مذكرات مالك بن نبي: في نادي الترقي، لقاء الشيخ العقبي ورأيه في الشيخ ابن باديس

بقلم: مالك بن نبي-

عند وصولي الجزائر العاصمة، كان أول انشغالاتي، بعدما حجزت غرفة في الفندق، هو التوجه لنادتي الترقي. وكان جو الإصلاح لا يزال سائدا. وقد تبين لي أن صورة الحاكم العام فيوليت (Violette) كانت معلقة على أحد جدران قاعة النادي. لقد كنت شخصيا مغفلا بخصوص العديد من المسائل، ولكن ليس لحد أحسب فيه أمثال فيوليت أو غودان (Godin) في عداد (أصدقاء العرب). وقد أحدثت صورة الحاكم العام السابق في نفسي صدمة كبيرة.

ومهما يكن، فقد كان علي أن أنتظر عودة الشيخ العقبي مما اصطلح على تسميته (درسا) كان يلقيه في أحد مساجد العاصمة. وفي انتظار قدومه، تعرفت على بعض الشباب الذي كان حاضرا في النادي. وأذكر جيدا أحد أبناء ميزاب الذي أدهشني بثقافته الغربية. وبحسب علمي فإن وسط بني ميزاب لم يكن قد أمد الجزائر بمثقفين بعد، فاندهشت. هل يتعلق الأمر بمفدي زكرياء، البطل الوطني لاحقا، عميل المكتب الثاني؟ ربما. وقد كنت أنا شخصيا أرى الدهشة مرتسمة على وجوه المستمعين الذين جذبهم حديثي وأفكاري. وأنا اليوم أدرك ما تعانيه هذه العقول المحبة للبلاغة الأدبية كما كانت (ولا تزال) عقول الكثير من الجزائريين، بحضور شاب جزائري يمكنه أن يثير انتباههم بفعل الشكل اللبق والسهل لتعبيره وبفضل ما ضمنه من محتوى. فبالفعل ومنذ وجودي بباريس، أحسست بأني مختلف عن إخواني المسلمين، حتى في المجال الديني حيث لم يكن إيماني تأمليا وحسب بل عمليا. فقد أصبحت ذلك العقل البراغماتي والعلمي الذي لا يمكن لواقعيته ودقته إلا أن تفاجئ عقولا تعودت عدم الدقة وغياب الواقعية.
ومن جانب آخر، فقد هذبني وجودي بباريس ومكنني من اكتشاف عقلي. وكانت حيويتي الفكرية تدفع بثقل العقل الجزائري وتزعزعه، بعد أن أصبح عقلا أهليا(esprit indigène) وباختصار، لم يثر هذا الاحتكاك، سخط أي من الطرفين.

ووصل العقبي أخيرا، وتوجهت إليه معانقا بكل احترام، إذ كنت أظهر له التقدير الكبير. ويجب أن أقر بأن هذا الاعتبار يفوق الذي أكنه للشيخ عبد الحميد بن باديس لسببين. فقد كان ابن باديس يقطن المدينة، وكان في اعتقادي، في ذلك الوقت، أن الانحطاط الحضاري يتجلى بالأخص في ساكن المدينة أكثر مما يتجلى في البدوي. والعقبي كان في نظري بدويا.
وكنت أعلم من جانب آخر أنه قاد المعركة ضد المرابطية في جريدته (L'Echo du Sahara) (صدى الصحراء) التي كان يصدرها ببسكرة. وبما أني كنت دوما ضد الشعوذة والمرابطية فقد كنت أتوسم في العقبي زعيما للإصلاح عوض ابن باديس. ويجب أن أضيف أيضا أن هذا الأخير ترك لدي انطباعا سيئا بعد حديث قصير جرى بيننا بقسنطينة في سنة 1927. ففي حقيقة الأمر أن شخصية المتحمس الشاب الذي كنت وقتها، أصابتها خيبة أمل بفعل غيابة أي صدى لدى الشيخ بن بادبس عندما حدثته عن مسعاي وعما قمت به في الجنوب الوهراني لخلق وعي لدى سكان المنطقة من خطر الاستعمار المتربص بأراضيهم(1). لقد توقعت -كأي شاب عمره 22 سنة- تشجيعا وتهنئة من لدن الشيخ الذي ظهر متحفظا وباردا ولم يدعني حتى إلى الجلوس. فهل هذا هو السبب الذي جعلني وبصورة مبهمة، أفضل عليه العقبي؟ الله وحده أعلم. كما أني لم أكن لأخفي هذا الاختيار الذي كان أحيانا محل نزاع بيني وبين بن ساعي. واعترف أنه هو الذي كان على حق. ولكننا كنا في سنة 1932 وكان العقبي الذي عانقته للتو في أوج عظمته.

وبعد تقديم الشاي، تناولت الموضوع مخاطبا العقبي:

- أيها الشيخ، ما رأيكم في محاضرة بن ساعي؟ لقد سبق وأن قيل لي هنا أنها كانت مؤثرة.
كان الشيخ يتأوه من التعب، تعبا تسببت فيه الدروس التي كان يلقيها في المسجد ومن العرق الذي كان يندي جسمه. وقد صدمتني من البداية شكواه المبالغ فيها لأني كنت أرى في هذه المبالغة شهادة عن هم جسدي باعتباره علامة أو عيب (عالم) يسعى لإحداث انطباع لدى الناس بأنه مرهق فكريا. و(عالم) لا يشتكي من بواسيره أو من زكامه ليس بـ(عالم) كبير. وأخيرا انتهى الشيخ العقبي من شكواه ليقول بصوت خفي:

- بالفعل كانت محاضرة بن ساعي حسنة ولكنها كانت عبارة عن سرقة أدبية أو قل عدة سرقات أدبية مركبة.

أذهلني هذا التأكيد في وضوحه وخلوه من أي تحفظ أو تردد في الصوت أو في الحكم. وأردف الشيخ لإقناعي بعد أن لاحظ دهشتي:

- إني أؤكد أن بعض مقاطع هذه المحاضرة لا يمكن أن تكون بقلم جزائري يحرر بالعربية. فلا نجد مثل هذا الأسلوب إلا في المشرق.

لم أكتشف القيمة السلبية لهذا المقياس إلا فيما بعد ..

لقد أصابني الإحباط لأني أعلم شخصيا كيف تم تحرير المحاضرة في غرفة صغيرة بنزل بباريس.

لقد خارت عزيمتى أمام هذه العقدة التي لمست فيها جملة من العيوب كالغيرة والكذب والدناءة. وحتى يأتي علي نهائيا أضاف الشيخ (حجة) قوية:

- زد أن بن ساعي لم يتمكن حتى من تلاوة نصه جيدا.

صدمتني هذه الكلمات ومستني في أعماق شعوري وفي مناصرتي للإصلاح وفي أنفتي وذكائي على غرار محمد بن ساعي، واهتزت في الأخير ثقتي في (العلماء).

ثم غيرت موضوع الحديث مستغلا قدوم أحد الأوروبيين الذي زعم أنه صحافي وديمقراطي اشتراكي، والذي سأكتشف بعد سنين، أو قل كشف عن نفسه، بأنه ممثل ماسينيون (أي ممثل المكتب الثاني) بالجزائر العاصمة وبأنه نائب عن تجمع الشعب الفرنسي (RPF).

وبطبيعة الحال كنت أبعد من أن أدرك الآثار التي سترتبها هذه العلاقة على الشيخ العقبي وعلى الإصلاح.

تركت العاصمة دون أن أنشغل كثيرا بالجانب الجديد الذي رأيت فيه الشيخ العقبي. ولم أرد حتى التفكير في الموضوع حتى أحافظ على بعض قناعاتي.


(1) المقصود سكان آفلو بولاية الأغواط أين عمل بن نبي عدلا في المحكمة لمدة قصيرة انظر بالتفصيل .. (مذكرات شاهد القرن). (المترجم).

من مذكرات مالك بن نبي (العفن).

آخر التغريدات: