استقالة الشيخ العقبي من الجمعية وحادثة الرسالة الملعونة

بقلم: عبد الرحمن دويب-

قال شاعر الجزائر الشيخ محمد العيد آل خليفة في حادثة الشقاق التي وقعت بين الجمعية ورئيسها الإمام عبد الحميد بن باديس من جانب ،و بين الشيخ الطيب العقبي من جانب آخر ،والتي نتج عنها استقالة هذا الأخير عن جمعية العلماء ،و تبعتها أحداث كادت أن تذهب بريح الجمعية:

خصمان فيما يفيد الأمة اختلفا ....إيّاك أن تنقص الخصمين إياكَ

كلاهما في سبيل الله مجتهد .... فلا تذمن لا هذا و لا ذاكَ

كثير من الأحداث يتغاضى الكتّاب عن الحديث عنها لأنها كانت في وقت من الأوقات سببا في نشوء الخلاف ،وذهاب ريح التعاضد و الوحدة بين المتآخين، أو سبيلا سلكه من يريد إحداث الفرقة بين المتعاطفين.وهكذا اعتقد كثير من النّاس ،بأن مثل هذه القضايا ممّا لا ينبغي إثارتها و لا الخوض فيها ،فهي عندهم من جنس الأخبار التي يجب أن تُطوى و لا تُروى، و هكذا ضاعت عللُ المجتمعات،و جُهلت أدواؤها،وصار عالم المثالية يطغى على عالم الواقعية،في التحليل والتفكير و التنظير.

فكلما أراد كاتب أن يتصفح ليكتب عن أحداث من جنس موضوع مقالنا،عُدّ عمله هذا نشوزا،وأقام له بعض من لا يميّز بين الأشياء،حواجزَ فكرية، وصنع له أوهاما من العقبات،وبنى أمامه أسواراً من الموانع ،تعطِّل عطاءه، وتمنع قلمه، من أن يستظهر الحقائق ليلتمس العبر،وكل هذا ينبىء عن العجز في التفكير،وقصور في الإستعداد وبلادة في الفهم .إذ قراءة الأحداث لمعرفة النفس البشرية وما تنطوي عليه من خفايا،وكذا محاولة فهم سلوكيات الإنسان و تصرفاته،تعد من أهم المحاور التي تناول القرآن الحديثَ عنها. نعم يصحّ هذا الزّعم ،إذا كان الغرض من فتح مثل هذه الملفات هو إثارة غبار الفتنة لإحياء ما اندرس من سخائم الحقد في صدور النّاس، أو كان قصد الكاتب نشر المثالب والمعايب، أمّا إذا كان الغرض هو استثمار مثلِ هذه الخلافات لتصحيح مسار العمل الجمعوي، أو استغلالها في معرفة الأدواء ،لتجنب الأخطاء ،و لِتنكّب الوقوع في نظائرها،فمثل هذه المقاصد الحسنة و الموجّهة ،لا أظن عاقلا ينكرها ،أو يرمي باللوم على من تصدّر للحديث عنها، ألم يقصّ علينا الله سبحانه وتعالى، ما فعله إخوة يوسف بأخيهم ؟فهل هذا الخبر جعلهم غرضا للسب و الشتم؟إنّ الرجل إذا كان ممن جاوز قنطرةَ الفضل،و شهد له تاريخه بالصدق و النبل،فإن الحديث عن بعض ما صدر عنه مما يعده هو صوابا،ويراه غيره خطأ لا ينقص من قدره و لا يحط من منزلته.

1- مدخل إلى الحادثة:

يُعدّ الشيخ العقبي من روّاد الحركة الاصلاحية في الجزائر،بل هو عمودها الأساسي في عاصمة الجزائر، فمنذ مجيئه إلى العاصمة و استقراره فيها سنة 1930،و هو يتولّى منصب المحاضر الدائم بنادي الترقي الموجود بقلب العاصمة بساحة الشهداء،فكان يتصدى في خطاباته لكل أصناف أعداء الدين والوطن،كما كان ينشر مقالات تحت لواء الإصلاح،أحدثت ثورة فكرية و عقدية بين أوساط الناس،فكان عمله هذا لا يروق أطرافا كثيرة في الجزائر،ولمّا رأى أعداء الحركة الإصلاحية تزايد أعداد أنصاره،الذين كان أغلبهم من عمّال الميناء الذين يرتدون لباس "الجونغاي؟" الأزرق اللون،كانت الإدارة الفرنسية تلقبهم بالزّرُق،كما كان أعداؤه من الطرقية يلقّبون أتباعه بالعقبيين، رغم أن عمله في الإصلاح جاء متأخرا عن عمل الشيخ ابن باديس، لكنّ قوة تاثيره و صلابته في الدّعوة جعلت الناس تأوي إليه، و تركن إلى الانتساب إليه.
و كانت الإدارة الفرنسية تُصدر القرارات المجحفة لتعطيل الحركة الاصلاحية في الجزائر،وكانت تلك القرارات غالبا ما تقصد الشيخ العقبي في شخصه و نشاطه ،فلم تأثر فيه تلك العراقيل،بل زادته ثباتاً و صلابة. كما كانت تتّبع أنفاس الشيخ،وتحسب له الحسابات،وتتصيد له الأخطاء الإدارية وتترصد له الهفوات القانونية،وكان الشيخ من جانبه يتجنب صدور ما يخالف النظام العام حتى لا يقع فريسة سهلة في حبائل الإدارة.و لمّا اشتدّ عمل الاصلاحيين على الإدارة الفرنسية،خاصة بعد تدخلهم العلني في شؤون السياسة سنة 1936، ومشاركتهم في المؤتمر الإسلامي الذي دعت إليه الجمعية، نفذ صبر الإدارة الفرنسية و أوحت لها لغة المصالح والمطامح إيجاد مخرج يتم من خلاله غلق ملف طالما أهدرت قواها لإنهائه وإغلاقه..
فبعد التفكير و التقدير،رأت أن تضحي بمفتي الجزائر العاصمة ،الشيخ كحول بن دالي،فجعلته قربانا في سبيل مصالحها، رغم أنه من الموظفين المخلصين لإدارتها ومن ألد خصوم الشيخالعقبي، ومن أشد أعداء جمعية العلماء، غير أن هذا لم يشفع له أمام مصالح الإدارة التي تنظر للجزائريين كلهم بعين الازدراء و الاحتقار، وإن قدموا لها جميع أصناف الولاء وعادَوْا من أجلها الأهل و الأقرباء.

فاغتنمت الإدارة الفرنسية وجود هذا الإختلاف بين المفتي من جهة، وبين الجمعية والشيخ العقبي من جهة أخرى،فأوحت إلى شاب منحرف بقتل مفتي الجزائر آنذاك، وإلصاق التهمة بالشيخ العقبي و ممول الجمعية الفاضل عباس التركي ،و كان تنفيذ هذه الجريمة في اليوم الذي عقد فيه المؤتمر الإسلامي تجمعا كبيرا بملعب 20 أوت في العناصر حاليا.
فاستطاعت فرنسا بهذه الجريمة أن تحقق أهدافا طالما تمنت تحقيق بعضها بعد تعب ونصب ،فقضت على المؤتمر الإسلامي بتفريق تشكيلاته، وضيقت الخناق على نشاطات الجمعية،وهذا بإلقاء القبض على الشيخ العقبي الذي يعد من أعمدة الإصلاح في هذا الوطن،كما ألقت القبض على أهم ممول لنشاطات الإصلاحيين،و كذلك من نتائج هذا المكر أنها أحدثت خرما عميقا بين الإصلاحيين، وبين الطرقيين الذين كانوا يعدون المفتي كحول أحد أعمدتهم في محاربة جمعية العلماء، وهذا ما يفسر عمق الأثر الذي أصيبت به الحركة الإصلاحية في الجزائر بعد هذه الحادثة.

طبعا هذه مقدمة كان يجب علي إدراجها في بداية مقالنا ليسهل علينا بعد ذلك فهم ما يتبعها من أحداث ،و هي بيت القصيد من حديثنا،و محلّ الشاهد فيه.

2- عرض الحادثة:

بعد حادثة الاغتيال واتهام الشيخ العقبي بها أو بالتحريض عليها، ضيقت الإدارة الفرنسية على نشاط الشيخ،فكانت بعد إطلاق سراحه من السجن-و هذا بعد اعتراف الجاني بأن الشيخ ليس له أي دخل من قريب ولا من بعيد بهذه القضية-و رغم ذلك كانت الإدارة الفرنسية في كل مرة تستدعي الشيخ إلى مجلس القضاء للتحقيق معه ،و لمساومته في التخلي عن الإصلاحيين مقابل التنازل عن اتهامه، فأبقاه تحت الحراسة القضائية في حرية مؤقتة..

وتكرّرت هذه المحاولات، وهُدِّد الشيخ بالسجن في عدة مقابلات مع القضاء الفرنسي ،الذي أبقى ملف القضية مفتوحا ليستطيع استغلاله في المناسبات الحرجة.

هكذا و في بداية الحرب العالمية الثانية،أي قبل حدوثها سنة 1938،بدأت فرنسا تجمع صفوفها وتميز أعداءها، في الداخل قبل الخارج ،فكان لزاما عليها أن تضمن ولاء الجزائريين لها،قبل خوض الحرب حتى لا يستغل أعداؤها أهالي الجزائر لإحداث شرخ في صفوفها،فرأت -كما قال الأستاذ طاهر فضلاء :"أنّ على جمعية العلماء بمناسبة هذه الظروف الحرجة،أن تبعث برقية باسمها، وباسم المسلمين بالجزائر إلى فرنسا في فرنسا ،تعلن فيها و لأهاليها بصفتها حامية الديموقراطية والحرية في العالم...!، وتدين فيها الدكتاتورية التي تهدد الحريةَ الدّيموقراطية في العالم"

و لمّا كان الشيخ العقبي هو المؤهل لتسليم هذه البرقية ،بحكم ظروفه الخاصة،استُدعي من طرف الإدارة الفرنسية، واُبلغ بمضمون الرسالة وما تحويه من مقاصد،أبدى موافقة منه على إثبات إمضائه، غير أن الإدارة طلبت منه إمضاء رئيس الجمعية، حتى تصير الوثيقة بمثابة فتوى شرعية توجب على مسلمي الجزائر الوقوف إلى جانب فرنسا في حربها مع دول المحور، ورسالةَ ولاءٍ و خضوع للإدارة الفرنسية الغاصبة الظالمة.

فأزمع الشيخ على عرض المسألة على الإمام ابن باديس، فلمّا عرضها عليه رفض ابتداءً قبولَ الأمر،فلمّا أصرّ عليه اتفقا على عرضها على مجلس الشورى في الجمعية .

فاستدعى الشيخ أعضاء إدارته،و عقدوا مجلسا استثنائيا حضره الجميع ،وعُرضت القضية التي أصبحت تُعرف بـ"محنة الرسالة الملعونة أو المشؤومة"  على بساط النقاش، وارتفعت الأصوات و تضاربت الأفهام بين مؤيد و معارض، وخرجوا بعد نقاش حاد برفض هذا العرض، وعدم إمضاء الوثيقة،الأمر الذي نتج عنه استقالة الشيخ العقبي عن جمعية العلماء، وممّا تذكره صفحات التاريخ عن وقائع ذلك الإجتماع أن الشيخ العقبي رحمه الله تعالى كان من بين ما تعلّق به من الحجج و الأسباب التي دفعته إلى التمسك برأيه أن قال:"إنّ لي بضعة من الأبناء أعولهم،وأقوم بخدمتهم" يعني أهله وأولاده، يشير إلى الظغوطات التي تمارسها الإدارة ضده،في حالة ما إذا رفض الإمضاء على الرسالة،فقال له الشيخ ابن باديس:"إذا كان لك أنت بضع من الأولاد ،فأنا كل أبناء المسلمين في الجزائر أبنائي"، فانتهى المجلس باستقالة الشيخ من عضوية مجلس الإدارة.

3- قراءة في الحادثة:

لا يهمنا عرض الحادثة بقدر ما يهمنا اعتبارها و أخذ العبر منها، فأول ما يلفت انتباه المتتبِّع للأحداث، هو الليونة التي تميزت بها سلوكات الشيخ الطيب العقبي في معاملته مع الإدارة (الفرنسية؟)، تحت الظغوطات الممارسة عليه. فالذي يعرف مواقف هذا الإمام قبل هذه الحادثة، لا يمكن أن يتصور صدور ما يخالفها عنه بعد هذه الحادثة، فالرجل بعدما كان شديدا على الطرقية إلى درجة أنه في العشرينيات رفض الكتابة في جريدة الشهاب، لأن صاحبها ابن باديس رأى و بعد معارك شديدة في الصحف مع الطرقيين،عدم جدواها، فدعا في مقال له إلى الحسنى ورأى أن يشتغل كُتّاب الشهاب بجوانب أخرى في الإصلاح، فأرسل له الشيخ العقبي رسالة نشرتها الشهاب مفادها أنه غير موافق على هذا النّهج، وأنه ابتداء من هذا العدد، لا ولن ينشر مقالاته في الشهاب،حتى تعود إلى منهجها القديم الذي يقضي بفضح الطرقية وبيان جهلهم، فسافر الشيخ ابن باديس إلى بسكرة ليقنعه على صحة مقصده،غير أنه رفض الرجوع عن رأيه حتى أعاد إمام النهضة فتح ملف الحديث عن الطرقية في شهابه، فكتب له الشيخ العقبيرسالة أو مقالة عنوانها "الآنَ نعم!".

هذه ميزة الشيخ العقبي يتميز بها ،كما قال عنه تلميذه الأستاذ محمد الطاهر فضلاء "لقد عرف الناس جميعا -و العلماءخصوصاً-ميزةً للشيخ العقبي كانت له ديدناً مألوفا، يتمسك به تمسك المستميت،وهي صلابته في الحق ،أو فيما هو موقن بأنه الحق ،إلى درجة الحدّة،وكان الجميع يجلونه على هذه الميزة، ويقدرونه في كثير من الإجلال والإعجاب".اهـ وهذا مايفسر تمسكه الشديد بمواقفه، وعلى هذا نحمل كلّما صدر عنه من مواقف سلبية لشدة مزاجه وقوة شكيمته.
فهل يمكن لرجل كانت هذه بعض أرائه،أن يتحول إلى رجل مسالم مع الطرقية؟ إلى درجة أنه صار يكتب في جرائدهم في الأربعينات، بل صارمن ألد خصوم الجمعية ،فكان يتهم رئيسها الثاني بما هو براء منه؟ ويرميه بالعطائم؟ ونحن لا نشك في مروءته،و لا نطعن في دينه أو صدقه،ولكنّ الأحداث والمحن والفتن، قد ترفع أُناساً كانوا في الحضيض،كما أنها قد تنقص من شأن آخرين كانوا قد بلغوا عنان السماء في الصدق والنبل. والذي نستخلصه من خلال عرضنا لهذه الحادثة،أنّه ينبغي للمتصدين لصناعة الرأي و توجيه الفكر،أن لا يغلو في دينهم و عليهم بالاعتدال و الوسطية،و أن لا يُذِلّوا أنفسهم بأن يحمّلوها ما لا تطيق من أعمال... وأن يصبروا عند المحن و الفتن،و أن لا يفارقوا السواد الأعظم من المسلمين،حتى لا يحدثوا شرخا في الصفوف قد يستغله أعداء الدين والوطن، فيكونوا فريسة يسهل مساومتها على المبادىء التي تؤمن بها،و أن يعلم من رمى بنفسه إلى أحضان أعداء أمّته،أنّه أول قربان يقدموه في سبيل مصالحهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وأن لا يغتر الإنسان بصلابته و شدته،فالعبرة بكمال النهاية،لا بنقصان البداية،و أن كل عمل جماعي معرض  أصحابُه للشّقاق و لحدوث الشروخات فيه. و قبل ختام المقال ،يدعونا واجب النزاهة، ويقضي علينا بأن نذكر أنفسنا بمقامين اثنين:

أولاً: أن من ثبتت عدالته و تواترت أفضاله، وصحّت مروءته،يجب علينا أن نلتمس له الأعذار، ونحسن فيه الظنون،و إذا اقتضى المقام الخوض في بعض أخطائه لتجنبها ،فلا بدّ من بيان فضله و نبله،حتّى لا يكون غرضاً لسهام ألسنة الجُهّال.

قال الأستاذ محمد الطاهر فضلاء: "أفضال الشيخ الطيب العقبي من أفضال الله علينا في هذا الوطن،و ذكره بمحامده و مناقبه من أوكد واجبات الوفاء له،"ص 8،من كتابه " الطيّب العقبي رائداً لحركة الإصلاح الديني في الجزائر "

ثانياً: نُقلَ عن بعض علماء الجرح والتعديل مِن سلف هذه الأمّة وهو الإمام يحيى بن معين رحمه الله تعالى أنّه قال:"إنّا لنطعن -أي نتكلّم فيهم -بما يقضي علينا إصلاحُ ديننا على أقوام لعلّهم قد حطّوا رحالَهم في الجنّة منذ أكثرَ من مائتي سنة! "

(قلت: هذا وأين جرح وتعديل السلف من جرح وتجريح 'بعض الخلف' في أيامنا هذه)
وذكروا أنّ رجلا دخل على الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم، و هو يقرأ على الناس كتاب" الجرح والتعديل"فحدّثه بقول يحي بن معين، فبكى و ارتعدت يداه حتى سقط الكتاب من يده،وجعل يبكي ويستعيده الحكاية، ولم يقرأ في ذلك المجلس شيئاً! أنظر (تاريخ دمشق 3635). لعلّنا نتكلم على رجال حطّوا رحالهم منذ عشرات السنين، فرحم الله علماءنا، وأجز ل مثوبتهم، ورفع منزلتهم في قلوب الناس.


المقالة نُشرت بالعدد8 جريدة المثقف.

آخر التغريدات: