حول الاستفادة من ميراث منهج الإصلاح في جمعية العلماء

بقلم: حسن خليفة-

من يقرأ تاريخ حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ويتدبر منهجها أو منهجيتها في العمل..يستطيع أن يقف على مجموعة مسائل لافتة للنظر، سواء من حيث الوسائل المستخدمة أو من حيث طبيعة العمل نفسه. وأعتقد أن الاستئناس بذلك المنهج ـ مرة أخرى ـ كفيل بأن يضيف للجمعية ألقها ووهجها ويجعلها ـ أكثر فأكثرـ لأنها الجمعية الجامعة والخيمة الحاضنة لكل الأعمال الإصلاحية والدعوية في بلادنا، وليس هذا مطمحا غير واقعي، بل هو المطمح الأكثر واقعية بين كل المطامح، والهدف الذي ينبغي أن تتداعى كل الإرادات الخيّرة في سبيل تحقيقه، بشكل أو بآخر.

فأمّا الوسائل التي اعتمدتها الجمعية فمنها:

أ- التربية والتعليم: وقد اجتهدت في ذلك كل الاجتهاد، وبذلت من الجهود في سبيل هذا الهدف الكريم الكبير ما انتهى إلى تأسيس المئات من المدارس، أثمرت عشرات الآلاف من الثمرات ـ المتخرجين ـ اتبعت معهم أسلوب التأهيل بأشكال متعددة، فكان كل طالب يتأهل لأداء جزء من عمله في الصيف في منطقته ومدينته وقريته ودشرته، وكان أولئك الطلبة يُربّون على نحو مميز؛ بحيث يتأهلون سريعا ليقوموا بأدوارهم في مناطقهم، تسريعا لوتيرة الإصلاح والدعوة والعمل الديني والفكري.
والمفارقة ـ اليوم ـ أن هذا الأمر متاح لوجود الآلاف من المؤهلين والمؤهلات، بشهادات عليا وخبرات وكفاءات، ولكن ذلك التأهيل الذي يعمل على الإصلاح في المناطق المختلفة يكاد يكون بعدا غائبا…، بسبب الركود العام والتخلي روح الرسالة لدى هذه الكفاءات، وهذا جدير بالاهتمام حقا، وهو محل تساؤلات جادة، بسبب الافتقاد إلى المستوى المطلوب من الجدية في مجال العمل الإصلاحي من مئات، بل آلاف من المؤهلين والكوادر والطاقات الناضجة الطيبة التي يُفترض أنها “مهمومة” بمجتمعها؟
ب- الأمر الثاني هو المساجد: وقد استهدفت الجمعية من خلال عمل دعاتها وعلمائها ومعلميها عموم الجمهور من المسلمين الجزائريين، فاجتهدت في “تأثيث” عقليتهم وإعمار وجدانهم بالمبادئ الرئيسة، من خلال الفهم السليم للدين وفق تلك القاعدة الجليلة “علم قليل وعمل صحيح”، فأنتجت تلك النماذج الرائعة من الأفراد الذين ـ على قلة علمهم ـ كانوا نماذج للإنسان الصالح، رجالا ونساء، ومنهم آلاف ممن مسّهم تعليم وتهذيب وتوجيه ووعظ رجال الجمعية، فأبقى فيهم تلك الشعلة النيّرة الوقّادة مدى أعمارهم، بل دفعتهم تلك الشعلة إلى تربية أبنائهم وبناتهم على أحسن ما تكون التربية والإعداد، فدلّ ذلك على الجهد المصفّى والمنهج القويم في التدريس والوعظ، والتعليم المسجدي ما نحتاج إلى الاستفادة منه كل الاستفادة وتعميمه وتعميقه في مجال العمل المسجدي اليوم في بلادنا وهو يعاني ما يعاني. وهذه الاستفادة مطلوبة سواء من قبل الجهات الرسمية ـ الوصاية ـ أئمة ووعاظ ومرشدات الشؤون الدينية والأوقاف، أو من الجمعية وخطبائها ودعاتها، أو من الدعاة والأساتذة العاملين في هذا الحقل الدعوي الحيوي الحساس.

ج- الأمر الثالث الذي يمكن اعتداده وسيلة من الوسائل الدعوية الإصلاحية والتغييرية الهامة هو النوادي: فقد أنشأت الجمعية وأنشأ رجالها الكثير من النوادي التي كانت بمثابة فضاءات عامة شاملة، تلتقي فيها النُّخبُ الوطنية: مثقفين، كتابا، شعراء، زعماء، مصلحون، رجال سياسة وفكر…الخ، وكثيرا ما كانت تدور في تلك الفضاءات نقاشات ومطارحات وتداول للرأي في مجموع القضايا ذات الأهمية في ذلك الوقت، فكانت تلك النوادي مراكز إشعاع تصنع الوعي، وتحثّ على التفكير السليم، وتدفع في الاتجاه الصحيح لإيجاد أسلم الإجابات لأكثر الأسئلة إلحاحا. والمؤسف أن مثل هذه النوادي اليوم لا تكاد تجد لها أثرا، فعلى كثرة “الفضاءات” كالمقاهي ودور الثقافة والمراكز الثقافية الفسيحة وما أشبه، لكنها فارغة من أي قيمة حقيقية فكرية أو ثقافية أو جمالية أو سياسية، ولو استثنينا بعض المؤتمرات والملتقيات العامرة النافعة لجمعية العلماء وبعض الهيئات القليلة الأخرى، لأمكن لنا القول: إن تلك الفضاءات تحوّلت إلى ساحات للأعراس والرقص والرديح، أو لقاءات للمديح والشيتة والكذب والدجل، في مناسبات كثيرة.

فكم خسر المجتمع بإبعاد تلك القاعات عن أهدافها الحقيقية في البناء والإعداد والتكوين والتثقيف والتوجيه والتربية.

د- الوسيلة الأخرى هي الإعلام: ونقصد هنا الصحافة ـ زمن جمعية العلماء المسلمين التاريخية ـ فقد كان الاهتمام بالصحافة، وإدراك أدوارها الكبيرة في صناعة التغيير والتحوّل، وإيصال الفكر الباني والأدب الهادف والإصلاح النافع..، حيث كان الإدراك كبيرا وعميقا؛ فأنشأت الجمعية الصحف تباعا، صحيفة تتبعها صحيفة، وحرصت على دفع الكتّاب والأدباء وأصحاب المواهب والأقلام إلى الانخراط في منظومة بنائية جميلة، كان للكلمة المسؤولة الأثر البارز، كما كان للوعي بأهمية الكلام والخطابة والكتابة والقلم والدعوة والبلاغ وحُسن الاتصال والتواصل أكبر الأثر في “إنتاج” ذلك الجهاز الدعوي الإصلاحي الصادح بالحق والمبلّغ له..، وتشهد أدبيات الجمعية بقدرة قادتها -في تلك الفترة- وقد بُعثوا إلى مناطق مختلفة شرقا وغربا وجنوبا، وكان ضمن أولوياتهم –دائما- إيجاد وتكوين وتدريب أولئك الأفراد المتميزين وفتح المجال أمامهم ودفعهم وتأهيلهم. وبذلك “توالدت” الكفاءات والكوادر وتنامت قدراتها زمنا بعد زمن حتى تحقق ذلك الانتشار الكبير للعلم والفضل والفكر والأدب والإيقاظ.
ومن ينظر اليوم إلى هذا الجانب يجد تقصيرا كبيرا بشأنه، حتى وإن كانت له أسبابه، ولكنه “تقصير” يجب تداركه بما يساعد على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية والدعوية والتاريخية للجمعية، بالتكوين والتدريب والبحث والاستيعاب، في كل المناطق وكل الجهات، وما أكثر المؤهلين والمؤهلات الذين قد لا يحتاجون إلى تأطير وبعض توجيه. والجمعية معنية بالاهتمام بهذا الحقل خاصة. فلعلّ الاستدراك يتم في الأوان اللازم.

هـ- تبقى إشارة عابرة إلى كفاءة التنظيم: والقدرة على التواصل والاتصال وحسن الإدارة والاستفادة من الحاضنة الشعبية أفضل استفادة وأحسنها.

آخر التغريدات: