نحن مسلمون وكفى

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

إن الإسلام الذي ندين به، وهو دين الله الذي أرسل به جميع أنبيائه. وكمل هدايته وعمم الإصلاح البشري به على لسان خاتم رسله، هو دين جامع لكل ما يحتاج إليه البشر أفرادا وجماعات لصلاح حالهم ومآلم، فهو دين لتنوير العقول وتزكية النفوس وتصحيح العقائد وتقويم الأعمال. فيكمل الإنسانية وينظم الإجماع ويشيد العمران ويقيم ميزان العدل وينشر الإحسان. فلا يحتاج بعده إلى ما يتناحر عليه الأوروبيون من مبادئ أحزاب وجمعيات ليس في استطاعة شيء منها أن يصلح حالهم لا في السياسة ولا في الاجتماع دع عنك الأخلاق والآداب. كما أنه لا يسلم واحد منها من قواعد منافية للفطرة أو مجانبة للعدل أو ضعيفة في العقل فالمسلم بطبيعة إسلامه بعيد عن كل هذه الجمعيات والأحزاب. وهذه هي حال السواد الأعظم من المسلمين في جميع الأقطار.

يجهل بعض الكتاب الأوروبيين هذه الحقيقة أو يتجاهلونها، فتراهم يرمون المسلمين في كل حركة من حركاتهم بمبادئ الأحزاب الأوروبية ذات النفوذ والشهرة في أوروبا.

وللقارىء نموذجا من ذلك:

النمسا- الدعاية الهتلرية في إفريقيا الشمالية وفلسطين:

فيينا في 2: لمراسل البلاغ الخصوصي- يؤخذ من المعلومات التي أذاعتها صحيفة تلغراف عن نظام الدعاية الهتلرية في إفريقيا الشمالية وفلسطين أن مجموع ما أنفق على هذه الدعاية التي جعل مركزها الأساسي في برلين بلغ 000 360 3 مارك في الشهر، وقالت أن الغرض من هذه الدعاية هو إثارة العالم الإسلامي ضد اليهود وإنجلترا وفرنسا وإعداد العدة لفتنة تقوم في إفريقيا الشمالية الفرنسية في حالة نشوب الحرب.

"البلاغ"

الدعاية الألمانية في إفريقيا الشمالية:

باريس- نشرت جريدة "الرجل الحر" التي تصدر في باريس فصلا قالت فيه: هل من واجبنا أن لا نغفل هذه المسألة الحيوية بالنسبة لسيادتنا في الشمال الإفريقي. أن مذبحة مدينة قسنطينة والقلاقل الأخيرة التي أثارها الدستور في جهات الساحل بالبلاد التونسية ليست إلا إنذارات يجب علينا ألاَّ نهمل أمرها وألاَّ نغفل نتائجها. ولهذا يجب أن نظهر في هذه الأراضي الإسلامية، وإذا كانت قوانا لا تصل حتى ترتكب الشدة أو الإرهاق فإن عفونا وتسامحنا ليس منشؤهما الضعف. يجب أن يقع تتبع تأثيرات هذه الدعاية الهتلرية أو الوطنية أو الثورية بغاية اليقظة والنشاط، تلك الدعاية التي إذا غفلنا عنها تسببت لنا في متاعب جمة.

"الزهرة"
ومما يجب أن يلاحظ هنا أن الذي كنا نرمي به هو الدعاية البلشفية، والذي صرنا نرمى به هو الهتلرية، ومن المعروف أن روسيا البلشفية قد دخلت في عصبة الأمم وأخذت كرسيا دائما فيها كسائر الدول العظام وأصبحت معترفا بها كدولة كبرى وكل ما كانت تأتيه "يبس وتحتت وطارت به الأرياح" فلم يبق من وجه لرمينا بالبلشفية والدعاية البلشفية. ولكن هتلر اليوم هو لينين بالأمس، فلتكن الهتلرية هي الكرة التي ترمى بها الأمة المستضعفة. وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن هذا الرمي بالهتلرية بعد البلشفية لم يكن عن جهل وإنما كان عن مكر وسوء قصد. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (1).


(1) ش: ج 11، م 10، ص 482 - 484 غرة رجب 1353هـ- أكتوبر1934م.

آخر التغريدات: