الظواهر الصوتية ودلالاتها في خطب البشير الإبراهيمي

بقلم: فاطمة بن عدة -

مرّت الخطابة الجزائرية بمراحل في العصر الحديث، وذلك لحاجة الشعب الجزائري إليها، بدءا من ثلاثينيات القرن قبل الماضي -القرن التاسع عشر- فكانت أولها تلك التي كان يلقيها الأمير عبد القادر ومعاصريه كعمه أبو طالب، وجاء بعدهم «الأشراف والمرابطون الذين تميز بهم العهد من 1848م إلى 1882م، وكادت أن تنحصر خطبهم في السياسية والجهادية، فكانوا يستشهدون بآيات من القرآن الكريم، ومن هؤلاء: الشريف بوبغلة، والشريف يوزبان، والشريف محي الدين بن الأمير، والمرابط محمد الحداد، والمرابط بوعمامة»(1) حيث كانت الخطابة وسيلة لإشعال نار الغيرة الوطنية، وتزرع في نفوس الشعب الجزائري روح الجهاد والنضال، والاقتداء بالأولين في الجهاد والتضحية في سبيل الوطن.

ومع بداية القرن العشرين، وجد محمد بن الموهوب الذي كان «مدرسا وفقيها ومفتيا وخطيبا وناقدا وشاعر وناثر... ولابن موهوب تلاميذ أشهرهم عبد الحميد بن باديس الذي حضر بعض دروسه في الجامع الكبير»(2) وواصل الشيخ عبد الحميد بن باديس بعده نهجه الإصلاحي، فأسس جمعية العلماء المسلمين. واشتهر في هذه الفترة مجموعة من الخطباء من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نذكر منهم أبو يعلي الزواوي، والطيب العقبي، والعربي التبسي، ومحمد خير الدين، وأحمد توفيق المدني، والشيخ البشير الإبرهيمي الذي اشتهر بلغته الأدبية المؤثرة، ومن هنا جاء تساؤلنا كما يلي: ما هو الدور الذي تلعبه الظواهر الصوتية في توجيه دلالات النصوص الخطابية؟

الظواهر الصوتية في خطب البشير الإبراهيمي:

تساهم الظواهر الصوتية التي تتحقق من خلال النطق في العملية التأثيرية التواصلية بين المرسل والمستقبل؛ وذلك «لأن ما يستطيع الكلام أن يعبر عنه لا من المعاني العامة فحسب، بل من الأحاسيس والمشاعر الشخصية بصفة خاصة تعجز عنه اللغة المكتوبة عجزا جرئيا أو كليا»(3) لهذا تحول الاهتمام من المكتوب إلى المنطوق خصوصا في الدراسات الصوتية، ذلك لأن الخطاب المنطوق أكثر تأثيرا لما يحمله من خصائص إلقائية، كالنيرات، والنغمات، والإيقاع التي تجلب الانتباه، وترك الأثر في نفس المستمع، وذلك كون الخطبة عبارة عن تركيب لغوية، تحمل دلالات صوتية تتحقق من خلال الإلقاء.

وينبغي أن يوظف الخطيب مجموعة من التقنيات، تجعل خطابه مؤثرا بطريقة فنية؛ لأن الفن هو «جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة المشاعر والعوطف»(4) وإذا ارتبطت الفنية بالكلام وطريقة الإلقاء، فينبغي أن يلجأ الخطيب البارع إلى توظيف مجموعة من الوسائل المؤثرة التي تثير عواطف ومثاعر المتلقي، لأن الفنية «لا تأتي ولا تكون بمجرد المعرفة النظرية، بل لابد لها من المحاولة والتجريب المستمرين الدائمين... فنيّة الإلقاء أو جودته ليست بالأمر الهيّن إذ إن للإلقاء صوراً وأنماطاً متعددة بحسب الحال والمقام»(5) وهذه الفنية إذا ارتبطت بإلقاء الخطبة فإن الخطيب هو الذي يصنعها، وتتحكم فيها معرفته ومهاراته، التي تدعمها الدربة، ويتحكم فيها المقام والمحيط الخارجي، الذي يشترك فيه مع جمهوره؛ ليتحقق الهدف المبتغى من خطبته. وأهم هذه الظواهر التي تطهر من خلال النطق النبر والتنغيم والإيقاع.

التنغيم ووظائفه الدلالية في خطاب البشير الإبراهيمي:

إذا رجعنا إلى التعريف اللغوي للتنغيم في لسان العرب، وكما جاء في مادة [ن غ م] نجد أن: «النّغمة جرس الكلمة وحسن الصوت في القراءة وغيرها... والنّغم: الكلام الخفي»(6) فارتبطت النغمة بالصوت المصاحب للكلمة أثناء القراءة؛ وذلك لما تحمله من دلالة خفية تستنتج من قبل مستقبل الرسالة الصوتية. وتتداخل مع مصطلح التنغيم، مصطلحادت أخرى تشترك معه في المنحى الدلالي نفسه مثل. النغم وموسيقى الكلام؛ فقد استعمل إبرهيم أنيس مصطلح «موسيقى الكلام»(7) للدلالة على الظوهر الموسيقية التي تصاحب التراكيب أثناء العملية النُّطقية. كما استخدم مصطلحي النغم والتنغيم «كمصطلحين متماثلين في الدلالة على المنحى اللحني في سلسلة أحداث الكلام»(8) أي النغمات الموسيقية، التي ترفق الكلام أثناء النطق بالرسالة الصوتية.

ويرتبط التنغيم بالكيفية التي ينطق بها التركيب ضمن السّياق الذي يتضمنّه؛ فهو تنوعات موسيقية يرتبط كل منها بأسلوب من الأساليب الإنشائية أو الخبرية، وفي تعريف التنغيم اصطلاحا، نجد أنه يمثل «الخاصية الصوتية التي تلفّ المنطوق بأجمعه، وتتخلل عناصره المكونة له، وتكسبه تلوينا موسيقيا معينا حسب مبناه ومعناه»(9) ومن خلال الوقوف على أهم المصطلحات التي وردت في النص، نجد أن التنغيم ظاهرة صوتية، ترتبط بالكلام أثناء النطق، مما يكسبه طابعا موسيقيا، قد يمنحه دلالة تختلف عن تلك التي يمكن استنتاجها من خلال رؤية نصوصه مكتوبة وقراءتها؛ وذلك من خلال تناوب الصوت بين الارتفاع والانخفاض حسب الكلمة أو الجملة وارتباطها بسياق معين، لأن «التنغيم في أصله صوت منطوق بدرجات متفاوتة ونبرات متمايزة، وهو تلوين صوتي في درجات تنغيمية مؤثرة»(10) ومن هذا النص، يتضح لنا أن التنغيم ظاهر صوتية لها وظيفة مؤثرة في تحديد الدلالة. ويكون الهدف الأساسي منها هو الثأثير في المستمع قصد تبليغ الرسالة الصوتية.

تتنوع درجات التنغيم بتغيير درجات الكلام المنطوق بين الارتفاع والانخفاض؛ فحددت «للنغمات مدى من حيث الارتفاع والانخفاض، تحسّه الأذن المدربة، فعندما ترتفع درجة التلوين الموسيقي نحصل على تنغيم مرتفع rising tone وعندما تنخفض هذه الدرجة نحصل على تنغيم منخفض falling tone. أما إذا لزمت هذه الدرجة مستوى وحدا فالحاصل إذن نغمة مستوية level (11) «حيث أن الموسيقى المصاحبة للكلام يحدد معناها من خلال الأذن، العضو المسؤول عن السمع، ولكن قد يحمل التنغيم المرفق للكلام دلالات أخرى خفية، فيعرف من خلاله المقصود من الكلمة أو الجملة المنطوقة؛ وتتحرك خطوط التنغيم بين الارتفاع والانخفاض في المستويات الأربعة للنغمة الصوتية وهي: «النغمة المنخفضة، العادية، والعالية، والنغمة فوق العالية»(12) حيث يضاف إلى النغمات الثلاث النغمة فوق «العالية»(13) لتتناسب كل منها مع نوع من أنوع الجمل المعروفة في الكلام؛ من استفهام أو نداء، أو سخرية، وتشجيع، أو تعجب أو أمر...الخ.

وتتحدد من خلال نغمات الركيب أثناء نطقها، المشاعر والأحاسيس التي تنتاب الناطق، من غضب ورضا، وإعجاب واستفهام، وإثبات ونفي، وشك ويقين، وطلب ورفض، وسخرية واستهزاء، «ويظهر من هذا، أن التنغيم هو أيضا أداة للتعبير عن العواطف... وأن هذه الوظيفة لا تقل أهمية عن الوظيفة التبليغية البحتة»(14) وذلك لأن التنغيم الصوتي الذي يصاحب الرسالة الصوتية، يختلف باختلاف انفعالات الناطق، ومشاعره وأحاسيسه؛ فمن خلال هذا التغيير الصوتي؛ يتم التفريق بين دلالات التراكيب، ولكل منها نغمتها الخاصة المصاحبة لها.

ويجافظ على الدلالة أثناء النطق، من خلال الالتزام بالنغمات المرفقة للنطق الصحيح، والأداء السليم «فالمتلقي يصل إلى مفهوم الصوت المنطوق من خلال تنغيم الجمل المنطوقة»(15) وذلك لما تحمله من تبيان وتوضيح للدلالات المقصودة من خلال تغيير النطق صعودا أو هبوطا، أو ثبات في مستوى واحد، غير أنه لم تحدد للتنغيم قواعد ثابتة تطبق أثناء النطق، ولم تثبت له علامات ورموز كتابية أو صوتية نطقية معينة، بل يعرف من خلالها نطق التراكيب، ولكن هذا لا يعني عدم محاولة الدارسين إيجاد علامات له، حيث قسموا النغمات إلى صاعدة، وهابطة، ومسطحة حيث «تدل النغمة الأولى على الحدث الكلامي الذي بحاجة إلى رد فعل جوابي، وغالبا ما يأخذ الجوانب الاستفهامية، وما يمثلهما في مسار السياق، وقد رمز لها بالرمز /k/، أما الثانية فإنها غالبا ما تسجل لتقرير الصور التنغيمية التياينية وقد رمز لها بالرمز /l/، أما الثالثة فقد تكون عندما تكون النغمة غير المكتملة أو الناضجة كلبا وقد رمز لها بالرمز /-/»(16) وتبقى هذه محاولة لتحديد رموز كتابية ترفق التغمات المنطوقة، من خلال تتبع صعود الصوت أو هبوطه أثناء النطق، كما أن الكثير من التلوينات الصوتية في العربية تحتاج إلى رموز بصرية، وغم الاجتهادات المتواصلة، غير أنه لم تتوحد زمورها أثناء كتابتها.

كما يحمل التنغيم إضافة إلى وظيفته النحوية، وظيفة دلالية تتحدد من خلال السياق؛ حيث تدل على «حالات أو وجهات نظر شخصية في عملية الاتصال بين الأفرد. وهذه النغمات تؤدي دورها في هذا الشأن بمصاحبة ظواهر صوتية أخرى من ظواهر التطريز الصوتي prosodic «features(17) التي تدرك من خلالها الدلالات المصاحبة للتراكيب أثناء نطق صاحبها لها ضمن سياقها، والذي يحدد الدلالة المرادة منها، واستعمل مصطلح التطريز هنا، للدلالة على مختلف الظواهر التي تصاحب الكلام المنطوق وتمنحه دلالة خاصة.

ويمكن التعرف على الأشكال النغمية من خلال تتبع اهتزاز الوترين الصوتيين، وذلك «للدور الفاعل الذي تلعبه الأوتار الصوتية* وذبذباتها في إظهار القيمة التمييزية للتنغيم»(18) حيث يظهر التغيّر الواضح في درجة الصوت، ما بين الصعود والهبوط؛ فيتحدد معه مدى الحدة والخشونة التي اتسم بها الصوت في هذه الفترة، وهذا كله مرتبط بالحالة النفسية للمتكلم، وانفعالاته، وتفاعلاته مع موضوع الخطبة التي يلقيها. وهذا يزيد من قوة التأثير في المتلقي، ويعتمد بشكل أساسي على الخطيب، ومقدرته على نقل انفعالاته للمستقبل.

وكأن البشير الإبراهيمي كان ومن عاصره من أعضاء جمعية العلماء المسلمين، يريدون أن يحدثوا «هزة كبيرة توقظ ما غفا من النوازع الإسلامية، وجلاء ما انطمس منها، وإبراز ما كمن من الروح العربية»(19) وهذه هي أهم المبادئ التي ذكها الإبراهيمي في خطابه السابق والتي على كل شاب مسلم أن يتحلى بها لأنها أساس التربية العربية الإسلامية الصحيحة، محاولا أن يثبت صعوبة المسؤولية الملقاة على عاتق كافة الشبباب الجزائري بكل فئاته، سواء كان الشباب متعلما ومثقفا أم غير ذلك. فالأسس العربية الإسلامية، هي ما ينبغي على كل جزائري عربي مسلم أن يشب عليها، وذلك من خلال التنويع في النغمات صعودا واستقرار وهبوطا، وعظم الرسالة التي أداها الشيخ الإبراهيمي جعله يلجأ إلى ظواهر صوتية أخرى، يتحقق من خلالها تبليغ المراد من الخطبة وتركيبها وأساليبها، والنبر ظاهرة لا تقل أهمية عن التنغيم، لذلك ينبغي دراستها وفهمها وتحليل دلالتها وأبعادها الصوتية والتأثيرية بخاصة في الخطابة.

الدلالة الصوتية للنبر في منطوق البشير الإبراهيمي:

يرتبط النبر بعلو الصوت، أو ارتفاعه مما يساعد على ظهوره وبروزه، فهو كما عرفه ابن منظور «النبر عند العرب ارتفاع الصوت»(20) وارتبط المصطلح عند العرب القدماء بالهمز، فالنبر «مصدر نبر الحرف ينبره نبرا همزه. وفي الحديث: قال رجل للنبي، صلى الله عليه وسلم: يا نبيء الله، فقال: لا تنبر باسمي أي لا تهمز»(21) أي تحقيق نطق الهمزة، قي مقابل تسهيلها عند بعض القبائل العربية كقريش التي لا تنبر؛ أي لا تنطق الهمزة.

ويُعرَّف النبر اصطلاحا، بأنه: «نطق مقطع من مقاطع الكلمة بصورة أوضح وأجلى نسبيا من بقية المقاطع التي تجاوره»(22) وهذا الوضوح النطقي، يستوجب بذل جهد أكبر لإظهار مقطع دون المقاطع الأخرى، و«يقتضي طاقة زائدة أو جهدا عضليا إضافيا»(23) وهذا الجهد العضلي الزائد، يؤدي إلى بروز المقطع الذي بذل فيه جهد أكبر؛ فيسمى مقطعا منبورا.

تختلف درجات ارتفاع الصوت أثناء النطق، من مقطع صوتي إلى آخر، وهذا ما أدى إلى تقسيم النبر إلى «النبر الأولي ويرمز له بـ [ / ]، النبر الثانوي ويرمز له بـ [ \ ]، والنبر الضعيف وليس له رمز»(24) فيتوزع النبر على المقاطع الصوتية وفقا لهذه المستويات الثلاثة. وقد يكون النبر على مستوى المقطع ضمن الكلمة، كما قد يكون على مستوى الكلمة ضمن الجملة؛ وذلك من خلال ترتيب الصيغ الإفردية ضمن تراكيب محددة، كما لا توجد قوانين علمية تحدد مواقعه؛ فنحن «لا نملك في حورتنا قانونا علميا فيزيائيا يحدد مواضع النبر في الكلمة أو الجملة، باستثناء المقطع الصوتي الممدود فإنه منبور دائما»(25) وهذا ما أدى إلى محاولة وضع قوانين، يتحدد بحا النبر أثناء نطق المغردات والتراكيب «فإذا توالت مقاطع مفتوحة يكون الأول منها منبورا، مثل كتب، وإذا تكونت الكلمة مقطعا طويلا واحدا، يكون النبر على هذا المقطع الطويل، مثل: كتاب»(26) وإذا تكونت الكلمة من مقطعين طويلين، يكون النبر في أولها، مثل: كاتب»(27) هذه بعض القوانين، التي تم وضعها لمحاولة تحديد مواضع النبر في العربية.

تتفاوت المقاطع الصوتية التي تتكون منها البنية اللغوية للمنطوق، في قيمتها الزمنية المخصصة لنطقها، كما تختلف أيضا من حيث قوة الصوت، ودرجة ارتفاعه، وذلك حسب مقدار الجهد المبذول أثناء نطق كل مقطع، وذلك لأنه «لا تنطق مقاطع لفظ ما في درجة واحدة من العلو، كما يعني مصطلح النبر stress مقدار القوة power على مقاطع كل لفظ»(27) وهذه الزيادة في ارتفاع وقوة الصوت يتولد عنها بروز أحد المقاطع مقاربة بالمقاطع الأخرى، وهذا البروز هو ما يعرف بالنبر.

واذا حاولنا توظيف المفاهيم والمعطيات السابقة عن النبر ومواضعه، فيتم تحديد مواضع النبر من خلال دراسة منطوق البشير الإبرهيمي، لمحاولة إبراز الخصائص الفيزيائية لظاهرة النبر؛ وذلك من خلال قوله: «أتمثله محمدي الشمائل، غير صخاب ولا عياب، ولا مغتاب ولا سياب»(28) من خطابه الشباب الجزائري كما تمثله لي الخواطر.

وبتحليل صيغة صخّاب يظهر أنها تتكون من ثلاثة مقاطع، وهي «ص ع ص/ ص ع ع/ص ع ص» وبتطبيق قوانين النبر، فإن المقطع الثاني هو المقطع المنبور، أي الذي تظهر أثناء نطقه أكبر شدة وتردد، وهو المقطع ما قبل الأخير من المقاطع المتوسطة الثلاثة التي تكب منها لفظة صخاب.

وتكون خطاب البشير الإبراهيمي من مجموعة من الصيغ، التي كانت نبراتها متساوية من حيث شدتها وترددها في المقطع المنبور فيها، والتي تظهر من خلال الدراسة الفيزيائية للمنطوق، مثل: صخاب، عبّاب، مغتاب، سبّاب، واحتلت أعلى قيمة فيها. ويلاحظ أن هذه الصيغ تدل على الذم، ولا تقل الوحدة منها كرها عند المسلم من الأخرى، وكأن الإبراهيمي ارتأى بهذا أن يكون كرهه لهذه الصفات متساويا. فكلّها بعيدة كل البعد عن الأخلاق الإسلامية، التي على الشباب الجزائري أن يتحلى بها لأنها الأصل، وأصل كل مسلم أن يغار على دينه، وهذه صفات خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، ومقتديا بها. غير أن التأثير في المتلقي لا حكم بظاهرتي النير والتنعيم حسب؛ بل لموسيقى النسق اللغوي دورها في التأثير، وهو ما تمنحه ظاهرة الإيقاع.

الإيقاع وموسيقى النسق اللغوي في خطاب الإبراهيمي:

يعرف الإيقاع بأنه مفهوم موسيقي، ينتج عن انتظام في الحركات والسكنات من خلال المقاطع الصوتية، وفي التفة هو «اتفاق الأصوات وتوقيعها في الغناء»(29) فهو الذي يصنع للأدب ذلك الذوق الموسيقي، لأن الإيقاع يرتبط بالذوق. والذوق، فطرة بشرية يُنميها المحيط الخارجي، المرتبط بالإنسان منذ ولادته، لأن «الطفل الذي يولد في أسرة تعنى بالموسيقى ينشأ وهو أكثر استعدادا لتذوق الموسيقى، وفهم نواحي الجمال فيها، وأقدر على الإيقاع من طفل آخر لم تتح له الظروف»(30) وهذا يكسبه خصائص محيطه بدءا من أسرته والأفراد المحيطين به.

ارتبط الإيقاع عادة بالشعر، ولكن هذا لا ينفي وجوده في النثر؛ وذلك لأن «النثر الفني لا يخلو من نوع من الوزن والإيقاع»(31) غير أن هذه الظاهرة، تختلف عن وجودها في الشعر؛ لأن «مبعثها في النثر، المناسبة والموازة بين الألفاظ في الجمل والعبارات، أو بين الجمل والعبارات أنفسها»(32) من تناسب، وتكرار، وسجع تتلذذ معه أذن السامع. وذلك لأنه من الأسباب التي تساعد على لفت انتباه السامع، لما ينتج عنه من وإيقاع موسيقي؛ و«هذا اللون من الجمال الموسيقي الذي كان يسميه القدماء ازدواجا ونسميه ايقاعا وتلوينا صوتيا بديعا»(33) ينجم عن السجع بالدرجة الأولى، وهذا ما أدى إلى اعتباره «وصفا لظاهرة صوتية إيقاعية»(34) موسيقية يتميز بها النثر عن الشعر، والخطابة من أهل الفنون التي تسعى إلى توظيف هذه الظاهرة.

يحدث الإيقاع وقعا في أذن السامع؛ لأنه «فن إحداث إحساس مستحب، بالإفادة من جرس الألفاظ، وتناغم العبارات واستعمال الأسجاع وسواها من الوسائل الموسيقية الصائتة»(35) التي تساعد على إحداثه؛ بطريقة تزاوج فيها الشكل الذي تمثله مقاطع صوتية، بالمعنى الذي تحمله إيحاءات الحروف العربية المشكلة لألفاظها، والواقع الذي تحدثه في أذن المستمع بما تحمله من أحاسيس الخطيب، وحالته النفسية التي تعكسها أصواتها المشكلة لهذا الإيقاع، وهذا كله تتحكم فيه المقاطع الصوتية وتموقعها في الرسالة الصوتية.

يتبين لنا من خلال دراسة المنطوق المتمثل في خطاب البشير الإبراهيمي، مدى مساهمة ظاهرة الإيقاع الصوتي في تحديد الدلالة، وذلك لما يلعبه تنوع المقاطع الصوتية من دور في صناعة الإيقاع سواء كان سريعا أم بطيئا، أم منتظما ويظهر ذلك من خلال زمن النطق الخاص بكل مقطع والمقاطع التي تليه، والطريقة التي جاءت هذه المقاطع مرتبة بها، حيث نجد ذلك وضحا بقوله: «وإن رقت أنداؤه، وتجاوبت أصداؤه، قضيت أوطاره، وغلا من بين أطوار العمر مقداره، وتناغت على أفنان الأيام والليالي أطياره، وتنفست من روح الربيع أزهاره، وطابت بين انتهاب اللّذات واقتطاف المسرات أصائله وأسحار»(36) فالملاحظ من هذا القول، وبتسكين أواخر التراكيب أثناء إلقاء الخطاب، أصبحت الصيغ التي ختمت بها هذه التراكيب كلها متكونة من مقاطع طويلة، وهذا يتحقق في الصيغ التالية: أنداوهْ، أصداؤهْ، أوطارهْ، مقدارهْ، أزهارهْ، أسحارهْ ومقاطعها هي كالآتي: «ص ع ص/ ص ع ع/ ص ع ص» وهذه المقاطع كلّها متوسطة، ومن حيث كميتها الصوتية انحصر نطقها ما بين «0.20 ثا و 0.3 ثا»، مع العلم أن المقاطع المفتوحة، يستغرق نطقها زمنا أطول نسبيا من المقاطع المغلقة. وهذا ما صنع نوعا من الإيقاع المنتظم؛ وذلك لانتظام الكمية الزمنية في مقاطعه الصوتية، وتقارب زمن نطقها، بفوارق قد لا يحس المستمع بها.

ونلحظ لجوء البشير الإبراهيمي إلى إيقاع متسارع في بعض التراكيب الحماسية، التي يريد بها إشعال غيرة الشباب الجزئري على دينه، ووطنه ضد من يعبث بهم، وذلك من خلال قوله: «ثار وفار، وجاء بالبرق والرعد، والعاصفة والصاعقة، وملأ الدنيا فعلا، وكان منه ما يكون من الليث إذا ديس عرينه»(37) وهذا أدّى به إلى استعمال صيغ مثل ثار، فار، جاء، كان التي تتركب من المقاطع التالية: «ص ع ع/ ص ع» فتبدأ بالمقاطع الطويلة، وتنتهي بالقصيرة ما يخلق إيقاعا متسارعا يتحكم فيه زمن نطق كل مقطع وذلك بتناقصه بتولي المقاطع الصوتية، على عكس الإيقاع المتباطئ، الذي يبدأ الزمن فيه بالزيادة شيئا فشيئا مما يجعل النطق متباطئا. وكل هذا قسم الكلام المنطوق بنوع من الموسيقى تجعله ممتعا سهل التقبل.

وأخيرا نستخلص أن للظواهر الصوتية التي تبرز أثناء النطق دور في توضيح وتوجيه الدلالة العامة للخطاب، وهذا يظهر من خلال دراسة خطاب البشير الإبراهيمي؛ فاختلاف الظواهر الصوتية الواضح بعد الدراسة الفيزيائية لمنطوق البشير الإبراهيمي، دليل على استيعاب صوت الخطيب لدرجات صوتية متنوعة، مما ساعد على تشكيل قيم دلالية أخرى لا تظهر إلا من خلال النطق. ولهذا كان لخطب البشير الإبراهيمي دورها المتميز في توعية الشعب الجزائري والتأثير فيه، خاصة في فترة الاستعمار الفرنسي.


هوامش البحث:

1- ينظر، تاريخ الجزائر الثقافي، 1830-1954، أبو القاسم سعد الله، ص 107.

2- أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، أبو القاسم سعد الله، ، دار البصائر، ط1، 2007م، ج2، ص193

3- أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، نايف خرما، دار المعرفة، دط، 1978م، ص206

4- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار المعارف، مصر، ط2، 1973م، ج2،ع3، س18، ص703

5- فن الكلام، كمال بشر، دار غريب، مصر، ط1، 2003م، ص25، باختصار

6- لسان العرب، ابن منظور، ابن منظور، دار صادر، ط3، 1994م، ج2ا، عا، س24، ص590

7- الأصوات اللغوية، إبرهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، دط، 1999، ص142

8- الأصوات اللغوية، عبد القادر عبد الجليل، دار الصفاء للنشر والتوزيع، ط1، 1998م، ص256

9- علم الأصوات، كمال بشر، كمال بشر، دار غريب، مصر، ط1، 2000م، ص531

10- التنغيم صوت ودلالة، سعاد بسناسي، مجلة القلم، ع3، جامعة وهران، 2006م،ص36، وينظر، التحولات الصوتية والدلالية في المباني التركيبية، سعاد بسناسي، عالم الكتب الحديث، ط1، ص43 وما بعدها.

11- علم الأصوات، كمال بشر، ص263

12- التنغيم صوت ودلالة، سعاد بسناسي، باختصار وتصرف، وينظر، التشكيل الصوتي في اللغة العربية، فونولوجيا العربية، سلمان حسن العاني، تر: ياسر الملاح، مرا: محمد محمود غالي، منشورات النادي الأدبي الثقافي، جدة، ط1، 1983م، ص141

13- التنغيم صوت ودلالة، سعاد بسناسي، ص37

14- الصوتيات والفونولوجيا، مصطفى حركات، دار الآفاق الجزائر العاصمة، د ط، دت، ص38

15- التنغيم صوت ودلالة، سعاد بسناسي، ص37

16- الأصوت اللغوية، عبد القادر عبد الجليل، ص258 باختصار وتصرف.

17- علم الأصوات، كمال بشر، ص267

18- الأصوات اللغوية، عبد القادر عبد الجليل، ص259، بتصرف

* - والمفروض أن يقول صاحب النص الوتران الصوتيان لا بصيفة الجمع، وهذا ناتج عن الترجمة الحرفية من اللغات الأجنبية التي لا تجعل فرقا بين المثنى والجمع.

19- جوانب من الحياة العقلية والأدبية في الجزائر، محمد طه الحاجي، معهد البحوث والدراسات الأدبية، دط، 1968م، ص120، باختصار وتصرف.

20- لسان العرب، ابن منظور، ج5، ع1، س3، ص189.

21- نفسه.

22- علم الأصوات، كمال بشر، ص255.

23- دراسة الصوت اللغوي، أحمد مختار عمر، ص221.

24- التشكيل الصوتي في اللغة العربية، فونولوجيا العربية، سلمان حسن العابي،، النادي الأدبي الثقافي، ط1، 1983م ص134.

25- العروض وإيقاع الشعر العربي، عبد الرجمن تبرماسين، دار الفحر للنشر والتوزيع، ط1، 2003م، ص94.

26- مدخل إلى علم اللغة، محمود فهمي حجازي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، طبعة جديدة، دت، ينظر، ص81—82.

27- التشكيل الصوتي في اللغة العربية، فونولوجيا العربية، سلمان حسن العاني، ص134.

28- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، جم وتق: أحمد طالب الإبرهيمي، ج 3، ص 511.

29- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ج2،ع3، س6، ص1050.

30- موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 7، 1997م، ص7.

31- في نظرية الأدب من قضايا الشعر وا لتثر في النقد العربي القديم، عثمان موافي، دار المعرفة الجامعية، ط1، 2000م، ج1، ص103.
32- نفسه.

33- الفن ومذاهبه في التئر العربي، شوقي ضيف، دار المعارف بمصر،ط6، 1971م، ص169.

34- البديع تأصيل وتجديد، متير سلطان، منشأة المعارف الإسكندرية، دط، 1986م، ص42، بتصرف.

35- المعجم الأدبي، جبور عبد النور، دار العلم للملايين، بيروت لبنان، ط2، 1984م، ص44.

36- آثار محمد البشير الإبراهيمي، جم وتق: أحمد طالب الإبرهيمي،ج3، ص 511.

37- نفسه، ص514.


 

 

 

الطالبة: فاطمة بن عدة - إشراف: أ.د/ سعاد بسناسي

جامعة أحمد بن بلة وهران 1

 

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: