البعد الإصلاحي في تعامل الإمام عبد الحميد بن باديس مع الحديث النبوي

بقلم: د. نور الدين سكحال-

يحاول المقال الكشف عن بعد مهمّ في طريقة تعامل الإمام عبد الحميد بن باديس مع الحديث النبوي، نجده مغيّبا في كثير من الكتب التي اهتّمت بتقديم شروح للأحاديث النبوية، حيث نجدها في الغالب لا تتجاوز حدود الجوانب اللّغوية لبعض الإشارات إلى ما تضمّنه الحديث قيد الشرح من مسائل عقدية لفقهية لأخلاقية، أمّا الإمام عبد الحميد بن باديس فيتعامل مع الحديث وهو يشرحه كوسيلة يحقق بها إصلاحا شاملا في مجتمعه في جوانبه الفكرية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

البعد الإصلاحي المفهوم والدلالات:

وأسميت هذا البعد الذي يتعامل من خلاله الإمام ابن باديس مع الحديث النبوي، ليتميّز به عن كثير من الشرّاح للأحاديث النبوية بالبعد الإصلاحي لاعتبارات ثلاث:

أولها: أنّ هذا البعد يبرز الشخصية الإصلاحية لشارح الحديث، فهو ليس مجرّد عالم يتعامل مع نصّ نبوي لاستخراج ما فيه من معارف، بل هو مصلح لاحظ أنّ المجتمع الذي يعيش في أحضانه يعاني من اختلالات لمن مظاهر قصور لفساد يريد أن يجد الحلول الناجعة لمعالجتها، ليتعامل مع الأحاديث النبوية باعتبارها مصدرا تضمّن كثيرا من العلاجات لما يقع في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات من اختلالات لفساد، فيختار من الأحاديث التي يهتمّ بشرحها ما يعكس مشكلات المجتمع الذي يريد

إصلاحه، ويركّز في شرحه لهذه الأحاديث على استخلاص الهدي الذي من شأنه أن يكون موجّها لطريقة معالجة هذه المشكلات.

ثانيها: أنّه بعد يبرز كيف يستثمر شرح الحديث لتقديم التوجيهات الفكرية والتربوية والاجتماعية والسياسية، أي أنّه يوضح كيف يستخدم الحديث كوسيلة من وسائل الإصلاح، وفي مرات كثيرة يطلب الإمام ابن باديس من القرّاء لما نشره على صفحات الشهاب من شرح للأحاديث النبوية العمل على نشر الحديث لما يرشد إليه بين أكبر عدد من النّاس ليكون وسيلة لإصلاح بعض ما في مجتمعهم من خلل وفساد، من ذلك قوله بعد شرحه لحديث أشار إلى علاج آفة لاحظ لجودها في مجتمعه :" لهذا الحديث النبوي هو دلاؤها والقاطع لها، فليتأمّ له قراؤنا، ولينشرله في المسلمين، وليذيعوه بالتلالة والتفسير والتأكيد والتقرير، عسى أن يشفي الله به القلوب من داء الغلوّ والادّعاء والغرور والتغرير"(1) .

وثالثها أنّه بعد استفاده الإمام ابن باديس -كما يؤكّد ذلك هو نفسه حين يتحدّث عن تطور فكره- من المدرسة الإصلاحية التي قادها جمال الدين الأفغاني لمحمد عبده لرشيد رضا، ليمكن أن نذكر هنا دور أستاذه محمد النخلي(2) في تغيير نظرته إلى النّص القرآني لطريقة التعامل معه، لنقيس عليه ما نلحظه على طريقة ابن باديس في التعامل مع الحديث النبوي، حيث يذكر الإمام ابن باديس أنّ دروس أستاذه محمّد النخلي هي التي غيّرت نظرته إلى القرآن الكريم، من نظرة من لا يرى فيه إلاّ كتابا تُفظ سوره لآياته، لأقصى ما يفعل في تفسيره أن تستخرج منه بعض النكت البلاغية والقواعد النحوية والأحكام الفقهية، إلى نظرة أخرى تجعل القرآن الكريم مصدرا للإصلاح والنهضة والمدنية، يقول ابن باديس موضحا هذا التغيّر لسببه:" أنا رجل"طالب قرآن"، حفظته في أول بلوغي لأنا لا أفهمه لأ نّني ما سمعت من أحد أنّ القرآن يُقرأ للفهم، ولا أكتمكم أنّني أخذت شهادتي من جامع الزيتونة في العشرين من عمري وأنا لا أعرف للقرآن أنّه كتاب حياة، وكتاب نهضة، وكتاب مدنية وعمران، وكتاب هداية للسعادتين، لأنّني ما سمعت ذلك من شيوخي عليهم الرحمة ولهم الكرامة، لإنّما بدأت أسمع هذا يوم جلست إلى العلامة الأستاذ محمد النخلي الذي رُمي هو الآخر -في من فئة- بالإلحاد، ولكنّه يوم مات تداعت لموته حلق جامع الزيتونة واهتزّ له القطر التونسي كلّه.

... من يوم عرفت من الأستاذ النخلي أنّ القرآن صفاته تلك الصفات، أخذت أقرؤه وأدرسه باعتباره كتابا تلك صفاته، وأطلب ما فيه من مقتضيات هذه الصفات، وصارت كلمة "طالب القرآن" عندي لها معنى آخر غير الذي كان لها" (3) .

ولاشكّ أنّ نفس هذه النظرة كانت تُحكم تعامل الإمام ابن باديس مع الحديث النبوي، حيث كان ينظر إليه باعتباره مبيّنا للقرآن ومفصّلا لكثير من مجملاته ويقدّم تطبيقات عملية لأحكامه وتوجيهاته على أنّه مصدر حياة، ومصدر نهضة، ومصدر مدنية وعمران، ومصدر للسعادتين.

مفهوم الإصلاح عند ابن باديس وخصائصه:

تعميقا لمفهوم البعد الإصلاحي الذي يتعامل من خلاله الإمام ابن باديس مع الحديث النبوي، نورد مفهوم الإمام ابن باديس للإصلاح وأهمّ الخصائص التي ينبغي أن يتميّز بها في نظره.

أولا- مفهوم الإصلاح:

ينطلق الإمام ابن باديس في تُحديده لمفهوم الإصلاح من المفهوم القرآني لهذا المصطلح، فيستحضر بعض الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر هذا المصطلح باشتقاقاته المختلفة، ويقف وقفة خاصة عند الآيات التي حدّدت صفات الصالحين فيقول:" لقد بيّن القرآن من هم الصالحون بيانا شافيا وكافيا بذكر صفاتهم مثل قوله تعالى:} لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114){ ]آل عمران: 113 - 114 "] (4) .

فالصالح كما ترشد إليه هذه الآيات وغيرها هو من تصدر عنه الأعمال التي تعدّ في مفهوم الشرع صلاحا، كما يؤكد الشيخ ابن باديس ذلك بقوله: "من شاهدنا منه الأعمال الصالحة -وهي الجارية على سنن الشرع وآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم- حكمنا بصلاح نفسه لأنهّ من الصالحين، ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه لأنهّ ليس منهم، ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس لفسادها إلاّ هذا الطريق" (5) .

وبتّتبع صفات الصالحين في الآيات القرآنية التي حدّدتها، يستخلص الشيخ ابن باديس تعريفا للإنسان الصالح فيقول:" فالصالح من استنار قلبه بالإيمان والعقائد الحقّة، وزكت نفسه بالفضيلة والأخلاق الحميدة، واستقامت أعماله لطابت أقواله، فكان مصدر خير لنفع لنفسه وللنّاس" (6) .

ويخلص بعد تحديده لمن هو الصالح إلى تعريف الصلاح بأنه حالة من الاعتدال تشمل في الشيء ذاته زصفاته، من آثارها أن تتّسم الأعمال الصادرة عنه بالحُسن والكمال، وفي المقابل فإن الفساد حالة من الاختلال في الشيء في ذاته لصفاته، تجعل الأعمال الصادرة عنه تتّسم بالنقصان، يقول الشيخ ابن باديس:"صلاح الشيء هو كونه على حالة اعتدال في ذاته لصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال، لفساده هو كونه على حالة اختلال في ذاته أو في صفاته بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على لجه النقصان" (7) .

وانطلاقا من هذا التعريف للصلاح يحدّد مفهوم الإصلاح ومفهوم الإفساد فيقول:"الإصلاح هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بزالة ما طرأ عليه من فساد، والإفساد هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه" (8) .

ومن خلال هذا التعريف للإصلاح يتبيّن لنا أن الشيخ ابن باديس يرى أنّ الصلاح هو الأصل في الأشياء، وأنّ الفساد أمر طارئ عليها، لذلك فعمل المصلح في نظره هو إزالة ما طرأ على الأشياء من خلل، وإعادتها إلى حالة اعتدالها.

كما يؤكد الشيخ ابن باديس من خلال تعريفه للصلاح والإصلاح أنّ الصلاح لا يتحقّق في هذا العالم إلاّ بالرجوع به إلى حالته الأصلية، انطلاقا من عقائد الإسلام ونُظُمه، يقول مؤكدا هذا الأمر:" هذا العالم عالم الكون والفساد، فكلّ كائن فيه فهو معرّض للخروج عن حالته الأصلية، واختلال أصل نظامه، لتلك هي حالة الفساد، وإرجاعه إلى حالته الأصلية هو الإصلاح" (9)، ثمّ يطبّق الشيخ هذا التعريف على واقع المسلمين المعاصرين له لعلى عمل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فيقول:" فالمسلمون اليوم بما دانوا به من عقائد الإسلام وفضائله وأعماله ونظمه على خير، لكنّهم خرجوا عن أكثر ما دانوا به فكانوا بذلك الخروج في حالة فساد، فلابدّ من إصلاحهم بإرجاعهم إلى ما خرجوا عنه، والجمعية تدعو إلى الإصلاح، فدعوتها إصلاحية محضة" (10) .

ويؤكد الشيخ ابن باديس أنّ مفهوم الإصلاح الذي يرتضيه هو المفهوم الذي أكّدت عليه المدرسة الإصلاحية التي يمثلها فكر الإمامين: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وتطوّر إليه فكر الإمام رشيد رضا.

يذكر الشيخ ابن باديس أنّ مفهوم الإصلاح عند الإمام رشيد رضا تأثّر في بداية تكوينه العلمي بنظرة المتصوّفة، من خلال قراءته في كتاب " إحياء علوم الدين" للإمام أبي حامد الغزالي، حيث اقتصر مفهومه عنده على إصلاح الجانب العقدي والروحي والأخلاقي، أو على إصلاح ديني يحصر مفهوم الدّين في علاقة الإنسان بربّه، يقول ابن باديس عن هذه المرحلة من فكره :" شغف بكتاب الإحياء فطالعه كلّه وأعاد مطالعته، فكان له الأثر الصالح في زهده وأخلاقه وإخلاصه في العلم وتقواه في العمل، وكان طريقه منه في فهم الدين أنه دين روحاني أخروي فقط، وأن إرشاد المسلمين محصور في "تصحيح عقائدهم ونهيهم عن المحرّمات وحثّهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا".(11)

ثمّ تطور مفهومه للإصلاح إلى مفهوم أوسع يشمل الجانب الاجتماعي والعمراني بسبب تأثّره بفكر الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، يقول ابن باديس له ويتحدث عن هذه النُّقلة في فكره:" ثمّ اتفق له في أثناء مدّة طلبه للعلم -وهو يقلّب أوراقا علمية لأبيه- أن وجد عددين من جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فقرأهما بشوق ولذة بعثاه على البحث عن بقية أعدادها فلمّا قرأ ما وجد منها المرّة بعد المرّة أحدثت فيه أثرا جديدا، ونقلته من طور إلى طور، وصار طريقه في فهم الإسلام أنه" دين روحاني جسماني أخروي دنيوي، من مقاصده هداية الإنسان إلى السيادة في الأرض بالحقّ ليكون خليفة الله في تقرير المحبّة والعدل"، وإنّ إرشاد المسلمين يجب أن يكون -مع تصحيح عقائدهم ونهيهم عن المحرمات وحثّهم على الطاعات- "إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات وجميع مقوّمات الحياة" (12) .

وهذه النّقلة في فكر رشيد رضا هي نفسها النّقلة التي حدثت في فكر محمد عبده حين التقى بالأفغاني، كما يؤكد محمد عمارة بقوله:" فأخرجته] مجلة العروة الوثقى[ من قوقعة التنّسك الصوفي" إلى رحاب " الإسلام المصلح"، على و م ا ص نع الأفغ اني بالشي محمد عبده عندما تقابلا بمصر في مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر" (13) .

والخلاصة أنّ مفهوم الإصلاح عند الشيخ ابن باديس يعني توفير كلّ الشروط الدينية والاجتماعية والسياسية التي تُحقّق للإنسان نهضة شاملة في حياته، قال الشيخ مؤكدا مفهومه للإصلاح المحقّق للنهضة :" إنّ نهضة الأمة تكون اجتماعية وتكون سياسية وتكون دينية" (14) .

ثانيا- خصائص الإصلاح في نظر ابن باديس:

نركّز على ثلاث خصائص يتميّز بها الإصلاح حسب فهم ابن باديس والمد رسة الإصلاحية، وصلة هذه الخصائص المباشرة بموضوع مداخلتنا:

- الدين هو المصدر الأول للإصلاح:

من خصائص الإصلاح عند الشيخ ابن باديس هي أنّ الدّين يمثّل المصدر الأساس الذي تُستقى منه العلاجات المختلفة لما يعاني منه المجتمع من أمرا ، يؤكّد الشيخ ابن باديس أنّ وظيفة الدين الذي بعث به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعا إنما هو إصلاح أوضام المجتمعات في جوانبها المختلفة، فعمل كل نبي على إصلاح أوضام فاسدة معيّنة في قومه، فلمّا عمّ الفساد جوانب كثيرة من حياة الناس بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه لسلم بالرسالة الخاتمة لإحداث إصلاح شامل.

ويعتبر الشيخ ابن باديس أنّ عمل الأنبياء عليهم السلام الإصلاحي التجديدي هو الأساس لكل عمل إصلاحي قادر على إصلاح الأوضام الفاسدة في حياة الإنسان، يقول الشيخ ابن باديس:" لقد كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، هم أساس كل تجديد في تاريخ البشرية، كلّ في الأمة التي أرسل إليها، حتى إذا كان الفساد العام في شؤون الدنيا بطواغيت الملك، وفي شؤون الدّين بطواغيت الكهنوتية، وفنيت معالم الحضارة بمثل الحروب الرومانية الفارسية، واندثرت حقائق الدّين وشُوهت بالمجادلات المذهبية، والرّسوم والأوضام البدعية، حتّى إذا كان هذا الفساد والفناء العامان أرسل الله تعالى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رحمة للعالمين بالتجديد العام، فيوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم هو يوم ولد فيه العالم ولادة جديدة"(15) .

ويبيّن الشيخ ابن باديس أنّ القرآن الكريم الذي يمثّل الرسالة الخاتمة اشتمل على كلّ ما يتحقق به الصلاح والسعادة للإنسان في الدنيا والآخرة، يقول مبينا هذا الأمر تفسيرا لقول الله عز وجل:} وَكُلَ شَيء فَصَلْناَهُ تَفصِيلاً (12){ ]الإسراء: 12 [ :" فكلّ ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق، وأخلاق الصدق، وأحكام العدل، ووجوه الإحسان، كل هذا فُصل في القرآن تفصيلا، كلٌّ فُصل على غاية البيان والإحكام، لهذا دعاء لترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل، ويأخذوا منه ويهتدوا به، فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان" (16) .

وفي تحديده للعلاقة بين الحركة الإصلاحية التي يقودها والجمعيات والأحزاب التي لها منطلقات فكرية مغايرة في عملها السياسي يبين الشيخ ابن باديس أنّ الإسلام هو النسبة الوحيدة لحركته، منه تستقي كلّ خطوات منهجها الإصلاحي، فيقول :" إنّ الإسلام عقد اجتماعي عام فيه كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي حيات ه وسعادته ورقيّه، وقد دلّت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمبدنة على أن لا نجاة للعالم ممّا هو فيه إلاّ بصلاح عام على مبادئ الإسلام، فالمسلم الفقيه في الإسلام غني به عن كلّ مذهب من مذاهب الحياة.

فليس للجمعية إذا من نسبة إلاّ إلى الإسلام، وبالإسلام وحده تبقى سائرة في طريق سعادة الجزائر والبلوغ بها إن شاء الله إلى أرقى درجات الكمال " (17) .

- الشمول:

إن الإصلاح الذي اقتنع به الشيخ ابن باديس، وسار عليه في حركته، هو إصلاح يتّسم بالشّمول، سواء في تعامله مع الإنسان، حيث يتعامل معه في جوانبه كلّها: فكره وروحه وسلوكه وبدنه، أم في الواقع الذي يحيط به في مجالاته المختلفة، فهو يشمل كلّ المجالات التي تسهم في بناء شخصية الإنسان لتؤثّر في سلوكه، سواء في ذلك المجال الديني أم التعليمي التربوي أم الاجتماعي أم الاقتصادي أم السياسي.

واقتناع الشيخ ابن باديس بخاصية الشمول ودورها في الإصلاح هو الذي جعله ينتقد اقتصار الدور الإصلاحي لكثير من العلماء على الجانب العلمي وإهمالهم للجانب السياسي، مع ما لهذا الجانب الأخير من أثر كبير في حياة الناس، ودور في تحقيق النّهضة العلمية والدينية التي يعملون لها، وهو ما حدّ من نتائج أعمالهم الإصلاحية.

وتجاوزا منه لهذا القصور جمع الشيخ ابن باديس في عمله بين العلم والسياسة كما يؤكد ذلك بقوله:" وكلامنا اليوم عن العلم والسياسة معا، وقد يرى بعضهم أنّ هذا الباب صعب الدخول لأنّهم تعوّدوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسالك السياسة، مع أنّه لابدّ لنا من الجمع بين السياسة والعلم، ولا ينهض العلم والدين حقّ النّهوض إلاّ إذا نهضت السّياسة بجد" (18).

- الواقعية:

ونقصد بها ملاحظة العمل الإصلاحي للواقع ومراعاته لخصوصياته وملابساته في اختيار المناهج وتحديد الأساليب التي تتمّ بها عملية إصلاحه.

وهي خاصية من أهمّ خصائص الإصلاح الناجح عند الشيخ ابن باديس، يؤصّل لها من خلال مراعاة القرآن الكريم لواقع من نزل عليهم، وطرقه للقضايا ذات الصّلة باهتماماتهم واحتياجاتهم ومشكلاتهم، يقول الشيخ ابن باديس:"وكانت الوقائع تقع والحوادث تحدث والشبه تعرض والاعتراضات ترد، فكانت الآيات تنزل بما تتطّلبه تلك الوقائع من بيان، وما تقتضيه تلك الحوادث من أحكام، وما تستدعيه تلك الشّبه من ردّ، وتلك الاعتراضات من إبطال...

وفي بيان الواقعة عند وقوعها، وذكر حكم الحادثة عند حدوثها، وردّ الشبهة عند عروضها، وإبطال الاعتراض عند وروده، ما فيه من تأثير في النّفوس، ووقع في القلوب، ورسوخ في العقول، وجلاء في البيان، وبلاغة في التطبيق، واستيلاء على السامعين.

وما كان هذا ليتأتّى لولا تفريق الآيات في التنزيل وترتيلها وتنضيدها هذا الترتيل العجيب لهذا التنضيد الغريب الذي بلغ الغاية في الحسن والمنفعة حتى أنّه ليصحّ أن يعدّ وحده وجها من وجوه الإعجاز"(19) .

ومن استعراضنا لمفهوم الإصلاح وخصائصه عند الإمام ابن باديس نحسب أنّنا تمكنّا من تحديد المقصود بالبعد الإصلاحي الذي على أساسه كان الإمام يتعامل مع الحديث النبوي باعتباره مصدرا للإصلاح بهذا المفهوم الشامل.

وفي العنصر الموالي نستعرض بعض النماذج التطبيقية التي يبرز فيها هذا البعد الإصلاحي في شرح ابن باديس للأحاديث النبوية.

نماذج تطبيقية للبعد الإصلاحي في التعامل مع الحديث الشريف:

مع حضور هذا البعد في جهود الإمام ابن باديس في شرح الأحاديث النبوية كما يظهر ذلك لمن يقرأ ما جمع له من أحاديث شرحها على صفحات مجلة الشهاب، ونشرت في كتاب بعنوان مجالس التذكير من حديث البشير النذير، فإنّنا نختار منها بعض النماذج التطبيقية مراعين التنوّم لنعطي تصورا أعمق عن هذا البعد الإصلاحي في التعامل مع الحديث النبوي.

النموذج الأول: من شرحه لحديث عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البرّ

عَنْ عبد الله قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(20).

واختيارنا لهذا الحديث مقصود بسبب ما نلاحظه عند أغلبية الشارحين له من تركيز على الجانب الأخلاقي في بعده الفردي في تحليل عباراته لبيان مدلولاته بشكل يرتبل بألفاظه ولا يبتعد عنها إلا قليلا.

فكيف تعامل الإمام ابن باديس مع هذا الحديث؟

يبدأ الشيخ ابن باديس تعامله مع الحديث من المستوى اللغوي، فيذكر معاني الكلمات (عليكم، إياكم، الصدق، الكذب، يهدي، يتحرّى، البر، الفجور، الصدّيق، الكذّاب(، لبعض التراكيب والدلالة التي تُملها) استخدام صيغة المضارم يصدق يكذب يتحرّى الذي يفيد التجدّد(.

وانطلاقا من هذا المدخل اللغوي يشير إلى المعنى العام للحديث، وإلى هذا الحدّ قد يلتقي الإمام ابن باديس مع غيره ممن شرحوا هذا الحديث.

لكنّ الشيخ ابن باديس لا يقف عند هذا الحدّ في التعامل مع الحديث، بل يجتهد في النظر إليه من زوايا متعدّدة، وهو إنما اختاره ليحدث به إصلاحا، فيبدأ أولا بتوسيع مفهوم الصدق والكذب ليتجالز بهما المفهوم اللغوي إلى مفهوم شامل يستخلصه ممّا تدلّ عليهما اللفاتان في الحديث، ويتمكن من استثمار الحديث تربويا وإصلاحيا بشكل أوسع وأشمل.

ويضع هذه التوسعة تحت عنوان تفصيل وتقسيم، فيقول: "الصدق لالكذب يكونان باللسان على ما تقدّم من التفسير وهو الأصل في إطلاقهما، وعليه محمل الحديث، ويكونان في القلب من حيث الاعتقاد، فالعقد الحق الجازم صدق، والعقد الباطل كذب، ويكونان في الجوارح من حيث الأفعال، فالفعل الموفّى حقه الواقع على وجهه صدق، والفعل الناقص الواقع على غير وجهه كذب، وجماعها كلّها الحق والكمال في الصدق، والباطل والنقص في الكذب، فأقسام كلّ منهما مرتبط بعضها ببعض ارتباطا لا ينفصل، ويكاد من التزم بعضها أن لا يفارق الآخر، ولا يكمل العبد في مقام الصدّيقية إلا بكماله في أقسام الصدق كلّها، وبعده عن أقسام الكذب كلّها" (21) .

ثمّ يستخرج من الحديث قاعدتين تربويتين، يجب للمربي لنفسه أو لغيره أن يكون على علم بهما لضمان الفعالية لعمله، أمّا القاعدة الأولى فيشير إليها بقوله:" أنّ بين الخصال خصال البرّ وخصال الشر تناسبا وتوالدا، وهذا أصل يحتاج إليه في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس وعلاج أدوائها، فإنّ من عرف المرض الأصلي الذي نشأت منه أمراض أخرى سهل عليه إذا عالجه أن يقتلع -بإذن الله- الباقي، ومن عرف أصل الخير سهل عليه إذا تمسك به أن يحصل على فروعه"(22) .

أمّا القاعدة الثانية فينبّه إلى أهميّتها في العمل التربوي بقوله:"تكرّر العمل بمقتضى خلق من الأخلاق يقوّيه ويثبّته، وأنّ العمل على مقتضى ضدّه يضعفه ويزيله، وهذا أصل عظيم أيضا في التربية يعلّمنا أنّ التساهل في الأعمال السيّئة ولو كانت في نظرنا طفيفة يفضي بنا إلى استعصاء داء الرذيلة، وإن القيام بالأعمال الحسنة ولو كانت طفيفة يبلغ بنا إلى رسوخ الفضيلة" (23) .

ثمّ لا يغفل عن رفع إشكال عقدي قد يقع لبعض من يقرأ الحديث، حين لا يفهم فهما جيّدا معنى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (حتّى يكتب(، فيجعل فقرة في شرحه للحديث تحت عنوان استنتاج، ويقدّم للقارئ فيها ما من شأنه أن يرفع هذا الإشكال فيقول:" قد كتب الله مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض، وجفّت الأقلام وجرت المقادير كما في الصحيح، فهذه الكتابة كتابة أخرى، من باب الجزاء للعامل على عمله يستحق بها صاحبها وصف الصدّيقين وثوابهم أو وصف الكذّابين وعقابهم، ويظهر بذلك في الملأ الأعلى عند ملائكة الرحمن ويكسى حلّته بين الناس ويعرّف به }الله مخرج ما كنتم تكتمون{" (24) .

ثمّ يجعل الحديث منطلقا لموعظة يتوجّه بها إلى قلب القارئ مستخدما أسلوبا من أساليبها وهو أسلوب الترهيب، ويخوّف القارئ من المداومة على الكذب، فيقول تحت عنوان ترهيب:" إنّ من داوم على الكذب حتى كتب من الكذّابين يخشى عليه أن يحرم من التوفيق إلى التوبة، لتلك أكبر مصيبة، فإن الله من فضله على هذه الأمة أن فتح أمامها أبواب التوبة، وإذا داوم العبد على الإعراض عن باب سيّده متهاونا بمخالفة أمره حتى يكتب عنده في سجّل الشرّيرين كان ذلك خطرا عظيما عليه في أن يسدّ في وجهه الباب ويضرب بسوط الحرمان، ففي هذا الحديث الشريف ترهيب شديد من سوء عاقبة هذه الحال" (25) .

ثمّ يستحضر بعض المواطن من واقع مجتمعه يتساهل النّاس فيها في أمر الكذب، وهي مواطن الهزل ومجالس البسط كما يسمّيها، فيحذّرهم من مغبّة هذا التساهل وعاقبته الوخيمة، ويجعل ذلك تحت عنوان تحذير فيقول: "مواطن الهزل ومجالس البسط ممّا يتساهل فيها النّاس فيلقون فيها الكلام بلا ضبط وتجري ألسنتهم بالكذب من غير مبالاة ولا احتياط، فيقعون في الإثم على الكذب والإثم على التهاون بالمعصية، ويتعوّدون ذلك التساهل حتّى يقعوا في الوعيد المذكور في هذا الحديث، فليحذر المسلم من مثل هذه الحال، وليتفطن لنفسه في مثل هذه المقامات" (26) .

ثمّ يستحضر موقفا آخر من الواقع هو أخطر وهو التساهل من قبل بعض من ينتسبون للعلم وخطباء الجمعة في نقل ما ينسب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم من أحاديث دون تمييز للصحيح من غيره، واعتباره ذلك نوعا خطيرا من أنواع الكذب التي يشملها الحديث، ليجعل ذلك تحت عنوان تحذير أوكد فيقول:" من قلة الاحتياط في الدين وعدم الاحترام للعلم ما يجري على ألسنة كثير من الناس قولهم (قال رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم، دون معرفة برتبة الحديث عند أهله، ومصيبة بعض المتسمين بالعلم والقائمين بالخطب الجمعية في هذا أشد وأضر لتعديها منهم إلى غيرهم ونشرهم الموضوعات الكثيرة في الناس، ولا يكفيهم أنهم سمعوا أو وجدوا فقالوا، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كفى بالمرء كذبا أن يُحدِّث بكلِّ ما سمع» رواه مسلم في مقدمة صحيحه، والكذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم عظيم والتحري فيما دونه واجب فكيف به، خصوصا وقد قال هو عليه وآله الصلاة والسلام: «يكون في آخر الزمان دجَّالُون كذَّابون يأتونَكُم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤُكم فإِيَّاكم وإِياهم لا يُضلُّونَكم ولا يُفتنُونَكُم»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وقال الإمام سيدي محمد السنوسي- رحمة الله عليه- في شرحه لهذا الموضع: (وعلماء السوء والرهبان على غير أصل سنة كلهم داخلون في هذا المعنى وما أكثرهم في زماننا (القرن التاسع) نسأل الله تبارك وتعالى السلامة من شر هذا الزمان وشر أهله) انتهى كلامه"(27) .

ثمّ يؤكد في الأخير على أهمّ المعاني التي استخلصها من الحديث ويدعو إلى الالتزام بها، ليجعل ذلك تحت عنوان سلوك، فيقول: "على العاقل أن يضبط لسانه في الجد والهزل، وأن يحترس من الكذب في الجليل والحقير، وأن يتثبت فيما ينقل ويروي من حديث الناس، وأن يتثبت أكثر وأبلغ فيما يروي في الدين والعلم، وأن يتحرى الصدق وتصوير الحقائق وأن يجعل ذلك من همه وأعظم قصده، وأن يبادر بالتوبة فيما يزل به لسانه إلى ربه، ويعمل دائما على أن يطابق بين عقدهِ بقلبه ونطقه بلسانه وعمله بجوارحه حتى يكون متحريا للصدق بجميع أقسامه ويكتب به بفضل الله ورحمته في الصديقين.

وفقنا لهذا ويسرنا له نحن والمسلمين أجمعين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين"(28) .

ومن خلال هذا العرض تظهر لنا شخصية الإمام ابن باديس الإصلاحية التي تتحرّك بين واقع لاحظ فيه ىعض مظاهر الخلل والفساد وعمل تربوي يحتاج إلى دعم وتوجيه، ونصّ يجتهد في أن يستخلص منه ما يحتاجه في إصلاح هذا الواقع والارتقاء به في مدراج الكمال.

النموذج الثاني: حديث الراعي الغاش لرعيته

عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»(29) .

طريقة تعامل الإمام ابن باديس مع الحديث:

بدأ الإمام ابن باديس شرحه للحديث بالتعريف بالصحابي الجليل) معقل بن يسار المزني) راوي الحديث والأمير الظالم الذي ذكر له هذا الحديث (عبيد الله بن زياد).

فبيّن أولا مكانة الصحابي الجليل معقل بن يسار بذكر بعض خصائصه لأعماله الجليلة " أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان، سكن البصرة، وبها مات في خلافة معاوية رضي الله عنه، وحفر نهرا بالبصرة بأمر عمر رضي الله عنه وإليه ينسب، وفيه جاء المثل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل" (30) .

ثمّ عرّف بالوالي الظالم مشيرا إلى ضعة نسبه، وشرّ أعماله "عبيد الله بن زياد: أبوه زياد بن سميّة، ألحقه معاوية بأبي سفيان فنسب إليه، ولاه معاوية البصرة وأقرّه عليها يزيد، وعبيد الله هذا هو الذي جهّز الجيوش وقتال الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهو ألزمهم بقتاله -قتله الله- وقد قتله إبراهيم بن الأشعث بعد"(31) .

ثمّ يستخلص من الظرف الذي ذكر فيه الصحابي الحديث قاعدة دعوية إصلاحية، ويدفع بها إشكالا قد يمرّ بذهن القارئ للحديث قد يوهمه بجبن الصحابي عن قول كلمة الحق، ويجعل هذه القاعدة تحت عنوان تر الموعظة خوف المفسدة، ليقول في بيانها: "كان معقل بن يسار يرى من ظلم عبيد الله بن زياد وغشه للرعية ولم يستطع ان يواجهه بما في هذا الحديث من الموعظة، خوف أن يبطش به، فتثور من أجل قتله أو إذايته ثائرة بالبصرة تؤدي إلى سفك دماء المسلمين دون ان تكف ابن زياد عن ظلمه، فاتقاء لهذا لم يواجهه بالموعظة، حتى جاء عبيد الله لعيادته، وقد علم معقل أنه في مرض موته فاغتنم الفرصة وجابهه بالموعظة لما خلصت للمصلحة وأمن المفسدة"(32) .

وحتى لا يبقى الحديث بما جاء فيه من وعيد متعلّقا بالحكام والولاة دون غيرهم يتوقف الإمام عند قول النبي صلّى الله عليه وسلّم )ما من عبد يسترعيه الله رعية) ليوسّع من مفهوم الراعي والرعية بحسب ما يدلّ عليه هذا التعميم، ويجعل ذلك في عنوان على صيغة تساؤل ما الراعي وما الرعية؟، ليقدّم الإجابة عنه بقوله:"الرعاية حفظ الشيء، وتفقّد أحواله، وإعطاؤه ما يحتاجه، لصرفه عمّا يؤذيه، وما لا فائدة له فيه، ووقايته ممّا يعدو عليه.

وكلّ من جعل الله تحت يده شيئا من مخلوقاته فقد استرعاه ذلك الشيء أي جعله في رعايته، وطالبه وكلّفه بأن يرعاه، فصار مسؤولا عنه عند الله، وما من بالغ عاقل ذكرا أو أنثى إلا وقد جعل الله له شيئا في رعايته، ولو لم يكن من ذلك إلا نفسه وعقله وبدنه، وأعظم بها من شيء تجب رعايته، وهذا معنى التعميم في الحديث"(33) .

ولكنّه يؤكّد على أنّ الولاية العامة هي أول ما يتعلّق به الوعيد في هذا الحديث، لخطورتها، وكثرة من تتعلق به ، ويجعل ذلك على شكل توجيه فيقول:" لما كانت أعظم الرعايات رعاية أمر العامة بالأمرة والولاية، حدث معقل بن يسار بهذا الحديث عبيد الله بن زياد لأنه كان أميرا لمصر عظيم، فيكون من أول من يشمله عموم لفظ: «ما من أحد». وهذا هو وجه تخريج مسلم لهذا الحديث في كتاب الامارة، وأما اللفط فهو على عمومه" (34) .

ثمّ يقرّر مسألة عقدية قد يساء فهمها من بعض ألفاظ الحديث، فيجعل هذا التقرير تحت عنوان الوعيد معناه وشرطه وعمومه، يقول في بيانه:" توعد الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الراعي الغاش بتحريم الجنة عليه، والتحريم هو المنع، ويكون موقتا موقوتا ويكون مؤبدا، فإن مات الغاش مستحلا للغش أو عوقب على إصراره بسوء الخاتمة -عياذا بالله- فتحريمها عليه مؤبد، وإن مات مسلما مصرا فتحريمها عليه مؤقت، يدخل النار بغشه ثم يخرج منها بما في قلبه من إيمان: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. ] الزلزلة: 7 - 8 .]

وهذا المعنى -على تفصيله- عام بحسب صريح لفظه، لكل راع غاش واقتضى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته» أن هذا الوعيد فيمن مات مصراً ولم يتب، فأما من تاب ولم يمت يوم مات على غشه فليس داخلا في هذا الوعيد.

نعم، ينجو التائب من عقوبة الغشّ بتوبته، للكنّه تبقى عليه تبعات العباد وما ألحق بهم من ضرر، وهي حقوق أخرى جنى عليها زيادة على أصل الغش، فلها عقوباتها والقصاص عليها" (35) .

ثمّ يختم شرحه للحديث بالإشارة إلى نوم من الولاية العامة يتقدّم إليها بعض الجزائريين، لهي النيابة عن المجتمع في المجالس المختلفة، فيبيّن خطورة الغش في هذه النيابة، لشمول الوعيد الشديد الوارد في الحديث لمن يتلبّس بالغش من النواّب، كشموله لكلّ راع على رعيّة، ويجعل ذلك تحت عنوان تطبيق فيقول: "كل من تولى أمراً من أمور الأمة فهو من رعاتها المسؤولين عنها، المتوعدين بهذا الوعيد الشديد إذا غشوها على أي وجه كانت تلك الولاية من الوجوه التي تختلف باختلاف الأمم وأوضاعها، ومما هو من أعظم الولاية على الأمة اليوم بحسب وضعها -النيابة عنها، والتكلم بلسانها من أدنى درجات تلك النيابة إلى أعلاها، فليعلم هذا من يتقدم لهذه الولاية، وليراقب الله فيها، كما على كل راع أن يعلم هذا الوعيد ويحذر ان يقتحمه" (36) .

النموذج الثالث:

حديث: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (37) .

طريقة الإمام في التعامل مع الحديث:

نلاحظ هنا أنّ الإمام ابن باديس اتخذ الحديث كمدخل وإطار عام لموضوعه، والمناسبة التي نشر فيها الحديث هي رمضان 1355 هـ، ديسمبر 1936 ، وحاول أن يبرز من خلال تعامله مع الحديث بعدين أساسين بعد روحي مناسب لشهر رمضان، وبعد سياسي فيه مطالبة بحقوق الأمّة الجزائرية.

مهّد لهذين البعدين بتمهيد وضع فيه هذا الحديث في الإطار العام الذي ينظر به الإسلام إلى الإنسان، من أهمّ ما جاء فيه قوله:"

إن الإنسان بجزئه الترابي، وهو بدنه- مخلوق أرضي، وبجزئه النوراني- وهو روحه- مخلوق سماوي، فإذا جذبه جزؤه الترابي بزمام الشهوة إلى السفليات الأرضية، طار به جزؤه النوراني على بساط العقل إلى علويات السماء. وهو لن يزال دائما بين هذا وذاك في انحطاط واعتلاء.

لم يخلق الإنسان للأرض وإن خلق منها، وإنما خلق للسماء وللملإ الأعلى، وآخر كلمة قالها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» وإنما ينتهي إلى هذا بصفاء روحه واستنارة عقله، وما البدن الترابي إلا آلة لهما، لاستكمال قوتهما، ومظر لتلك الاستنارة وذلك الصفاء.

... فالجسد آلة بديعة للروح لازمة لها في الدنيا وملازمة لها في الأخرى. فمن العدل الإلهي أن يكون لها حظها هنالك كما كان لها حظها هنا، ومن العدل الواجب على الإنسان أن يعطيها -كما يعطي الروح- حقها من الاعتناء، فكما يغذي روحه بما ينير عقلها من العلوم والمعارف، وما يزكيها من الأخلاق والآداب، وما يقويها من صالح العمل، ومفيد السعي في وجوه الحياة. ويحفظها من كل ما يغشى العقل من جهالات وأوهام، وما يدسي النفس من رذائل، وما يضعفها من كسل وبطالة - كذلك عليه أن يغذي بدنه بما ينميه وما يصلحه وما يقويه، ويحفظه من كل ما يفسده أو ينهكه أو يؤذيه." (38) .

ثمّ يتحدّث عن الصيام باعتباره محافظا على بدن الإنسان، بالإضافة إلى ما فيه من تربية نفسية وروحية، فيقول: " غير أن الإنسان إذا كان هكذا تغلبه الشهوة، وتقوده اللذة، فإنه بمظنة أن يتجاوز- ولو في بعض الأحيان- العدل إلى الامتلاء. فشرع له الصوم ليقاوم شر ذلك بما فيه من راحة للمعدة ونقاء، وتربية على امتلاك زمام نفسه عن الشهوات والملذات، وعلى استطاعة حملها على الجوع والعطش عند الاقتضاء...

فالصوم ضرورة لنظام الغذاء وحفظ الصحة البدنية وعون للإنسان على حسن استعماله لآلته الترابية الأرضية للترقي إلى آفاقه الروحية النورانية وكمالاته العلوية.

فالحمد لله الذي شرع لنا الصيام وفرض علينا رمضان ووفقنا إلى القيام به في كل عام" (39) .

ثمّ يستحضر الواقع السياسي للمجتمع الجزائري، والمحاولات التي تبذل من قبل إدارة الاحتلال لحصر مطالب الجزائريين في مطلب واحد وهو الحصول على القوت، ويستثمر الحديث وينتقل إلى معنى سياسي ذو صلة بقدرة صبر المسلم على الطعام القليل، ممّا يدلّ على أنّ الطعام بالنسبة له ليس كل شيء، ويجعل كلامه تحت هذا العنوان ليس الخبز كلّ ما نريد، ويقول في بيان ما يقصده من هذا العنوان:"نحن- المسلمين- ربينا تربية إسلامية على إلفة الجوع، والتقلل من الأكل والاقتصار على قدر الحاجة، والمواساة في المطعم والمشرب. فطعام الواحد عندنا يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الثلاثة يكفي الستة وطعام الأربعة يكفي الثمانية ونعتقد عن تجربة أن الرجل لا يهلك عن نصف قوته.

بهذه التربية استطعنا أن نبقى ونعيش في مثل ما عليه حالة معظم الأمة الجزائرية من الفاقة والعوز والجوع والمسغبة، بينما هي تنظر إلى ما ينعم فيه غيرها من النعمة والرخاء، مما لو أصاب أمة أخرى لاجتاحها وأفناها، أو لأثارها ودفعها إلى موارد العذاب والردى.

...جهل قوم من ذوي السلطة هذا الخلق منا فحسبوا- وهم جد عالمين بما فيه الأمة من جوع وفاقة- أننا قوم لا نريد إلا الخبز، وأن الخبز عندنا هو كل شيء، وأننا إذا ملئت بطوننا مهدنا ظهونا، وأنهم إذا أعطونا الخبز فقد أعطونا كل ما نطلب اذ الخبز- في زعمهم- هو كل ما نريد، فإذا حادثناهم في حالنا سكتوا عن كل شيء إلا عن الجوع والخبز، وإذا رفعنا أصواتنا بمطالبتهم بحقوقنا لديهم، أو بإنجاز مواعيدهم خرجت المراسيم بتوزيع قناطير القمح أو الفرينة أو الدقيق أو سلفات البذر التي لا ينال المحتاج الحقيقي منها ما يسد حاجته، وتذهب في أثناء توزيعها في تعاريج والتواءات أخرى ... فإذا صدرت تلك المراسم طبل المطبلون وزمر المزمرون، وحسب المغرورون أننا قد رضينا وفرحنا وانتهى أمرنا.

يا قوم، إنتا أحياء، وإننا نريد الحياة وللحياة خلقنا. وأن الحياة لا تكون بالخبز وحده، فهنالك ما علمتم من مطالبنا العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلها ضروريات في الحياة. ونحن نفهم جيدا ضروريتها للحياة، وقد بذلنا فيها لكم ما كان -يوما- سببا قويا في حياتكم فلا تبخلوا علينا اليوم بما فيه حياتنا إن كنتم منصفين، وللأيام والأمم مقدرين. وإلا فالله يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين"(40).

هذه ثلاثة نماذج أردنا أن نبيّن من وقفتنا عندها التأكيد على البعد الإصلاحي الذي كان منطلقا للإمام ابن باديس في تعامله مع الحديث النبوي، حيث لاحظنا كيف يعرض المجتمع وقضاياه على الحديث النبوي، ويلتمس منه الهدي والعلاج لتلك القضايا، ويجعله وسيلة للتوجيه والتربية والإصلاح.

وما أحوجنا كأساتذة وكأئمة ومربّين وكإعلاميين إسلاميين إلى الإفادة من هذه الطريقة في التعامل مع الأحاديث النبوية، لنستعيد الفعالية للحديث النبوي في أعمالنا التربوية والتوجيهية والإصلاحية.

رحم الله إمامنا ابن باديس، وجزاه عن الإسلام وعن الجزائر خير ما يجزي عباده الصالحين، ووفّقنا للانتفام بما خلّفه من علم كان نتيجة نظر صحيح، وفهم ثاقب، ودوام في التحصيل.


الهوامش:

1- عبد الحميد بن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص87.

2- وهو من العلماء المصلحين في الزيتونة ممن كانوا يرمون بالكفر والإلحاد من قبل العلماء المحافظين بسبب تبنيهم لفكر المدرسة الإصلاحية ونشرهم له في جامع الزيتونة.

3- عبد الحميد بن باديس: آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ص46.

4- عبد الحميد بن باديس: مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص. 207 .

5- المصدر نفسه ، ص 110 .

6- عبد الحميد بن باديس: مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير ، ص. 207 .

7- المصدر نفسه ، ص107 .

8- المصدر نفسه ، ص107 .

9- عبد الحميد بن باديس: آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج3 ، ص. 196

10- المصدر نفسه ، ج3 ، ص. 196 .

11- عبد الحميد بن باديس: آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج - 3 ، ص. 84 .

12- المصدر نفسه، ص. 85 .

13- محمد عمارة، من أعلام الإحياء الإسلامي، ص. 24 .

14- عبد الحميد بن باديس: آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص. 46

15- عبد الحميد بن باديس: مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص296 - 297 .

16- عبد الحميد بن باديس: مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص79 .

17- عبد الحميد بن باديس: آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج 4، ص. 200

18- عبد الحميد بن باديس: آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4 ، ص. 115 .

19- عبد الحميد بن باديس: مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص. - 257 - 258

20- مسلم في صحيحه، حديث رقم6805

21- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص. 116

22- المصدر نفسه، ص117 .

23- المصدر نفسه، ص117 -118

24- المصدر نفسه ، ص118 .

25- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص118 .

26- المصدر نفسه ، ص118 - 119

27- المصدر نفسه ، ص119 .

28- المصدر نفسه، ص 120 .

29- صحيح مسلم، حديث رقم142 .

30- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص121 .

31- المصدر نفسه، ص 121 - 122 .

32- المصدر نفسه ، ص 122 .

33- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص 122 .

34- المصدر نفسه، ص. 123

35- المصدر نفسه، ص. 124 .

36- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير ، ص. 124 .

37- رواهُ الإمامُ أحمدُ والترامذي والنَّسائي وابن ماجه، وقال الترامذي: أحاديث احاسن صحيح

38- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص. 141 - 142 .

39- المصدر نفسه، ص. 143

40- ابن باديس، مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص143 – 145


د. نور الدين سكحال: أستاذ محاضر يجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

آخر التغريدات: