تفسير الشيخ ابن باديس مفخرة التفاسير الجزائرية

بقلم: سهام داوي-

رافق العمل الاجتماعي الإصلاحي العام النشاط العلمي فى حياة الشيخ الجزائرى عبد الحميد ابن باديس، بيدَ أنَّ الغالب في نشاطه العلمي هي الدووس التي راح يلقيها في المسجد الأخصر بمثابرة مدهشة، من سنة 1913 م بعد عودتة من جولته المشرقية حتى وفاته في 16 أفريل 1940 م.

فقد عكف طوال هده المدة على مباشرة التدريس يوميا وبث دروسه المتنوعة على طلاب العلوم الإسلامية من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء، يتخلل ذلك أجوبته عاى الاستفتاءات الشرعية التي توجه إليه, ومباشرة قضايا الناس، والتصدي لإلقاء الحاضرات العامة للجمهور, بما في ذلك درسه اليومي في التفسير بين صلاتي المغرب والعشاء هذا الدرس الذي داوم عليه خمسة وعشرين عامأ حتى أتمَّ تفسير كتاب الله.

وفي 13 من ربيع الثاني 1357 هـ- 12 جوان 1938م ختم الشيخ ابن باديس القرآن الكريم، وأقيم له حفل يليق بمقامه العلمي وبإنجازه الكبير فاحتفلت الجزائر كلها بهذا اليوم التاريخي. وكان الاعتقاد عندئذ أن ختم القرآن هو عمل ديني قبل كل فيء ويمثل تحديا لمحاولات فرنسا أبعاد المسلمين الجزائريين عن كتابهم ولغتهم. أما الجانب العلمي والأدبي فهو غائب أو ثانوي. وقد شارك المشاركون عندئذ في مدح الشيخ والإشادة بما قدمه للجزائر عموما وما قدمه للإسلام. وكان الشيخ الإبراهيمي هو الذي أشرف على الحفل الذي تبارى فيه الخطباء والشعراء.

وذكر الشيخ البشير الإبراهيمي (تـ: 1965 م) في مقال عن خصائص التفسير الباديسي، أن التفسير لم يختم كاملا في الجزائر على طريقة الدرس والدراية من قبل غير ابن باديس مذ ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة للهجرة.

ويقول أيضا : (كان ابن باديس صاحب ذوق خاص في فهم القرآن كأنه خاصة زائدة خص بها. يرفده -بعد الذكاء الشرق، والقريحة الوقادة، والبصيرة الناقدة- بيان ناصع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الإجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه يمد ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يرزقهما إلا الأفذاذ المعدودون في البشر.

وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية والتعليم : وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة الصلحن من قبله. وكان يرى -حين تصدى لتفسير القرآن- أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم، لذلك آثر البدء بتفسيره درسا تسمعه الجماهير فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجله المريض المنهك من الدواء، وما يتعجله المسافو العجلان من الزاد.

فاقتصبر على تفسير القرآن درسا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة. ولم يختم التفسير درسا ودراية بهذا الوطن غيره، منذ ختمه «أبو عبد الله الشريف التلمساني» في المائة الثامنة. ولكن الله تعالى أبى إلا أن يذيع فضله وعلمه، فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس، وكان ينثرها فواتح لأعداد مجلة «الشهاب» ويسميها
«مجالس التذكير»).

وقد جاءت آثار ابن باديس وفي طليعتها دروسه في التفسير، مسايرة لنهجه الإصلاحي. فقد كان يعتقد أن المهمّة الأولى التي تقع عش عاتقه وعاتق زملائه العلماء، هي تربية جيل جديد تربية إسلامية أساسها القرآن. وربما كان أدل نص تركه عاى مبدأ التربية بالقرآن ومن خلاله، هو ما كتبه في «الشهاب» عام 1938م : «إننا نربي -والحمد لله- تلامذتنا عل القرآن، ونوجّه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق، أن يكِوِّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تُعلق الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها».

تفسير ابن باديس الذي بين أيدينا

لم يبق من آثار الشيخ التفسيرية سوى ما كان يكتبه في صحيفته «الشهاب» تحت عنوان «مجالس التنكير من كلام الحكيم الخبير» وهي مقالات متفرقة في التفسير اشتملت عاى مقدمة في القرآن، وإشارات تفسيرية في آيات متسلسلة من سورة الإسراء، والفرقان، والنمل، ويس. ثمَّ آيات متفرقة
من سورة يوسف، والنحل، والمائدة، والنور، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والذاريات، وتفسير المعوذتين اللتين ختم بهما تفسيره للقرآن وألقاهما في الاحتفال الخاص بذلك (مجالس التنكير 618)، وأخيراً بحث قرآني عن العرب في القرآن الكريم.

لقد تصدّى الباحثان محمّد الصالح رمضان (جزائري) وتوفيق محمّد شاهين (مصري) لجمع متفرقات «الشهاب» وإعدادها وترتيبها والتعليق عليها، ثمَّ نشرها في مجلد ضخم بعنوان «تفسير ابن باديس في مجالس التنكير من كلام الحكيم الخبير»، وهي تقع في 724 صفحة من الحجم الكبير.

ميزة تفسير ابن بادبس

المعاني القرآنية التي أبرزها ابن باديس في تفسيره ذات صلة مباشرة بواقع الأمة، وبحركة الحياة وسلوك الإنسان وما تعتصره من مشكلات وما يكابده من مشاق تحت قيد الاستعمار الفرنسي. لقد تحول التفسير إلى مسار عودة إلى كتاب الله, وإلى حلقة وصل بين القرآن والحياة, من دون
اًن يبدو التكلف في ذلك.

ورغم أن ابن باديس لم يكتب المجلد الماثل بين أيدينا ليصدر كتفسير بالمعنى الوظيفي والمنهجي للمصطلح. إلا أن من الميسور أن نتحدث عن منهجه التفسيري وأسلوبه الذي سار عليه خلال دروسه التفسيرية التي ألقاها طوال خمسة وعشرين عاماً كاملة, خصوصا وأن هذه المختارات لا تخلو من إشارات إلى منهجيات التفسير, بعضها نافذ وعميق.

فاللغة مشرقة سهلة بيد أنها بليغة وهتماسكة، بعيدة عن الإنشاء والخطابة. أما المعاني والأفكار فهي مكثفة في المختارات التفسيرية إلى حد كبير، بحيث اضطر المتصديان لجمع التفسير إلى تبويبها على مئات العناوين الثانوية الصغيرة.

وتظهر في منهج ابن باديس في التفسير خصوصيات بارزة متعلقة بكل من:

1- مجال القرآن: شغلت مسألة منطقة نفوذ القرآن والمجال الوظيفي الذي ينهض به، بال الأقدمين كما المعاصرين, وراحت تفرض نفسها من خلال العديد من البحوث الكلامية والقرآنية, فهل يكفل القرآن تغطية احتياجات الإنسانية في المجالات كافة حتى المدنية والتقنية أم يقتصر على دائرة الهداية وما يتصل بها؟ هل يعنى النص القرآني ببيان مناهج التطبيق العملي كما المبادئ والأهداف العامة؟ هكذا إلى بقية أسئلة هذا البحث وإشكالياته.

والحقيقة أن ابن باديس لم يكن بعيدا عن هذء المسألة, بل انطلق فيها من وجهة نظر تفيد شمولية القرآن, لكن في مجاله. فكتاب الله أفضل الذكر ما في ذلك ريب, والقرآن، كما يذهب الشيخ، محصل لأنواع الأذكار الثلاثة القلبي واللساني والعملي؛ كل هذه الحقائق يوضحها ابن باديس في الدرس الأول من دروس التفسير, ثم ينعطف مضيفا إليها ما عليه كتاب الله من كونه منارا للهدى وسبيلا للهداية، ومنهاجا للمعاش والمعاد معا. وبذلك تبرز إحدى خصائص الفهم الباديسي, متمثلة بالركيز على ما بات يعرف بحركية كتاب الله وحيويته من خلال ما يتم به من شمول وإحاطة. فبالإضافة إلى ما للقرآن من مكانة في الذكر «فيه من علم مصالح العباد في المعاش والمعاد, وبسط أسباب
الخير والشر, والسعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة. وعلم النفوس وأحوالها, وأصول الأخلاق والأحكام, وكليات السياسة والتشريع, وحقائق الحياة في العمران والاجتماع, ونظم الكون المبنية على الرحمة والقوة والعدل والإحسان» (مجالس التنكير هى39)

2- الإسرائيليات: يتجلى في مجالس التذكير الموقف من الإسرائيليات التي رمت بتأثيرها على مساحة مهمة من التراث التفسيري للمسلمين. ففي سياق تفسيره لسورة النمل، بالتحديد قصة النبي سليمان (عليه السلام)، أطلق صيحة نذير، جاء بها نصاً: «رُويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست علي شيء من الصحة، ومعظمها من الإسرائيليات الباطلة التي امتلأت بها كتب التفسير. مما تلقي من غير تثييت ولا تمحيص من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، وروى شيئاً من ذلك الحاكم في مستدركه» (مجالس التذكير 451). وعلى عادة الأصولين بحث ابن باديس في خير الآحاد ومال إلى الرأي الأغلبي الذي يقول بحجيته في الفروع. بيد أنه عاد للتمييز بن حقلين، بين الحقل الفقهي، وحقل العقيدة، فإثبات الأمر العقيدي كما أصل الأحكام لا يتم بالخبر الضعيف، بل يمكن لهذا الخبر أن يلعب دوره في إضاءة بعض تفصيلات الشأن العقيدي بعد ثباتها بالعلم القطعي والدليل الصحيح في نفسه، مع ضرورة التنبيه إلى ضعف الحديث عند الاستشهاد به (مجالس التذكير 158)

لقد كتب الدكتور تركي رابح يقيم اتجاه ابن باديى في التفسير: فقال: «وانتقد كتب التفسير التي تشيع فيها الإسرائيليات، وفسر القرآن على الطريقة السلفية مع عدم إغفال التطورات الفكرية
والحضارية والعلمية المعاصرة» (الشيخ ابن باديس: فلسفته وجهوده في التربية والتعليم، هن 256).

3- دور العقل: في قضية العقل ينطلق ابن باديس من التوافق بين الشريعة والعقل والفطرة، لينشأ من هذا التوافق مبدأ الملازمة ن هذه المصادر الثلاثة؛ إذ إنَّ كل «ما دعا إليه الإسلام من عقائد
وأخلاق وأعمال، فهو مما تقبله الفطر السليمة، وتدركه العقول بالنظر الصحيح». من هذا النطق تتحول الفطرة والعقل إلى مقياس بالإضافة للشريعة، يحكم بهما الإنسان ما يواجهه في حركة الحياة: «فعلينا إذا دُعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما، راجعين إلى الفطرة الإنسانية وإلى العقل البشري منزهين عن الأغراض، والأهواء، والأوهام، والشبهات».

وعندما نأخذ هذه النظرة للعقل إلى جوار العناهر الأخرى في منهاجيات التفسير، فستكون الحصيلة أنَّ ابن باديس يلتزم بالاجتهاد والنظر العقلي حيثما كان ذلك سديدا بالنسبة إليه. وفي نص دال على اعتماد العقل إلى جوار النقل، تحدث عن منهجه في دروسه التفسيرية قائلا: «معتمدين في ذلك على صحيح المنقول، وسديد المعقول، مما جلاه أئمة السلف المتقدمون، أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون» (مجالس التذكير 50)

4- اللغة: لابد أن يكون للغة العربية موقعها في تكوين المنهج التفسيري، كما لها حجيتها في الكشف عن حقائق التنزيل ومراميه بالقدر الذي ينسجم مع دورها ووظيفتها. فالمجال التفسيري
شهد مع بعض الاتجاهات إعلاة لدور اللغة يبلغ حد التضخيم ويختزل القرآن بأنه نص لغوي وحسب، فيما قد يبدي البعض خفضاً لشأن اللغة إمّا بذريعة أنّ للقرآن لغته الخاصة من حيث طبيعة المدلولات وسعتها والمفاهيم المرتبة عليها، أو من حيث إذ المطلوب من القرآن ليس ألفاظه بل الحقائق الكائنة وراءها، وما الألفاظ إلا قشور لتلك المعاني والحقائق واللباب.

ويمكن القول باختصار بناءً على ما بن أيدينا من مختارات تفسيرية: إن ابن باديس لا يغرق باللغة والمفردات والتراكيب البيانية، بل يكتفي منها بالميسور الواضح، مؤيداً إياه أحياناً متباعدة، بالشواهد الشعرية. وبتعبيره إنه يستهدي في سيره مع النص القرآني بما «دلّت عليه لغة العرب في منظومها ومتثورها»

5- علم التاسبات والعلاقة بن السور : دأب ابن باديس على ذكر ما يمكنه ذكره من عناصر منهجه التي يعتمد عليها, عند بداية درسه السنوي في التفسير. وكان مما ذكره هو إشارته إلى مبدأ «ربط الآيات بوجوه المناسبات» بوصفه عنصراً منهجياً في دروسه.

6- بيان القرآن بالقرآن: تفسير القرآن الكريم بالقرآن هو منهج قائم بذاته، وقد تطور العمل به في التفاسير الحديثة والعاصرة. لكن مع ذلك يمكن القول إن هذا المبدأ، قد يترتب على العمل بعلم المناسبة أو يكون من نتائجه الطبيعية والمنطقية. فمن يريد اكتشاف المعاني والمدلولات الناشئة عن طبيعة علاقة الآيات والسور بعضها ببعض, لا بدّ أن يلجأ إلى أسلوب تفسير القرآن بالقرآن, بل هو في الحقيقة ينفذ هذا الأسلوب عملياً. وما دام ابن باديس يلتزم منهجياً بالمناسبات, فهو إذاً يأخذ بمبدأ تفسير القرآن بالقرآن.

ويعلن ابن باديس إيمانه بتفسير القرآن بالقرآن, بوصفه عنعبرأ منهجيأ قائماً بذاته؛ إذ هو يسجل بعد أن يسوق مثالا تطبيقياً على هذا المبدأ, ويحث على العمل به, ما نصّه: «وما أكثر ما تجد في القرآن بيان القرآن, فاجعله من بالك تهتد - إن شاء الله - إليه» (مجالس التنكير 491).

وفي الختام نقول: إن نهج الشيخ ابن باديس في الإحياء الإسلامي يقوم على سلفية مستنيرة تستهدي الأفكار الإحيائية لجمال الدين الأفغاني،ومحمد عبده ورشيد رضا، مع لمحات إعجاب لا يمكن التخفي عليها باتجاه ابن تيمية، وابن القيم وابن عبد الوهاب، لكن على الأعم من غير تزمت أو تعصب مذهبي أو تحجر وضيق أفق، إلا استثناءات قليلة. تشهد حياة ابن باديس وسيرته العملية في خطها العام, انفتاحاً كبيراً ومبكراً في العقلية ومنهاج التفكير وطريقة الفهم, بالإضافة إلى انفتاح مواز على قضايا الواقع ومشكلاته ومستجدات الحياة. ففي مثال مبكر يعود إلى عام 1926م، يكتب ابن باديس مخاطبا الشعب الجزائري في صحيفته «الشهاب»: «إذا أردت الحياة لهذا كله, فكن ابن وقتك، تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل». ويكتب في «الشهاب» أيضاً: «كن عصرياً في فكرك, وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك, وفي تمدنك وفي رقيك» (العدد 49 السنة الثالثة).


 

المصدر: مجلة الإرشاد العدد 4 و5 – أفريل – ماي 2015 م.

آخر التغريدات: