في ذكرى تأسيس أم الجمعيات -1-

بقلم: التهامي ماجوري-

أم الجمعيات في الجزائر، كما كان يسميها الشيخ عبد الرحمن شيبان -رحمه الله- هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذكرى تأسيسها هي الخامس من شهر مايو، وهي الذكرى السابعة والثمانين لتأسيسها، حيث أسست في مثل هذا اليوم من سنة 1931.

وكان تأسيسها استجابة لجملة من الدواعي الموضوعية، التي تفرضها طبيعة مجتمع مستعمر، يبحث عن الخلاص من مظالم قوى غاشمة، كتمت أنفاسه منذ ما يقارب القرن من الزمان، حرم فيها العلم والعمل والثروة والحرية والتقدم؛ بل ومنع من استعمال لغته وثقافته وتدينه في حياته اليومية. وهذه الجملة من الدواعي يمكن اختزالها في أربعة أساسية هي:

أ‌- النداء الشرعي/ ب- النداء السياسي/ ج- النداء التاريخي/ د- التفاعل مع الواقع:

أ‌- أما النداء الشرعي، فإن من مسلمات الأحكام الشرعية عند العلماء المسلمين، واجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]، والدعوة إلى الخير، أصل من أصول رسالة الإسلام؛ لأنها عبارة عن بحث عن الأفضل دائما، وليس هناك حد أو سقف يقف المؤمن عنده في طلبه الأفضل والأنفع، مهما كان واقع الأمة في ارتفاع أو تدني.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوجب، عندما يختفي المعروف في المجتمع ويستشري المنكر فيه؛ بل يفرض على الأمة الانتفاض من أجل استعادة التوازن المطلوب في المجتمع، كما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم “مَن رأى مِنكُم مُنكرًا فليغيِّرهُ بيدِهِ، فإن لَم يَستَطِع فبِلسانِهِ، فإن لم يستَطِعْ فبقَلبِهِ. وذلِكَ أضعَفُ الإيمانِ” (رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري). والعلماء بلا شك هم أول من يخاطب بهذه النصوص القرآنية السنية؛ لأنهم يمثلون قيادة ومرجعيته؛ لأنهم يمثلون نخبه وقدراته التوجيهية.

ومن ثم فإن الشعور بهذا الواجب لم يفارق العلماء –سواء في بلادنا أو في غيرها من بلاد المسلمين-؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم ركنا من أركان المجتمع الذي يطالب بالحركة من أجل الارتقاء بالمجتمع وبإشاعة المعروف فيه والتصدي للمنكر بكل الأنواع والصنوف المبطلة لمفعوله، بحيث لا يمكن استبعادهم أو تجاهل مكانتهم في كل حركة إصلاحية أو تغييرية؛ بل إن بعضهم ذهب إلى أن العلماء يمثلون سلطة لا تفوقها إلا سلطة الإمامة، وعندما تسقط السلطة كما في واقع بلادنا أثناء الفترة الإستعمارية، فإن القيادة تنتقل إلى القيادات العلمية من شيوخ الزوايا والعلماء والعاملين..، من الذين تصدوا للإستعمار بكل ما أوتوا من قوة، ولذلك كانت الحركات الجهادية كلها أو جلها بقيادات علمائية طيلة مقاومات القرن التاسع عشر. وبعد فشل المقاومة ومطاردة العلماء وتغريبهم والتضييق عليهم، لم تتوقف الحركة العلمية عن القيام بواجبها الشرعي المشار إليه آنفا، وإنما أحدثت طرقا جديدة في المقاومة، التي سميت بعد ذلك بحركة الإصلاح، وإلى جانبها الحركة السياسية بشقيها الإصلاحي والثوري.

نشأت التجربة الإصلاحية التي مهدت لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع سنة 1913، أي قبيل فشل آخر محاولة جهادية سنة 1916.

في تلك السنة -1913- تخرج الشاب عبد الحميد بن باديس -24 سنة- من جامع الزيتونة بتونس، وسافر إلى الجزيرة العربية والتقى بالشاب محمد البشير الإبراهيمي -24 سنة- المقيم بالمدينة المنورة التي سبقه إليها قبل سنتين ملتحقا بوالده، وناقشا معا موضوع النهوض بالشعب الجزائري الذي أنهكه الجهل والفقر والتخلف والكيد الاستعماري البغيض، ثم عاد ابن باديس إلى الجزائر ليشرع في العمل من أجل النهوض بالشعب الجزائر وفق خطة عملية تبدأ من صياغة الفرد الجزائري الذي مضى على “إرادة مسخ الاستعمارية” متكاملة الأركان، في الدين والثقافة واللغة والسياسة، ما يقارب القرن من الزمان، فاتخذ من المسجد الأخضر منطلقا لدعوته التربوية العلمية الإصلاحية…، ولما تقدمت الأمور قليلا، أطلق مشروع العمل الإعلامي، بالكتابة بالصحف الموجودة، ثم بإنشاء جريدة المنتقد، ثم جريدة ومجلة الشهاب.

ب. أما النداء السياسي فإن فشل حركة المقاومة السياسية المسلحة، وخلو الساحة من حركة سياسية استقلالية قوية، يحتم على العلماء أن يفكروا في بديل سياسي يحافظ على شخصية المجتمع الجزائري ويحفظ له توازنه.

إن الجمعية عندما تأسست لم تَدَّع أنها ستكون حزبا سياسيا، أو أنها ستمارس السياسة على طريقة الأحزاب أو النخب السياسية الموجودة يومها؛ بل العكس كانت تقول إنها لا تهتم بالسياسة، ولكن منطق الأشياء يفرض أن كل من يهتم بالشأن العام، سوف يكون سياسيا بالضرورة، وسوف يكون لقوله وفعله وحركته أبعادا سياسية حب أم كره، وإنما الفارق بينه وبين السياسي الحزبي، أن مجاله أوسع وأعمق؛ لأنه ممارسته للسياسة سوف تكون بعملية تثقيفية تغوص في عمق المواطن والوطن، وليس مجرد تسجيل الحضور في المناسبات الانتخابية والمهرجانات الترويجية وربما التهريجية.

فتأسيس الجمعية إذا هو استجابة في جانب من جوانبه لنداء البعد السياسي للمجتمع، ولو لم يكن من تأسيس الجمعية إلا أنها جمعت علماء الجزائر أو أغلبهم على الأقل في إطار مشروع إصلاحي متناغم الساحات والفروع، ولملمة المجتمع على الالتفاف حول مشروع عملي يساهم قي البناء الفردي في المجتمع، لكان وحده كافيا “كتهمة أو فضيلة سياسية” للجمعية ورجالها، وكذلك فعلت الإدارة الإستعمارية وإداراتها الأمنية خلال الفترة “1931-1956″، ومن يقرأ التقارير الأمنية للإدارة الإستعمارية لهذه الفترة يدرك أن الجمعية كانت تعامل على أنها أخطر تنظيم يهدد فرنسا في الجزائر.

ج‌. أما النداء التاريخي، فإن ميلاد الجمعية كان وفق حاجة تاريخية، واستجابة لتحديات حضارية دولية، في وقت كان فيه واقع الأمة يتدحرج إلى أن وصل الحد الذي “توج” بسقوط الخلافة الإسلامية، بعد سقوط أو تدني المستوى الحضاري الذي انطلقت بوادره منذ قرون. فلم يبق من الروابط والعلاقات التي تربط بين أطراف العالم الإسلامي، إلا الدين وبعض القيم ذات المظهر الفردي، ولذلك أنشئت الكثير من الجماعات والجمعيات في العالم الإسلامي، الوهابية في جزيرة العرب، والمهدية في السودان، وجمعية العلماء في الهند، والحزب الإسلامي في أندونيسيا، وحركة سعيد النورسي في تركيا، والشبان المسلمين والإخوان في مصر…. وإلى ما هنالك من الجماعات، وكل ذلك لتعوِّض الأمة ما فقدت من قيم الجماعة، التي كان يجسدها الهيكلة السياسي في ظل الخلافة، أو الولايات القائمة في بلاد المسلمين يومها.

كما لا يخفى أن ذلك استجابة لصيحة موقظ جمال الدين الأفغاني كما يقول مالك بن نبي رحمه الله، وتجاوبا مع حركة الإصلاح للشيخ محمد عبده وتلامذته رحمهم الله جميعا، التي ذاع صيتها بانتشار مجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبد.

وجمعية العلماء كغيرها من تلك الجماعات، من الوجهة التاريخية نشأت استجابة لهذا المنطق الذي يحكم دورات التاريخ، وقد كان تأسيسها مسبوقا بدعوات ومبادرات سابقة. فقد كانت محاولة إنشاء جمعية باسم “جمعية الإخاء العلمي” في سنة 1924، وكان التنسيق بين العلماء العاملين، يوحي بالحرص على ضرورة إنشاء وعاء جامع بينهم، لا سيما فيما بين أولئك العلماء الذين يمتلكون قدرا هاما من العلم الممزوج بالتجربة العملية الثرية، أمثال ابن باديس والإبراهيمي والحافظي والتبسي والعقبي والمدني والميلي… وغيرهم وغيرهم كثير.

ورغم غياب هذا الوعاء فإنهم لم يستسلموا للتشتيت والتمزيق، وإنما كانوا يبنون جسور التواصل بينهم بطرق مختلفة، منها الزيارات والكتابة في الصحف، وإقامة المدارس وبناء المساجد والتدريس فيها وإنشاء النوادي….إلخ.

د. التفاعل مع الواقع، ويتمثل في الرد السريع على ما قررته فرنسا التي قررت في سنة 1930 أن تقيم احتفالا بالذكرى المائوية على احتلال الجزائر -1830-1930، تشيع فيها جنازة الإسلام من الجزائر، فكان من المناسب ومن التفاعل الإيجابي من حركة العلماء أن تنشأ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في العام الموالي، كرد فعل إيجابي بفكرة كانت تختمر في أذهان رجالها قبل أن تجد لها الزمن المناسب، وقد حان.

فإنشاء جمعية العلماء ليس مجرد رد فعل غير واعي، أو انفعال غرائزي أو استجابة بافلوفية على الذكرى المائوية، وإنما كان مبنيا على مقدمات طبيعية، كان لها موانع ومبررات موضوعية لعدم ظهورها، وقد زالت بظهور فكرة الاحتفال المئوي، فاستجابت لنداءات شرعية وسياسية وتاريخية وأخيرا تفاعلية. والدارس لهذه الحركة لا يقف على عواطف منفصلة عن عقول نيرة مستمدة قواها من الوحي الأعلى، ومن صميم الخبرة التاريخية الإنسانية..، وفي ذاك اختلفت الجمعية عن الكثير من الحركات المماثلة لها والمشتركة معها في الإرادة الاستقلالية عن الإستعمار والقوى الغربية، ثقافة وسياسة وأخلاقا.

يتبع

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: