الدَّور النّافذ للشّيخ البشير الإبراهيمي في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1931-1956) -3-

بقلم: د. جمال قندل-

7- موقف الشيخ الإبراهيمي من الثورة :

تجاوب الشيخ الإبراهيمي، علىش نحو إيجابي مع نداء الثورة، واستجاب لصرخة الجهاد التي دوّت في ربوع الجزائر، في الفاتح نوفمبر 1954. وحول التفاعل الإيجابي مع الفعل الثوري، ذهب المؤرخ أبو القاسم سعد الله، إلى القول: «يبدو لنا أن الشيخ الإبراهيمي، كزعيم وطني، كان الوحيد الذي لا ينحرف عن الخط الذي رسمته الجمعية كما انحرف غيره من الزعماء عن الخط الذي رسمه تنظيمهم. عندما أعلن الشعب ثورته، كان الشيخ الإبراهيمي، أول من احتضنها من الزعماء بالخصوص مصالي وعباس، رغم أنه كان في المشرق، بعيدا عن الوطن.».

وبذلك يكون الشيخ الإبراهيمي أول شخصية رسمية جزائرية، تعلن مباركتها للثورة ومساندتها لكفاح الشعب الجزائري، من أجل التحرير واستعادة الاستقلال الوطني. في الوقت الذي جنحت فيه أحزاب وتشكيلات سياسية أخرى، إلى التنديد بالعمل الثوري والدعوة عبر مختلف المنابر إلى الإصلاحات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية الكفيلة بإطالة عمر الاحتلال، فضلا عن سعيها باتجاه العمل من أجل المشاركة في العملية الانتخابية، رغم نداءات جبهة التحرير الوطني بضرورة الكف عن تلك الممارسات، الضارة بالثورة والعمل على إدارة الظهر للنضال ضمن الشرعية الصورية التي ما فتئ يوفرها الاحتلال، والتي لم تكن قط، إلا وسيلة لشرعنة الاحتلال لا غير.

ولعلّ ما يدعم ما ذهبنا إليه ويؤكده هو الوثائق ذات الصلة بالموضوع، حيث صدر بيان في القاهرة بإمضاء كل من الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والفضيل الورتلاني بتاريخ 2 نوفمبر 1954 ونشرته الصحافة المصرية وكذا وكالات الأنباء العالمية بتاريخ 3 نوفمير 1954.

وهو ما أكسب الجمعية في الخارج، السبق في مباركة ومساندة الثورة في الجزائر، على خلاف زعماء التنظيمات الأخرى. وهو ما يؤشر على عمق فهم قيادة الجمعية لمتطلبات الرحلة، ولهذا جاء البيان مساندا للثورة في الجزائر، بعد أن تناهى إلى سمع الشيخين نبأ لهيب ثورة اندلع في عدّة جهات من القطر الجزائري. ولعل تعاطي الوسائط الإعلامية المختلفة مع ما وقع في الجزائر، من حيث تتبع الوقائع، زمانا ومكانا، جعل الشيخين يتوقان لهذا اليوم المشهود وقد عبرا عن ذلك بالقول: «فخفقت القلوب لذكرى الجهاد. واهتزت النفوس طربا لهذه البداية التي سيكون لها ما بعدها. إن اللحن الذي يشجي الجزائري، هو قعقعة الحديد في معمعة الوغى، وأن الرائحة التي تعطر مشامه هي رائحة هذه المادة التي يسمونها البارود...».

وقد ذكر البيان، بالسياسة البليدة التي حكمت بها فرنسا شمال إفريقيا وتحدث عن الانفجار في كل من تونس والمغرب، وعدم تعاطي فرنسا على نحو إيجابي مع تلك الثورة التي اشتعلت في تلك الربوع، نتيجة الوعي الذي كان عليه أهلها. وقد عكس البيان مدى متابعة الشيخين للواقع في الأقطار المغاربية الثلاثة، عن كثب. ولعل ما مكنهما من ذلك، هو الحرص على الاهتمام بقضايا العرب والمسلمين، عبر مختلف الأصقاع، انطلاقا الرابطة العقدية التي توجب صرف الاهتمام إلى ذلك، فضلا عن وجود زعماء الحركات التحررية في المغرب وتونس بالقاهرة، حيث يقيم الشيخان. وقد سجل البيان بارتياح الثورة في تلك الأقطار، من خلال القول: «تأجج اللهيب بتونس فقلنا: هذا نذير من النذر الأولى، وعسى أن تكون لفرنسا فيه عبرة، وتأجج في مراكش، فقلنا: عسى أن يكون لها فيه مزدجر، وها هو ذا يتأجج في الجزائر... فلماذا تلوم فرنسا الناس إذا اعتقدوا أن حياتهم مشروطة بموتها».

ورغبة في رفع معنويات الشعب المجاهد في الجزائر، طفق البيان في تقديم وصف فرنسا الاستعمارية التي جثمت على أرض الجزائر، ظلما وعدوانا، بالضعيفة التي باتت تكثر الشكوى في مواقع شتى مما يحصل في الجزائر. وقد جاء ذلك من خلال القول: «إن أعداءنا الأقوياء بالأمس، هم اليوم ضعفاء، وقد أصبحوا يلوذون بأكناف الأقوياء، لذلك نراهم في هلع دائم... وعلامة ضعف الضعيف أن يكثر الحديث عن قوته...».

وحمل البيان تخوف الشيخين من أن يؤول الجهاد الذي أعلنته الحركات المتأججة في المغرب العربي، إلي الانطفاء، وهو ما لا يرجوانه، ذلك أن العمل التحرري يحتاج إلى لفتات صادقة من حكومات المشرق العربي بالإمداد والتشجيع. وقد عبرا عن ذلك بالقول: «إن أخشى ما نخشاه على هذه الحركات أن تشتعل ثم تنطفئ لعدم الوقود ولو أن أغنياءنا في المشرق مم ينفقون الملايين على شهواتهم الشخصية، أنفقوا ذلك في سبيل إخوانهم المعذبين لتحررت أرض المغرب كلها ومعها فلسطين.. الثورة». وأشاد البيان في الأخبر، بتصريحات الرئيس جمال عبد الناصر، واعتبرها بوارق لاحت في الأفق «ستتبعها صواعق تنقض على الاستعمار الفرنسي، فتدكه دكا، وإنا لواثقون أنها لا تضيع هباء في الهواء معتقدون أن لكل كلمة من تلك الكلمات موقعا مكينا من كل نفس من إخوانهم في المغرب العربي».

لم يكتف الشيخ البشير الإبراهيمي، بالبيان الأول فحسب، بل واصل تتبعه لأحداث ووقائع الثورة التي اشتعل لهيبها في الفاتح نوفمير. حيث أنه وبعد عشرة أيام، على تفجير الثورة أصدر بيانا ثانيا بتاريخ 11 نوفمبر 1954 وزع على الوسائط الإعلامية المصرية وكذا وكالات الأنباء، حتى تنشره على نحو واسع، ليعلم الرأي العام العربي والإسلامي، والغربي على حد سواء، ما وقع في الجزائر.

ويبدو لنا أن المدّة بين البيانين الأول والثاني، والمقدرة بأحد عشر يوما، خصصها الشيخان الإبراهيمي والورتلاني لتقصي حقيقة الوقائع، تقصيا مبنيا عاى البحث الدقيق والموضوعي، حتى يكون دعمهما للثورة، قاتما على أساس من العلم الصحيح الذي يشمل الأشخاص الذين أشعلوا فتيلها، وأهدافها القريبة والبعيدة، فضلا مشروعها.

وقد جاء البيان السالف الذكر، تحت عنوان «أوسع المعلومات عن بداية الثورة في الجزائر بيان مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة». وبالعودة إليه، تصفحا وتدقيقا، ندرك عمق استعداد الجمعية لرؤية هذا اليوم المشهود في تاريخ الجزائر، بعد أن طال ليل الاستعمار وبلغ فيه الظلم مبلغا خطيرا. وقد أوضح الشيخ الإبراهيمي أنه «نحن الجزائريين الموجودين خارج الجزائر، كنا نترقب هذه الثورة ونتوقعها، نتزقبها لأنها الأمل الوحيد في تحريرنا من العسف الفرنسي...». أما توقعه للثورة في الجزائر، فقد عزاه الإبراهيمي إلى « أن فرنسا لا تفهم إلا هذه اللغة ولا يفتح آذانها إلا هذا |لصوت».

وبالنظر إلى افتقار الشيخ الإبراهيمي للمعلومات الخاصة بتفجير الثورة، فإنه أعاد نشر البيان الذي نشرته جريدة البصائر، لسان حال جمعية العلماء المسلمين في الجزائر. نأى بنفسه استقاء المعلومة من المصادر الفرنسية المضللة للرأي العام في الجزائر وفي الخارج على حد سواء، إدراكا منها لأهمية المعلومة في صياغة وبلورة الأفكار التي تشكل آساس المواقف. خاصة إذا علمنا أن بيان الحاكم العام في الجزائر «روجيليونبر» شكل بنسبة كبيرة مصدر الكثير من وسائل الإعلام في الجزائر وفي الخارج، بل حتى بعض قادة الثورة، عادوا إلي البيان نفسه، لمعرفة حقيقة ما وقع. فلولا البيان لما عرفوا أن الثورة قد اندلعت ونجحت في الأماكن الأخرى، نظرا لغياب وسائط الاتصال بين القادة.

وفي الخامس عشر نوفمبر 1954، أصدر الشيخان الإبراهيمي والورتلاني في القاهرة، بيانا إلى الشعب الجزائري، ومجاهدي جيش التحرير الوطنى، وناشد الجميع بالإقبال والاستمرار على طريق الجهاد والعمل على عدم التراجع عنه قيد أنملة. وقد جاء تحت عنوان دافع، محفز، ومحرض على القتال «نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد... نعيدكم بالله أن تراجعوا...».

وقد انطوى البيان على تحفيز باتجاه المضي نحو طريق الجهاد، لا لشيء إلا «لأنه هو الصوت الذي يُسمع الآذان الصم،.. ويفتح الأعين المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة..»، ثم راح يذكر الجزائريين ببلايا الاستعمار الفرنسي، وكيف أن العالم كان يتعجب لعدم الثورة عليه. خاصة وأن فرنسا ما فتئت تسوق الشباب الجزائري ليقاتل في سبيل فرنسا ويموت في غير شرف ولا محمدة. ولو أن أولئك ماتوا في سييل الجزائر، لماتوا شهداء. وقد وظف الشيخ الإبراهيمي التاريخ، إدراكا منه لدوره الرئيس في التعبئة والتحريك باتجاه الالتفاف حول فكرة الثورة وبعث الحماس في النفوس، حتى يقبلوا على القتال في سبيل الله على طريق استعادة الاستقلال بإيمان قوي وإرادة كبيرة. حيث وقف عند محطات كثيرة؛ في تاريخ الجزائر، وأحسن الربط بينها، للوصول إلى ترسيخ القناعة لدى الشعب بأن الجهاد هو الحل البديل للاحتلال ولا حلّ سواه. ونلمس ذلك بشكل جليّ في السياق، عندما عاد بالذاكرة إلى الفترة التى حارب فيها الجزائريون إلى جأنب فرنسا، وفي سبيل بقائها، مدّة تعادل نصف المدّة التي استغرقتها المقاومة الوطنية العسكرية للاحتلال. بيد أن فرنسا لم ترع جميلا ولم تكافئ بجميل صنيع الجزائريين معها. وما وقع في شهر ماي 1945 خير دليل عل أن فرنسا لا تراعي دينا ولا عهدا. ولا قانونا ولا إنسانية. ثم ينتقل البيان إلى التذكير بعدم الخوف من الموت على اعتبار أنه كتّاب مؤجل، حتى يبعث القوة في نفوس المجاهدين، ليثبتوا في مواجهاتهم الدموية مع قوات الاحتلال عل امتداد مناطق الجزائر، وحتى يُقبل الآخرون الذين لم يلتحقوا بالقتال، على ساح الوغى، من غير تردد أو إدبار. وقد عبّر عن ذلك بالقول: «..إنكم كتبتم البسملة بالدماء، في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ وهي إرث العروبة والإسلام فيكم ما كان للمسلم أن يخاف الموت.. فسيروا على بركة الله وبعونه وبتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنيين؛ إما موت وراءه الجنة، وإما حياة وراءها العزة والكرامة». ثم استشهد بآيتين من القرآن الكريم، للتأكيد أكثر على وجوب القتال اليوم وليس غدا، طالما أنه قد أعلن، كما بشرهم بالنصر الأكيد، مذكرا الجميع بقول الله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وقوله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

لقد شكل البيان الثالث، نقلة نوعية في تعاطي الشيخ |لإبراهيمي مع معطى الثورة في الجزائر، التي كانت بحاجة ماسة إلى فتوى تضفي طابع الشرعية الدينية عل العمل المسلح في الجزائر، وهو ما من شأنه أن يزيد في إقبال الشعب على التطوع للجهاد، استجابة لنداء الشيخ الإبراهيمى الذي يحظى بثقة ووزن كبيرين، ليس في الجزائر فحسب ولكن عل امتداد العالم الإسلامي. بل إن فتواه فتحت الأبواب على مصراعيها أمام الشعوب العربية والإسلامية التي تلمست فيها الإخلاص والقدرة على إعادة بناء وصياغة الراهن العربي والإسلامي، الذي أصيب في مقتل بعد حرب 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل.

8- الشيخ الابراهيمي وجبهة تحرير الجزائر:

وفي تطور نوعي ولافت، في حراك الشيخ الإبراهمي الني لم يال جهدا ق التنديد بالاستعمار الفرنسي، والدعوة للثورة التي ما انفك يضيف إليها مفردة «المباركة»، عن طريق البيان أو المداخلات عبر أمواج الأثير، لتصل نقاطا كثيرة وبعيدة من العالم، الذي أضحى دائم الاستماع إلى ما تذيعه من بيانات الشيخ الإبراهيمي إلى جانب مفكرين وعلماء آخرين، تزاحموا للدفاع عن الثورة الجزائرية والدعوة لها، فضلا عن المراسلات الكثيرة التي ما فتئ الشيخ الإبراهيمي يرسلها لرؤساء الدول العربية وملوكها، ملتمسا منهم تقديم الدعم المادي والمالي والإعلامي للثورة، إلى جانب الحض على الدفع بها باتجاه المؤسسات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم التحدة، وهو ما تضمنته مراسلته لملك الملكة العربية السعودية، الذي دعاه إلى « تكليف الأستاذ أحمد بك الشقيري والأستاذ عبد الرحمن عزام باشا أو أحدهما بالاستعداد من الآن لمتابعة قضايا الجزائر والدفاع عنها باسم جلالتكم كعون وتعزيز لسفارتكم بواشتطن. إن رأيتم هذا ووافقتم عليه، كنتم قد وضعتم القضية في يد محام بارع عالم بأدلتها وبراهينها ومحيط بجزئياتها وكلياتها...».

تداعى القادة والمسؤولون المتواجدون في القاهرة، بعد دراسة الأوضاع في الجزائر، دراسة مستفيضة من خلال استعراض كافة المعطيات، في ظل الثورة التي شهدتها الجزائر في الفاتح نوفمبر 1954 وما يحدث فيها من عدوان عام وشامل، من طرف سلطات الاحتلال الفرنسي التي آثرت الخيار الأمني كأولوية قصوى، في استراتيجيتها للقضاء على الثورة.

وقد انتهى المجتمعون إلى وجوب تشكيل إطار عام وجامع لكافة القوى الوطنية، بخلاف جبهة التحرير الوطني التي لم تكن تضم عند التأسيس سوى عناصر من حركة الانتصار للحريات الديقرطية. ولهذا كانت الرغبة في إيجاد جبهة أكثر تمثيلا، فضك عن السعي إلى تشكيل إطار وحدوي. وقد أطلق عليه اسم «جبهة تحرير الجزائر». وكان الشيخ الإبراهيمي الطرف البارز فيها. وقد تضمن الميثاق الخاص بالجبهة، ديباجة وتسعة بنود، تتحدد في الآتي :

1- يعتير الشعب الجزائري على اختلاف أفراده، وهيئاته –فيما يختص بالكفاح الرهيب- كتلة واحدة، هي الأمة الجزائرية. ومن شذّ، شذّ في النار.

2- تسمى الهيئة المنضوي تحت لوائها أبناء الجزائر، المسؤولون المقيمون في القاهرة - «جبهة تحرير الجزائر».

3- تعمل الجبهة لتحرير الجزائر، من الاستعمار الفرنسي، ومن كل سيطرة أجنبية، مستعملة كل الوسائل المكنة لتحقيق أهدافها.

4- الجزائر عربية الجنس، مسلمة العقيدة: فهي بالإسلام والعروبة كانت، وعلى الإسلام والعروبة تعيش. وهي في ذلك تحترم سائر الأديان، والمعتقدات والأجناس وتشهر بسائر النظم العنصرية الاستعمارية.

5- الجزائر جزء لا يتجزأ من المغرب العربي، الذي هو جزء من العالم العربي الكبير، وأن اتجاهها إلى العروبة وتعاونها مع الشعوب، والحكومات والجامعة العربية، أمر طبيعي.

6- الإيمان بوجوب توحيد الكفاح بين أقطار المغرب العربي الثلاثة: تونس الجزائر، مراكش.

7- جبهة تحرير الجزائر مستعدة من الآن لتندمج في هيئة أجمع وأشمل للأقطار المغربية الثلاثة بنظام يوضع، ومسؤوليات تحدد. وتهيب بالقائمن على الحركات التحريرية في كل من تونس ومراكش أن يضعوا أيديهم في يدها، وأن يعملوا معها على تأسيس هيئة تنظم الجميع.

8- تنتهز الجبهة هذه الفرصة، لتبعث بتحياتها الأخوية إلى سائر المكافحين في الجزائر، سواء منهم من حمل السلاح، أم من كان عاملا وراء الميدان، وإلى المساجين والمعتقلين السياسين ضحايا القمع والإرهاب، مترحمة على الشهداء.

9- وتهيب جبهة تحرير الجزائر، في القاهرة بإخوانها في العالمين: العربي والإسلامي، وبأحرار الدنيا جميعهم ليناصروا الجزائر في كفاحها من أجل حريتها واستقلالها، فهم بذلك يناصرون الديمقراطية الحقّة، والإنسانية المعذبة، والمبادئ السلمية.

وللإشارة فإن «جبهة تحرير الجزائر» ضمّت الشيحين الإبراهيمي والورتلاني، عن جمعية العلماء المسلمين، إلى جانب أحمد بن بلة، محمد خيضر وحسن آيت أحمد عن جبهة التحرير الوطني، حسن الأحول وامحمد يزيد عن للجنة المركزية لحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، أحمد مزغنة والشاذلي مكي، عن الحركة الوطنية الجزائرية، وأحمد بيوض عن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري.

9 — عبان رمضان والشيخ الابراهيمي:

نخلص مما سلف بيانه، أنه بات يتجلى بشكل واف، صدق وعمق تجاوب الشيخ الإبراهيمي وحرصه الشديد على دفع وتطوير الثورة وتعميق الالتفاف الشعبي حولها باعتباره وقودها وزادها. ولكن على الرغم من ذلك، فإن عبان رمضان أبدى عدم رضاه على الشيخ الإبراهيمي، وهو ما كشفته المراسلة المؤرخة في 8 أكتوبر 1955 بإمضاء عبان إلى وفد الثورة في القاهرة، حول موقف وتعامل الجمعية مع الثورة في الجزائر. حيث ذكر عبان أنهم «في الجمعية يعلمون أن مصالي لا يمثل شيئا. ولهذا فإنهم يسيرون معنا هنا تماما» . ولكن في المراسلة ذاتها، يبدي امتعاضه من الشيخ الإبراهيمي على الرغم من موقفه الإيجابي من الثورة، ودعوته لضرورة الوقوف إلى صفها ودعمها بكافة أشكال الدعم، حتى يقوى عودها وتشتد عاى نحو يستحيل معه على قوات الاحتلال النيل منها.

وبرأيي أن عدم رضا عبان، الذي غدا الفاعل الرئيس في الثورة خلال هذه الفترة، على الشيخ الإبراهيمي، يعزى إلى «جبهة تحرير الجزائر»، الذي عمل مُوقعوها على أن تكون الإطار البديل لجبهة التحرير الوطني، القادر على جمع كافة التيارات والقوى ضمن بوتقة واحدة. وقد كان الشيخ الإبراهيمي الطرف البارز فيها. وبدت بصماته واضحة عل ميثاقها وبخاصة المادة الرابعة منه والتي نصت على:

- الجزائر عربية الجنس، مسلمة العقيدة: فهي بالإسلام والعروبة كانت، وعلى الإسلام والعروبة تعيش. وهي في ذلك تحترم سائر الأديان، والمعتقدات والأجناس وتشهر بسائر النظم العنصرية الاستعمارية. وكذا المادة الخامسة منه والتي نصت على:

- الجزائر جزء لا يتجزأ من المغرب العربي، الذي هو جزء من العالم العربي الكبير، وأن اتجاهها إلى العروبة وتعاونها مع الشعوب، والحكومات والجامعة العربية، أمر طبيعي.

وهي محددات رئيسة للهوية في الجزائر، رسمت معالمها «جبهة تحرير الجزائر» حتى تكون الانطلاقة واضحة وبينة، بخلاف بيان أول نوفمبر الذي غيب مبادئ جمعية العلماء المسلمين التي رسمتها للجزائر ماضيا ومستقبلا، مثلما ذهب إلى ذلك المؤرخ أبو القاسم سعد الله.

وعل غرار ذلك، ينضاف برأيي شيء آخر، لا يقل قيمة، وهو وجود المصاليين فيها، وهو الذي ما انفك يدعو وفد الثورة في القاهرة إلى ضرورة التنديد بشخص مصالي عبر مختلف المنابر المتاحة. فضلا عن أن الشخصيات الوقعة عل بيان جبهة تحرير الجزائر؛ كانوا يرمون إلى الإبقاء على التشكيلات المؤسسة قائمة ولم يروا ضرورة لحلها، بخلاف الجبهة التي دعت إلى وجوب حل جميع التشكيلات السياسية وغير السياسية والالتحاق فرادى.

وإلي جانب ماسلف، يبدو لي أن خشية عبان من التأثير الكبير الذي يمكن أن يشكله الشيخ الإبراهيمي على مسار الثورة، تعزى إلى ثقله في الداخل والخارج. فضلا عن عدم ذكر الشيخ لجبهة التحرير، في بياناته وخطبه ومراسلاته. ولهذا أبدى صرامه كبيرة في التعامل معه، من خلال دعوة وفد الثورة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه، من خلال قوله : «أما بخصوص الإبراهيمي، سيلتحق بكم أو على الأقل سيتم تحييده»، ورغبة منه في الضغط على الشيخ لحمله على الدخول في الصف، رغبة أو رهبة، أرسل عبان الشيخ العباس، من قسنطينة، ليشرح للإبراهيمي ويطلب منه الالتحاق بالجبهة، ولعل ما يبرز مدى تأثير عبان على أعضاء الجمعية في الداخل، هو تأكيده في الرسالة ذاتها «وقد أعلمونا -أي أعضاء الجمعية- بأن الإبراهيمي يخضع أو يستقيل».

وللتدليل عل ذلك، أسوق ما ذهب أو القاسمم سعد الله إلى القول: «... إن رأي الشيخ الإبراهيمي كان عبارة فتوى تقول للشعب الجزائري، إن الجهاد قد حق عليك وأن السلطات الفرنسية في الجزائر، إنما هي سلطات كافرة. يجب مكافحتها شرعا، بالإضافة إلى الوزن السياسي لهذه الفتوى، فالشيخ كان من رجال الدين البارزين، وكان مشهودا له بالتعمق في الفقه والأصول وأحكام الشريعة الإسلامية. وكان زعيما لهيئة تجمع إلى الدفاع عن الدين الإسلامي، حرية التعليم العربي وإحياء الشخصية العربية الإسلامية. ولذلك قلنا أن رأيه ليس في وزن رأي زعيم آخر في بلاده أو في خارجها. فقد كان يُنظر إليه أنه يمثل فتوى شرعية للجهاد والتحرير...».

وظل الشيخ الإبراهيمي، منافحا عن الثورة وداعيا لنصرتها، بالقلم والخطاب والمراسلات والزيارات الرسمية التي ما فتئ يقوم بها إلى مختلف العواصم العربية والإسلامية، دونما كلل، رغم تقدمه في السنّ، وآثاره بينّة في هذا المجال.


 

د. جمال قندل- أستاذ محاضر بجامعة الشلف

المصدر: مجلة الإرشاد العدد 4 و5 – أفريل و ماي-جوان 2015 م.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: