الأسلوب من عاشور الخنقي إلى الإبراهيمي

بقلم: أبو الاسم سعد الله-

تحاصر الإيراهيمي مع عاشور الخنقي فترة من الزمن ولكن عاشور أكبر منه سنا، وقد توفي في أغلب الظن خلال الثلاثينات. وفي الوقت الذي كانت فيه شهرة الخنقي ذائعة بسبب مسألة الأشراف كان الإبراهيمي تلميذا في زاوية ابن علي الشريف بآقبو، أو مراهقا في معاهد سطيف. ولم يكن (منار الإشراف) قد طبع عندما هاجر الإبراهيمي إلى الحجاز، سنة 1910(1)، ولكن قصائد عاشور وقصته مع ابن مهنة واعتقاله ونفيه كلها كانت معروفة عند المتعلمين والمتأدبين، أمثال الإبراهيمي ولا سيما في دوائر الزوايا حيث مسألة الشرف كانت مسألة حساسة. كما أن زاوية الهامل كان لها ضلع في دفع عاشور إلى الدفاع عن الأشراف، وقد أقر عاشور نفسه بذلك. وكانت عائلة ابن علي الشريف ممن يهمها الأمر أيضا لأنها تقول إنها من الأشراف.

وكان الإبراهيمي قوى الحفظ وربما حفظ بعض أشعار الخنقي في الموضوع نفسه قبل سفره إلى المشرق. وقد سمعت الإبراهيمي يشيد بشعر عاشور وقوة عارضته لولا أنه استعمل قلمه كما قال، في موضوع لا طائل تحته.

لم يكتب عاشور الشعر فقط، وإنما كتب النثر أيضا رغم أن نثره قليل. وهو الذي يهمنا هنا. ومنذ أحمد بن عمار في آخر العهد العثماني لا نعرف أن أديبا كتب بأسلوب قوي كأسلوبه، سوى عاشور الخنقي. ورغم سلسلة الأسماء الدينية والأدبية التي عرفتها الجزائر بين 1830 - 1880، فإننا لا نعرف اسما كتب صاحبه بنفس القوة البلاغية التي تميز بها عاشور. وسواء في ذلك الذين درسوا في الجزائر أو خارجها. وقد كنا عرفنا أن عاشور ولد في خنقة سيدي ناجي، وتربى في بيئة عربية، ولكنه كان يتيما وفقيرا معدما. وظهرت موهبته في الحفظ مبكرة فحفظ القرآن في خمسة أعوام ونصف. وكان شيوخه في ذلك ثلاثة من الأشراف حسب قوله. وهو كما قال أيضا، من قبيلة البوازيد الهلالية الشريفة. وكانت الخنقة نفسها مدرسة نافقة في العلم قبل الاحتلال، ولكن العلم صوح فيها، حسب تعبير الخنقي، أثناء حداثته، فنصحه أحد شيوخه بطلبه في زاوية نفطة التي أنشأها مصطفى بن عزيز. وقد جمعت بين عاشور وهذه الزاوية الطريقة الرحمانية الخلوتية أيضا.

لا نريد أن نكرر ما كتبناه عن عاشور الخنقي في فصل آخر، وإنما نقصر القول الآن على أسلوبه الثري.

قد تعلم على شيوخ زاوية نفطة الجزائريين والتونسيين. وتعهد لشيخه، مصطفى بن عزوز، بأن لا يقبل وظيفا رسميا. ولما رجع إلى الخنقة بعد وفاة شيخه بعام واحد (1286)(2) لم يجد فيها ما يتعلق به رغم أنه كان (يتعهد معاهد العلوم الرسمية ويزور مزارات العلوم الفقهية) فتأسف على اندراس العلوم في الخنقة. وأدركته الفاقة والإذاية أيضا فأنشد قول الشاعر:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر

ولم تحدثه نفسه فيما يبدو، بالرجوع إلى تونس أو الهجرة إلى المشرق، كما فعل غيره، وإنما شد رحاله إلى قسنطينة حاضرة الأقليم الشرقي. منشدا مع الشاعر:

إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقارب

وعندما حل عاشور بقسنطينة كانت فيها جماعة من الأعيان وعلى رأسهم المكي بن باديس. وكان هؤلاء الأعيان متوظفين عند الدولة الفرنسية في مختلف الوظائف الدينية والقضائية والتعليمية والإدارية. وكان الشيخ محمد الشاذلي. هو مدير المدرسة الكتانية، وهو بوزيدي الأصل، مثل عاشور. ولكننا لا ندري العلاقة الشخصية بينهما. وفي 1867 فتح الفرنسيون فرعا للمدرسة السلطانية في قسنطينة، وكانت مزدوجة التعليم وتحت إدارة أوبلان، وكان شيربونو على رأس الحلقة العربية والدراسة الاستشراقية وهو أحد عيون فرنسا على فئة المثقفين بالعربية. وما دام عاشور قد مهد بعدم التوظف فإنه ظل يلقي دروسا حرة في الزوايا والمساجد المعزولة. وكان فيما يبدو متمردا ومندفعا ودخيلا على مجتمع المدينة. وذلك لا يروق الفرنسيين ولا فئة الحضر. ومن ثمة نفهم شكواه من أنهم (حسدوه) على علمه وأغروا به السلطات الفرنسية وربما هي التي حرضت عليه وتوجس منه رجالها. ورغم إقبال الناس عليه وتزاحمهم على دروسه في البداية، كما قال، فإنه سرعان ما واجه معارضة شديدة من أشباه العلماء الذين سعوا به إلى الفرنسيين حتى أخرجوه من جميع المساجد، وهددوه حتى بالقتل!. فتوقف عن الدروس وبقي كاسف البال فقير الحال، عدة سنوات(3).
كان عاشور في قسنطينة أثناء ثورة 1871، وقد اجتمع بالشيخ الحداد في سجن قسنطينة وحضر وفاته. وكان من أنصار دعوته وطريقته الرحمانية. وعاش في قسنطينة طويلا (حوالى ربع قرن). عرف أثناءها بداية عهد العرائض والمطالب، وحلول عبد القادر المجاوي بقسنطينة معلمار حرا ثم موظفا رسميا في المدرسة الكتانية. وظهور علماء آخرين أمثال حمدان الونيسي، وحميدة بن باديس، وصالح بن مهنة. وقد وجدناه يتعرض بالنقد الشديد للمجاوي وابن مهنة، دون الآخرين، الأول كمدرس منافس له والثانية كمنتقد لعصاة الأشراف(4). ولا نعرف أن عاشور ساهم في جريدة المنتخب التي ظهرت سنة 1882 في قسنطينة، ولا في جريدة المبشر الرسمية التي كان يكتب فيها بعض أدباء قسنطينة أمثال مصطفى بن السادات. ويبدو أن عهد الكتابة عنده قد بدأ في الثمانينات فقط.

ويظهر أسلوبه النثري في مقدمات ديوانه منار الإشراف، وفي نقده لحالة العلم واللغة والأدب التي عليها الأدباء، وفي رسالته عن البوازيد. وجاء في ديباجة منار الإشراف أنه سلك فيه (سبيل الجزالة والسهولة والعذوبة والانسجام، أولا تطريبا لأعلام العلماء الأعلام، وثانيا، تقريبا لإفهام الطلبة والعوام. وثالثا تدريبا على سلوك الحكمة الحقة التامة: البلاغة مارضيته الخاصة وفهمته العامة. ورابعا عملا بوارد الحديث ... خاطبوا الناس بما يفهمون). وقد انتقد عاشور أسلوب أهل العصر الجديد لما فيه من التكلف، حسب تعبيره. (فليت شعري أين أهل العصر الجديد، من أرباب المعلقات السبع الصناديد، وفرسان الفصاحة والبلاغة أهل الأسجاع والأناشيد؟)(5) ونحن نفهم من ذلك أن عاشور كان يميل إلى أسلوب التراث ولا يرضى بأسلوب المتأدبين الجدد. ولعله يقصد أولئك الذين يكتبون بالطريقة التي شاعت في صحف المشرق. أما أساليب الجزائريين فقد ظلت محافظة وضعيفة من جهة أو متأثرة بالتعابير الاستشراقية من جهة أخرى. فنقده للأسلوب الجديد وتفضيله الأساليب البلاغية القديمة يذكرنا أيضا بنقد الإبراهيمي لأساليب معاصريه وميله هو (الإبراهيمي) إلى طريقة القدماء اليت كانت مخزونة في حافظته، كما سنرى.

استعمل عاشور السجع في كتابته، ولكن قوة تمكنه من اللغة والأدب جعلته غير متكلف في سجعه خلافا لضعاف المواهب الذين سرعان ما تنكشف ضحالتهم ويتعرى نقصهم من الجملة الأولى. أن تراكيب عاشور اللغوية متماسكة وجزلة رغم المسحة القديمة التي عليها. ونثره مليء بالحكمة والإشارات الأدبية، وهو يستمد قوته من المحفوظات والقوالب التراثية، ولكن شخصيته ظاهرة فيه، فهو ليس مجرد مقلد أو ناقل، بل حاضر الفكر قريب المعاني من الواقع. يقول عن الذين تناسخوا شعره أثناء اعتقاله حتى أفسدوه عن قصد أو دون قصد: أنه هرب به إلى المطبعة خوفا. عليه (من كتابة عوج الأيدي وهوج الأضع) فالألفاظ هنا قديمة ولكن استعمالها لتبرير الهروب إلى حروف المطبعة بدل النسخ اليدوي استعمال جديد.

وفي منار الإشراف أيضا رسالة لعاشور في شجرة الشرف صاغها بالسجع. وقد ضمنها ما عثر عليه من الوثائق والكتب المتعلقة بالأنساب. وأورد لذلك الأحاديث والآيات والنقول. وقال: (هذه رسالتنا النثرية السجعية المسماة مقدمة الشجرات الشرفية، فينبغي لكل من له شجرة في الشرف الفاطمي الخاص أو في الشرف الهاشمي العام، أن يجعلها مقدمة شجرة نسبه بعد الثبوت التام، حتى تكون لها تحفة من أحسن التحف، وطرفة من أكمل الطرف، في بيان فضل الشرف وما خصه به الله من اللطف، وهي هذه، عائذة بالله خير معاذه). وتعتبر الرسالة من أجمل الكتابات النثرية في ذلك الوقت رغم تحليتها بالسجع. وهي طوية وتقع من صفحة 130 إلى صفحة 156 من منار الإشراف. وتاريخ كتابها هو سنة 1909.

ولعاشور رسالة أخرى في البوازيد لا نعرف أنها قد نشرت. تحدث فيها عن أشراف البوازيد وفروعهم ومكانتهم في التاريخ. وأشار إلى بعض قصائده. وهاجم فيها ابن مهنة، كعادته. وتميزت بطابع الحزن والأسى لأنه فيما يبدو ألفها أثناء سجنه وابتلائه بسبب مواقفه التي اشتكى منها بعض الناس للسلطات الفرنسية. وقد يكون وجهها إلى أحد تلاميذه ومعارفه إذ حمله فيها السلام إلى (مولانا ابن علي الشريف) وطلب من سائله أن لا ينساه من دعائه (في خلواتك وجلواتك بالسراح الجميل من هذا الثقاف (السجن) المضروب علي بموجب الذب على حرم الأشراف، وبقضاء الحاجات، إن ربك قريب مجيب الدعوات). ويبدو أن الرسالة طويلة، ولكن ما بقي منها واطلعنا عليه لا يتجاوز اثنى عشر ورقة (23 صفحة)(6).

وفي الوقت الذي كان فيه عاشور يعاني الحرمان المادي والإرهاق النفسي، بسبب قلمه وطول لسانه، كان الإبراهيمي قد هاجر إلى الحجاز ملتحقا بوالده الذي سبقه إلى هناك. كان الإبراهيمي قد تكون في زاوية ابن علي الشريف من جهة وعلى يد عمه من جهة أخرى. ثم اتصل في مصر أثناء سفره ببعض الشيوخ مدة ثلاثة أشهر. ومنها توجه إلى المدينة حيث وجد التدريس تقليديا إلا عند شيخ أو اثنين، ومنهم أحد مشائخ تونس، اسمه محمد الوزير، ثم أحد علماء الهند. وبعد ثورة الشريف حسين (1916) أجبره الأتراك مع عرب آخرين على التوجه إلى سورية مع عائلته. وقد قال إنه كان ضد هذه الثورة التي اعتبرها (مشؤومة)، واستجاب لدعوة العثمانيين بنقل سكان المدينة إلى دمشق بعد أن تعذر نقل الغذاء إليهم لظروف الحرب. ولكن الإبراهيمي لم يكن مواليا للعثمانيين أيضا. فمن جهة رفض وظيفة عرضها عليه جمال باشا، والي دمشق العثماني، ومع ذلك فإن هذا الوالي لم يضطهده كما اضطهد مثقفي وزعماء الحركة القومية في سورية. ومن جهة أخرى كان الإبراهيمي يعرف الأمير فيصل بن الشريف حسين الذي دخل دمشق على رأس الجيش العربي بمساعدة الإنكليز. وقد عرض عليه فيصل بعض الوظائف الرسمية فاعتذر أيضا. واكتفى بالتدريس في الجامع الأموي وفي بعض المدارس الرسمية.

وبعد دخول سورية تحت طائلة الانتداب الفرنسي وطرد فيصل من سورية، اختار الإبراهيمي الرجوع إلى الجزائر. ولم يذكر هو سبب رجوعه: هل كان لأسباب سياسية أو عائلية أو مادية؟ ففرنسا كانت في الجزائر وها هي الآن في سورية. وقد انتهى الحكم العثماني والحكم العربي في سورية. وقد أحس بعض الجزائريين بالحرج من الانتداب الفرنسي وهو في سورية، فقد كان منهم الأعداء الألداء لفرنسا وهم أحفاد المهاجرين الأوائل، غير أن بعضهم رأى الاستفادة من الوجود الفرنسي بعد أن أعلن الفرنسيون أنهم كانوا يحمون (رعاياهم) الجزائريين. ومن جهة أخرى نعلم أن الإبراهيمي كان على صلة بالشيخ ابن باديس منذ لقائهما في المدينة المنورة سنة 1913، وكان لهما مخطط سري يقتضي العمل المشترك لإنشاء حركة إصلاحية - تعليمية في الجزائر.

ومهما كان دافعه في الرجوع إلى وطنه سنة 1920، فإن الإبراهيمي لم يجد طريقا مفروشة بالزهور. وقد ظل سنوات وهو يعاني الحرمان كما عاناه الشيخ عاشور. فلا وظيفة ولا تجارة ولا تدريس. يقول الشيخ الإبراهيمي عن نفسه إنه تظاهر لفرنسا بالتجارة منعا للشك فيه. ولكن السلطات الفرنسية كانت ربما لا تخفى عليها خافية. وأية تجارة؟ إنها عملية بسيطة تتمثل في شراء بعض الأشياء كالبرانيس والشحوم ثم بيعها للناس بالتقسيط. ولكن أمثال الإبراهيمي لم يخلقوا للتجارة، فمن أين كان يعيش؟ لقد قيل إن أسرة ابن علي الشريف قد اتصلت به وحاولت منحه وظيفة مدرس في زاويتها ليعيش منها. وقيل إنهم قد عرضوا عليه وظيفة مفتي في بجاية، وهو وظيف لا تمنحه إلا إدارة الشؤون الأهلية وتوقيع الحاكم العام. ولكن شيئا من ذلك لم يتم. إنها مجرد محاولات وربما جس نبض أمام ضغط الحاجة المادية.

أما الثابت فهو أن الإبراهيمي قد وجد صديقه ابن باديس قد هيأ الجو النفسي في الشعب بنشر التعليم منذ 1914 وتخريج التلاميذ. ولكننا لا نعرف أن الإبراهيمي قد أسس مدرسة خلال العشرينات ولا واظب على محاضرات ودروس في مسجد معين. وأول لقاء معروف بينه وبين ابن باديس كان سنة 1924(7). وهو الاجتماع الذي كان في سطيف والذي وقع فيه نقاش حول تأسيس رابطة أو جمعية علمية، سماها الإبراهيمي جمعية الإخاء العلمي، وهي تسمية تذكرنا بجمعية الإخاء العربي التي كانت في المشرق تدعو إلى القومية العربية، وكان فيصل من أعضائها (وربما كان الإبراهيمي أيضا؟).

حدث ذلك اللقاء بين ابن باديس والإبراهيمي، ولكنه لم يسفر عن اتفاق لأن الفكرة لم تنضج بعد. وكان الجو السياسي أيضا غير مهيء، لأن السلطات الفرنسية قد نفت الأمير خالد سنة 1923، وأخذت تتهيأ للاحتفال بالاحتلال من مركز القوة دون اعتبار لمشاعر الجزائريين. وعلى إثر ذلك الاحتفال ولدت جمعية العلماء المسلمين، وانتخب الإبراهيمي نائبا لرئيسها. وهو أول منصب بارز يتولاه منذ رجع إلى الجزائر. ثم ترقى الإبراهيمي في المسؤوليات فتولى الدعوة الإصلاحية في غرب البلاد، ومركزه تلمسان، منذ 1932، ولعب دورا أساسيا في المؤتمر الإسلامي سنة 1936، ثم في إنشاء دار الحديث بتلمسان والاحتفال بها سنة 1937، وقد اعتقلته السلطات الفرنسية ونفته إلى آفلو (في وضع شبيه بنفي عاشور أيضا مع اختلاف الأسباب طبعا) سنة 1940. ولكن الحلفاء أطلقوا سراحه أوائل سنة 1943، وكان الإبراهيمي قد انتخب غيابيا رئيسا لجمعية العلماء خلفا لابن باديس الذي توفي في أبريل 1940. وبعد حوادث 8 مايو 1945 اعتقل الإبراهيمي وسجن في سجن الكدية بقسنطينة ولم يطلق سراحه إلا بعد العفو العام سنة 1946 . ومنذئذ تولى تسيير الجمعية وتحرير البصائر وقيادة الحركة العلمية بما فيها المدارس ومعهد ابن باديس. وفي فاتح 1952 توجه الإبراهيمي إلى المشرق للدعوة إلى فتح معاهد الشرق في وجه تلاميذ الجمعية وجلب المساعدات المادية لها. وقد اندلعت ثورة نوفمبر وهو في المشرق فظل يدعو لدعم الثورة في العالم العربي والإسلامي إلى الاستقلال الوطني. وقد رجع إلى الجزائر سنة 1963 (8).

لا يعنينا هنا نشاط الإبراهيمي في ميدان السياسة والإصلاح والصحافة، ولكن يعنينا دوره في اللغة والأدب. فقد كان أديبا فذا قلما أنجبت الجزائر مثله في العقود الأخيرة. وإذا اعتبرنا بالجو الثقافي الذي كان سائدا أثناء ميلاده وطفولته اعتبرناه (وحيد زمانه) كما يقول القدماء. وتمتع الإبراهيمي بحافظة نادرة، وحب للأدب العربي القديم. فنهل من حياضه ما شاءت نفسه وطموحه. حفظ دواوين الشعراء ومتون اللغة وخزائن الأدب والشواهد. ولذلك بهر المعاصرين في المشرق والمغرب بحفظه واستحضاره ذخائر التراث. وقد ظهر ذلك على لسانه وقلمه. لم يؤلف الكتب لأن وقته كان مكرسا، كما قال، لتكوين الرجال، وهم التلاميذ في الأدب والخطباء في النوادي، والأنصار في المجتمع. وحين أجبر على الإقامة في آفلو قضى وقته في نظم الأراجيز ووضع الأسجاع وتأليف القصص الغريبة مثل رسالة الضب، وكاهنة الأوراس، والأدباء الثلاثة. ولما رجعت البصائر سنة 1947 تولى تحريرها وكتب فيها المقالات الطوال في شؤون الحياة والدين والسياسة، ولكن بعضها كان نماذج من الأدب الطلي الذي تكلف فيه الإبراهيمي وخرج به عن مألوف المقالة العادية. وقد اختار هو ما رآه خالدا من تلك المقالات لما فيها من قيم بلاغية وأخلاقية وأدبية ونشرها تحت عنوان (عيون البصائر) (9)، وهي عيون لا من حيث موضوعاتها الهامة فقط ولكن من حيث أسلوبها النادر الجميل.

ومن مساهماته في هذا الميدان مقالاته القصيرة التي نشرها تحت عنوان (سجع الكهان). وهي قطع من الأدب الصرف رجع فيه إلى أساليب العرب القديمة في صوغ السجع على لسان الكهان، واستعاد فيه صفاء اللغة وإشراق الأسلوب مع معالجة موضوعات حديثة. وكان كثير من التلاميذ في المدارس والمعلمين وهواة الأدب الراقي يحفظون تلك الأسجاع عن ظهر قلب ويتهادون بها ويقلدونها، لطرافتها وجمالها وارتباطها بالحياة المعاصرة، مثل القطعة التي تناول فيها الحالة في اليمن عندئذ. والغالب أن الإبراهيمي كان لجأ إلى هذا الأسلوب عندما يريد الابتعاد عن الطريقة المباشرة فيستعمل الرموز ويدير الكلام بالتوية على لسان كاهن من أهل الحي، أو هو كاهن الحي نفسه، كما كان يطلق عليه.

وهناك مقالات عادية ولكنها تميزت بأسلوب أدبي دافق. ونشير هنا إلى مقالاته عن الشباب الجزائري كما تمثله له الخواطر. ومقالته عن إضراب طلبة جامع الزيتونة، ومقالته في عبد الحي الكتاني، وغيرها.

ومنذ سافر إلى المشرق سنة 1952 زار عدة بلدان عربية وإسلامية. وكان لا يكاد يجد وقتا لتحرير المقالات التي تشنف القراء في الجزائر وغيرها، إما لابتعاده عن أوضاع البلاد وإما لكثرة أشغاله وتنقلاته وزواره، وإما لتقدم السن به ومعاناته من بعض الأمراض. ولكنه لم ينقطع عن البصائر إذ كان يرسل إليها بين الحين والحين مقالات نموذجية سماها (من نفحات الشرق) ومنها مقالة بعث بها من باكستان.
وكانت كتاباته التي جادت بها قريحته بعد توقف البصائر (1956) تدل على مواصلة قلمه مسيرته الأدبية الطويلة. وقد ظهرت هذه الكتابات أخيرا. في كتاب جديد (10). وهو يضم نماذج من أدبه القوي الذي ساهم به في معركة التحرير وخاطب به الأدباء العرب في المشرق. مثل مقالته عن حرية الأديب وحمايتها، ومن وحي العيد، وعن شعر شوقي.

لقد استحق الإبراهيمي التقدير الكبير على أدبه من المعاصرين. فانتخب لمجمع اللغة العربية في القاهرة وفي دمشق. ونوهت به النوادي في تونس والجزائر والعراق وغيرها. وبقدر ما كان أدب عاشور الخنقي حجة على استمرار ومقاومة اللغة العربية وأسلوبها الراقي، رغم اعتبارها أجنبية في بلادها، بقدر ما كان أدب الإبراهيمي حجة أخرى على نبوغ الجزائري في التراث ودفاعه عن الأصالة. وخلافا لعاشور كان الإبراهيمي واسع الجمهور كثير الأنصار والمعجبين، وكان بعيد التأثير في الجزائر والمشرق.
ورغم مكانة الإبراهيمي الأدبية في المغرب والمشرق فإن المستشرقيين الفرنسيين وتلاميذهم من الجزائريين لم يعترفوا بأدبه ولم ينوهوا به في كتاباتهم. فالمستشرق هنري بيريز كتب سنة 1957 بحثا عن (الثقافة العربية الكلاسيكية في الجزائر) اكتفى فيه بذكر الأمير عبد القادر، رغم أن ثقافة الأمير لا ترجع في الحقيقة إلى العهد الفرنسي، وتجاهل دور ابن باديس والإبراهيمي وغيرهما من أدباء وشعراء (11). ومن وجهة أخرى كتب سعد الدين بن شنب مقالة في مجلة (الأديب) اللبنانية، وأعاد نشرها في مجلة (هنا الجزائر) تناول فيها حالة الأدب العربي تحت عنوان (اللغة العربية والأدب العربي في الجزائر) فلم يدرج الأدباء الجزائريين الذين رفعوا رأس اللغة والأدب العربي واكتفى بذكر نماذج من النوع الذي ترضى عنه السلطات الفرنسية (12). ولكن ابن شنب كتب عن الشاعر محمد العيد وترجم بعض شعره (13). أما الإبراهيمي وأمثاله فلم يذكرهم، ربما خوفا من سخط الإدارة.


 

الهوامش:

1- الشائع أن الإبراهيمي هاجر سنة 1910، ولكننا وجدنا أن التاريخ هو 1911، كما جاء في الجزء الخامس من آثاره.

2- توفي الشيخ مصطفى بن عزوز سنة 1285 (1865)، فيكون حلول الشيخ عاشور بالخنقة حوالي 1866 وبقسنطينة حوالي 1867.

3- انظر حياته العائلية في فصل الشعر.

4- تعرضنا لذلك في ترجمة عاشور.

5- عاشور الخنقي (منار الإشراف) ط. الجزائر، 1914، ص 130 - 156.

6- ألفها وهو في خنقة سيدي ناجي سنة 1317، ولعله كان هناك تحت الإقامة الجبرية. وجاء فيها أنه كليب الهامل ومولى البوازيد وشاعر الأشراف، خادم العلم الشريف وأهله. والرسالة غير مذكورة في (منار الإشراف). أطلعني عليها الأخ علي أمقران السحنوني في 8 غشت 1980. فهل وجه الرسالة إلى الشيخ محمد السعيد بن زكري وعن طريقه إلى ابن علي الشريف؟ وهل هذه المراسلة هي التي أدت إلى إطلاق سراحه بتدخلات هذين الشيخين؟.

7- ذكر الإبراهيمي أنه أثناء رجوعه إلى الجزائر عبر تونس لقي بها ابن باديس، كما اجتمع به في قسنطينة وهو في طريقه إلى سطيف. انظر سيرته الذاتية (أنا) في مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، عدد 21، 1966، وانظر أيضا الجزء الخامس من آثاره.

8- توفي الإبراهيمي في مايو، سنة 1965 بالجزائر. وترجمته متوفرة في عدة مصادر منها آثار الشيخ الإبراهيمي التي تضم مقالاته. وكتاب (في قلب المعركة)، الجزائر، 1993. وقد ترجم هو لنفسه ونشرت الترجمة في عدة مطبوعات، منها (الثقافة) ومجلة المصور المصرية، وحديثه إلى مجلة جمعية الشباب المسلمين (مصر). انظر أيضا بحثنا عن الإبراهيمي، في الوثائق الإدارية، 1932 - 1940، في كتابنا أبحاث وآراء ج 3.

9- ط. أول مرة في مصر، 1963، وأعيد طبعه عدة مرات. انظر أيضا (آثار) الشيخ الإبراهيمي، وهي في أجزاء. وقد جمعت من قبل بعض أصدقائه وتلاميذه وبإشراف ابنه. ومن ضمن كتاباته مقالته (تعريب المدرسة أساس كل تعريب) نشرت بعد وفاته في مجلة (اللسان العربي) عدد 4، 1966، ثم أعيد نشرها في كتاب (في قلب المعركة).

10- نعني به كتاب (في قلب المعركة)، دار الأمة، 1993. وقد كتبت تصديرا لهذا الكتاب انظر أيضا تقديمنا للجزء الخامس من آثار الشيخ الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1997.

11- هنري بيريز (الثقافة العربية الكلاسيكية في الجزائر) في كتاب (المدخل إلى الجزائر) - بالفرنسية -، الجزائر 1957، ص 283 - 299.

12- سعد الدين بن شنب (اللغة العربية والأدب العربي في الجزائر) في مجلة (الأديب)، يناير، 1954، وكذلك في (هنا الجزائر) رقم 21، فبراير 1954.

13- نشر ذلك في الوثائق الجزائرية (التي تنشرها الحكومة العامة بالجزائر، عدد 7، 15 يوليو، 1946. وبعد أن عرف به في صفحتين ترجم له قطعتين هما: أين ليلاي؟ ويا رياض الجنى. وقد كتبت عن الإبراهيمي أديبا ومصلحا بعض الرسائل الجامعية في الجزائر والمشرق العربي.

آخر التغريدات: