الدَّور النّافذ للشّيخ البشير الإبراهيمي في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1931-1956) -2-

بقلم: د. جمال قندل-

4- الشيخ الإبراهيمي بين وضوح الرؤبة وفعالية الحراك:

لم يقتصر نشاط وحراك جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على الداخل -الجزائر- فحسب، بل تعداه ليشمل مختلف أصقاع الدول، وبخاصة العربية والإسلامية، نظرا لما توفره هذه الدول من الحرية في الحركة والنشاط على اختلاف طبيعته، الأمر الذي عمّق الرغبة لدى رئيس الجمعية، الشيخ الإبراهيمي في استغلال المتاح من الحرية واجتماع العلماء وتطلع الشعوب إلى معرفة المزيد عن حقيقة الوضع في الجزائر، في ظل الاحتلال الفرنسي الذي زاد من بطشه أكثر من ذي قبل.

لقد كانت جمعية العلماء المسلمين، ترمي إلى إقامة علاقات ثقافية وسياسية وتعليمية وطيدة مع الحركات الإسلامية في تونس وفي المشرق العربي، لتعميق أواصر الأخوة والتعاون والإفادة من التجارب، في المجالين الدعوي والحركي، خاصة وأن الوضع في الجزائر، مغاير تماما للوضع في كثير من البلدان العربية الواقعة وقتذاك تحت الانتداب الأوروبي، وذلك بحكم خبرتهم وزياراتهم لعدة بلدان عربية وإسلامية.

وعلى غرار ذلك، فقد توخت من تلك العلاقات، إعادة ربط المغرب بالمشرق، مثلما كان عليه الأمر في سالف العهود، قبل نزول الاحتلال، ولعل قدرة الفضيل الورتلاني، عل نسج العلاقات، ومرونته الكبيرة في التعامل وتفتحه عل جميع الهيآت والمؤسسات بصرف النظر عن طبيعتها، أسهمت في دفع جمعية العلماء المسلمين باتجاه العمل المشترك مع أقطاب الحركات السياسية المغاربية المقيمة في القاهرة، ضمن إطار جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا.

5- الشيخ الإبراهيمي وتطوير أداء جمعية العلماء:

ورغبة في تحقيق ذلك، قامت جمعية العلماء بإرسال رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، إلى القاهرة في سنة 1952، ليغطلع بتلك الهمة التي دونها عقبات كأداء. وقد حظي في معر باستقبال شخصيات سياسية ودينية نات شأو كبير، منها: عزّام باشا وأحمد الشقيري عن الجامعة العربية، والمرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمن، السيد مأمون الهضيبي، إدراكا منهم لوزن وثقل الإبراهيمي، وقدرته على الحراك الإيجابي والدفع به باتجاه صياغة موقف رسمي وشعبي، يتبنى القضية الجزائرية، وينافح عنها عبر مختلف المنابر. فقد كان لمكتبها في القاهرة وفيه أمثال الإبراهيمي، والورتلاني دور فاعل ومؤثر في تهيئة الرأي العام العربي والإسلامي للوقوف إلى جانب الجزائر في محنتها، كما كان للجمعية الأثر الكبير في جمع كلمة الدعاة والقادة المسلمين في العالم العربي والإسلامي لمواجهة التحندي الاستعماري الذي يستهدف الإسلام كدين والمسلمين كأمة، والأرض الإسلامية كوطن خاصة وأن الشيخ الورتلاني كان قد سبقه في التعريف بها على مستوى المشرق العربي، وهو ما جعل الأرض ممهدة والجوّ مهيأ، أمام رئيس الجمعية، الذي ارتكز على ذلك الرصيد، للانطلاق نحو أفق أكثر رحابة وأعمق تجاوبا. وقد أدرك الشيخ الإبراهيمي، ضرورة حشد الطاقات العربية الرسمية والشعبية، على حد سواء، ودفعها نحو الالتفاف أكل من ذي قبل، حول القضية الجزائرية، التي رأى أنها حريّ بها أن تحقق الإجماع العربي والإسلامي. ولتحقيق ذلك، طفق الإبراهيمي يتنقل من بلد لآخر، حيث زار لبنان في جويلية 1952 والعراق في أكتوبر من السنة ذاتها.كما زار البحرين والكويت في ماي 1953 وسوريا في السنة ذاتها، وعرّج على السعودية في سبتمبر، والكويت في نوفمبر من سنة 1953، والقدس في مارس 1954، كما التقى المفتي حاج أمين الحسيني.

وقد انبرى خلال تلك الجولات، شارحا ومفصلا للقضية الجزائرية، قبل وبعد الاحتلال ومركزا على جرائمه التي اقترفها على امتداد الجزائر، وداعيا في الآن ذاته إلى وجوب استغلال كافة الطاقات والإمكانات المتاحة لرفع الغبن عن الجزائر، على اعتبار أن ذلك من أوكد الواجبات الملقاة على كاهل الأمة الإسلامية.

6- مظاهر التعريف بالقضية الجزائرية عند الشيخ الإبراهيمي :

وفي سياق الحديث عن مساعي الشيخ الإبراهيمي، في التعريف بالقضية الجزائرية، وحشد الدعم لها، ذكر السيد فاضل الجمالي، رئيس وزراء العراق، في شهادة له «أن الشيخ الإبراهيمي زاره في خريف سنة 1951، وذلك أثناء انعقاد الجمعية العامة لأمم المتحدة بباريس، وطلب منه بصفته ممثلا لدولة العراق، ونائبا لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في تلك السنة، إثارة قضية الجزائر في الأمم المتحدة».

ولم يكتف الشيخ الإبراهيمي بذلك، بل حضر حفل احتفال ليبيا باستقلالها سنة 1951 أقيم بباريس، وشهد الحفل حضور شخصيات سياسية وثقافية كثيرة، منها الأمين العام للجامعة العربية. واستغل الفرصة ليوجه رسالة ذات معنى عميق، حيث أنه خطب في الحضور، قائلا :«..إن الجزائر ستقوم قريبا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات، في سييل نيل استقلالها وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية».

كما شارك الإبراهيمي في اجتماع اللجنة السياسية للجامعة العربية، وبعد أن فرغ مندوبو المغرب العربي من تقديم تقاريرهم حول الوضع في أقطارهم، طلب الإبراهيمي من الجامعة أن تولي القضية الجزائرية، عناية خاصة وتساعد الشعب الجزائري في الحصول على حقه في تقرير مصيره شأنه في ذلك شأن شعوب كثيرة، مُكنت من ناك، وغدت حرة على أرضها، ممارسة لسيادتها.

وقد علق رئيس وزراء العراق، السيد فاضل الجمالي، على جهود الشيخ الإبراهيمي في التعريف بالقضية الجزائرية بقوله: « لقد عرفت الشيخ البشير الإبراهيمي، مسلما صادقا في إسلامه وعالما مجاهدا في سبيل أمته. وكان له الفضل الكبير في تعريف الأوساط الشعبية العراقية، بالقضية الجزائرية. كما كان خير محفز لي شخصيا لأن أكرس كل طاقتي في خدمة القضية الجزائرية، سواء في العراق أو في المحافل الدولية».

لقد كان لتلك المساعي التي بذلتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نتائج إيجابية كثيرة بدت أماراتها في الميدان، من خلال تناغم وتجاوب حراك شعوب وقادة الدول العربية مع القضية الجزائرية، نتيجة وعيهم بحقيقتها التي انبرى قادة الجمعية، ممثلين في الشيخين الإبراهيمي والورتلاني اللذين أبليا البلاء الحسن، في التعريف بها تعريفا جعلهم يدركون عمق المأساة وحجم المؤامرة على الجزائر ويشعرون في الآن ذاته بالمسؤولية التاريخية تجاهها. وقد شكل كل ذلك، أرضية مواتية عند تفجير الثورة، لمندوبي جبهة التحرير الوطني، الذين وجدوا التجاوب الصادق والتفاعل الواعي المدرك لضرورة وأهمية الحراك لصالح الثورة الجزائرية، على أكثر من مستوى، وفي مجالات مختلفة.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: