ابن باديس في مذكرات شاهد للقرن

بقلم: مالك بن نبي-

كنا نتردد أحياناً على إحدى البعثات التبشيرية الإنجيلية لنتناقش في بعض الموضوعات، وهناك تعرفت لأول مرة على الإنجيل. كان النقاش يدور حول ألوهية السيد المسيح، وكان يشاركني فيه طالب علم في الشريعة قديم حفظ القرآن كله في زاوية (بن سعيد)، ثم اعتنق فيما بعد البروتستانتية على يد امرأة إنكليزية يدعوها أهالي تِبِسَّة السيدة (Bina) وهناك أيضاً تعرفت إلى بعض تلامذة الشيخ بن باديس الذين جاؤوا أيضاً ليدافعوا عن الإسلام.

لقد شعرت بأنني وهؤلاء في اتجاه فكري واحد، وهذا ما لم أكن أشعر به مع من كنت أعاشرهم من طلبة المدارس الثانوية الملسمين. كان اسم الشيخ قد بدأ يتردد في المدينة. وتعرّفي على بعض تلامذته جعلني أدرك أننا ننتمي إلى عائلة فكرية واحدة ستسمى فيها بعد في الجزائر (حركة الإصلاح).

****
كانت أحاسيسي في تبسة تختلف عنها في قسنطينة، فهناك الحياة الطبيعية والرجل البسيط الجاف، كان هؤلاء جميعاً يحاورون روحي. أما قسنطينة فالتاريخ والمجتمع ومأساته الواضحة الماثلة بشكل ظاهر، تسائلني دون أن أدري في الغالب تساؤلاتها ولكنني مع ذلك أشعر بها.
ولكن هناك أيضاً في قسنطينة جانب (المدرسة) الذي كان يحدثني عن المستقبل. خاصة عندما بات الاتصال بين المدرسيين وتلاميذ الشيخ (بن باديس) أقرب في مقهى بن يمينة. لقد ورث بن يمينة والده بعد أن مات منذ فترة يسيرة فأدخل على المقهى بعض التجديد. لقد ألقى بالحصر جانباً، ورأيت لأول مرة في مقهى عربي آلة كبيرة لغلي القهوة ( Percolateur)، كان ذلك ثورة. وقد أحدثت من ناحية أخرى ضجة في وسط المعمرين الأوربيين الذين كانوا يريدون المحافظة على خصائصنا نحن أبناء المستعمرات (Indigène)؛ أي المحافظة على الحصيرة التي تستعمل في الوقت نفسه للبصاق حينما يستدير لاعب الدومينو ويرفع طرفها ليبصق تحتها، ثم يتنحنح بصوت مرتفع ليريح حنجرته ورئته.

في النهاية أصبح مقهى بن يمينة الحي العام للمدرسيين. وعلى بعد خطوات منها كان مكتب الشيخ (بن باديس). كان يستقبل فيه أصدقاءه وتلاميذه ويدير مؤسسته الصغيرة، التي اتخذت شكل شركة ذات أسهم تصدر مجلة (الشهاب)، التي جاءت في أعقاب احتجاب (المنتقد)، ولم تكن قد ظهرت إلا لفترة قصيرة ثم منعت الإدارة المحلية صدورها.

إذن كان حي الطلبة العام مجاوراً لذلك المكان الذي سوف يصبح مهد (حركة الإصلاح)، وكان مرور تلاميذ الشيخ بن باديس أمام مقهى بن يمينة يوثق عرا الصلات بيننا وبينهم.

في تلك الفترة- على ما أذكر- تعرفت على الشيخ (حَمّ العيد) شاعرنا الكبير فيما بعد، الذي ترك حلقة أستاذه مزوَّداً ببضاعة تقليدية مسيَّسة politisé بشعور عالمٍ وطني هو عبد الحميد بن باديس.

هذا العلم ذو النفحة السياسية جاء مع بعض الباديسيين أمثال (حَمّ العيد) و(الهادي السنوسي) مؤلف كتاب (مختارات من الشعر الجزائري) و (خباش) وآخرين، ليتصل في مقهى بن يمينة بالتيار الناشئ في المدرسة نفسها. وأعتقد أن هذا اللقاء قد شكل تمهيداً تاريخياً إن لم يكن رسمياً للذي أضحى حركة تجديد من ناحية وحركة وطنية من ناحية أخرى. في تلك الفترة- على ما أذكر- تعرفت على الشيخ (حَمّ العيد) شاعرنا الكبير فيما بعد، الذي ترك حلقة أستاذه مزوَّداً ببضاعة تقليدية مسيَّسة politisé بشعور عالمٍ وطني هو عبد الحميد بن باديس.

****

في تلك الفترة اكتشف أبناء جيلي من المدرسيين أوجين يونغ (Eugène Yung)، وقد تعرفت عليه من خلال كتابه (الإسلام بين الحوت والدب L’Islam entre la baleine et L’Ours). لقد مات مؤلف هذا الكتاب بعد عشرين عاماً في غرفة صغيرة في باريس مجهولاً من الناس منسياً من الجميع، ولست أدري إن كان قد دفن في مقبرة عامة.

ومع ذلك فقد رفع كتابه حرارة التيار المعادي للاستعمار في أبناء جيلي، وإني لأتساءل اليوم عما إذا كان الوطنيون والإصلاحيون يخامرهم شك في أنهم يحملون في عروقهم، آراء وأفكار ومشاعر جاءتهم من آفاق مختلفة.

ومع ذلك فهذه الأفكار والمشاعر كانت تجتمع في مقهى بن يمينة لتتلأقى هناك مع تلك التي تولد على بعد خطوات من المقهى. أعني ذلك المكتب الصغير الذي يشغله (الشيخ بن باديس). لم أكن قد عرفته بعد، إنما كنت أشاهده يمر أمام المقهى.

كان الحديث في مقهى (بن يمينة) بالعربية والفرنسية، أما في مكتب الشيخ فمن الطبيعي أن يكون الحديث بعربية فصيحة. أما في المدينة فلم تكن اللغة عربية ولا فرنسية، إنما لغة محلية، وهذه الحال كانت في الجزائر جميعها وخاصة في العاصمة، إذ أضاف القوم هناك إلى عاميتهم لهجة غير مستحبة.

وفي علمي أن تبسة هي المدينة الوحيدة التي يتكلم أهلها لغة عربية، ربما ليست أدبية. إنما هي بكل حال على درجة من الصفاء والأصالة في مفرداتها وطريقة نطقها.

****

الحياة في تِبسَّة لم تكن قد تطورت والأحداث لم تكن قد أخذت تلك السرعة والغزارة التي جاءتها بعد ذلك لسنوات عدة.

على كل حال فلقد كان الشيخ (سليمان) يتابع رسالته الإصلاحية في البلدة، بينما الشيخ (الصدوق بن خليل) والشيخ (عسول) يتنافسان على استمالة المستمعين من شباب تبسة، هؤلاء الذين أصبحوا فيما بعد، وحينما عاد (الشيخ العربي التبسي) من الأزهر في القاهرة، روّاد مواعظه وتوجيهاته.

أما أنا فقد كنت أقصّ على أصدقائي ما أعرفه من أخبار الشيخ (بن باديس) وأخبار (الطواطي) الذي ينتمي إلى سيدي (بن سعيد)، وكان من طلبة العلم ثم اعتنق البروتستانتية فأصبح مدير البعثة الإنجيلية في قسنطينة.

****

في هذه السنة ظهرت صحيفة جديدة باللغة العربية. لقد عاد الشيخ (الطيب العقبي) من الشرق حيث كان يدير في مكة صحيفة (أم القرى)، التي كانت هناك العنصر الوحيد للصحافة في المملكة العربية، كما كان الزورق الذي أعطي للملك حسين في نهاية الحرب هو أسطوله كله. لقد جاء يؤسس هنا مع (السيد اللمودي) في مدينة (بيسكرا) صحيفة (صدى الصحراء).

وقد ضمت هذه الصحيفة صوتها إلى صوت جريدة (الشهاب)، ليس هذا فقط بل كانت تطبع على تلك المطبعة الصغيرة التي كان يتولى إدارتها (بوشنال) والواقعة في شارع (بن شريف).

وقد كنت أرافق قديماً المرحوم جدي حين كان يذهب ليلعب الداما مع بعض أصدقائه. ذلك الشارع الذي يضم في طرفٍ مقهى بن يمينة وفي طرفٍ آخر مطبعة الشهاب، ويتوسطه مكتب الشيخ (بن باديس)، قد أضحى للمدينة شارع الفكر فيها كما كان لها شوارع أخرى للتجارة.
لقد أخذ يكثر في ذلك الشارع مرور أولئك الذين يرتدون ملابس بيضاء، وعلى رؤوسهم عمامة ذات طرف مرخى إلى الوراء يشير إلى أن صاحبها من أنصار (الحركة الإصلاحية)، في محيط لم تكن فيه تلك الحركة قد أصبح لها عقيدتها المحددة وتنظيماتها.

وكان يُرى قوم منهم يأتون من الداخل كما يأتي التجار إلى سوق المدينة ليحملوا إلى مراكزهم بضاعة تموينهم. فكانت هذه العمائم البيضاء تأتي إلى شارع (بن شريف) لتمون الداخل بالأفكار الجديدة.
هذه الأفكار المتداولة في شارع (بن شريف) كانت كمنشار يقوم بعملية تقسيم غامض لطبقات هذا الوسط، وقد كان قبل منسجماً موحَّداً في الجزائر.

كان هذا التقسيم يحدث في الأشخاص والأفكار مرة واحدة. فكثير من المعتقدات الباطلة والأوهام التي تعبر عن جهل بالعالم بدأت تُحتَضَر. فالجهل عادة يحمل احتراماً وثنياً لكل ما هو مكتوب. والجزائر بقابليتها للاستعمار وبالاستعمار كان لديها اعتقاد بخرافة الورقة المكتوبة، فقيمتها السحرية لا تمارسها فقط في النساء العجائز اللواتي يضعن لأطفالهن (حروزاً) يقينهم بها من العين الشريرة،بل إنها تمارس قيمتها السحرية أيضاً في ذلك الوسط الذي تكوّن في الزوايا الصوفية، إذ تستعمل فيه حجة لا جواب عليها في المناقشات.

((إنه كتبي)) يقولها واحد للتأكيد إذا آنس في وجه مستمعه بعض الشك. ((إنه كتبي))، أي إنه في (كتاب)، يقولها وهكذا يسقط الشك وتنحني الرؤوس أمام الحجة الدامغة.

لقد فقد الفكر النقاد الذي توقف بتلك الكلمة السحرية كل حقل. وقد ظل متوقفاً بهذه الطريقة خلال أجيال. أما الآن فقد بدأ (الكتبي) يفقد سلطانه الساحر في العقول، ويفقد شيئاً فشيئاً أنصاره. والانقسام الذي مارس عمله في الأفكار بدأ في الواقع آلياً يمارسه في عالم الأشخاص.
لقد بدأت الآن عناصر جديدة تختلط مع الطلبة المدرسيين وتلاميذ الشيخ (بن باديس) في مقهى (بن يمينة)، وبذلك تتبلور الأفكار التي نسميها اليوم تقدمية. وكل ذلك يحدث يإسهام أولئك المواطنين العاديين من سائر طبقات المدينة الذين يأتون ليأخذوا حصتهم من الجدال والمناقشة. وواحد من الوجوه التي أضيفت إلى هذه الصورة كان حقاً فاتناً.

الشيخ (محمد طاهر العنيزي) كان قد غادر قديماً الجزائر مع والده سيدي (حمدان) أحد الوجوه الجميلة للعالم التقليدي، ويحتمل أنه عاصر الشيخ (عبد القادر المجاوي) والشيخ (بن مهنا) في قسنطينة. وربما كان هذا الشيخ المحترم ذا يد في تلك الاضطرابات التي سادت فترة من الزمن في منطقة (سيرتا) القديمة، فقد بذر فيها هؤلاء العلماء في نهاية القرن الماضي تلك الأفكار التي- إن جاز التعبير- نسميها (الإصلاح المحلي). ولعل المسنين من رجال قسنطينة يذكرون أي الوسائل استعملتها الإدارة الفرنسية لاستعادة سلطتها ولإعادة النظام والقانون.

لقد ترك سيدي (حمدان) الجزائر وذهب إلى المدينة المنورة ورافقه في هجرته هذه الشيخ (محمد طاهر العنيزي) وقد كان فتياً آنذاك.

****

كان شارع (بن شريف) يزداد حركة وحيوية. الذين يرتدون الملابس البيضاء ويضعون على رؤوسهم عمة ذات طرف يتدلى على الظهر إشارة لعالم الإصلاح، كانوا يمرون إلى مكتب إدارة (الشهاب) الصغير أو مطبعة (صدى الصحراء) التي أطلق فيها الشيخ العقبي عبارة أصبحت شعار الإصلاح، إنها آية قرآنية تتصل بمهمة النبي {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود 11/ 87].

كان منظر الشيخ (بن باديس) عند مروره أمام مقهى بن يمينة في طريقه إلى مكتبه قد بدأ يثير اهتمامنا. فكثير من أفكارنا وآرائنا تتصل بشخصيته أكثر من اتصالها بالشيخ (بن موهوب) الذي كان أول من زرعها في نفوسنا. وربما كان ذلك لأن الشيخ بن باديس قد بدا في ناظرينا خارج الإطار الاستعماري. فقد قطع صلته بعائلته وخاصة والده وهو تاجر كبير وبشقيقه المحامي وزوجه البورجوازية المترفة، هكذا بدا لنا أقرب إلى نفوسنا.

في تلك الفترة التي كنت أفكر فيها بتمبوكتو وأوستراليا أو مخزن في قرية الشريعة، كنت أفكر أيضاً بتأليف كتاب تحت عنوان (الكتاب المنفي) لماذا هذا العنوان وماذا سيكون محتوى الكتاب؟ ..
تلك أسئلة تحرجني لو أن أحداً سألنيها. ولكن الفكرة استهوتني فأخذت أتحدث مع بعض زملائي من المدرسيين كالأخوين (مشاي) القلماويين، وكان يلذ لي أن أحدثهما عن جولاتي الفكرية لأنهما ينصتان إليّ بجدية يظهران معها كأنهما حديثا العهد بديانة ويستمعان لمرشد هام فيها.

وكانت الفكرة تجعلني أكثر استلطافاً للشيخ بن باديس الذي يمثل بنظري الرجل المنفي بسبب وضعه العائلي. فكانت نظراتي تتبعه بعطف وحنان كلما مر أمام مقهى بن يمينة أو توقف في الشارع ليحادث أحد المارة، فهذا الرجل الأنيق المرفه ذو المنبت الصنهاجي كان يحسن معاملة الناس. وكثيراً ما يوقف أحد معارفه ليستطلعه أخبار قريب له مريض أو مسافر.
لقد كانت لديه إنسانية الشيخ سليمان ونظرات الشيخ العربي القاسية. فكانت الأولى تحدُّ من تطرف الثانية في نفسه، وهكذا بات أقرب للنفوس وأبلغ فعالية من معاصريه التبسيين.
لم أكن حتى ذلك الحين قد جالسته في حديث. وإذا عدت إلى أعماق نفسي ففي ذلك العصر كان في نظري لا يمثل الإصلاح، إنما يمثله الشيخ العقبي.

ولم أعترف بخطئي حول هذه النقطة إلا بعد ربع قرن من الزمان. حينما تفحصت شعوري حول هذا الموضوع. حينئذ تبين لي أن السبب يكمن في مجموعة من الأحكام الاجتماعية المسبقة وفي تنشئة غير كافية في الروح الإسلامي.

فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لاشعورياً في نفسي نوعاً من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة، التي كان الشيخ العربي ينتمي إلى واحدة منها. أما الخطأ في حكمي فمرده على ما أعتقد أثر البيئة التبسية في نفسي. فتبسة بسبب حياتها الخشنة منحتني نوعاً من التعالي على كل شكل من الحياة المرفهة.
وكنت أعتقد أنني أكون أقرب إلى الإسلام بالبقاء قريباً من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يحيط به وَسَط متحضر.

وكان الشيخ العقبي يبدو في ناظري بدوياً بينما يبدو الشيخ بن باديس بلدياً. وحين بدأت فيما بعد معركة (الإصلاح) وكنت أحد المشتركين فيها، بقيت أحمل في أعماقي شيئاً من التحفظ تجاه بن باديس وبعض الأسى لكون الشيخ العقبي لا يقود تلك الحركة ولا يرأس جمعية العلماء.
وقد دارت مناقشات طويلة حول هذه النقطة بيني وبين صديقي (محمد بن سعيد) فيما بعد حينما التقيت به في باريس 1931.

ولم أبدأ بالتعرف على خطئي هذا إلا عام 1939، وفي عام 1947 وصلت إلى الاعتراف الكامل بهذا الخطأ، وقد فهمت لماذا كان الشرع الإسلامي يفضل تقديم ابن المدينة ليؤم الصلاة على ابن القبيلة.

وفي عام 1925 كانت أطلق شتائمي ضد جميع (البلديين) في العالم كلما حدث تأخر بسيط في صدور صحيفة (صدى الصحراء)، وكانت هذه الشتائم تصيب بالطبع الشيخ بن باديس.
على كل فالحياة في قسنطينة منعتنا من أن نجمد على موضوع واحد. فإن كل يوم كان يحمل معه عنصراً جديداً يصرف تفكيرنا نحو اهتمامات أخرى أو قلق جديد.

****

ربما كنا في شهر آذار (مارس) من عام 1928.

توقفت في قسنطينة قبل أن آخذ عربة تِبِسّة. لقد أردت أن ألتقي الشيخ بن باديس خاصة. فمجلة (الشهاب) قد جدَّدَتْ في نفسي خلال إقامتي في (أفلو) الأفكار التي كنت أروجها في مقهى بن يمينة والمدرسة.

مررت أولاً بمقهى بن يمينة، وكان يحتفظ بنشاطه الذي عهدته فيه. استقبلوني استقبال الأخ الاكبر. و (الأخوان مشاي) من قالما احتفلا بي كمن يحتفل بمرشده. فحين كنت مدرسياً كنا نقرأ وننقد سوية نصوصاً فرنسية وعربية.

وحينما مر الشيخ بن باديس في طريقه إلى مكتبه تبعته. كان معه بضعة أشخاص، ولربما كان يرى لأول مرة هذا الفتى ذا النظارتين والسروال والحزامين عند ساقه والرأس الحاسر؛ لذا لم يدعُني للجلوس. وتحدثت إليه واقفاً عن أشياء عديدة، وأذكر أني حدثته خاصة عن مشكلة الأرض في جبل عمور. وكان بادياً أن الشيخ لم يُعِر ذلك أي اهتمام، كان متملصاً ومهذباً معاً.
خرجت من عنده وفي نفسي شيء من خيبة الأمل. فَعَجِلْتُ إلى رؤية (باهي) في تبسة والاستماع إلى أسطواناته وقصصه.

وجدت تبسة تغلي بحمى الإصلاح. لقد بُني المسجد الجديد والمدرسة. وقد جُمعت التبرعات من الناس من أجل البناء.

****

ربما زارني (حمودة بن الساعي) وأخوه (صالح) ليخبراني بوصول وفد جزائري على رأسه رئيس (اتحادية النواب) وفرقة من أعضائها مثل (فرحات عباس)، ومعهم كل هيئة أركان حزب الإصلاح، من الشيخ (بن باديس) إلى الشيخ (العقبي).

وفي هذه الأثناء انتهت فترة الامتحانات، ورجعت زوجي إلى بيت (أمي مورناس) التي عزّلت(1) مرة أخرى على عادتها، بعد أن باعت بطريقة مربحة بيتها بـ (لوات كليري)، واشترت بمدينة (دروكس) بيتاً يشرف على النهر الصغير الذي يمر تحت الجسر أمام مصنع الغاز.

فاصطحبتُ زوجي، ريثما أساعدها في نقل أثاثنا من باريس، ثم رجعت وحدي لأنه كان لي مستقر مع حمودة وصالح بغرفتهما، وقررنا زيارة الوفد الجزائري الذي نزل بـ (جراند هوتيل). صاحبنا (علي بن أحمد) وطالب في الطب، كنت أحبه لصلتي بوالده الشيخ (صالح بن العابد)، وعندما وصل وفدنا إلى الفندق وجدنا الشيخ (عبد الرحمن اليعلاوي) كأنه كان ينتظرنا عند الباب فسألناه:

- هل الوفد هنا؟

- لا، إنه خرج في مهمة.

فالتفت (علي بن أحمد) إلينا كأنه غير واثق من صحة الجواب:

- علينا بالدخول على أية حال.

فانهزم الشيخ (اليعلاوي) كأنه متأثر من موقفنا. وإذا بـ (الأمين العمودي)، وقد كان ضمن الوفد الجزائري، على عتبة الباب، وكان لي معه حساباً فانصرف بالنا عن الشيخ (اليعلاوي) فقلت:

- هيه ياسي العمودي ... إنك لم تنشر مقالي عن (المثيقفين)؟

- نعم إنني لم أنشره عن رويّة حتى لا أحطم مستقبل (فرحات عباس) في الحلبة السياسية.
إن ثلث قرن قد مر على ذلك الحين، وقد تصفحت أكثر من مرة ذكريات ذلك العهد، ورأيت عن كثب النتائج السلبية لهذا التفكير الذي واجهني به ذلك اليوم على عتبة (جراند هوتيل) وعن حسن نية مدير جريدة (الدفاع)، إنه لم يتصور مسؤوليته في عدم نشر مقالي إلا في مستوى من ليس له أي خبرة في مجال الصراع الفكري، إذ أنه لم ير أن مقالي قد وصل على أية حال إلى علم الاستعمار وأفاده في زيادة خبرته في شؤوننا، دون أن يؤدي أي دور في توعية الشعب الجزائري، وما كانت نتيجته بالتالي إلا وبالاً على صاحبه، دون أي فائدة للوطن. لقد رشقت فعلاً حربتي في الضباب.

وعلى أية حال فقد وجدنا يومئذ الوفد الجزائري موزعاً في بناء الفندق؛ حلقة الشيخ (بن باديس) من المعمَّمين من ناحية، وحلقة المطربشين من ناحية أخرى، فتوجهنا إلى الأولى فقد كان حول الشيخ زملاؤه من جمعية العلماء، مثل الشيخ (الإبراهيمي) والشيخ (العقبي)، وبجنبه المحامي (سي بلقاضي) المنتمي إلى الإصلاح على الرغم من صلته المهنية بالحلقة الأخرى.
وبعد السلام والتحيات شرعت في مرافعة شديدة.

- يا أصحاب الفضيلة، ماذا أتيتم تفعلون؟ ولماذا في هذا الفندق المترف تنزلون؟ أترون حولكم من أحبار اليهود وقساوسة المسيحية؟. وهل؟. وهل؟ ..

كان كل سؤال موجهاً للشيخ (بن باديس) خاصة، فكان الأستاذ (بلقاضي) هو الذي يرد عنه بجدارة المحامي المتمرن على أسلوب الدفاع.

لم أكن في الحقيقة مدركاً لجوهر الموقف تمام الإدراك، وعندما أدركت بعد مرور السنوات، فهمت أن مفهوم الإصلاح لا يعني شيئاً واحداً في عقل تمرن في المنطق (الكارتزياني)، وفي عقل كونه علم الكلام.

فلما رجعت إلى (دروكس) تلقتني زوجي:

- يا صدّيق إنني سأخبرك بشيء لا يسرك ...

لاشك أن الإصبع الذي يضغط على زر آلة الكترونية، يحدث في كل أجهزتها حركات دقيقة، كذلك حرّكت كلمات (خديجة) في عقلي تياراً من الاحتمالات المشؤومة، بينما أتلقى من يدها ورقة بعنوان مدرستي.

إنه مر على ذلك الحين أكثر من ثلاثين سنة، ولكنني ما زلت أتذكر ما قرأت في الخطاب كأنني أقرأه اليوم: (( ... إن سكرتارية المدرسة الخاصة للمكانيك والكهرباء، تخطركم بأنكم لم تستوفوا شروط الامتحان في بعض المواد ))..

قرأت هذا، ولا أدري إذا كان المحتوى قد هالني في رجاء خاب بطريقة غير متوقعة، أم مسّني أكثر بمعناه الأخلاقي؟ ..

كنت أقدس العلم لأنني أؤمن بقيمته الأخلاقية، وكانت تلك القيمة مشخصة في نظري، في المدير (سودرية)، فقد كان تقديسي العلم ينعكس على شخصه، فانهار في لحظة إيماني بالعلم والعلماء ذلك اليوم.

ولكن الأحداث التي توالت في تلك الفترة كانت على نحو جعل كل فاجعة منها تغطي على الفاجعة السابقة، وكان الضرر الذي يأتي اليوم يضمد بقساوته الضرر الذي شعرنا به الأمس.

وإذا بالصحافة تنقل نبأ مقتل مفتي الجزائر الشيخ (بن كحول) وتعزوه إلى (جمعية العلماء)، وإذا بالصحافة تنقل في الأسبوع نفسه، أن زعيم حركة (اتحادية النواب) الذي كان على رأس الوفد الجزائري، عاد إلى فرنسا في زيارة خاطفة، وأنه عند نزوله من الباخرة بميناء مرسيليا، قد استنطقته الصحافة:

- ما هي علاقتكم بجمعية العلماء؟

ففهم الزعيم بالضبط معنى السؤال الخبيث في ذلك الجو، فما زالت جثة مفتي الجزائر تستقطب كل الأحاديث السياسية، فقال رداً على السؤال:

- لا علاقة لنا مع من أيدهم مخضبة بالدم! ..

لم تكن هذه الكلمات طعنة من الخلف موجهة ضد الحركة الإصلاحية، ولكن الظرف كان يضفي عليها معنى الطعنة في صدر المؤتمر بالذات، الطعنة التي ألقته فعلاً قتيلاً في مهده، بعد شهر فقط من ولادته، وتبخرت في لحظة تلك الوحدة المقدسة التي ضمت في صف واحد كل القوى الشعبية، بعد ربع قرن من سير حثيث موفق نحوها.

والآن بعد ثلث قرن لم يتغير حكمي في القضية: إن الظروف السانحة وضعت العلماء أمناء على مصلحة الشعب، فسلموا الأمانة لغيرهم لأنهم لم يكونوا في مستواها العقلي، وسلموها لمن يضعها تحت أقدامه لتكون سلماً يصعد عليه للمناصب السياسية.

ولا مجال هنا لبحث القضية في جوهرها الحضاري، لفحص الأسباب التي جعلت العلماء أي الطائفة المتكونة من بوتقة ما نسميه (الثقافة التقليدية) لا يستطيعون القيام بالمهام الكبرى.


(1) عزّلت: انتقلت من بيت إلى بيت باللهجة المصرية.

آخر التغريدات: