس أقلها صناعة جيل من الأدباء والمثقفن، وفتح منابر النشر أمامهم حتى تستقيم قناة لغتهم وأجناس إبداعاتهم. كما سمحت هذه النهضة الصحفية بربط الجزائر بالبلاد العربية والإسلامية من خلال نشر الأخبار والتطرق إلى هموم المشرق والمغرب. ولا يخفى ما لهذا التواصل من دور في تقويم الهوية الوطنية ومن شرايينها في فضائها الطبيعي، بعد أن كاد المستعمر أن يجعل من بلادنا قطعة منسلخة عن محيطها وملحقة بجغرافيته وتاريخه.

ولأن العدو فطن إلى خطورة الصحافة فقد طاردها بالتعطيل، فتصدوا لذلك بالعزيمة التي لا تفل من خلال معاودة التأسيس كما جرى مع المنتقد ثم الشهاب فالشريعة المحمدية والسنة النبوية وأخيرا البصائر التي تأسست في 1935. وكأننا بصدد ملحمة إعلامية خاضها باقتدار مشايخ خرجوا للتوّ من عرصات المساجد وحصائرها، ليخوضوا هذا الكفاح المجيد في سبيل دينهم ولغتهم بكل وعي وصبر وثبات.

نوادي للانبثاث الاجتماعي والسياسي..

وبمناسبة ذكر المساجد التي انطلقت منها شرارة الإصلاح وبقيت تمده بالحياة، فقد انتبه العلماء إلى دور النوادي الثقافية كفضاءات أخرى للاحتكاك بالناس بل بنخبة المجتمع من سياسين ومثقفن. وقد سمحت تلك النوادي لرجال الجمعية من الانخراط في الحياة العامة وتجاوز الدور الفقهي والتعليمي إلى دور فارق ومتميز في أحداث الوطن. فقد التأمت في نادي الترقي الكثير من الاجتماعات التي كان لها دورها في توعية نخبة المجتمع بألاعيب المستعمر السياسية ومشاريعه المشبوهة، التي عكستها القوانن المتوالية للانتقاص من حق الشعب الجزائري في حياة كريمة. وكم كان للشيخ الطيب العقبي من صولات في نادي العاصمة تضاهي نضالات مصالي الحاج وتغطي عليها أحيانا.

ومشاركة الجمعية في اطؤتمر الإسلامي (1936) أو في الوفد الذي سافر إلى فرنسا لتوضيح مواقف الجمعية خير دليل على الانخراط التام والشامل في كل ما يخص مصائر الأمة. ولنا أن نعجب اليوم ممن يتجنى على الجمعية أو رجالها، ويعزل هذا الزخم الهادر في زاوية العمل الثقافي أو في غيره من الوجهات، وهي جهود حقة وثابتة، ولكن الواقع أوسع من ذلك والميراث أضخم من أن يحشر في أي زاوية مهما اتسعت. فقد امتد وعي العلماء برسالتهم حتى خاضوا بها كل مناحي الحياة، وصاولوا المستعمر في كل منحى امتدت إليه يد فساده، وحيث وصلت تلك اليد بالتشويه وصلت جهود الجمعية بالإصلاح، حتى تم مراد الله تعالى بالثورة والاستقلال كثمرة لتلك الجهود الخالصة.


د.جمال حضري- أستاذ جامعي – سطيف

المصدر: مجلة الإرشاد العدد 5 – ماي-جوان 2015 م.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: