جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في عامها الثاني

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

كنا نعلم من يوم تأسيس هذه الجمعية رغم تفاؤلنا، ما ستلقاه مثل كل مشروع عظيم من صعوبات وعقبات، ولكننا ما كنا نحسب أن حظها من ذلك يكون(1) إلا من خارجها ولكن الواقع جاء بخلاف ذلك وكانت مصاعب الجمعية ومتاعبها من داخلها، حصلت نفرة بين أعضاء مجلس الإدارة ورئيس لجنة العمل فأدت إلى ما أدت إليه من فرقة وفتنة وقى الله شرها. وقد علم الناس حقيقة الحال من البيان الرسمي الذي نشره مجلس إدارة الجمعية أثر انتخابه مما لا حاجة إلى إعادته وإن كنا سنشير إلى أشياء منه لزيادة البيان.

بأي نية ذهبت للأجتماع العمومي: ذهبت عازماً على إصلاح ذات البين وعلى تسيير انتخاب الجمعية على مقتضى قانونها الأساسي والوقوف معه مهما كان الحال. وعرفت من الاجتماعات التي كانت قبل يوم الانتخاب ومن محأولاتي الخاصة أن الصلح غير ممكن وأنه لم يبق علي إلا المحافظة على الجمعية قبل كل شيء وكنت رغم ما يأتيني من أنباء بما يدبر من أمور، مطمئنا على الجمعية لأنني كنت أعتقد أن الاجتماع العمومي سيضم جمعا عظيما من أهل العلم وحسبي بعلمهم هاديا لهم إلى ما فيه خير وسداد للجمعية والأمة. فدخلت صبيحة الإثنين 18 محرم الماضي إلى نادي الترقي وأنا على هذا الاعتقاد.

ماذا كان يدبر للاستيلاء على الجمعية:

كان رئيس لجنة العمل قد سعى سعيا شديدا في تكوين عدد كثير ممن يوافقونه على القائمة التي يقدمها للانتخاب، وكانت مكاتبات لبعض الجهات في الحث على القدوم يوم الانتخاب وأصبح مكتب الدعاية منعقدا على الساعة الخامسة في مدرسة السلام يديره رئيس لجنة العمل وشيخ زاوية بمستغانم- كما اعترف لي بذلك رئيس اللجنة في الحديقة العمومية أمام جماعة- وأصبحت الوصولات توزع على كل من يقال فيه طالب ليأتي للجمعية العمومية وينتخب من كتبت أسماؤهم في ورقة سلمت له.

نكتة المسألة:

القائمة التي أعطيت من طرف السيدين المذكورين فيها ثلاثون شخصا الأعضاء الأقدمون مع ضرب على أسماء بعضهم وزيادة عليهم والسيد رئيس اللجنة هو أحد الثلاثين وحضرته- بلا مؤاخذ ومع الاحترام- ليس من أهل العلم ولا من الطلبة، وإذا كانت الأعمال والأقوال هي التي تدل على المقصود والنوايا فلا نكون ظالمين إذا استدللنا بهذا العمل على ما يدل عليه مفوضين العلم بذلك والجزاء عليه إلى الله تعالى.

كيف كنا وكيف كانوا:

بينما كان السيدان يعملان عملهما ويقويان حزبهما كنا تاركين للمسألة حالها تسير بطبيعتها ولو كنا على شيء من سوء النية أو القصد إلى الاستيلاء بالأغلبية لكنا دعونا تلامذتنا دعوة عامة للحضور- وهم كثر وكلهم من أهل العلم- فملؤوا نادي الترقي والشوارع المتصلة به ولا فخر ولكن ما كنا- والحمد لله- لنقصد إلى التكثر ولا إلى العصبية والتحزب وإحداث الفرقة بين الناس.

صبيحة يوم الإثنين وما صبيحة الإثنين:

اكتظ النادي على سعته بالناس وألقيت خطاب الافتتاح والترحيب وعرَّفت الجمع بأن المنتخبين لا بد أن يكونوا من أهل العلم كما تنص عليه المادة السابعة من القانون الأساسي للجمعية التي تقول: "الأعضاء العاملون هم الذين يصح أن يطلق عليهم لقب عالم بالقطر الجزائري بدون تفريق بين الذين تعلموا ونالوا الإجازات بالمدارس الرسمية الجزائرية وبين الذين تعلموا بالعاهد العلمية الإسلامية الأخرى" وعرفت الجمع بأن مجلس الإدارة عين لجنة لتقيد أسماء من ينطبق عليهم هذا الوصف المذكور في المادة وأنها تقبل من كانت له شهادة أو كان باشر التعليم أو كان يشار إليه بالعلم في قومه وأنه بعد تقييد أسماء المنتخبين يكون الانتخاب. وهنا قامت القيامة واضطربت أركان القاعة بالضجيج وأبى القوم إلا الانتخاب في الحين دون اعتبار للمادة القانونية ولا اعتبار لتقييد أسماء المنتخبين، واستمر ذلك الاضطراب وذلك الهياج إلى قرب الزوال فافترقنا- بعد أن وقفنا على شفا حفرة من الهلاك فأنقذنا الله منها- على أن نجتمع مساء على الساعة الثانية بعد الزوال.

لوازم واستاجابات:

عرفنا بما رأينا في ذلك الجمع وما سمعنا فيه أن أهل العلم قد حشر فيهم من ليس منهم وكان معهم من لم يتخلق بأخلاقهم ولا تأدب بآدابهم وأن ما وقع صباحا سيقع مساء وأن ذلك مفض ولا محالة إلى عاقبة سيئة ربما قضت على الجمعية وعلى النادي الذي نحن ضيوف فيه وأن المسؤولية تكون على رئيس الجمعية فلزمني إذاً أن أخبر إدارة الشرطة لترسل أعوانها لحفظ النظام فأعلمتها وعرفت بما رأيت وما سمعت أنه يراد الاستيلاء على الجمعية بطريق غير مشروع وبعدد كبير لا تنطبق عليه المادة القانونية، ولذلك فر من فر من الوقوف أمام اللجنة وهي لجنة تعريف وسؤال لا لجنة امتحان، فلزمني أن أحافط على شرف الجمعية العلمية من أن يسيطر عليها غير أهل العلم.

مساء الإثنين:

ما جاءت الساعة الواحدة بعد الزوال حتى امتلأت سقائف النادي ورحابه والدرج المصعدة إليه- فما أكثر العلماء في ذلك اليوم- وبقي الناس في انتظار الساعة الثانية لفتح باب النادي وجاء أعوان الشرطة وفتح النادي، وعاد الحال إلى ما كان عليه في الصباح ولما رأيت الأمر لا يزيد إلا هياجا وارتباكا أعلنت بارتفاع الجلسة ووقف الشرطة محافظين على النظام حتى خرج الناس. ولا والله ما أهان الشرطة أحداً ولا زادوا على إسكاتهم للغوغاء وحفظهم للنظام وأحسب أنه لولا وجود الشرطة عند الإعلام برفع الجلسة لكانت وجوه خاصة رأيتها ثم تفعل ما لا تحمد عقباه. ولا أشك أن التهويل الذي أثاره بعض الناس في بعض النشريات على استدعاء الشرطة والتقبيح لذلك أمام الفكر العام والتعديِّ بالباطل على أعوان الحكومة ورميهم بأنهم أهانوا العلماء، لا أشك أنهم ما حملهم على ذلك إلا شدة تأسفهم على ما فاتهم من كيد دبروه كانوا ينفذونه لولا وجود أعوان الشرطة، مع ما يقصدون من الحط من مقام الجمعية. فنحن بقدر ما تقولوا على أعوان الشرطة وسبوهم نشكرهم على حفظهم للأمن والنظام وقيامهم بواجبهم ونعترف بأنه لولاهم- بعد حفظ الله- لكانت الجمعية في خبر كان.

يوم الثلاثاء:

أصدرت الجمعية منشورا ونشرت في الصحف الفرنسية بما وقع وأعلمت أن الانتخاب يكون من الغد يوم الثلاثاء فجاء الناس صبيحة الثلاثاء وكان الانتخاب مساءها على ما هو مبين بالصحف وبيان الجمعية. وكان يوم هدوء ونظام وتأمين. وشاهد أعوان الشرطة ورجال الخفية الفرق بين يوم الإثنين الذي حضرته الغوغاء ومن حشر في أهل العلم ويوم الثلاثاء الذي لم يحضره أولئك- ولا أعني بكلامي هذا أن كل من تخلف عن يوم الثلاثاء فهو ليس من أهل العلم كلا- فقد تخلف بعض أهل العلم الذين لم يستطيعوا بما شاهدوا من فظاعة يوم الإثنين أن يعودوا إلى الاجتماع أو لم يحسبوا يوم الثلاثاء إلا مثل يوم الإثنين.

كيف كان الترشيح للإنتخاب:

قدم مجلس الإدارة القديم قائمة هذه صورتها: الشيوخ ابن باديس، الإبراهيمي، العقبي، الميلي العمودي، الفضيل (من مجلس الإدارة القديم وكانوا حاضرين)، المهاجي (منه وكان غائبا لقدومه من الحج) ابن عربية، أبو اليقظان، خير الدين، التبسي، المكي، القاسمي (هؤلاء جدد وكانوا حاضرين) أبو عبد الله البوعبدلى (جديد وكان غائبا واعتذر ببرقية يقول فيها: اعتبروني، معكم في كل شيء) وأعلن للمنتخبين أن لهم الحرية في أن ينتخبوا القائمة كلها أو يرفضوها كلها أو يختاروا بعضها دون بعض فجرى الانتخاب على الوجه القانوني على تفاوت في عدد الأصوات وفاز الشيوخ المذكورون إلا واحداً فاز عليه الزاهري بنحو العشرين صوتا.

عناصر مجلس الإدارة:

لقد جاء مجلس الإدارة مؤلفا من جميع عناصر الأمة الجزائرية ممثلا لها خير تمثيل ففيه من العلماء المنتمين للزوايا كالمهاجي وأبي عبد الله والفضيل وفيه من العلماء الموظفين كابن عربية القاضي والمعمودي الوكيل الشرعي وفيه من علماء القبائل الفضيل وفيه من علماء الإباضية أبو اليقظان، أفبعد هذا يقول قائل يلتزم الصدق: أن الجمعية إنما تمثل طائفة.

رئاسة الجمعية:

شاء الإخوان أن يجددوا لهذا العاجز حمل مسؤولية الرئاسة رغم امتناعه ووالله لقد كنت أود لو صرفت عني ووالله لولا خوفي من عظيم المسؤولية عند الله ما قبلت من إخواني ذلك رغم شدة احترامي لإرادتهم، وتقديري لإشارتهم، فالله نسأل لنا ولهم أن يعيننا جميعا على القيام بقوة وأمانة وإخلاص بهذا العبء الثقيل (2).


(1) كذا في الأصل ويبدو أنه (لا يكون).

(2) ش: ج 8، م 8، ص 395 - 409 غرة ربيع الثانى 1351هـ - أوت 1632 م.

آخر التغريدات: