الفكر التّربوي وسؤال المرجع عند محمد البشير الإبراهيمي

بقلم: د. عبد الله بن صفية-

لطالما طمح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى تأسيس نهضة فكرية، تقوم على ركائز متينة قوامها العلم والأخلاق الحميدة، مع التركيز على جيل الشّباب والحرص الدائم على تربيته وتعليمه بشكل قويم وسديد، وقد انبثقت هذه القناعة لدى الشيخ من جملة الأفكار الأولى المترسّخة في ذهنه رفقة العلّامة عبد الحميد بن باديس، فالتكوين بحسب الشيخ لا ينجح إلا بالتربية المتكاملة في مفهومها وغايتها مع التعليم بالبلاد الذي يعيش فترة عويصة تردّت فيها كل المقتضيات والمؤسسات بفعل الاستعمار الفرنسي، مع ضرورة سيادة الأخلاق والقيم والمثل العليا في سيرورة التربية وهذا ما يتوافق مع مسلّمات كثيرة في نظرية التربية الحديثة، ولعلّ أهمها التربية الخلقية التي لا يمكن للتّربية العقلية أن تكلّل بالنجاح أو تثمر من دونها.

في مفهوم التربية:

يعدّ التقعيد للمصطلح والتأسيس للمفهوم في أيِّ بحثٍ علمي ضرورةً إبستيمولوجية، وهدفا رئيسا يعمد إليه الباحث في رصد المعالم التي يَبين في ضوئها ماهية ما سيشتغل عليه، بل ويصبح هاجسه المعرفي الذي تقتضيه دواعٍ ذاتية وموضوعية، باعتباره المحدد الرئيس للأطر التي سيستند إليها البحث، الضّابط لمساره، والداّفع بعجلته نحو ما يرومه.

وللتّوصل إلى تعريف مناسب لمصطلح التربية تقتضي المنهجية العودة إلى المعاجم والقواميس اللسانية العربية أولا للتّعامل مع المفردة كما وردت فيها، لما لذلك من أهمية بالغة في تمكيننا من الوقوف على دلالاتها على النّحو الذي قد رسمه لها أهلها، قبل رصد ما باتت تعنيه في رحلتها التطورية، والتي إن نأت فيها عن بعض من استخداماتها الأولى لن تنأى عن وجه من الأوجه الدلالية التي رسمها لها العربي في أوَّل عهدٍ له بها.

لقد ورد في المعاجم العربية توصيفًا لمصطلح التربية ما يمكن تأطيره بقسمين دلاليين:

القسم الأول: رَبَا يَربو بمعنى “زاد ونما”(1)، ومن ذلك قوله تعالى : {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَة فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج : 5).

القسم الثاني: ربّيته تربية غذّوته وأنشأته(2)، بمعنى التنشئة والرعاية ، كما في قوله تعالى : { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ }(الشعراء : 18)

وبتتبع المفردة وما باتت تعنيه اليوم في خضم النظريات المؤسسة لمعالمها والآراء القائمة إزاءها نجد أن  تحديد مفهوم التربية قد اختلف باختلاف نظرة المتخصصين إليه، فقد وردت تعريفات كثيرة للتربية، لكنها لم تخرج بأي حال من الأحوال عن المعنى اللغوي للكلمة. من ذلك نذكر:

تنشئة الجيل، وإعدادهم، وتنمية قدراتهم، واستعدادهم، وتشكيلهم حضاريا، وهو ما يعني أن التربية هي مجموع العمليات التي بها يستطيع المجتمع أن ينقل معارفه وأهدافه إلى الأجيال اللاحقة ليحافظ على بقائه، وتعني في الوقت نفسه التجدد المستمر للتراث ولحامله. فهي عملية نمو متواصلة.(3)

سياق قوامه تطور وظيفة أو عدة وظائف تدريجيا بالتدريب، وأن تتحسن نتيجة لذلك السياق من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة – أو هي عملية بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم، أو التأقلم والتكيف مع البيئة التي يعيشون بها – وتكون التربية للفرد والمجتمع(4).

والتربية ليست جانبا مستقلا أو ذاتيا بل هي حقل يخصّ الجماعة، ويعود بالنّفع عليها، وما منطلقه إلّا الرؤى المختلفة والمتّكئة بدورها إلى جملة من التنظيمات لتحقيق الاستفادة العامة، وعملية التربية “وسيلة إلى غاية لا غاية في ذاتها لكن هذا ليس بالضّبط الذي في بال المدافعين عن النّفعية في التربية، فإن ما يحتجّون عليه هو أن تكون نتيجة التربية نافعة”(5).

وإذا لم تعمّ الفائدة من التّربية التي عليها أن تتكامل مع التعليم تكاملا متناميا باستمرار فلا حاجة إلى الالتفات إليها كعمليّة وإلى مفهومها أو مقوّماتها، بالدراسة والتدقيق فأساسياتها تقتضي الإصلاح الخلقي والواقعي قبل الإجرائي أو البيداغوجي إذا تعلّق الأمر بالتعليم.

وتحقيق هذه النّفعية ليس بالأمر الهيّن على المؤطرين أو القائمين على نجاح هذه العملية فكثيرا ما “تجد التربية نفسها في مواجهة لمسائل معقّدة مختلطة متداخلة لا تتّصل بالغايات فحسب، بل ترتبط بالوسائل أيضا ولا تتلقّى من العلوم إلا عونا متواضعا"(6) ولأنّها ارتبطت بالإنسان فعليها أن تحدّد بكلّ المتغيرات التي تطرأ عليه وعلى حياته، مع التزامها بالمقاربات المعرفية الصارمة كلما استدعى الأمر ذلك، فالتقاطع والتضافر بين المستويات الاجتماعية والنفسية والتاريخية أمر مفروض لتحديد المفهوم العام للتّربية التي أصبحت جوهر غالب الدراسات المتعلقّة بالمستويات السابقة الذّكر.

وعلى الصّعيد العلمي الإجرائي فالتربية لا تتواجد بصورة مطلقة أو عشوائية بل تحتكم إلى قواعد ومخطّطات جعلت منها علما قائما بذاته -علم التربية- فهي “تقتضي خططا متدرّجة، تسير فيها الأعمال التربوية، وفق منهج منظم صاعد ينتقل مع النّاشئ من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى أخرى حتى يصل كلّ إلى درجة كماله الخاصّة به"(7) وهذا ما يضمن لها الوصول بدقة إلى نتائج وأهداف تستشرف غد الفرد والمجتمع حين تعلّقت بكليهما معا؛ لأنّ مسألة التربية لا تخص الوحدة الصغرى فقط والمتمثّلة في الفرد، بل تتجاوز إلى الوحدة الكبرى وتكمن في المجتمع إذ لا صلاح للفرد إلا بصلاح المجتمع، وتتبّع سيرورتها واجب على التربويين والمثقفين.

وقد كان الإبراهيمي من أبرزه المثقفين  حين ألفى نفسه مسؤولا على هذا الجانب –التّربية- الذي يقترن بالإنسان اقترانا لا رجعة فيه، حيث يرافقه من الصّغر إلى الكبر، وقد يؤول إلى حصن منيع له يعلّمه الحكمة والوجاهة، لذا فتسليط الضوء على التربية والتعليم جاء مقصودا من العلّامة نظرا لأهميتهما البالغة في تلك الفترة الحرجة التي عاشتها الجزائر إبّان الاحتلال الفرنسي، فقد كان لزاما على الشعب الجزائري أن يلتفت إلى الواقع المرير بعين واعية ونظرة ثاقبة.

وقد كان الاستقلال نتيجة حتمية للجهود الإصلاحية التربوية التي قام بها الإبراهيمي رفقة أعضاء جمعية العلماء المسلمين وعلى رأسهم عبد الحميد بن باديس، فتنمية العقل كانت الوسيلة الأنجع لمحاربة المستعمر لا السّلاح فقط، بإمكانه استرداد الكرامة للشعب الجزائري “فالشيخ البشير الإبراهيمي كان – مع ابن باديس- كالشّعلة التي بثّت في الجزائر ثورتها الثقافية، تلك الثورة التي مكنت الشعب الجزائري من نيل استقلاله عام 1962 بعد 130 سنة من الاستلاب"(8) الاستقلال الذي لم يأت عرضا وإنما بعد جهود إصلاحية كثيفة وملّمة بكل الجوانب الحياتية للفرد وللمجتمع الجزائريين.

ولما كان الإبراهيمي هو الذات المربية فإن المقصود هنا هو فعلها التربوي وممارساتها الميدانية بالدرس والتحليل بحثا عن المرجعيات التي ركن إليها حين تواصله كمربٍّ بالأجيال التي علّمها ولقنها ووجهها، وكذا بالأبعاد التي رامها، فإن هذا العمل سيخصه أولا بالذكر لأن لا نبخسه حقه، محيلين في هذا الموضع إلى ما قام به البشير خدمة للأجيال في ظلّ علاقاته التربوية بهم، وذلك قبل البحث في المرجعيات والأبعاد .

الإبراهيمي مربيا :

البشير الإبراهيمي رجل من رجالات الجزائر الذين استطاعوا تمثّل الثقافة العربية والإسلامية، وقد عرف في ميدان الإصلاح فعلا وكتابة، مما خوّل له دخول حيّز التاريخ، فما فعله استحق أن يكتب وما كتبه استحق أن يقرأ، فهو أولا وأخيرا عند من يعرفه “فلتة من فلتات الزمان"(9) وما المعلّم الجيد إلا مربي جيّد حسب الإبراهيمي فهو أساس الأمة لما يؤديه من مهام نبيلة تسمو بالتلميذ الجزائري المتعطّش دوما لتنمية معارفه وتوعيته بما يجري من حوله من مستجدات تاريخية وسياسية قد لا يفقهها إلا بالمعارف النافعة والتربية الناجعة وهذا ما يتوافق مع النظرة الحديثة للمربّي والمعلّم على حدّ سواء فما عليه “إلّا أن يقدّم ما هو منتظر منه عندما يمتلك تربية أولية عامة وأنه متعلّم لبعض الصّيغ المناسبة تمكّنه من غرس ما لديه من تعليم في أذهان تلاميذه“(10) شريطة أن تكون هذه التربية الأولية مبنية على أسس ومبادئ قويمة لا تتعارض ونواميس المجتمع، أو مقوماته.

وإذا أردنا تحت هذا العنوان تقسيما لحياة الشيخ لقلنا إن حياته قد مرت بمرحلتين: مرحلة التكوّن ومرحلة التكوين؛ أمّا الأولى فتشمل الفترة الزمنية الأولى من حياته، والتي قضاها متنقلا طالبا للعلم، من مسقط رأسه، قرية أولاد ابراهم، والتي تلقى فيها تعليمه الأول، إلى القاهرة حيث استوقفته مصر بعلمائها وشعرائها و أدبائها، فجلس إلى علماء الأزهر الشريف، وأفاد منهم، وصولا إلى بلاد الحجاز وبالضبط إلى المدينة المنورة.

أما المرحلة الثانية فقد كانت بدايتها الحقيقية من أرض المسجد النبوي، حيث استهل منها التربية والتعليم، يقول الإبراهيمي: ” ثم ألقيت الرحال بالمدينة حيث استقر والدي، وعكفت على القراءة والإقراء، فكنت ألقي عدة دروس متطوعا …وكنت أغشى ثلاث مكتبات جامعة غنية بعشرات الآلاف من المخطوطات النادرة … فبلغت منها غايتي حفظا واطّلاعا مدة خمس سنوات وشهور"(11). ومن الحجاز إلى دمشق حيث رحل إليها جبرا، وبها مارس التعليم في المدرسة السلطانية.

يقول: “فأصبحت بذلك أستاذا للآداب العربية وتاريخ اللغة وأطوارها … وتخرج على يدي في ظرف سنة واحدة جماعة من الصفوف الأولى هم اليوم في طليعة الصفوف العاملة في حقل العروبة”(12)، ومن الشّام عاد إلى مسقط رأسه، ليؤسس بعدها رفقة عبد الحميد بن باديس جمعية العلماء المسلميين الجزائريين، لتبدأ بعدها العملية التربوية الحقة، وعلى أوسع نطاق، التعليمية وغير التعليمية، لصغار السن ولكبارهم، لإناث الجزائر وذكورهم، وذلك عن طريق المدارس والنوادي الثقافية والمجلات والجرائد.

لقد عاد البشير مرة أخرى عام 1952 إلى المشرق فأقام في مصر وباكستان ومنهما إلى العراق وسوريا والأردن والقدس، وفي رحلته هذه ألقى عديدا من الخطب وقدم مجموعة كبيرة من الدروس، مثبتا للمهتم بسيرته أن دوره التّعليمي ورسالته عربية إسلامية إلى جانب وطنيتها.

لقد كان دور الإبراهيمي التربوي منصبا على تنشئة جيل مسلم وإعداد كل فرد فيه إعداداً كاملاً من جميع النواحي وفي جميع مراحل نموه، وذلك في ضوء المبادئ والقيم وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي جاء بها الإسلام، فكانت التربية عنده أساس عملية التغيير، سواء في النفس أو في المجتمع، بالرغم من تسبيقه الأولى على الثانية؛ فالتغيير بحسب الشيخ ينبع من الداخل، بإعادة بناء كيان الإنسان النفسي والعقلي، والوجداني على أسس صحيحة من العقيدة الحقّة والإيمان العميق والفكر المتبصّر مصداقًا لقوله تعالى: {إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} (الرعد: 11)، ثم يأتي بعدها التغيير في المجتمع، أي التغيير الخارجي، وهو التغيير الأطول زمنيا، “تغيير بنَفَس طويل” مثلما وصفه.

وقد استعمل الشيخ لما يقوم به من دور تربوي إيماني أو علمي أو عملي أو اجتماعي… مجموعة من الأساليب والوسائل، فقد اعتمد على القصص القرآني والنبوي وكذا الأمثال والحكم …وذلك بعدة أماكن، بداية من أسرته، وقد تكلل ذلك بأن وُهب أسرة محافظة على حظ وافر من العلم، والأمر نفسه تمّ له مع جيل نشأ على يديه في المسجد وحلقات العلم.

مرجعيات الفعل التربوي:

إنّ البحث في موضوع الفكر التربوي عموما، والفكر التربوي عند محمد البشير الإبراهيمي خصوصا، يشترط البحث في مرجعياته، وفي مضامينه أولا قبل البحث في اهتماماته وتطلعاته، وذلك لأنّ الفكر التربوي هو المسعى لتحديد جملة الرؤى والآفاق والعمل على تكريسها في الواقع،  وعليه فإنّ ضبط المسار التربوي، وربطه بثوابت الأمة، لأن لا يزيغ عن الأهداف المسطرة له، يستدعي العودة إلى مرجعياته والتي من شأنها أن تخلق توجهات تربوية لا تخالف طبيعة المجتمع.

ومن هنا جاء هذا العنصر، والذي سيسعى إلى الكشف عن المرجعيات، بغية التقعيد للفكر التربوي عند محمد البشير الإبراهيمي، وكشف الأسس التي انبنى عليها هذا الفكر، وذلك إيمانا مني بأنّ ظاهر الفكر التربوي الإبراهيمي له نسق مرجعي خفي يوجهه ويبعث به نحو ما يرومه. ولن يتأتى فهم شيء من هذا الفكر دون الركون إلى هذه المرجعيات، والتي حصرتها في ثلاث يؤسس لها شعار الجمعية: الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا.

أ/ المرجعية الدّينية:

الدين الإسلامي أبو المرجعيات عند الشيخ، فهو مصدر القوة، والمعيار الأوحد للنجاح في الحفاظ على الهوية، وفي ترسيخ مبادئ الوحدة، يقول الإبراهيمي في معرض حديثه عن هذه المرجعية وعن دورها “نحن قوم مسلمون جزائريون… نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كل كمال إنساني… وفي المحافظة على هذه التقـاليـد، المحافظة على أهم مقومات قوميتنا، وأعظم أسباب سعادتنا وهنائنا، لأننا نعلم.. بأن الدين قوة عظيمة لا يستهان بها"(13).

ولا غريب في أن يولي الإبراهيمي كل هذا الاهتمام للدّين باعتباره احد الركائز الروحية التي من شأنها تعيد للجزائري المقهور طاقته في فترة تراجع فيها وازعه الديني بفعل الاستعمار الذي هدّم كل مقومات الثّقافة الإسلامية، وحارب القرآن الكريم بشتى الوسائل وأبشع الأساليب والإبراهيمي يجد في الدّين المتنفس الأوحد للوصول إلى مرحلة الكمال الإنساني، والتي تنشدها التربية في عهودها القديمة والحديثة وحتّى “خلق الإنسان يتكوّن ويتحدّد بالتربية المبكرة إلى حدّ أعظم بكثير مما كان يدور بخلد أكثر المربين تحمّسا في الأجيال الماضية"(14) وكلما تماشى كل من التكوّن والتكوين مع التربية السليمة من البداية إلى آخر مرحلة تحقّق التوازن، وتزايد التناغم الذي سيودي إلى الاكتمال الذي أشار إليه العلّامة الإبراهيمي.

ب/المرجعية القومية:

تعرف الـقـومية بأنها مجموع المميزات المؤسسة على ثوابـت الأمة، ومشاعرها العميقة التي فـُطرت عليها وعلى رأسها اللغة والعقيدة والتاريخ المشترك والمصير المشترك، وقد أولاها الشيخ أهمية بالغة فعاد إلى تاريخ العرب وأنصفهم بحجة ما اجتباهم الله به حين خصهم بالقرآن لغة وتنزيلا وبالرسول أصلا ونسبا يقول: “على كل من يدين بالإسلام، ويهتدي بهدي القرآن، أن يعـتـني بتاريخ العرب، ومدنيتهم، وما كان من دولهم وخصائصهم قبل الإسلام. ذلك لارتباط تاريخهم بالإسلام، ولعناية القرآن بهم، ولاختيار الله لهم لتبليغ دين الإسلام”(15).

والقومية عند الشيخ ليس المقصود بها انتماء لمن كان أصله عربيا بل منح الإبراهيمي الجنسية العربية لكل من يتخذ لغة القرآن لسانا له. ومعنى ذلك أن الأمة العربية الإسلامية ليست مؤطرة بمكان ولا بزمان؛ بل هي في اتساع دائم، أو كما قال الشيخ: “ينمو عدد الأمة العربية بـنموّ عدد من يتكلمون لغتها…”. وذلك كله تفسيرا لقوله عليه الصلاة والسلام: “ليست العربية بأحَـدِكُم من أب ولا أمّ؛ وإنما هي من اللسان. فمن تكلم بالعربية فهو عربي” يقول الشيخ بهذا الصدد: “فـليس الذي يكوّن الأمة، ويربـط أجزاءَها، ويوحّد شعورها، ويوجهها إلى غايتها، هو هبوطها من سلالة واحدة. وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمُها بلسان واحد”(16).

وهو بذلك يجمع تحت مصطلح القومية العربية بين اللّغة والدّين، لا “بقومية عربية مجسدة بالعرق وباللغة بعيدا عن الإسلام“(17) فهو الركيزة التي ينبغي التشبّث بنصوصها وأحكامها حتى يضمن كل مواطن عربي مسلم هويته وذاته الحقّة، وبدورها ستتصدّى لكلّ العوائق مهما كانت إمكاناتها وسلبياتها.

ج/ المرجعية الوطنية:

ارتكزت الدعوة الإصلاحية التي تبناها البشير الإبراهيمي وأعضاء الجمعية على الجزائريين بآمالهم، وتطلعاتهم، وكان هذا لبّ لباب جمعية العلماء المسلمين، وفي ذلك يقول الإبراهيمي “مبدأ جمعية العلماء يرمي إلى غاية جليلة فالمبدأ هو العلم والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها قسمان: تحرير العقول والأرواح وتحرير الأبدان والأوطان والأول أصل الثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين وفي الدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية، والأوطان من الاحتلال متعذرا أو متعسرا، حتى إذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا لأنّـه بناء على غير أساس، والمتوهم ليس له أمل، فلا يُرجى منه عمل، لذلك بدأت جمعية العلماء من بداية نشأتها بتحرير العقول و الأرواح، تمهيدا للتحرير النّهائي”(18).

فالوطنية بما هي عاطفة تعبر عن ولاء الإنسان لبلده، وانتماء إلى دولة معينة، وكذا تعبير عن واجب الإنسان نحو وطنه، فقد آمن الإبراهيمي بكل مضامينها، فوطنيته هي من جعلته يعود إلى الجزائر ليكون مربيا ومصلحا ثائرا على الاستعمار، وقد حاول ترسيخ هذه المرجعية في الجيل الذي رباه تحت لواء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونجح في ذلك نجاحا كوّن للجزائر جيلا رفع راية الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي.

أبعاد الفعل التربوي:

لقد أراد الشيخ البشير من التّربية بالمنهج الذي اختاره لها والقائم على المرجعيات الآنفة الذكر [الدينية / القومية أو العروبة/ الوطنية] أن يصنع جيلا جديدا، محصنا يحترم شريعته ويكافح لقيام نظام عادل، جيلا صالحا تحكمه المبادئ التي سيلقِّنها له، فالعالم العربي والإسلامي – حسب الشيخ – يعيش حربا مستمرة سواء أكانت كامنة أم نشطة، تعكس هذه الحرب زوال الإيمان من الداخل بالقيم والأهداف التي قام عليها الدين وبرّر بها وجوده، وهو ما يجب تعليقه حسب الشيخ والبداية دونه من جديد، وذلك ببعث أمة إسلامية واراها الركام نتيجة الحاضر المعتم، بالإضافة إلى ركام الأجيال، وركام التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة .

كما يلحّ الإبراهيمي على ضرورة تقديم التربية على التعليم فيقول: “واحرصوا على أن تكون التربية قبل التعليم…إنكم يا أبناءنا مناط آمالنا ومستودع آمانينا نعدكم بحمل الأمانة وهي ثقيلة”(19) فقد أراد الشيخ بالتربية أن يحافظ بالجيل المربّى على قيم الأمة وثوابتها، تاريخها وأمجادها … يقول في مقال نُشر بجريدة البصائر سنة 1947 م، تحت عنوان “جمعيّة العلماء موقفها من السياسة والساسة” : “يا حضرة الاستعمار، إن جمعيّة العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، وتطالبك بتسليم مساجده وأوقافه إلى أهلها، وتطالبك باستقلال قضائه.

و”تسمّي عدوانك على الإسلام ولسانه ومعابده وقضائه، عدواناً بصريح اللفظ، وتطالبك بحرية التّعليم العربيّ، وتدافع عن الذاتية الجزائرية، التي هي عبارة عن العروبة والإسلام مجتمعين في وطن. وتعمل لإحياء اللغة العربية وآدابها، وتاريخها، في موطن عربي وبين قوم من العرب، وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا. وتعمل لتمكين أخوة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم، وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم، وسيَر أعلامهم،  وأمجاد تاريخهم، وتعمل لتقوية رابطة العروبة، بين العربيّ والعربي لأن ذلك طريق لخدمة اللغة والأدب”(20)

إن الجيل الذي تربى على يد محمد البشير الإبراهيمي حقق الكثير مما يصبو إليه الشيخ، وذلك حين أدركوا أهمية التربية في تحقيق مقاصدها العقدية والفكرية، وهو ما جعل الشيخ يركّز على إنشاء المدارس والاهتمام بالتعليم المسجدي أكثر فأكثر، وهو ما جعله أيضا يضع برامج واسعة لنشر التعليم الديني والعربي للصغار ولمن درسوا باللسان الأجنبي.

ولم يقتصر دور الشيخ التربوي والتعليمي داخل الوطن فحسب، بل رافق أبناء الجزائر الذين هاجروا فقد تنبّه إلى الأخطار المحدقة بأولئك المهاجرين الـمُعَرَّضِين لخطر الذوبان في الحضارة الأوروبية، فكان لهم حظ مع الشيخ إرشادا وتوجيها.

إن التركيز على الجيل اللاحق أكثر من غيره من طرف الشيخ [دون تهميش أو إهمال لكبار السن والذين أثر فيهم الشيخ الرئيس ووجه أقوالهم وفعالهم بتوجيهه لتفكيرهم] ما هو إلا تركيز على المستقبل الذي أراده، جيل كان عند الشيخ بمثابة مهدي المنتظر، أو عيسى عليه السلام، فالكل ينتظر قدومه ويأمل الخير كل الخير في كبره. فالجيل الذي رباه الشيخ ارتأى فيه الطفل الذي ينتمي إلى مستقبله، فيرتمي في أحضانه بعيدا عن الحاضر العربي وماضيه بعيدا عن التخلف، ليكون بمثابة البشارة.

وقد عُرف الشيخ بخطابه النهضوي وإيديولوجيته التقدمية، وهي إيديولوجية رست على مقولة مركزية اعتبرت الطفل العربي المسلم الناهض هو حلّ كل الأزمات، الحاضر منها والقادم، فكان الصبي فيها هو المرجع الذي اتجه به الشيخ نحو المستقبل، البطـل الموعود للزمن المجهول الأصل، المشكِّل لعالمه النفسي والقيمي والجمالي، ففيه الزمن المشتهى الكامل المنقطع تماما عن الزمن القائم.

فالمتتبع لسيرة الإبراهيمي يكتشف من خلال ما فرضه من مادة تربوية –تنظيرا وإنجازا– أنه شخصية رافضة لواقعها – قبل الاستقلال وبعده- لإيمانها بضرورة التغيير من أجل تأسيس مدينة إسلامية فاضلة، وذلك من خلال رؤية تحاول الجمع بين الخصوصية الأصيلة والانفتاح على الآخر، لأنّ الشيخ يدرك أنّ “النهضة أو التقدم حركة دينامية تاريخية مطّردة لدى الإنسان يسعى من خلالها إلى تحرير ذاته انطلاقا من أصوله نحو المستقبل مع الإفادة قدر المستطاع من تجارب الآخر سواء أكانت تاريخية تنتمي إلى حيز زمني ولّى أم معاصرة له”(21).

خاتمة

لقد أولى الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أهمية بالغة للتربية، فتكوّن وكوّن، مركزا في تربيته للجزائري  على ترسيخ مجموعة من الثوابت التي قامت عليها الأمة، وقد ركن إلى الإسلام في اشتقاق معالمه وعلى العربية في استلهام العزة والأنفة وعلى الوطنية في تحفيز العقول وشحذ الهمم.

وقد ابتغى الشيخ بدوره التربوي إصلاح عقيدة الشعب الجزائري، وتنقيتها من الخرافات والبدع، ومحاربة الجهل بتثقيف العقول، والرجـوع بها إلى نهج القـرآن والسنــة النبوية، عن طريق التربية والتعليم.

ناهيك عن سعيه للحفاظ على الشخصيـة العربيـة الإسلامية لدى الجزائـري، بمقاومة سياسة التنصير والفرنسة التي تتبعها سلطات الاحتلال.

فجهوده التربوية كانت إجمالا تبتغي الاهتمام بالتنمية الشخصية المتكاملة للفرد فكرا وخلقا وقيما وجسما، وقد أكد الشيخ أنه يريد بممارساته التربوية التعليمية توجيه المجتمع إلى سبيل الرشاد وذلك من خلال إنشاء جيل من المعلمين يخلفونه ويحافظون على رسالته، الأمر الذي جعله ينشئ عددا من المؤسسات لإعداد المعلمين في مختلف التخصصات، مركزا على الجانب التربوي فالمعلم عند الشيخ لا ينحصر دوره فقط في نقل المعرفة بل هو مربّ بالدرجة الأولى.


الهوامش:

1- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت – لبنان، ط3، 1414هـ مج: 14، ص: 304.

2- المرجع نفسه، ص: 307.

3- هاشم بن علي بن أحمد الأهدل، أصول التربية الحضارية في الإسلام، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض ط1، 2007، ص: 22.

4- أوليفية ربول، فلسفة التربية، تر: جهاد نعمان، منشورات عويدات، بيروت – لبنان، ط3، 1986. ص:12.

5- برتراند راسل، في التّربية، تر: سمير عبده، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، دت، ص23.

6- عبد العلي الجسماني، علم التربية وسيكولوجية الطّفل، الدار العربية للعلوم، بيروت، لبنان، ط1 ، 1994، ص 24.

7- علي أحمد مدكور، مناهج التربية، أسسها وتطبيقاتها، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 2001، ص 30.

8- عمر أحمد بوقرورة، بناء النسق الفكري عند محمد البشير الإبراهيمي، قراءة في ظل البنية والتّغير، دار الهدى،عين مليلة، الجزائر، ط1، 2004،  ص20.

9- محمد البشير الإبراهيمي، الآثار، جمع وتقديم: أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، ج1، ط1، 1997. ص: 16.

10- عبد العلي الجسماني، علم التربية وسيكولوجية الطّفل، مرجع سابق، ص22.

11- محمد البشير الإبراهيمي، الآثار ، مصدر سابق، ج5. ص: 166.

12- المصدر نفسه والصفحة.

13- محمد البشير الإبراهيمي، الآثار، ج 3، مصدر سابق. ص: 277

14- برتراند راسل، في التربية، مرجع سابق، ص 15.

15- محمد البشير الإبراهيمي، الآثار،ج4، مصدر سابق، ص: 59.

16- محمد البشير الإبراهيمي، الآثار،ج4، مصدر سابق ، ص: 17.

17- عمر بوقرورة، بناء النسق الفكري عند محمد البشير الإبراهيمي، مرجع سابق،  ص: 50.

18- المصدر السابق، ج4. ص: 344.

19- بن زينب شريف، سؤال التنوير عند البشير الإبراهيمي، العلامة محمد البشير الإبراهيمي، وآفاق الحداثة سؤال التنوير، إشراف محمّد الصّادق بلام، منشورات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، 2016، ص351.

20- ينظر: جريدة البصائر، العدد 3، ص14.

21- رزان محمود إبراهيم، خطاب النهضة والتقدم في الرواية العربية المعاصرة، دار الشروق، عمّان – الأردن، ط1، 2003. ص: 20.


د. عبد الله بن صفية ، جامعة محمد البشير الإبراهيمي – برج بوعريريج ـ الجزائر

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 40 الصفحة 41.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: