منهج الإصلاح والتجديد في فكر البشير الإبراهيمي

أ.د. عماد عبد الرازق-

يعتبر الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1889-1965 م) أحد أئمة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث،ومن عايشــها واستمع إليه خطيبا ومحاضــرا، أو قرأ مقالاته،أدرك تمام الإدراك أننا أمام رجل مصلح يعرف ماذا يريد من إصلاح لوطنه وشعبه وأمتــه. والإمام البشــير الإبراهيمي هو رفيق النضــال لعبد الحميد بــن باديس في قيادة الحركة الإصلاحية في الجزائر، ونائبه ثم خليفته في رئاســة جمعية العلماء المسلمين، ولقــد تبنــى أفكار تحرير الشــعوب العربية من الاســتعمار، وتحرير العقــول من الجهل والخرافــات. كمــا أنه أحــد أئمة النهضــة العلمية في العالم الإســلامي، ورائــد من رواد الإصلاح والتجديد في الجزائر، كما يُعُّد من الأفذاذ المعدودين، فيعز أن تجد له نظيرا في العلم والعمل.

ونســتطيع أن نجمل مقومــات الفكــر الإصلاحــي والتجديــدي فــي فكــر البشــير الإبراهيمي في هذه النقاط

1- الإسلام والعروبة أساسا ومنطلقا.

2- الوحدة والحرية محور وهدفا.

3- العمل الجماعي ضرورة وشرطا.

4- الأمة العربيــة والإسلامية ساحة وميدانا.

أولا: الإسلام والعروبة (أساسا ومنطلقا)

كان الإسلام هـو المرجعية الوحيدة للإبراهيمي وجماعتـه، وهـو أمر طبيعي لا غرابــة فيه، بل الغريب أن تكون لــه مرجعية أخرى غير الإسلام. فالرجل عالم مسلم حفظ القــرآن منــذ صبــاه، وقــرأ الحديــث ودروس التوحيد والفقه، ولكن الســؤال المطروح: ما هو الإسلام الذي يؤمن به الشيخ ويدعو إليه؟ إنه ليس الإسلام الذي شابته شــوائب الأزمنة والأمكنــة، فكدرت صفــاءه، إنه ليس إسـلام مذهب من المذاهب، ولا طائفة من الطوائف، إنه الإسلام الأول، إسلام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، إســلام الصحابة وتلاميذهم من الأخيار التابعين، إسلام التجديد لا الجمود، إسلام الحرية لا القيود. الإسلام الذي يتحدث عنــه الإبراهيمي دين التحرير العام؛ لأنه الحق الذي قامت شــواهده، وتواتــرت بيناته، ومن شــواهده وشــهوده تلك الأجيال التي صحبت محمــدا وآمنت بــه،واتبعت النــور الذي أنزل معه ثم الذين صحبوه(1).

ثــم يشــير الإبراهيمــي إلى أن الإســلام قد حرر العقل وجميع القوى التابعة له في النفس البشرية، والإسلام يعلو بتقدير العقل والفكر إلى أعلى درجة، ويقرر أن إدراك الحقائق العليا فــي الدين أو الكون إنما هو حظ العقول. ومن صور التحرير في الإســلام أنه حــرر الفقير من الغني، فجعــل للفقراء حقا معلوم في أموال الأغنيــاء، كمــا حرر الإســلام المــرأة من ظلم الرجــال وتحكمهــم، كذلــك حــرر الإســلام الحيــوان الأعجم من الإنســان،وحرمعليهأن يحمله مالا يطيق من الأحمال والأعمال.

ثانيا: ربط الإسلام بالعروبة:

إن الإســلام الــذي يدعــو إليــه الإبراهيمي مختلــط بالعروبــة اختلاط اللحــم بالدم، وهو عنده مركب كيماوي امتزج به العنصران كما امتــزج عنصــري الأوكســجين والهيدروجين فكونــا المــاء. والعروبــة التــي يدعــو إليهــا الإبراهيمــي ليســت عرقيــة ولا عنصريــة بل عروبة لغة وثقافة، وجوهرها اللســان العربي، وهــو الذي نزل بــه القــرآن. والعربية هي لغة الأذان والإقامة في الصلاة، والتلبية في الحج، كما أن القرآن عربي، ومحمد رســول الإسلام عربــي، وأصحابــه والذيــن آمنــوا بــه وعزروه ونصــروه واتبعوا النور الــذي أنزل معه عرب، حتــى من لم يكن منهم عربــي الأرومة والعرق فقد تعرب باللسان. ويرفــض الإبراهيمي أن يكون بيــن الإسلام والعروبــة أي خصومة أو انفصـال، ولطالما أبدأ الشــيخ وأعــاد وأجاد حول هــذه القضية ليقنع بهــا العقول ويحرك بها العواطف ويحفز بها الهمم.(2)

ويمكــن أن نصنــف أعمــال الشــيخ الإبراهيمــي تحــت محورين كبيريــن: محور الإصلاح الديني، ومحور الإصلاح الاجتماعي.

ويجب أن نلفت الانتباه إلى حقيقة مهمة وهي أن هناك تلازما ضروريا بين المحورين في فكر البشــير الإبراهيمــي من أجل تحقيــق النهضة بالبــلاد ثقافيــا، ويرى أن الإصــلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي.

المحور الأول: الإصلاح الديني:

يرى الإبراهيمي أن الهدف الأســمى والغاية العظمــى من هذا الإصلاح هو إرجاع المســلمين إلــى كتــاب ربهــم و ســنة نبيهــم صلى الله عليه وسلم، وربطهم بســلفهم الصالــح وماضيهــم المُشرّف؛ لأن حاضــر الأمة ومســتقبلها إذا لم يُبَن على جذور متينــةمن الماضي فلمن يثمر. لذا عمل الشيخ -رحمه الله- في هذا المجال على تحقيق ما يلي:

1- تحرير العقول من الضلالات والأوهام في الديــن والدنيا، وتحرير النفــوس من تأليه الأهواء والرجال، وفي ذلك يقول: «إن تحرير العقــول أساس لتحريــر الأبدان وأصل له، ومحــال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا،إن هذا النــوع من التحرير لا يقــوم به، ولا يقوى عليه إلا العلماء الربانيــون المصلحون، فهو أثر طبيعي للإصلاح الديني الذي اضطلعت بحمله جمعية العلماء»(3).

2- إصلاح عقائـد المسلمين وإرادتهــم لتصح عباداتهــم وأعمالهم؛ لأن العبادات هي أثــر العقائد كما أن الأعمال أثر الإرادات، فما انبنى منها على صحيح فهو صحيح، وما انبنى منها على فاسد فهو فاسد. ويقول الإبراهيمي فــي ذلــك: «إن فــي الفقــه فقها لا تصــل إليه المــدارك القاصــرة، هو لبــاب الديــن، وروح العقل،وعصارة ســنة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو تفسير أعماله، وأقواله، وأحواله، ومآخذه، ومتاركه، وهو الذي يجلب لهم عز الدنيا والآخرة، وهو الــذي نريد أن نحييــه في هذه الأمــة فتحيا به ونصحح به عقائدها، ونقوم به فهومها فتصح به عباداتها وأعمالها»(4).

3- إصــلاح مــا أفســده التعصــب المذهبي، والجمــودالفقهي، والاقتنــاع والرضا بالتقليد، وهــو ما أبعــد المســلمين فــي رأي الشــيخ عن الدين الحق، ورمى بهــم إلى مؤخرة الركب بين الأمــم، وذلك بالرجوع بهم إلى المورد الصافي النقي والمنهل العذب الزلال المتمثل في كتاب االله وســنة رســوله صلى الله عليه وسلم وفــق الطريقــة التي ســار عليهــا الســلف. وفي هــذا الإطار يقول الشــيخ الإبراهيمــي: لــو أن فقهاءنــا أخــذوا الفقــه من القرآن، ومن الســنةالقولية والفعلية،ومن عمل الســلف أو من كتب العلماء المســتقلين، لكان فقههم أكمل، وأثاره الحسنة في نفوسهم أظهر.

المحور الثاني: الإصلاح الاجتماعي:

من أهم القضايا الاجتماعيةالتي تناولها الشـيخ الإبراهيمي قضية التعليم؛ لأنه هو مادة الإصلاح وأصله، فاهتم بإصلاح التعليم في داخل الوطن وخارجه، فكان من أعماله السعي لإنشاء المدارس الحرة، والمعاهد، وإرســال بعثات من الطلبة المتخرجين منها لاستكمال تحصيلهم؛ ولهذا يقول: «وجمعية العلماء تعتقد أنه لا يتم إصلاح التعليم في الداخل إلا إذا تم إصلاحه في الخــارج، فالتعليم فــي الخارج هــو الذي يغذي التعليــم الداخلــي بالمعلمين، ومحــال أن ينال التعليــم الداخلــي خيرا من معلميــن يتخرجون مــن المقاهي. إن جمعيــة المعلميــن مصممة علــى أن تحوط التعليم في الخارج برقابة تمدها علــى التلاميــذ ونصائح تشــتد فيهــا لينقطعوا إلى العلم، وليضعــوا بين أعينهم الواجب الذي ينتظرهم في وطنهم وهو التعليم»(5).

ثالثا: الأخلاق عند الإبراهيمي:

يعتبــر الإبراهيمــي الأخــلاق هــي جوهــر أي مشــروع ينهــض بالأمــة نحــو الســؤدد، فبتلاحم الأخلاق القويمة والعلم القوي النافع تســتنهض الهمم وتتفوق الأمم، وليس يعني الإبراهيمــي هنــا الأخــلاق الســطحية الفجة، التي ســرعان مــا يأفل نجمهــا ويضيع معناها ويضمحــل وميضهــا، بل يحث علــى ضرورة التحلي بالأخــلاق العميقــة الوجدانية القابعة في ملكــوت قلوبنا الطاهــرة المخلصة؛ لأنها الدعامــة المتينــة للديــن القويــم، ويجــب أن يفعــل هذا الإصــلاح بالخصوص في مدارســنا وفضاءاتنــا العموميــة، وبالخصــوص فــي المدرســة؛ لأنها على حد توصيف الإبراهيمي جنة الدنيا والســجن نارها، والأمة التي لا تبني المــدارس تبنــى لهــا الســجون؛ لأن الإصلاح الاجتماعــي إذا لم تدعمه المــدارس عن طريق المعلميــن والمربيــن دعمتــه الســجون فــي مراكز إعــادة التأهيل والتربية،وحينها يتحور المغــزى ويضيــع الهــدف والبغيــة الحصيفة لسؤدد المجتمعات، ونبذ الرذيلة، والسقوط في الهاوية»(6).

رابعا: التربية عند الإبراهيمي:

التربيــة في نظر المربين هي جهد إنســاني هــادف، يوجــه لرعايــة الفــرد والمجتمــع، ويســعى لبناء الفكــر وتثقيف العقــل وتقويم الســلوك وتنميــة المواهــب، والتربيــة فــي منظــور الإبراهيمي لا تخرج عن هذه المعاني، فهــو ينظر إلــى الجهــود التي يبذلهــا العلماء والمعلمــون والمســئولون عــن رعايــة أفــراد المجتمــع مــن وراء هــذه الجهــود هــو إعداد الأفــراد للحيــاة الحاضــرة والمســتقبلية،من خــلال الدعــوة الى بنــاء عقولهم ونفوســهم، وتنميــة مواهبهــم الفطريــة وتنشــئتهم علــى صحة الإدراك ودقة الملاحظة. ونستخلص من هذه النظرة عددا من أقواله، منها قوله المتعلق بحقوق الجيل الناشــئ: «للجيــل الآتي علينا حقــوق أولية مؤكدة، لا تبــرأ ذمتنا منها عند الله، إلا إذا أديناها كاملة غير مبخوسة»(7)

ويوضح في هذا السياق مضمون الإعداد، فيعــدد المجــالات التي ينبغي التركيز عليها مــع المعلميــن، هــذه المجــالات تتمثــل في الأخــلاق، والآداب، والأفــكار، والاتجاهات، هــذه الجوانب التي تشكل التــراث الفكري والقيمــي، أو الأمتعــة -كمــا يســميها- تلك الأمتعة التي يرثها جيل عن جيل ومنها يتكون ويتشكل مزاجه، وتتحدد شخصيته وأفكاره. والســبيل التي يرغب المجتمــع في نقلها إلى أجيالــه هي المدرســة التــي تؤسســها جمعية العلمــاء، تلك المدرســة التي تعبــر عن ذاتية الأمة، وتجسد مقوماتها، وترتكز في برامجها على الأصول الحضارية والثقافية التي نشــأت الأمــة في كنفها. المدرســةالتي تقــدم تعليما عصريا يســاير العصر وقوتــه ونظامه، تعليما عليه طابع الأمة وفيــه أثر جهودها، وله ما لها من روح، وعليه ما عليها من سمات(8).


الهوامش:

1- آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتحقيق: أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، خمس مجلدات، بيروت، 1967، ص356.

2- جريدة عيون البصائر، العدد13، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 1947، ص32.

3- المرجع السابق، ص35.

4- عيون البصائر، ص203.

5- عيون البصائر، ص: 353. وانظر أيضا محمد الطهر فضلا، الإمام الرائد البشير الإبراهيمي، مطبعة البعث، قسنطينة، 1969، ص75.

6- عادل نويهض، الشيخ الإبراهيمي عظيم من الجزائر، مؤسسة نويهض الثقافية، بيروت، ط1، 1086، ص125.

7- آثار الإمام البشير الإبراهيمي، ج3، ص272.

8- توفيق جمعات: قبسات من شخصية الإمام البشير الإبراهيمي، منشورات الحياة للصحافة، الجلفة، ط1، 2010، ص297.


أ.د. عماد عبد الرازق - أستاذ بكلية الآداب ـ جامعة بني سويف.

المصدر: مجلة الأزهر: ربيع الآخر 1439هـ-ديسمبر 1917 م/يناير 2018 م

آخر التغريدات: