المعادلة الصعبة في فكر ابن باديس

بقلم: أبوجرة سلطاني-

في شهر أبريل من سنة 1982 نظم طلبة جامعة قسنطينة تظاهرة علمية دعوية بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين لوفاة رائد النهضة ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الحميد بن باديس، دعيت لإلقاء محاضرة في قاعة المحاضرات الكبرى، غصت القاعة بالحضور وكان عنوان المحاضرة «المعادلة الصعبة في فكر ابن باديس» وكان الزمن يومئذ مشحونا بحديث الصحوة ومحكوما بمعركة المفاهيم والمصطلحات والانتماء الدعوي! فقاذني اجتهادي إلى طرح هذه الإشكالية من أكثر زواياها حساسية أمام من كنا نعدهم في ذلك الوقت صفوة الحركة الإسلامية ومخزونها الاحتياطي.

واليوم بعد سنوات على هذا الحديث الدعوي، أردت أن أعيد «أجواءه» في ذكرى رحيل صاحب الثلاثية الذهبية:

- الإسلام ديننا..عقيدة، وشريعة وخلقا.

- العربية لغتنا .. لغة وثقافة وامتدادات حضارية.

- الجزائر وطننا .. أرخما وشعبا وسياسات وبرامج.

لثلاثة أسباب أراها واجبة الإنصاف في زمن قل فيه الوفاء للسابقين وطغت عليه أنانيات المتصدرين للمشهد الوطني، وكأنهم هم وحدهم الدين والوطن والأمة، والرسالة، والشعب، والدولة... وغيرهم غثاء وهمل ودهماء.. ما كانوا في الماضين، ولا هم اليوم شيء مذكورون ولن تسمع لهم بعد غد ركزا..

السبب الأول: أن الحزب الواحد لم يكن كله شرا، وأن رجاله لم يكونوا على قلب رجل واحد، وأن «الإيديولوجية» الشيوعية (أو الاشتراكية) التي كانت تمثل الخيار السياسي الرسمي للنظام كان هدفها اقتصاديا أكل منه اجتماعيا، لذلك لم تكن الحريات منفتحة كحالها اليوم، فقد كانت الدعوة تسرح وتمرح مع شيء من التضييق على الخطاب السياسي والتحركات المستهدفة «تنظيم»
الجهود «وتقعيد» الإسلام الشعبي ليأخذ شكل الصحوة الواعية.

والسبب الثاني: أن الصحوة في الجزائر قد نشأت نشأة حرة طليقة، عبت من جميع الروافد والمصادر والراجع والتيارات، ولم يكن الفكر الباديسي غائبا عنها، فقد كان للجمعية كلمتها كما كان للفكر الحر على غرار الأستاذ مالك بن نبي محاضراته، وكان للبعثة التعليمية والدعوية التي عسكرت بالجزائر فضلها على توسيع دائرة الفهم لهذا الدين، كما لعبث المعاهد الأصلية وملتقيات الفكر الإسلامي أدوارا رائدة في التأصيل والتأطير وحفظ الهوية، ولم تخل حركة الدعوة من بصمات شبابية لرواد كثرين حاولوا أن يكونوا خارج الانتماء وأن يتحرروا من حصار التنظيم الناشئ وقتذاك.

والسبب الثالث: الإقبال المتهول الذي كان لافتا للنظر، كلما تعلق الأمر بحدث له طابع إسلامي (معرض، ندوة، محاضرة، ملتقى، مخيم، خطبة جمعة..الخ) ثم ذلكم النقاش الساخن الذي يتلو كل حدث دعوي واهتمام الناس بأمر هذا الدين وتوقير الدعاة والعلماء ورجال الصحوة.

ومن هذه النافذة أسرد قصة هذه المحاضرة، دامت مدة العرض والنقاش ثلاث ساعات، لأنها تناولت ما كان واجب وقت فقد تعرضت مقدمتها لتحديد ثلاثة مصطلحات كانت مثار جدل بين أبناء الصحوة جميعا، وهي التغيير، الإصلاح، الانقلاب، وهل كان إبن باديس مغيرا أم مصلحا أم انقلابيا؟ وترجحت كغة «الإصلاح» استنادا إلى معاني القرآن الكريم الواردة في وصف التعيير (الذي يفيد الخير والشر، والإيجاب والسلب والحق والباطل...الخ) فإبليس توعد أن يغير خلق الله! ! والانقلاب فيه معنى الانكفاء والإرتكاس والهيمان على الوجه، كما أن فيه العودة إلى الخير والرجوع إلى الحق. وبهذا المعنى فهو يحمل الوجهين، بينما الإصلاح إذا أطلق فهم منه إقامة ما هو معوج، وإصلاح ما كان فاسدا، وتنمية الخير لمواجهة الشر.. ويقابله السوء والفساد «مَّنْعَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا» فصلت: 46، وقد أعلن نبي الله شعيب عليه السلام- أنه جاء ليصلح ما هو في طوقه من فساد: «إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» هود: 88.

ثم طوحت المحاضرة إشكالية «المعادلة الصعبة» في شكل تساؤلات حضارية، لماذا الإسلام عزيز والمسلمون أذلة؟ لماذا الإسلام قوي والأمة الإسلامية ضعيفة؟ لماذا الإسلام دين حرية وتحرر وإباء... والمسلمون مستعبدون وتبع مستلبون فكريا وحضاريا؟ وبعد مناقشة هذه الإشكالية ختمت المحاضرة بالخطوات التي قطعها إبن باديس في دعوته بين 1913– 1940 في محطاتها الكبرى مقارنة بمراحل الدعوة التي أسس لها رسول الله صل الله عليه وسلم بين «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» وحجة الوداع بتمام الدين وكمال النعمة : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي».

لمس الحضور في العرض جدية وجديدا ومنهج دعوة، فاقزح بعضهم تعميق ما جاء فيها من أفكار وتحويلها إلى كتاب يعم نفعه الناس، وفي ثلاث ليال تمت صياغة هذه الأفكار في كتاب متوسط الحجم يحمل اسم «خطوات في العمل الإسلامي كما رسمها ابن باديس» طبعت منه ثلاثة ألاف نسخة ووزع عد أوسع نطاق ممكن، وكان من بركات هذا الكتاب أن تم تصنيفي ضمن «تيار الجزأرة» وشن عني تيار الإقليمية وتيار الإخوان حربا ضروسا بتهمة أنني أنشر فكر الجزأرة في الجامعات، ولكن موجة الصحوة كانت أعاى من قامات هؤلاء النافخن في رماد الانتماءات التنظيمية، فأعيد طبع الكتاب عدة مرات طبعات شرعية (في دار البعث بقسنطينة) وطبعات (دعوية) في كواليس كثيرة، وأصبح هذا الكتاب مرجعا للكثير من المتحدثن باسم الصحوة والمدافعين عن «توطين» الإسلام ليكون دينا واقعيا مرتبط بهموم من يتحرك فيهم الدعاة بلسان قومهم وهموم شعبهم وتطلعات من حولهم من الأجيال التي تعلم أن الدين واحد ولكن مستويات الفهم متباينة.

واليوم، بعد كل الذي حدث في العالم الإسلامي، وبعد كل التحولات التي حصلت في المنطقة العربية وفي الجزائر، ما زلت مقتنعا بأنه على مدار قرن كامل من الزمن 1903-2003 لم يفهم هذا الدين «فهما متحركا» فاعلا ومؤثرا، في الجزائر كلها إلا رجلان: الشيخ عبد الحميد ابن باديس القائل: «إن القرآن الذي خرج جيلا من السلف قادر على لأن يعيد إخراج جيل من الخلف إذا أحسن تدبره وفهمه وحمل الناس على حقيقته» والشيخ محفوظ نحناح –رحمه الله- القائل: «إنما ضاع هذا الدين بين: الرشاش والغشاش» وخلال المائة الماضية خسرت الجزائر من أبنائها الكثير، فإذا استثنينا من قدموا أرواحهم فداء لدينهم ولغتهم ووطنهم وأمتهم بين أحداث 08 ماي 1945 و19 مارس 1962، فإن الحصيلة الثقيلة التي دفعتها هذه الأمة لا تتكافأ مع إنجازاتها والفاتورة المكلفة التي سددتها لا تتناسب مع الثمن المقبوض، فما نظمه ابن باديس شعرا في رائعته: «شعب الجزائر مسلم» لم يتحقق منه إلا النزر القليل وما سطره المجاهدون في بيان أول نوفمير لم يتم تجسيده على الواقع وإن أخذ حيزه الكبير على الورق، والسبب في ذلك واحد وهو أننا لم نحسم معركتنا على جبهة المفاهيم، ولم نحرر المناط في المصطلحات التي يستخدمها هذا الفريق أو ذلك، ولم نخرج بعد من حصار الانتماءات الضيقة لهذا التنظيم أو ذاك، فمازال الإسلام رهينة الجامد والجاحد، ومازالت الجزائر حبيسة جيل يودع وجيل يستقبل، ومع أننا خرجنا دستوريا منذ 1989 من نظام الحزب الواحد إلى التعددية إلا أن واقع الحال لم يتغير عما عبر عنه الرازي قبل مئات السنين بقوله:

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى آن جمعنا فيه قيل وقالوا

ولوعاد ابن باديس إلى الحياة وتجول في شوارع الجزائر وسمع خطاب قومه بني جلدته بعد الغياب لقال : «إن صيحة (تحيا الجزائر والعربا) لم تصل أذن الجزائر ولم يفقه العرب معذاها»... فما أشبه الليلة بالبارحة وما أوسع الفرق بن أبناء باديس وأقوام باريس.


المصدر: مجلة الإرشاد العدد 4 – أفريل 2015 م. (بتصرف)

آخر التغريدات: