مصطفى كمال رحمه الله

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث, وعبقري من أعظم عباقرة الشرق, الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحولون مجرى التاريخ ويخلقونه خلقاً جديداً ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل وبطل سقاريا في الأناضول وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعز والسمو.

وإذا قلنا بطل غاليبولي فقد قلنا قاهر الإنكليز أعظم دولة بحرية الذي هزمها في الحرب الكبرى بشر هزيمة لم تعرفها في تاريخها الطويل وإذا قلنا بطل سقاريا فقد قلنا قاهر الإنجليز وحلفائهم من يونان وطليان وافرنسيين بعد الحرب الكبرى ومجليهم عن أرض تركيا بعد احتلال عاصمتها والتهام أطرافها وشواطئها.
وإذا قلنا باعث تركيا فقد قلنا باعث الشرق الإسلامي كله فمنزلة تركيا التي تبوأتها من قلب العالم الإسلامي في قرون عديدة هي منزلتها فلا عجب أن يكون بعثه مرتبطا ببعثها، لقد كانت تركيا قبل الحرب الكبرى هي جبهة صراع الشرق إزاء هجمات الغرب ومرمى قدائف الشره الاستعماري والتعصب النصراني من دول الغرب. فلما انتهت الحرب وخرجت تركيا منها مهشمة مفككة تناولت الدول الغربية أمم الشرق الإسلامي تمتلكها تحت أسماء استعمارية ملطفة، واحتلت عاصمة الخلافة وأصبح الخليفة طوع يدها وتحت تصرفها وقال المارشال اللنبي -وقد دخل القدس- "اليوم انتهت الحروب الصليبية" فلو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها، لكن كمالا الذي جمع تلك الفلول المبعثرة فالتف به إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول حيث الأرومة التركية الكريمة وغيل ذلك الشعب النبيل وقاوم ذلك الخليفة الأسير وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب وفي مقدمتها إنكلترا من الخارج، لكن كمالا أوقف الغرب المغير عند حده وكبح من جماحه وكسر من غلوائه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله وضرب له المثل العالي في المقاومة والتضحية فنهض يكافح ويجاهد. فلم يكن مصطفى محي تركيا وحدها بل محي الشرق الإسلامي كله. وبهذا غير مجرى التاريخ ووضع للشرق الإسلامي أساس تكوين جديد. فكان بحق من أعظم عباقرة الشرق العظام الذين أثروا في دين البشرية ودنياها من أقدم عصور التاريخ.

إن الإحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك "أبي الترك" مما يقصر عنه الباع، ويضيق عنه المجال، ولكنني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام. فهذه هي الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك التي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسفاً ويكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرِّف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفوا مصطفى ذلك الموقف فمن هم هؤلاء المسؤلون؟ ...

المسؤولون هم الذين كانوا يمثلون الإسلام وينطقون باسمه، ويتولون أمر الناس بنفوذه، ويعدون أنفسهم أهله وأولى الناس به.

هؤلاء هم خليفة المسلمين شيخ إسلام المسلمين ومن معه من علماء الدين، شيوخ الطرق المتصوفون، الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها.

أما خليفة المسلمين فيجلس في قصره تحت سلطة الإنجليز المحتلين لعاصمته ساكتا ساكنا. مستغفرا لله، بل متحركا في يدهم تحرك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقا بإعلان الجهاد ضد مصطفى كمال ومن معه، الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين ...

وأما شيخ الإسلام وعلماؤه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه ويوزع على الناس بإذنه، وتلقيه الطائرات اليونانية على القرى برضاه يبيح فيه دم مصطفى كمال ويعلن خيانته ويضمن السعادة لمن يقتله.
وأما شيوخ الطرق الضالون وأتباعهم المنومون فقد كانوا أعوانا للإنجليز وللخليفة الواقع تحت قبضتهم.

يوزعون ذلك المنشور ويثيرون الناس ضد المجاهدين.

وأما الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها فمنها -إلا قليلا- من كانوا في بيعته فانتفضوا عليه ثم كانوا في صف أعدائهم وأعدائه، ومنها من جاءت مع مستعبديها حاملة السلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم.

فأين هو الإسلام في هذه (الكليتيات) كلها؟ وأين يبصره مصطفى الثائر المحروب، والمجاهد الموتور منها؟
لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة ولكنه لم يكن على الإسلام وإنما ثار على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين. فألغى الخلافة الزائفة وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة زقوم الطرقية من جذورها وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم وعلي نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم ما دمتم على ما أنتم عليه، فكونوا أنفسكم ثم تعالوا نتعاهد ونتعاون كما تتعاهد وتتعاون الأمم ذوات السيادة والسلطان.

أما الإسلام فقد ترجم القرآن لأمته التركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه، وتستقيه من نبعه. ومكنها من إقامة شعائره فكانت مظاهر الإسلام في مساجده، ومواسمه تتزايد في الظهور عاما بعد عام حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه تغمده الله برحمته.

لسنا نبرر صنيعه في رفض مجلة الأحكام ولكننا نريد أن يذكر الناس أن تلك المجلة المبنية على مشهور وراجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة أمة من الأمم في كل عصر لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه لا مذهب واحد أو جملة مذاهب محصورة كائنا ما كان وكائنة ما كانت، ونريد أن يذكر الناس أيضا أن أولئك العلماء الجامدين ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا غير ما عرفوه من صغرهم من مذهبهم وما كانت حواصلهم الضيقة لتتسع لأكثر من ذلك. كما يجب أن يذكروا أن مصر بلد الأزهر الشريف ما زالت إلى اليوم الأحكام الشرعية -غير الشخصية- معطلة فيها. ومازال (كود) نابليون مصدر أحكامها إلى اليوم. وما زال الانتفاع بالمذاهب الإسلامية في القضاء -غير المذهب الحنفي- مهجورا كذلك إلا قليلا جداً.

نعم! إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية وليس مسؤولا في ذلك وحده وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاءوا وكيفما شاءوا ولكنه رجع لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض. وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه ومصدره. ثم إخوانه المخلصون. فأما الذين رفضوا الأحكام الشرعية إلى (كود) نابليون فماذا أعطوا أمتهم؟ وماذا قال علماؤهم؟.

فرحم الله مصطفى ورجح ميزان حسناته في الموازين، وتقبل إحسانه في المحسنين.
وإلى الأمة التركية الشقيقة الكريمة الماجدة، التي لنا فيها حفدة وأخوال، والتي تربطنا بها أواصر الدين والدم والتاريخ والجوار، والتي تذكر الجزائر أيامها بالجميل، وترى شخصها دائما ماثلا فيما تركت لها من مساجد ومعاهد للدين الشريف. والشرع الجليل، إلى تركيا العزيزة نرفع تعازي الجزائر كلها مشاركين لها في مصابها راجين لها الخلف الصالح من أبنائها، ومزيد التقدم في حاضرها ومستقبلها.
وإلى هذا فنحن نهنيها برئيس جمهوريتها الجديد عصمت إينونو، بطل (إينونو) ومؤتمر لوزان وثني مصطفى كمال. وأن في إجماعها على انتخابه لدليلا على ما بلغته تركيا الكريمة من الرشد في الحياة الذي تبلغ به- إن شاء الله- من السعادة والكمال. ما يناسب مجدها القدموس، وتاريخها الحافل بأعاظم الرجال، وجلائل الأعمال (1).

عبد الحميد بن باديس


(1) ش: ج 9، 14، ص 130 - 134. غرة رمضان 1357ه - نوفمبر 1938م.

آخر التغريدات: