عبد الرزاق بن حمادوش

عبد الرزاق بن حمادوش

بقلم: أبو القاسم سعد الله-

ولد عبد الرزاق بن محمد بن حمادوش الجزائري في مدينة الجزائر سنة 1107 وعاش إلى أن تجاوز التسعين، حسب بعض الباحثين، ولكننا لا ندري متى توفي بالضبط، والغالب على الظن أن الوفاة قد أدركته بالمشرق بين 1197 و 1200 (1).

وقد نشأ بمدينة الجزائر وتعلم بها العلوم الشائعة عندئذ، وكان من أسرة متوسطة الحال تلقب بأسرة الدباغ لأن والده وعمه، كما يظهر، كانا يشتغلان بالدباغة. وقد تجوز عبد الرزاق صغيرا من ابنة عمه حسب العائلات المحافظة، وكانت أسرته على صلة بطبقة التجار والحرفيين في مدينة الجزائر، لذلك تزوجت أخته من عائلة تشتغل بالحرارة، وتزوج هو مرة ثانية من عائلة تحترف صناعة النحاس وتلميعه، ويبدو أن والده قد توفي وهو ما يزال صغيرا لأنه لم يذكره في عقد زواجه الأول ولا الثاني بينما ذكره في عقد زواج أخته. وبعد زواجه من ابنة عمه ظل عبد الرزاق في رعاية عمه يسكن عنده، ولكن هذا الزواج مجهول القيمة بالنسبة لحياة ابن حمادوش، فهو لم يذكر أنه أنجب أطفالا من ابنة عمه كما تحدث عن أطفاله من زوجه الثانية. فهل تحدث عن ذلك في الجزء الأول المفقود من رحلته؟ وعلى كل حال فإن عبد الرزاق قد عاش حياة مليئة بالفقر والضيق ولم يستطع أن يشق طريقه إلى الثروة والجاه كما كان يفعل المتصلون بالولاة وأرباب السلطة من العلماء. وقد كان الفقر سببا في شقاء زواجه أيضا حتى هربت منه زوجه الثانية وطلبت الطلاق وفارقته أمه وأخوه. وحاول الجمع بين العلم والتجارة فلم يحالفه النجاح، لأنه، كما قال، كان لا يفارق الكتب.

تعلم ابن حمادوش عن طريق الدرس والإجازة والرحلة، ومن سوء الحظ أن المصادر التي لدينا لا تتحدث عن ثقافته الأولى في الجزائر، ولكنه قد صرح فيما بعد أن كل العلوم تلقاها بالدرس إلا الكيمياء والسيمياء والموسيقى فقد أخذها بالإجازة. ومعنى ذلك أنه جلس للدرس في الجزائر وغيرها على مشائخ الوقت، أمثال المفتي محمد بن نيكرو، والقاضي مصطفى بن رمضان العنابي، والقاضي الأديب محمد بن ميمون الذي كان يسميه (شيخنا). ومن المؤكد أنه درس في المغرب على أحمد الورززي ومحمد البناني، وأحمد السرائري، وأحمد بن المبارك، وحصل منهم على إجازات سجلها في الجزء الثاني من رحلته، وتتلمذ في الطب على عبد الوهاب أدراق طبيب السلطان اسماعيل وأولاده، كما درس على الشيخ محمد زيتونة التونسي، وكان أيضا يسميه (شيخنا)، في مكان لا نعرفه، ولعله الإسكندرية أو تونس. وكان ابن حمادوش معاصرا في الجزائر لعلماء بارزين ذكرنا بعضهم، وخصوصا أحمد بن عمار وابن علي والحسين الورتلاني. فهو إذن من إنتاج القرن الثاني عشر (18 م) الذي عرفت فيه الحركة الثقافية نشاطا ملحوظا.

ولكن ثقافة ابن حمادوش كانت تقوم أساسا على عنصرين هامين الأول الرحلة، والثاني قوة الملاحظة والتجربة. فقد بدأ الرحلة وهو صغير السن، فحج سنة 1130 بالبر عبر تونس، ولا ندري كم بقي في المشرق هذه المرة ومن لاقى من العلماء في تونس وطرابلس ومصر والحرمين، وما الإجازات والدروس التي حضرها. غير أننا نجده سنة 1145 في المغرب الأقصى حيث جاء في رحلته التي اطلعنا عليها أنه كان هناك عندئذ وأنه كتب قصيدة ليقدمها إلى السلطان عبد الله، غير أنه عدل عن ذلك لسبب غير واضح، ولعله يعود إلى خشونة الحجاب أو لضعف الشعر أو خمول الشهرة، وقد اكتفى ابن حمادوش بقوله (أغناني الله عن لقياه). ويبدو أنه كان يتردد على المغرب للتجارة والعلم. فقد وجدناه أيضا هناك سنة 1156، حين أطال فيه الإقامة، ووصف نشاطه. فقد درس على عدة مشائخ في تطوان وفاس ومكناس وأجازوه وجلس للتدريس بعض الوقت، واشترى وطالع ونسخ الكتب الكثيرة، وعاين الثورات السياسية والعادات الاجتماعية والتطورات الاقتصادية في المغرب ووصف وكتب عن كل ذلك. وبعد أكثر من عام عاد ابن حمادوش إلى وطنه وقد اكتسب علما غزيرا ولكن تجارته كسدت وأوشك على الهلاك كما صرح بذلك، فاكتفى من الغنيمة بالإياب، وآخر تاريخ نعرفه عن تحركاته هو سنة 1161، ففيه كان في مدينة رشيد يؤلف رسالته (تعديل المزاج). والغالب على الظن أنه غادر الجزائر للحج أو نحوه في تلك السنة، ولا ندري إن كان قد عاد إلى الجزائر أو مات في المشرق (2).

ورغم أن ابن حمادوش قد تثقف ثقافة معاصريه من لغة وفقه وأدب وتصوف وتوحيد، فإنه كان بطبعه ميالا إلى الكتب العلمية، وقد روى أنه درس تأليف القلصادي في الحساب، وشرح محمد السنوسي على الحباك في الإسطرلاب، والقانون والنجاح والطلاسم لابن سينا، ومقالات أقليدس، وشرح ابن رشد على منظومة ابن سينا، وتاريخ الدول للملطي وهو في أخبار العلماء والأطباء، وكتاب السطي في ذوات الأسماء والمنفصلات. وطالع عمل عبد الرحمن الفاسي في علم البونبة. كما ولع بكتب المنطق وألف فيه. وبالإضافة إلى هذه المصادر اعتمد ابن حمادوش على التجربة والمشاهدة. فقد كان يخرج للجبال المجاورة لمدينة الجزائر لإجراء التجارب والتقاط الأعشاب والتدرب على رمي البونبة ووزنها وبارودها ومسافة انطلاقها. وعندما كان في المغرب سجل ملاحظات علمية هامة أثناء مروره من تطوان إلى فاس والعكس. فلاحظ عذوبة وملوحة الأمياه، وأنواع الأشجار والطيور والحيوانات وغرائبها، كما لاحظ حركات النجوم وعالج التغلب على الحمى، ونفس الشيء فعله عندما كان في الجزائر ومصر أيضا حيث سجل في كتابه (كشف الرموز) ما شاهده من غرائب النبات هناك، كما وضع ميزانا للماء وهو في الجزائر.

ومن بين أنواع العلوم اهتم ابن حمادوش خصوصا بالطب والفلك، وألف في ذلك عدة تآليف سنذكرها، وقد كتب عن نفسه، وهو ما يزال في شبابه (سنة 1145) بأنه أصبح طبيبا وصيدليا وعشابا، وافتخر ذات مرة بأن الأعشاب التي قيدها في تأليفه كلها معروفة لديه، وكان كثير القراءة في كتب الطب القديمة، عربية وأجنبية. فقرأ ولخص ودرس تآليف ابن سينا وابن البيطار والأنطاكي. وقال عن كتاب الدول للملطي أنه (لم ير مثله في التراكيب العربية وأساليبها فيما عرب من كتب النصارى). ونقل عنه تراجم عدد من الأطباء، مسلمين وغيرهم، أمثال الرازي والفارابي، والبيروني، وابن سهل صاحب بيمارستان جند سابور، والمنجم أبي معشر البلخي، ومحمد بن جابر البتاني، ومحمد البوزجاني، وإقليدس. وقد أراد أن يؤلف كتابا كبيرا في علم الطب وفروعه فكان (الجوهر المكنون من بحر القانون)، الذي يبدو من عنوانه أنه اعتمد فيه على كتاب القانون لابن سينا.

وقد تحدث ابن حمادوش في رحلته عن هذا الكتاب فقال إنه قد رتبه على أربعة كتب. الكتاب الأول في السموم وذوات السموم والعلاج منها، والكتاب الثاني في الترياقات وما يجري مجراها ... وبعض المعاجين التي يضطر إليها، والكتاب الثالث في الأمراض بناه على جدول حنين ابن إسحاق، أما الكتاب الرابع فقد خصصه لحل ألفاظ المفردات وتعريبها (3)، وقد قال ابن حمادوش عن كتابه (الجوهر المكنون) بأنه (كتاب جليل .. يتوشح به الأصاغر ولا تمجه الأكابر. فيه الأسباب والعلامات والعلاجات)، كما جاء في رحلته بأنه قد أتمه بعد أكثر من سنة من العمل فيه، وبالإضافة إلى هذا الكتاب ألف ابن حمادوش في الطب رسالة سماها (تعديل المزاج بسبب قوانين العلاج) والظاهر أنه ألفها عندما كان في مدينة رشيد بمصر، وهي في أمراض وعلاج الأعضاء التناسلية ونحوها (4).

كما ألف عدة رسائل وكتب في الفلك. فقد وضع تأليفا أضاف فيه ما تعلمه من كتاب عبد الرحمن الفاسي عن البونبة، وخرج بنفسه إلى ضاحية العاصمة وتعلم الرمي والمقاسات والأحجام ثم كتب ما كتب في الموضوع قائلا (فتممت ما بقي لي (من هذا العلم) .. وأخذت علم البونبة بارتفاعها وتعميرها ورميها وعجن بارودها، فأنا من علمائها). ودرس ابن حمادوش علم الطرق البحرية (وهو يسميه علم البلوط) وقال إن (يدي صحت في هذا العلم " وألف في ذلك، كما وضع خريطة توضح اتجاه الرياح ووصف طريقة استعمالها. وألف عملا آخر في صورة الأرض قال عنه (لم أسبق به).

وسنذكر تآليفه في هذه العلوم وغيرها بعد قليل. لكن نلاحظ أن تآليف ابن حمادوش يغلب عليها اختصار المطولات وصغر الحجم. ومع ذلك فإنها تدل على أن اتجاه صاحبها كان اتجاها صحيحا سابقا لعصره، وأن ابن حمادوش لو وجد حكومة رشيدة ترعى العلوم والعلماء لكان له شأن آخر في وقته. ويمكن مقارنة ابن حمادوش الجزائري بقليليو الإيطالي ونيوتن الإنكليزي في الروح والتمرد على معايير العصر والإيمان بالعلم.

ولنورد هنا قائمة تآليف ابن حمادوش في العلوم فقط (5) ليقف المتتبع لحياته على أنواعها وأهميتها:

1 - شرح على قصيدة الربع على كردفر.

2 - تأليف في الروزنامة.

3 - تأليف في الأعشاب لم يذكر عنوانه وإنما قال عنه (فإن الأعشاب المقيدة في تأليفي كلها معروفة عندي). ولعل هذا التأليف هو بعينه الكتاب الرابع من (الجوهر المكنون) الآتي ذكره.

4 - الجوهر المكنون من بحر القانون (في الطب). وهو التأليف الذي جعله في أربعة كتب، كما أسلفنا، أحدها (وهو الرابع) في الأعشاب.

5 - تأليف في الفلك جمع فيه التواريخ السبعة التي تعلمها. وقال في رحلته عنه (وسميته) ولكنه ترك بياضا بعد هذه الكلمة.

6 - تأليف في الإسطرلاب والربع المقنطر لم يذكر له عنوانا.

7 - تأليف في القوس الذي يأخذ به الأوروبيون (النصارى) حركة الشمس، ولم يذكر له عنوانا أيضا.

8 - تأليف في الرخامة الظلية بالحساب استخرجه من كتاب للأوروبيين، ولم يذكر له عنوانا.

9 - تأليف في صورة الكرة الأرضية مستوحى من مطالعته لكتاب رضوان أفندي في صورة الكرة، أشار إلى أنه (ساع في إكماله) ولم يذكر له عنوانا.

10 - تأليف في علم البلوط (أو معرفة الطرق البحرية)، لم يشر إلى عنوانه.

11 - كارطة (أو خارطة؟) لرسم اتجاهات رياح البحر، دون ذكر عنوان لها، ولكنه رسمها بدقة.

12 - تعليق على ألفاظ الديباجة الواردة في منظومة ابن سينا (؟) ولم يذكر لذلك عنوانا.

13 - بغية الأديب من علم التكعيب، أتمه سنة 1143.

14 - فتح المجيب في علم التكعيب، ألفه بعد أن اطلع على كتاب للأوروبيين في المساحة والهندسة وانتهى منه سنة 1160. ويبدو أنه تنقيح وتوسيع لكتابه (بغية الأديب).

15 - شرح على منظومة ابن غرنوط، والظاهر أنه هو نفسه (بغية الأديب).

16 - تأليف في عمل البونبة أضافه إلى ما كان قد تعلمه من تأليف عبد الرحمن الفاسي في نفس الموضوع.
17 - تعديل المزاج بسبب قوانين العلاج، أتمه على ما يظهر سنة 1161 في مدينة رشيد بمصر.

18 - تأليف في الطاعون الذي أصاب الجزائر في وقته، لا نعرف عنوانه.

ولابن حمادوش، بالإضافة إلى هذه الكتب العلمية، مؤلفات أخرى في الأدب والرحلة والمنطق والنحو والشعر. وباستثناء التأليفين الأخيرين، فإن جميع بقية التآليف قد ذكرها في الجزء الثاني من رحلته ومعظم هذه الكتب غير معروفة الآن وهي في حكم الضائعة. وقد تناولنا في دراستنا الجزء الثاني من رحلته وفصلنا القول فيه لأنه موجود. وبقي أن نتحدث عن (كشف الرموز) الذي طبع عدة مرات وعن (تعديل المزاج) الذي وصفه من اطلع عليه (6).

كتابه كشف الرموز:

سبق أن أشرنا إلى أن الكتاب المطبوع بعنوان (كشف الرموز) لابن حمادوش هو في الواقع الكتاب الرابع من مؤلفه الكبير في الطب الذي سماه (الجوهر المكنون من بحر القانون). ولم يهتد إلى ذلك ليكليرك الذي ترجم الكتاب إلى الفرنسية ولا كولان الذي درس الكتاب وحصل به على الدكتوراه في الطب ولا ناشره بالعربية السيد أحمد بن مراد التركي المعروف برودوسي. غير أن كولان ورودوسي تفطنا إلى أن الكتاب غير مستقل بذاته نظرا لبدايته التي لا تتماشى مع ما اعتاده المؤلفون المسلمون من الديباجة المتضمنة للغرض من التأليف واسم الكتاب وخطته ونحو ذلك. ذلك أن (كشف الرموز) يبدأ مباشرة بالكتاب الرابع وينقل عن ابن سينا عدة صفحات ثم ترد فيه قائمة أسماء النباتات وغيرها والأدوية من الأمراض. وحين وصف ابن حمادوش في الرحلة الكتاب الرابع من (الجوهر المكنون) قال عنه (ونويت أن أجعل الكتاب الرابع في حل ألفاظ المفردات وتعريبها ما أمكن). وقد علمنا أنه قد انتهى من الكتاب ووفى فيه بما نوى، وشرح المفردات وعرب ما شاء. والذي كشف لنا عن هذه الحقيقة هو الجزء الثاني من رحلته. ولعل حرص الناس على التداوي بالأعشاب هو الذي جعل بعض النساخ يفصلون الكتاب الرابع عن بقية (الجوهر المكنون) الذي لا يهم في بقيته إلا الخاصة وأمثالهم، فكثر تداول الكتاب الرابع ونسي أصل الكتاب. لذلك كثرت نسخ الكتاب الرابع إذ نجد منها في الجزائر (7) وفي المغرب الأقصى (8) وفي باريس، وهكذا، بينما لا نعرف شيئا عن بقية (الجوهر المكنون) إلا ما وصفه به مؤلفه في الجزء الثاني من رحلته (لسان المقال).

ومهما كان الأمر فإن (كشف الزموز) عبارة عن قاموس طبي سار فيه ابن حمادوش على طريقة المعاجم الأبجدية. وضمنه بعد مدخل في أنواع وأوصاف الأدوية، أسماء النباتات والعقاقير والحيوانات والمعادن أيضا. ولذلك فإنه من الخطأ إضافة عبارة (في بيان الأعشاب) التي ظهرت في الطبعة العربية، فالكتاب يتناول غير النباتات أيضا. ولم يذكر المؤلف حرفي الغين والضاد في معجمه، ربما لعدم توفر أسماء الأدوية ونحوها في هذين الحرفين. وقد ذكر فيه أسماء بتعريفات ومصطلحات الأطباء السابقين له.

وكان يكثر من تأصيل كل اسم وما يعرفه عنه فيقول (عندنا) كذا، وفي مصر يسمى كذا، وفي سورية كيت وكيت، وهكذا. وجاء فيه عدد من أسماء الأدوية وغيرها التي وردت على الجزائر من أوروبا في العهد العثماني أيضا، بالإضافة إلى أسماء بعضها في اللهجات المحلية. والكتاب يضم حوالي ألف مادة (987 مادة) في مختلف الأنواع المذكورة، ويشتمل على جميع الأدوية والأمراض المعروفة في الجزائر في وقته.

وقد اعتمد ابن حمادوش على مصادر كثيرة لكتابة عمله، حتى أن ليكليرك زعم أن ابن حمادوش قد اختصر أعمال الأقدمين في الطب وأنه سار على نفس طريقتهم الأبجدية، ولكنه أضاف إلى ذلك ما استحدث عند قومه وما ورد عليهم من الأسماء من أوروبا. وقد رجع ابن حمادوش إلى مؤلفين مسلمين ويونان. ولنذكر من هؤلاء داود الأنطاكي صاحب (التذكرة) الذي قيل إن ما أخذه عنه ابن حمادوش بلغ أربعين مادة. وأخذ أيضا عن ابن البيطار، كما استعان بابن سينا ولا سيما بكتابه (القانون) الذي طبع في رومة قبل ميلاد ابن حمادوش. ويرجح ليكليرك أن ابن حمادوش قد أخذ عن نسخة رومة، لأنه وجد نسخة في الجزائر وأخرى في وهران من هذه الطبعة. ولكن هذا غير مؤكد، فقد يكون أخذ عن نسخة مخطوطة من (القانون). ومن جهة أخرى أخذ ابن حمادوش عن علماء اليونان وغيرهم مثل: بول، وغاليان، وديوسكوريدس وغيرهم بطريقة غير مباشرة، أي أنه رجع في ذلك إلى مؤلفات المسلمين السابقة له. وأخيرا اعتمد ابن حمادوش على مؤلفين مسلمين آخرين أمثال ابن ماسويه، والإدريسي، والسنوسي، وزروق، والقزويني. ولكننا قد عرفنا أن أغنى مصدر رجع إليه ابن حمادوش هو التجربة الشخصية. كما عرفنا أنه كان يعود أيضا إلى الكتب المعربة عن الكتب الأوروبية وأنه قد أكثر من الإشارة إلى ذلك في رحلته.

وقد أشاد كل من ليكليرك وكولان بأصالة فكر ابن حمادوش وأهمية العمل الذي قام به في (كشف الرموز) فقد قال الأول ان ابن حمادوش لم يستند إلى الخرافات في عمله وإن فيه إضافات جديدة في المواد الطبية التي

لا علاقة لها بالأدوية الأوروبية، وإن قرب تأليفه من وقت دخول فرنسا للجزائر هو الذي جعله يقدم على ترجمته، لأهمية موضوعه في التعرف على عادات التداوي عند السكان (9). وفي مكان آخر ذكر ليكليرك بأن عمل ابن حمادوش لم يكن مجرد اختصار لعمل غيره لأنه ضمنه أدوية لم تكن معروفة للأنطاكي وأمثاله وأنه ذكر فيه أدوية أوروبية أصبحت متداولة في الجزائر، ولذلك قال ليكليرك بأن (كشف الرموز) يشكل صفحة هامة في تاريخ الطب، وقال عن مؤلفه إنه يعد في نظره من أواخر الممثلين للطب العربي (10). أما كولان فقد أشاد (بعصرية) تفكير ابن حمادوش لبعده عن التصوف والخرافات. وقال عن (كشف الرموز) بأنه من الكتب التي تركت أثرا عميقا في تقاليد الطب في القطر الجزائري، وأنه مرجع للسكان في علاج الأمراض الشائعة عندهم (11).

ولعل مصدر الإعجاب بـ (كشف الرموز) يعود إلى كون ابن حمادوش قد سار فيه على طريقة واضحة. فبعد المدخل أي النقل عن ابن سينا، والترتيب الأبجدي، يأخذ في تعريف الدواء ووصفه وأنواع الأسماء الأخرى التي تطلق عليه في مختلف البقاع، وذكر خصائصه وفوائده العامة وفوائده الخاصة، وكيفية استعماله والكمية الضرورية منه ومشتقاته. ومن جهة أخرى يذكر الأمراض التي يستعمل لها الدواء ويتعرض لها الجسم ويحدد منافع كل نبات أو غيره، فيقول إن كذا صالح لوجع كذا. وكان ابن حمادوش يذكر عبر كل ذلك مقادير كل دواء بالموازين الشائعة عندئذ، ولعل ذلك هو ما حبب الكتاب إلى الناس أيضا. وبناء على (كشف الرموز) فإن الموازين وما يقابلها بالغرامات هي ما يلي (12):

القمحة .......... وحدة الوزن .......... 0.0488 غرام

القراط .......... 4 قمحات .......... 0.1954=

الدرهم .......... 16 قراط .......... 3.1266 =

المثقال .......... 1 درهم ونصف .......... 4.6899 =

الوقية .......... 12 درهما .......... 37.5192 =

الرطل .......... 12 وقية .......... 450.2304 =

الدانق .......... سدس الدرهم .......... 0.5211 =

الأسطار .......... 6 دراهم ونصف .......... 19.8018 =

وإذا كان هذا هو شأن الكتاب الرابع من (الجوهر المكنون) فإننا نتوقع أن يكون ابن حمادوش قد بذل جهدا مضاهيا في بقية الأقسام التي لم نطلع عليها منه. ولعل الأيام تكشف عن هذا الكتاب لنعرف ما قام به ابن حمادوش في باب الطب، الذي يعتبر بحق من أبرز ممثليه من العرب والمسلمين في القرن الثاني عشر (18 م).

كتابه تعديل المزاج:

ومن الموضوعات الطبية التي عالجها ابن حمادوش أيضا الأعضاء التناسلية ووظائفها وأمراضها وأدويتها. ورسالته (تعديل المزاج بسبب قوانين العلاج) تتناول ذلك. ويظهر من العنوان أن مؤلفها تناول فيها المزاج البشري وأحواله وأسباب علاجه. وقد ألف ابن حمادوش هذه الرسالة في مدينة رشيد بمصر سنة 1161، أي بعد سفره من الجزائر بقليل. وقد وصلت منها نسختان إلى الجزائر الأولى اطلع عليها واستافاد منها السيد لوسيان ليكليرك، وهي التي استفدنا منها أيضا، والثانية توجد، حسبما علمنا، عند الشيخ المهدي البوعبدلي (13). وبناء على معلوماتنا فإن الرسالة في حجم صغير لا يتجاوز الكراستين.

فالموضوع الرئيسي لرسالة (تعديل المزاج) هو وظائف الأعضاء التناسلية والاضطرابات التي تصيبها، وعلاجها وكيفية المحافظة عليها في حالة سليمة. وبناء على ابن حمادوش فإن الاضطرابات التي تصيب الأعضاء التناسلية نوعان: نوع غير عادي أو خارج عن قدرة الإنسان، ونوع عادي مثل تعكر أو توعك القلب والمخ والكبد. ويصف ابن حمادوش العلاج للنوع الأول فيذهب إلى استعمال الوسائل التقليدية مثل التمائم والرقى. كما يصف علاج النوع الثاني وطريقة رده إلى حالته العادية التي تؤدي إلى تعديل الأمزجة المصابة. وهو يصف لذلك أدوية بسيطة ومركبة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما أنه يذكر الأدوية أو العناصر التي تضعف الأعضاء التناسلية، وتلك التي تهيج اللذة لكلا الجنسين.
وقد ذكر ابن حمادوش المصادر التي استقى منها معلوماته، بالإضافة إلى التجربة الشخصية. فعاد إلى كتابات العياشي وأبيقراط وغاليان وابن سينا وحنين ابن إسحاق، وابن رشد والدميري والقزويني وداود الأنطاكي والجاحظ والعطار، والبرزلي والشاذلي والبسكري. وقد اعتمد ابن حمادوش في هذا الكتاب، خلافا لما فعله في (كشف الرموز) على الأحاديث النبوية. كما أنه أوصى باستعمال بعض الأدوية مثل الكينة. وهكذا نجده متنوع المصادر هنا كما في كتبه الأخرى. فهو يعتمد على كتب الأولين من جزائريين وغيرهم، كما يعتمد على التجربة والمشاهدة. وقد لاحظ ليكليرك، الذي نوه بعقلانية ابن حمادوش في (كشف الرموز)، اعتماده على الوسائل غير العلمية في (تعديل المزاج) كلجوئه إلى التمائم والرقى. غير أن قيمة هذه الرسالة تظل هامة في موضوعها، لأنها رسالة متخصصة من جهة ولأنها متأخرة إذا قيست بكتب الطب العربي الأخرى (14).


الهوامش:

(1) انظر عنه كتابنا (الطبيب الرحالة)، الجزائر، 1982، ورحلة ابن حمادوش (لسان المقال)، الجزائر، 1983. كما أننا نشرنا عنه بحثا في (مجلة مجمع اللغة العربية) بدمشق، أبريل 1975، وهو منشور أيضا في كتابنا (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر)، الجزائر، 1978.

(2) وجدنا في أحد المخطوطات الفلكية، باريس رقم 2568، ورقة 75، نقلا عن ابن حمادوش جاء فيه أنه قام بتعديل الكواكب على طول الجزائر سنة 1168، وهذه هي العبارة (نقلتها - أي الكواكب - لتمام سبعة بموحدة بعد الثمانية وستين ومائة وألف، وعلى طول الجزائر، فيكون التعديل من نصف يوم الخميس بتاريخ عام ثمانية وستين ومائة وألف). ولعل هذه العبارة مأخوذة من رحلة ابن حمادوش المفقودة لأنها تشبه ما عندنا منه في الجزء الثاني من رحلته ولأنه يتحدث فيها بصيغة الماضي، أي أنه كان يكتب ذلك بعد سنة 1168.

(3) نرجح أن يكون الكتاب الرابع هو المنشور اليوم بعنوان (كشف الرموز) لأن هذا يبدأ بالكتاب الرابع، كما سنرى وبذلك يكون (كشف الرموز) في الواقع عبارة عن جزء صغير من (الجوهر المكنون من بحر القانون).

(4) ذكر لي الشيخ المهدي البوعبدلي أن لديه نسخة منه، وكان ليكليرك الفرنسي قد اطلع على نسخة منه ووصفها كما سيأتي.

(5) ذكرنا في دراستنا المطولة عنه تآليفه في التخصصات الأخرى كالأدب والمنطق والرحلة، وقد أشرنا إلى تآليفه أيضا في أبوابها من هذا الكتاب.

(6) كتب عن ابن حمادوش أيضا وترجم عمله (كشف الرموز) لوسيان ليكلجرك الفرنسي، باريس 1874، وقد اطلعت على النسخة الأصلية الخطية لترجمته في المكتبة الوطنية - باريىس - كما ترجم له وحلل كتابه المذكور، قابريال كولان الفرنسي أيضا ونال على ذلك رسالة الدكتوراه في الطب من جامعة الجزائر، سنة 1905، ودراسته مطبوعة أيضا في نفس السنة. وعن ابن حمادوش انظر أيضا (تاريخ الطب العربي) لليكليرك، وكتابات إبراهيم بن مراد. وقد أعيد نشر كتاب (كشف الرموز) في بيروت، سنة 1996، دون تقديم جديد أو تحقيق.

(7) مثلا رقم 1764 و 1765 المكتبة الوطنية - الجزائر.

(8) الخزانة العامة، الرباط، مكتبة الأوقاف رقم 337 مجموع.

(9) ليكليرك (تاريخ الطب العربي) 2/ 309.

(10) ليكليرك ترجمة (كشف الرموز) 4 - 5.

(11) كولان، 35، 39، وهذا ما يؤكد ما ذهبنا إليه من فصل النساخ للباب الرابع من كتابه (الجوهر المكنون) لحاجة الناس إلى ما في الباب الرابع - أي المفردات.

(12) انظر جدول طبعة رودوسي سنة 1928 وكذلك كولان، 42 - 43.

(13) اخبرني بذلك بنفسه ووصفه بأنه كتاب صغير. ولكن بعد اطلاعي عليه أثر كتابة هذا الفصل تبين لي أنه هو (كشف الرموز).

(14) عالج ليكليرك (تعديل المزاج) في مصدرين الأول في الجزء الثاني من كتابه (تاريخ الطب العربي)، 308 - 310، والثاني في آخر ترجمته لـ (كشف الرموز)، 380. انظر عن مصادر ابن حمادوش أول هذه الفقرة، وكذلك فصل العلوم التجريبية، لاحقا.

آخر التغريدات: