الحركة الإصلاحية المجيدة

بلقلم: د. نورالدين ثنيو-

في مثل هذا اليوم من عام 1931، ظهرت في الجزائر المستعمَرَة، حركة إصلاحية، أطلقت على نفسها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وآلت على نفسها أن تستعيد من السلطة الاستعمارية الدين الإسلامي واللغة العربية، بعد وَعْيِها أن هذين المُقوِّمين، أساس الشخصية القاعدية للمجتمع الجزائري الآيل إلى التَّشكل أمة/ دولة.

فقد حرص رجال الإصلاح على الاستثمار في مقَوِّمات الذات كأفضل سبيل إلى ارتياد المركز القانوني والسياسي الحديث، الذي يتساوق ومقتضيات الدولة الحديثة. فالإصلاح، كما التَمَسَتْه جمعية العلماء يتسع إلى الدين والدنيا والدولة والمجتمع، فقد كان الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لهذه الجمعية، مصلحا في المدينة بما تعنيه من مرافق وأفكار ومفاهيم ومؤسسات ونمط حياة.

لم تكن جمعية العلماء كسائر الجمعيات، لأن السلطة الفرنسية تعاملت معها كحزب سياسي، ووصفتها بحزب العلماء، لأن الجمعية من طبيعة خاصة، جاءت من صلب الاستثناء الذي انتهجته الإدارة الاستعمارية في الحالة الجزائرية، أي أنها لجأت إلى سياسة أهلية استثنائية، تستقل بجملة من التدابير والإجراءات، ضمنتها مدونة الأهالي. وعلى خلاف ذلك، مددت قوانين الدولة على الفرنسيين والأجانب في الجزائر. فهذا الوجه المفارق للحياة المدنية الحديثة والمعَبِّر عن الوضعية الاستعمارية هو الذي سعت الحركة الإصلاحية الجزائرية إلى محاولة تجاوزه وتخطيه، من أجل استعادة مقومات الذات وبلورتها في سياق مؤسسات الدولة الحديثة.

كانت جمعية العلماء، التنظيم الوحيد الذي شذ عن القاعدة، ولم تُعَامل كما جرى التعامل مع سائر الجمعيات، سواء أكانت ذات توجه سياسي أو خاصية مهنية أو اجتماعية أخلاقية أو دينية. فتوكيدها، منذ بداية النهضة العربية، على استعادة الدين الإسلامي واللغة العربية، وما يمكن أن يفضيا إليه من تداعيات، هو الذي رشَّحها إلى الارتقاء إلى مكانة الحركة الإصلاحية المجيدة، لأن تراثها المجيد استفادت منه كافة التشكيلات السياسية، التي خاضت الكفاح ضد النظام الاستعماري. فالخطاب الإصلاحي كما أفرزته جمعية العلماء هو خطاب وطني بامتياز، انطوى على أهم وأعم قاسم مشترك حدد المجتمع الجزائري الباحث عن التغيير والتحول.

وعليه، فقد كانت جمعية العلماء، بناء على التحليل التاريخي، هي الاستثناء الذي واجه الاستثناء الاستعماري وصارعه في المضمار الذي سبق للإدارة العسكرية والإدارية والسياسية أن صادرته طوال احتلالها للجزائر، ونقصد الدين الإسلامي واللغة العربية. فقد عُرفَ عن الدين الإسلامي في القرن التاسع عشر، أنه مجموعة من الشعائر والطقوس وممارسات من البدع علقت بالدين، حوّلته إلى وثنيات ونظم من الطرق تتمسك بها الدهماء والعوام، وتتوسط شيوخ الزوايا. بينما اللغة العربية تدنت وتدحرجت إلى لغة ممارسة العبادات من صلاة وأدعية ومراسيم احتفاء، وحرمت من إمكانية تواصل الجزائريين مع بعضهم بعضا، ومع تراثهم العلمي العظيم، عملت الإدارة الفرنسية على إبعادها عن المجال الرسمي العام، ولم تحفل بها كلغة حضارية وقناة تواصل مع الجزائريين. وكان هذا بالضبط ما حاولت الحركة الإصلاحية، عبر برامج جمعية العلماء، أن تستعيده وتتواصل معه إلى آخر نتيجة له: أن يصير الإنسان الجزائري الأهلي مواطنا كامل الحقوق والحريات في نطاق دولة تحمي أمته.

كان الإصلاح يعني في الحالة الجزائرية، طوال النصف الأول من القرن العشرين، مواجهة المؤسسات الطُّرقية ونظمها القائمة على تقديس الشيخ والعائلة، وتمجيد عادات وتقاليد تكلست في زمن تراجع التاريخ العربي وحضارته من دين ولغة. فقد انبرت الحركة الإصلاحية للفكر الخرافي ومتوالياته من البدع والأساطير والأوهام، لكن الحقيقة أن معنى الإصلاح لم يكن قاصرا على هذا فحسب، بقدر ما اتسع أيضا إلى مواجهة النزعة الاستعمارية التي لازمت مؤسسات السلطة الفرنسية في الجزائر.

قد تطلب الأمر، بداية من تأسيس جمعية العلماء المسلمين، أن ينهض المصلحون بمهمة الحد من غلواء وشطط الاستعمار من داخل المؤسسات، والسعي للوصول إلى المجال العام من سياسة وإدارة، كأفضل سبيل حديث للنهضة والرقي وتعديل شرط حياة الجزائريين. ونعتقد، تجنبا للنيل من قيمة النشاط الكبير الذي اضطلعت به الحركة الإصلاحية، خاصة رمزها ابن باديس، أن نلتفت أيضا إلى دورها في نقد الاستعمار واستثمارها في المجال الذي تخلت عنه الإدارة الفرنسية، ونقصد الدين الإسلامي واللغة العربية والتقاليد والأعراف والأحوال الشخصية.

ظهرت الحركة الإصلاحية الجزائرية في سياق مدني وسياسي حديث لم تعهده الحركات الإصلاحية الدينية السابقة التي كانت تأتي لحظة أُفُول كل قرن. فقد جاءت الحركة الإصلاحية في جزائر « تزخر» بمؤسسات إدارية حديثة تعكس وضعية استعمارية اتسمت بالتعدد والاختلاف والتنوع الذي يأبى أي احتكار للحقيقة، سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو حتى ثقافية/ دينية. في مثل هذا السياق الجديد كل الجدة على الجزائريين، اجْتَرَح رجال الإصلاح مشروعهم من أجل النهضة الجزائرية الشاملة، وهم على وعي بأنهم لا يمتلكون كل حقائق المجتمع الجزائري، وأن أفضل سبيل إلى النهضة واستعادة ملامح الأمة وخصائصها هو إصلاح الوضع عبر مؤسسات الدولة ونقد قوانين السلطة الاستعمارية بمقابلتها بمعاني العدل والإنصاف وروح المدنية الحديثة والحرية والمساواة.

إن «نقد» المصلحين للوضع الاستعماري، كما نشرحه في هذا المقال، مفهوم يساعد على فهم أفضل لتاريخ الحركة الإصلاحية، عبر شخصية ابن باديس، في مواجهتها ليس للطرفية ومظاهرها فحسب، بل مواجهتها أيضا للسلطة الاستعمارية. ومن هنا، يمكننا أن ندرك حقيقة الحركة الإصلاحية التي واجهت عبر الإصلاح الوضع الديني المتَخَلِّف ومتعلقاته في الجزائر، كما تصدت بالنقد لمعاملات الإدارة الاستعمارية حيال الأهالي المسلمين، وما أنجر عن كل ذلك، إضافة معنى النقد لمفهوم الإصلاح في حالة الحركة الإصلاحية، عبر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بذلك يستقيم فهم دور الإصلاحيين في الجزائر الذي انطوى على الإصلاح الديني ونقد الاستعمار.

واليوم، نحتاج إلى العودة إلى التاريخ، وإلى تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية على وجه الخصوص، لكي نقف على النقائص والفجوات التي اعترت مسيرة نظام الحكم سواء في مرحلة الاستعمار أو ما بعده. فالعالم العربي برمته يعاني من مشكلة حقيقية مع الدين في صلته بالدولة وبالعالم. الأمر الذي يتطلب أيضا من الجميع أن يفكر في موضوع الإسلام على مستوى العالم، وبالقدر الذي يساعد على إدراج الدين والأخلاق ضمن مقوّمات المجتمع الإنساني المأمول. فتجربة جمعية العلماء، من هذا المنظور أمدت البحث التاريخي بكيف يمكن لحركة أن تستثمر في مقومات الذات وتصل بموجب ذلك إلى الإستقلال التاريخي للأمة والمجتمع.


كاتب وباحث جزائري

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: