جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

بقلم: أبو القاسم سعد الله-

في اجتماع الجمعية الذي انعقد في سينما دنيا زاد في سبتمبر 1951 تحت رئاسة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قدمت التقارير المالية والأدبية استعرض فيه نشاط الجمعية منذ سنة 1943، وخلاصة ذلك أنه أصبح للجمعية 123 مدرسة ذات هندسة منسجمة مع تاريخ العمران الإسلامي (الأندلسي) وذلك أمر مقصود من الجمعية لتحافظ على الطراز التاريخي والذوق الفني، ولتفهم الأجيال تراث الأجداد، والعدد المذكور من المدارس لا يدخل فيه المعطل بسبب الإدارة الفرنسية أو بسبب العجز، أما عدد المعلمين فقد بلغ 175 معلما وهم يتقاضون أجورا متدنية لا تكاد تسد الرمق، وقد بلغت ميزانية المعلمين في الجمعية 37 مليون فرنكا سنويا، والمعلمون عرضة دائما للقمع الإداري والتغريم والمحاكمة والسجن مع المجرمين.

من الأعمال التي أعلن عنها في هذا الاجتماع أيضا أن الجمعية أنشأت لجنة عليا للتعليم والتفتيش، وكانت ما تزال تحت التجربة، ولم تتقدم في نشاطها للنقص في التمويل، وقد بلغت نفقاتها خلال السنة التجريبية مليون فرنك، والمعروف أن هذه اللجنة قد تطورت ونمت وعاشت إلى سنة 1956 على الأقل رغم الخطوات المتعثرة التي بدأت بها.

كما أنشأت الجمعية معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة، وكان إنشاؤه وفاء لرئيسها ابن باديس، وقد أصبح المعهد يضم حوالي 700 تلميذ واثني عشر معلما، والدراسة فيه تعتبر جسرا للتعليم الثانوي، فهو يوصل لشهادة الأهلية ثم ينتقل تلاميذه إلى الزيتونة للحصول على شهادة التحصيل أو الثانوية العامة، وكانت الجمعية تخطط لإنشاء كلية في قسنطينة أيضا للطلبة المتخرجين من جامع الزيتونة والمعاهد الإسلامية الأخرى.

كما عادت البصائر للظهور، وهي جريدة - كما ستعرف - كانت مقروءة في المغرب العربي والمشرق وحتى في الأمريكيتين، وقد قال عنها الإبراهيمي، رئيس تحريرها وصاحب امتيازها (إنها سيف من سيوف الإسلام، وقبس من روحانية الشرق) حملت على الاستعمار، وشاركت في قضية فلسطين وانتقدت العرب المتخاذلين، ومنعت من دخول المغرب الأقصى لأنها تبنت قضيته الوطنية ونددت بتصرف الاستعمار فيه، وأضاف الإبراهيمي أن البصائر (استردت للجزائر ما كانت مغبونة فيه من حسن السمعة).

ومن جهة أخرى بسطت الجمعية وجريدتها القول في قضية فصل الدين عن الدولة، وقدمت بشأنها مقترحات إلى النواب بالمجلس الجزائري، وعالجها الإبراهيمي في عدة مقالات متصلة الحلقات.
وفي نفس الاجتماع تحدث الإبراهيمي عن نشاط الجمعية في فرنسا ولماذا اختارت أن ترسل مندوبا عنها إلى الجالية الجزائرية هناك، وهي الجالية التي بلغت أكثر من مائة ألف نسمة، ولها أطفال بلغوا العشرين ألفا وكلهم يقضون مضاجع الجمعية الحريصة على توصيل رسالة الإسلام واللغة العربية إلى هذه الجالية وتعتبر نفسها مسؤولة على رعاية الجالية دينيا وأخلاقيا في بلاد الغربة، لذلك أرسلت وفدا من الشيوخ منهم الفضيل الورتلاني، وسعيد صالحي وعبد الرحمن اليعلاوي، ثم الربيع بوشامة وسعيد البيباني، وذكر الإبراهيمي أن الثلاثة الأوائل حاولوا الحصول على محل (مكتب) دائم للجمعية في باريس، فلم ينجحوا، ولكنهم بذلوا جهودا في فتح نوادي تهذيبية، والمقصود بها محلات لتعليم الدين والأخلاق واللغة العربية وإلقاء دروس الوعظ والإرشاد بما يربط الجالية بوطنها ودينها خوفا عليها من الضياع في الحياة الفرنسية، وبينما فشلت الجمعية في الحصول على مركز في باريس حتى بعد سفر الإبراهيمي إليها فإنها، نجحت في الحصول على مكتب في القاهرة بفضل جهود ثلاثة رجال لم يذكر الإبراهيمي أسماءهم، وهم أنفسهم قاموا بتدبير بعثات طلابية للجزائريين من قبل حكومة مصر وباكستان، ولا شك أن أحد هؤلاء الرجال هو الفضيل الورتلاني.

وبنهاية الاجتماع قرأ الشيخ إبراهيم مزهودي تقريرا عن نشاط الجمعية في فرنسا، وألقى الشاعر أحمد سحنون قصيدة، وشاركت الأحزاب السياسية المدعوة بالحضور وإلقاء الكلمات، فقد تحدث العربي دماغ العتروس (وهو نائب عن حزب الشعب في المجلس الجزائري) باسم حركة الانتصار، وتكلم عبد الحميد بن سالم باسم حزب البيان، ويونس كوش عن الحزب الشيوعي، وأحمد توفيق المدني عن الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية، وختم الشيخ العربي التبسي الاجتماع بخطبة ناقش فيها من يقول إن الجمعية لا تتدخل بالسياسة، ففي نظره أن جمعية العلماء هي جمعية لكل الجزائريين بحكم مبادئها، وما دامت السياسة قد تدخلت في الدين (يقصد الحكومة الفرنسية وسيطرتها على شؤون الدين الإسلامي) فإن الجمعية تقف مع الديمقراطية وحقوق الإنسان لأن الإسلام والاستعمار لا يلتقيان (1).

على هذا المنوال سارت جمعية العلماء في الجزائر، لكن حدثت أحداث جعلتها في الواجهة أحيانا أو كما قال الشيخ التبسي لا تستطيع ألا تدخل في السياسة لأن هذه تدخلت في شؤون الدين الإسلامي، ففي يناير 1952 غادر الإبراهيمي الجزائر عبر فرنسا متجها إلى المشرق لكي يحضر مؤتمرا إسلاميا في باكستان ويدبر منحا لطلبة المعهد ثم يرجع، ولكنه لم يرجع لحدوث الثورة وانقطاع السبل بأمثاله، وأثناء ذلك وقعت تغييرات في الجمعية أصبح بها النائبان (الشيخ التبسي والشيخ محمد خير الدين) يتنافسان على إدارة الجمعية، وأصبح أحمد توفيق المدني هو الكاتب العام ورئيس تحرير البصائر، ووقع بعض التمرد من الطلبة في القاهرة ضد سلطة مكتب الجمعية، وخصوصا ضغط الشيخ الورتلاني الذي كان يعمل - كما قيل - على إدخال الطلبة في حركة الإخوان المسلمين، بينما كان مكتب المغرب العربي في القاهرة الذي يسيطر عليه حزب الشعب الجزائري، يعمل على جذب الطلاب إليه، وكان لهذه التطورات ارتداداتها في الجزائر لدى أولياء الطلبة والأساتذة، ولذلك طلب المجلس الإداري للجمعية في اجتماعه، سبتمبر 1954، بعودة الشيخ الإبراهيمي لإعطاء تفسير واضح عما حدث مع الطلبة، مع تقديم بيانات عن تأزم الوضع في الجزائر وحرج الجمعية من اتخاذ مواقف في غيابه (2).

ويرى بعض الباحثين أن العلماء خدموا التعليم الحر واللغة العربية، وقاموا بالوعظ والإرشاد في المساجد الحرة عندما لم تسلم لهم الإدارة الشؤون الدينية التي ظلت تشرف عليها، كل ذلك في ظرف قصير بين 1947 و 1954، ومن جهتها قامت فرنسا بحل اللجان الاستشارية للديانة الإسلامية التي كان يشترك فيها موظفون فرنسيون، بتاريخ الثالث من أغسطس 1944، وهو إجراء رأى فيه العلماء انتصارا لهم لأنه سيمكنهم من الإشراف على الشؤون الإسلامية ويحقق ما سعوا إليه طويلا وهو فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية أسوة بما حدث مع النصرانية واليهودية، لكن الإدارة لم تسلم لهم الشؤون الإسلامية وفتحت في المجلس الجزائري نقاشا لا طائل تحته مما أتاح لها (الإدارة) الإبقاء في يدها على تعيين ممثلي الديانة الإسلامية رغم الوعد بالفصل الذي جاء في قانون (دستور) 1947.

وهكذا أبقى المجلس الجزائري شؤون الدين الإسلامي في أيدي رجال تعينهم الإدارة وتحدد لهم اختصاصاتهم بدل أن يكونوا مستقلين، أما العلماء فكانوا يرون تسليم الشؤون الإسلامية إلى جماعة المسلمين لأنها وحدها الكفيلة والمؤهلة لإدارتها، رافضين أي تدخل فيها من الإدارة، كما كانوا يطالبون الإدارة بإعادة الأوقاف (الأحباس) إلى جماعة المسلمين أيضا، وهي الأوقاف التي استولت عليها فرنسا منذ الاحتلال، وطالب العلماء منذ مايو 1950 بإنشاء مجلس إسلامي أعلى مؤقت يتكفل (بالتعاون مع رؤساء الجمعيات الدينية الجديدة المنتخبين) بإدارة الأوقاف والموارد الرئيسية الضرورية لأجور الموظفين الدينيين، وقد ظلت هذه القضية تراوح مكانها إلى اندلاع الثورة، وكانت من القضايا التي زادت في بعد المسافة بين العلماء والإدارة، ومهما كان الأمر فإن العلماء لجأوا بعد فشلهم إلى إنشاء المساجد الحرة التي انطلقوا منها في دروس الوعظ والإرشاد وهي مشيدة بأموال أنصارهم، وقد نجحوا في ذلك نجاحا كبيرا (3).

أما المجال الآخر الذي نشط فيه العلماء ونجحوا فيه فهو نشر اللغة العربية والدفاع عنها، بالإضافة إلى أنهم طوروا الصحافة العربية وأسهموا في حركة الطباعة العربية، وكلها كانت مظاهر لنهضة تعليمية وأدبية واضحة، وإليك بعض الإحصاءات الأخرى عن عدد المدارس والتلاميذ الذين تشرف عليهم جمعية العلماء ابتداء من 1947، ففي هذا التاريخ كان عدد التلاميذ حوالي عشرين ألفا وعدد المدارس حوالي تسعين مدرسة، وفي التاريخ المذكور افتتحوا، كما سبق، معهد ابن باديس الذي كان يضم حوالي 700 تلميذ يتأهلون فيه للالتحاق بجامع الزيتونة.

وفي سنة 1954 أعلنت الجمعية قائمة بمدارسها فإذا هي 124 مدرسة وعدد معلميها 274 معلما، ولكنها في سنة 1954 أعطت رقم أربعين (40) ألف تلميذ، بينما الإدارة الفرنسية تضع الرقم في حدود 22000 تلميذ، أما في سنة 1955 فقد كان العلماء يملكون 181 مدرسة منها 58 مدرسة ذات تعليم راق ولكن عدد التلاميذ انخفض إلى 11000 تلميذ، وكان برنامج التعليم عند العلماء يكاد ينحصر في مواد اللغة العربية والدينية، بينما أهملت تقريبا المواد العلمية، ومن فضل هذا التعليم أنه يكون شبابا طليق اللسان والقلم في اللغة العربية واستعمال ما سماه آجرون باللغة العربية الحديثة (4).

عرج الشيخ الإبراهيمي على فرنسا في طريقه إلى المشرق سنة 1952، وبالإضافة إلى ما أعلن عن اتصالاته بالقادة العرب وحضور نشاط ثقافي كانت تقوم به منظمة اليونسكو فإن تفقد أنشطة الجمعية في باريس كان على رأس أولوياته، وربما كان العلاج من بينها أيضا، كان الإبراهيمي قد أشار في خطبته في سينما دنيا زاد في نوفمبر سنة 1951 إلى أن نشاط الجمعية في فرنسا ليس على ما يرام، ذلك أن أكثر من مائة ألف مسلم كانوا يعيشون بدون إسلام ولا عروبة، ولم يسافر الإبراهيمي إلى فرنسا وحده بل صحبه إليها نائبه أيضا فوجدا استعدادا من الجالية، وقد مهدا الطريق لشراء مركز للجمعية في باريس ولكننا لا نعرف عن دوره الكثير (5).


الهوامش:

(1) المنار، أكتوبر، 1951.

(2) محضر اجتماع جمعية العلماء بنصبه في كتابا أبحاث وآراء، ج 2، ط 4، بيروت، 2005.

(3) شارل روبير آجرون، تاريخ الجزائر المعاصرة، ج 2، ص 581 - 582.

(4) آجرون، نفس المرجع، ص 582.

(5) أنظر سابقا.

آخر التغريدات: