أولو الأمر

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

هذه كلمة قرآنية، فمن هم المرادون بها؟ فقد أوجب الله طاعتهم على المؤمنين فمن اللازم شرعا أن يعرفوا ليمتثل أمر الله تعالى فيهم، فمن هم؟ قد اختلف فيهم فقيل هم- العلماء، وقيل هم الأمراء من المسلمين، والصحيح أنهم العلماء والأمراء معا وإليك البيان:

لله الخلق والأمر، والأمر أمران: الأمر التكويني، والأمر التشريعي والثاني هو المراد هنا، وما أمر بطاعة أولي الأمر إلا لأنهم يأمرون بأمر الله، فكانت طاعتهم طاعة الله. وأمر الله نحتاج إلى تعيينه وإلى تنفيذه، فبالعلم يعين، وبالسلطان ينفذ، فالعلماء يصدق عليهم أولو الأمر لأنهم الذين يعينون أمر الله بطرائق العلم المقررة، والأمراء يصدق عليهم أولو الأمر لأنهم ينفذونه بحمل الناس عليه بما جعل الله لهم من سلطان. فإذا وجد العلماء دون الأمراء تعطلت الشريعة، وإذا وجد الأمراء دون العلماء ضلوا وأضلوا عن السبيل، ولا يستقيم الحال إلا بوجود الطائفتين وتعاونهما بطريق الشورى التي هي أساس الأمر في الإسلام. وقد بين لنا السلف الصالح رضي الله عنهم هذا بطريقة عملية فكان عمر - رضي الله عنه- وقد جمع بين العلم والسلطان يجمع الصحابة في النوازل الهامة ويستشيرهم ويجعلهم في الشورى على طبقاتهم كما فعل عند ما خرج إلى الشام وسمع بالطاعون والقصة ثابتة في الموطأ وغيره.

دعاني إلى كتابة هذا مقال جليل نفيس نشرته مجلة الهداية الإسلامية بقلم أستاذنا العلامة الجليل الشيخ الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي ثم المصري تحت عنوان (العلماء وأولو الأمر) فأحببت أن أنقله إلى قراء (الشهاب) وخشيت أن يفهم من عطف أولي الأمر على العلماء في العنوان المذكور، إن العلماء لا يصدق عليهم اللفظ القرآني فأحببت أن أبين القول الحق في صدقه على الطائفتين وأحببت أيضا أن تكون مقدمتي هذه الصغيرة أمام ذلك المقال الكبير تذكرة لجلوسي لتلقي تهذيب المنطق بين يدي الأستاذ بجامع الزيتونة- عمره الله- ولسماع دروس من صدر تفسير البيضاوي بدار الأستاذ بشارع باب منارة من تونس الخضراء العزيزة حرسها الله.

ولا يخفى أن الأستاذ أبقاه الله ابن أخت العلامة الجليل الشيخ المكي ابن عزوز رحمه الله، وكلاهما من أبناء الطرقية، ولكن العلم سما بهما إلى بقاع التفكير والهداية والإصلاح ولكليهما- أحسن الله جزاءهما- كتابات في التحذير مما عليه الطرقية اليوم تارة بالتصريح وتارة بالتلميح. وإلى القراء الكرام نص مقال الأستاذ أبقاه الله وهو من ذلك الطراز (1).


(1) ش: ج 8، م 15 قسنطينة شعبان 1358هـ سبتامبر 1939م ص 368 إلى 869.

هذا آخر مقال للشيخ عبد الحميد بن باديس في آخر عدد من الشهاب الذي لم يصدر منه فيما يبدو إلا ملزمة واحدة مما جعل مقال الشيخ الخضر بن الحسين غير كامل فيه لذا لم ننشره.

آخر التغريدات: