صالح بن مهنا القسنطيني (1840-1910)

بقلم: أبو منصف-

ولد صالح بن مهنا في قرية كركرة قرب مدينة القل سنة 1840 م أين حفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم الأولى، ثم رحل كغيره من أبناء قسنطينة إلى جامع الزيتونة بغية طلب العلم ثم إلى الجامع الأزهر من أجل متابعة التحصيل. وقد تتلمذ في الزيتونة والأزهر على عدد كبير من المشايخ الفضلاء منهم: عبد الله الدراجي أصيل أولاد دراج بالحضنة، الذي ألف في سيرته كتاب (إسعاف الراجي في بعض مأثر عبد الله الدراجي) والشيخ محمود قابادو التونسي،الشيخ صالح النيفر، الشيخ محمد النيفر الأكير، الشيخ المازري الشيخ عاشور الساحلي التونسي، شيخ الإسلام زكريا، الشيخ إبراهيم الباجوري الأزهري، الشيخ مصطفى العروسي شيخ الجامع الأزهر، وغيرهم من أهل العلم والفضل، وقد ساعد التنوع الكبير في المشايخ صالح بن مهنا على اختيار طريق الإصلاح رغم علمه بصعوبته. ثم إن صاحب الترجمة لما امتلأ علما ونال مبتغاه عاد إلى الجزائر سنة 1887م واستقر مدة من الزمن بزاوية الشيخ بلقاسم بو حجر حيث تفرغ للتدريس، ثم استدعي إلى قسنطينة ليشغل منصب إمام بالجامع الكبير (بني في عهد الدولة الزيرية سنة 503 هـ-1136م) الذي بقي فيه عدة سنوات وتولى إلى جانب ذلك مهمة التدريس بالزاوية الحنصالية تطوعا في جميع المواد الدراسية فأدى المهمة عر أحسن وجه وأكمله فكانت مدة تدريسه قرابة الثلاثين عاما.

ومن خلال مذكرات شاهد القرن، نجد الأستاذ مالك بن نبي كثير الحديث -وفي عدة مناسبات- عن آثار محمد الصالح بن مهنا القسنطيني في الحياة العامة من قسنطينة ومقاطعاتها أوائل القرن العشرين. فقد خلف الرجل العشرات من المؤلفات في مناحي الدين وإصلاحه منها: البدر الأسمى في بيان معاني نظم الأسماء الحسنى، كتاب شرح ابن عاشر، السر المصون على الجوهر المكنون، شرح الجزائرية الكبير، الوسط،الصغير... وغير هذه المؤلفات في الفقه والتوحيد والتفسير والردود على أهل الشبه.

وقد كان للشيخ تلاميذ كثر، نذكر هنا بعضا منهم الشيخ رودسلي عبد الكريم بن عمر، الشيخ المختار بن صالح، الشيخ يوسف بن بروال، إلشيخ علي بن اليسري، الشيخ محمد بن مسعود حماني والد الشيخ أحمد حماني، الشيخ عبد المجيد بن بريك وغيرهم ممن سار عل درب شيخه في طريق الإصلاح. شن الشيخ صالح حملات عنيفة ضد الذين يجعلون من التصوف شعوذة ووسيلة للاسترزاق، وقد أثار الشيخ صالح بن مهنا أيضا قضية الأشراف التي كانت منتشرة في وقته حيث كان الكثير
من الدجاليرن ينسبون أتفسهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فثار على هذه القضية معتبرا أن الشرف مرده إلى التقوى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وكان الشيخ صالح كثيرا ما يحمل على الزردة والمشعوذين في كتبه ودروسه، كما كان للشيخ ابن مهنا جهود جليلة في تعريف أهل المشرق بالمغرب العربي حيث أنه ساد لديهم أن دول المغرب نسخ من تركيا أو من الغرب الأوربي.

تعرض الشيخ صالح بعدما عرف بجهوده الإصلاحية وأرائه إلى محن عظيمة تمثلت في تأليب لسلطات الاستعمارية للناس عليه، ثم ما لبثت هذه السلطات أن عزلته من وطيفة الإمامة وألقت القبض عليه واستولت على مكتبته الثمينة، لولا رعاية الله إذ تدخل المستشرق البان روزي لدى السلطات الاستعمارية وطلب فك أسره وإرجاع مكتبته.

ولم يتعرض الشيخ صالح لهذه المحن فقط بل تعرض إلى محن أكبر من بني جلدته، خاصة عندما أثار الشيخ مسألة الأشراف وقال إنهم يحاسبون عن أعمالهم مثل كل الناس وأنهم غير معصومين، ردا عل رسالة أحمد بن دادا المشهور بأبي الهدى متخرج من «القرويِّين» سمَّاها (ضوء الشَّمس) نوَّه
فيها بالأشراف، وبالغ في ذلك، ردَّ عليه الشيخ صالح بن مهنا بالعلم والدليل في رسالة سمَّاها (تنبيه المغترين في الرَّدِّ على إخوان الشياطين)، وصادف ذلك ظهور الطبعة الأولى لـ(رحلة
الورتلاني؛ بتحقيق صالح بن مُهَنَّا في تونس سنة 1321 هـ-1903م، علّق فيها على قول الورتلاني: ((أنَّ الأشراف ثلاثة أقسام: طائعون ومستورون ومتجاهرون، والتعظيم للقسمين الأولين دون الثالث... فهذه الفرقة الثالثة، أي: العصية من الأشراف غير معتبرة عندنا))، فعلق ابن مهنا بقوله: ((قلتُ: دلَّ كلامه على أن من خالف السنة والشَّرع غير معتبر ولو كان مُدَّعيا للصَّلاح أو الشَّرف أو العلم)). ثمَّ ختم: ((وكذا الشيخ مؤلف هذه الرِّحلة (يقصد الورتلاني) لأنّه صرَّح بشرف هذه الفرقة المذكورة ثم قال: فهذه الفرقة غير معتبرة عندنا، وناهيك به علمًا، وديانة، وصلاحًا، وولاية فأين هو من أولئك الحمير)).

فهاج القوم، وكلَّفوا أقدر واحد عل الهجاء آنذاك: الشيخ عاشور الخَنْقِي 1929-1848))، فكتب كتاب (منار الأشراف على فضل عصاة الأشراف ومواليهم الأطراف) سنة 1332 هـ/1914 م، حيث أن الخنقي ختم كتابه بقصيدة «ترقيص أطفال الكتاب بالصالح بن مهنا الكذاب» من بحر الرمل مطلعها:

عجبا لابن مهنا صالح كيف تهنا *** هد من كل اعتبار شرف الأشراف منا

ثم لما لم يقض الخنقي شيئا بسبب قوة ابن مُهَنَّا العلمية استنجدوا بشيخ الإسلام بالدّيار المغربية: الشيخ الوزَّانيّ، وردَّ على الشيخ ابن مُهَنَّا بكتاب (السَّيف المسلول باليد اليمنى لقطع رأس ابن مُهنا)،وهو موسوعة شتائم.

في سنة 1910 م أسلم الشيخ صالح بن مهنا روحه إلى باريها وقد أدى ما عليه من نصح وإرشاد وتوجيه ونشر للعلم الصحيح وثورة عل البدع أهلها، لقد كان بحق مصلحا عظيما فرحمه الله رحمة واسعة.


أبو منصف – أستاذ جامعي

المصدر: مجلة الإرشاد العدد 4 – أفريل 2015 م.

آخر التغريدات: