الشيخ العقبي ومكانته في الإصلاح

بقلم: محمد الصالح رمضان-

ولد ليلة النصف من شعبان سنة 1307 هـ ببلدة "سيدي عقبة" شرقي مدينة بسكرة بنحو عشرين ميلا .والده هو:  محمد بن إبراهيم بن الحاج صالح.

ووالدته: من قرية ليانة القريبة من بلدة خنقة سيدي ناجي في الزاب الشرقي، من أسرة آل خليفة المعروفة هناك بلقب ابن خليفة. انتقل ـ وهو صبي ـ مع عائلته التي هاجرت كلها إلى الحجاز سنة 1313 هـ وفي عمره ست سنوات.

استقرت العائلة بالمدينة المنورة وفيها نشأ الصبي وتربى وحفظ القرآن برواية حفص، وتعلم مبادئ الإسلام واللغة العربية، وفيها توفي والده سنة 1320 هـ أي بعد أن استقر بها سبع سنوات، وابنه الطفل ما يزال دون الحلم، فتربى يتيما في حجر أمه مع اخوته الصغار، وتسنى له مع ذلك اليتم أن يقرأ العلوم بالحرم النبوي الشريف، العلوم التي كانت تدرس فيه إذ ذاك. وكما توفي أبوه بالمدينة توفيت أمه وأخته بها، وتوفي عمه وعم أبيه وجل عائلته، ودفنوا بمقبرة البقيع هناك ـ رحمهم الله ـ .

حياته بعد ذلك:

شرع يكتب في الصحف السيارة هنالك، ويقرض الشعر قبل الحرب العالمية الأولى، وكان الحجاز ومكة والمدينة تابعة للخلافة العثمانية في تركيا، فاعتبره رجال تركيا الفتاة من جملة السياسيين أنصار النهضة العربية ضد تركيا، فنفوه من المدينة إلى ( أرض روم ) بتركيا، ثم إلى (الأناضول) مرة أخرى، وذلك بعد ثورة الشريف حسين عليهم بالحجاز، ودام إبعاده أكثر من سنتين.
وبعد انتهاء الحرب العالمية سنة 1918 م ورجوع المبعدين إلى أوطانهم عاد إلى المدينة بعد انتصار الشريف حسين عاهل مكة على الأتراك فتلقاه الشريف حسين بالتجلة والإكرام، وأسند إليه إدارة جريدة القبلة والمطبعة الأميرية، وهما من مشاريع الدولة العربية الناشئة بالحجاز، فتولى إدارتها بنجاح. ولما لم يستتب الأمن والإستقرار للشريف حسين بسبب ثورات السعوديين عليه، رجع الشيخ الطيب العقبي إلى الجزائر مسقط رأسه وموطن آبائه وأجداده يوم 4 مارس 1920م الموافق لـ 23 محرم 1335 هـ وكان عمره 27 سنة فهو في عز شبابه. وبعد أن استقر في بلدته "سيدي عقبة" وتفقد أملاك عائلته وسوَّى مشاكلها فيها، استقر في مدينة بسكرة وأخذ يعلن عن أفكاره الإصلاحية السلفية، ويلقي دروس الوعظ والإرشاد بمساجدها، ويحارب البدعة والخرافة والتدجيل، فقامت قيامة الطرقيين ضده، ولم يبال بهم لضعف حججهم وعدم تمكنهم من فهم دينهم كما يجب، والتف حول الشيخ الطيب نخبة المثقفين والرجال الواعين في المنطقة فآزروه وعاونوه، واشتهر من ذلك الحين أمره، وعلا صيته.
وعاوده الحنين إلى الصحافة فأنشأ جريدة الإصلاح ببسكرة بمساعدة أصحابه وأنصاره.
ثم انتقل إلى العاصمة بطلب من جماعة نادي الترقي و الجمعية الخيرية به، قبل تكوين جمعية العلماء المسلمين، وأصبح واعظا مرشدا في الجامع الجديد بالعاصمة، ومحاضرا رسميا في النادي المذكور. وبعد تأسيس جمعية العلماء سنة 1931 م وكان من بين مؤسسيها وأعضاء مكتبها الإداري الدائم، وكان نادي الترقي مقرها الرسمي، واعتبر الشيخ الطيب أحد أساطينها الكبار الثلاثة:" ابن باديس، والعقبي والإبراهيمي" وتوزعوا على العمالات الثلاث إذ ذاك يمثل كل واحد الجمعية في عمالته وكان مقرها الأول مدينة قسنطينة، ومقرها الثاني العاصمة، ومقر ها الثالث تلمسان. وبقية أعضاء الجمعية ومشايخها في كل عمالة يعودون إلى ممثلها في تلك العمالة.
وكان الشيخ الطيب العقبي في ذلك الحين داعية الغصلاح بحق وصدق، وكان صيته أعلى من غيره، إذ كان شعلة متقدة لا تخبو من ذكاء وطاقة حية لا تفتر من نشاط وعطاء في العاصمة وضواحيها، كما كان من قبل في بسكرة ونواحيها، يعرفه الخاص والعام والعدو والصديق.

وفي عهد المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي دعا له ابن باديس وتكون سنة 1936 م لجمع طبقات الشعب كلها في كتلة واحدة، وأيده النواب المسلمون والأحزاب والمنظمات، فانظموا للمؤتمر، وأصبحت هذه التشكيلة تمثل الشعب الجزائري كله بجميع فئاته وطبقاته، ومثله الشيخ العقبي خير تمثيل في لجانه واجتماعاته وفي وفده إلى فرنسا لتقديم مطالب الشعب الجزائري إلى الحكومة الفرنسية.

كان ذلك في عهد حكومة الواجهة الشعبية أو الجبهة الشعبية وهي حكومة اشتراكية يسارية تنفس في ظلها أهالي المستعمرات بعض الشيء ومن بينهم الشعب الجزائري ولكن كما يقول الشاعر:

وللمستعمرين وإن لانوا ** قلوب كالحجارة لا ترق

ضاقوا ذرعا بهذا التكتل وراء المؤتمر، وهذا الاتحاد المفاجئ الذي لم يألفوه في هذا الشعب الذي مزقوا وحدته وقضوا على ترابطه، فكادوا له المكائد لتفريقه وتشتيته، وكان من بين المكائد اغتيال الشيخ ابن دالي كحول مفتي المالكية بالعاصمة، واتهام الشيخ العقبي وعباس التركي بالتحريض على قتله، ثم إلقاء القبض عليه وعلى عباس التركي وزجهما في سجن باربروس ـ سركاجي ـ مع المجرمين اللصوص والقتلة، ثم قدما للمحاكمة كمجرمين خطيرين سعيا في قتل أحد أعوان فرنسا وصنائعها الكبار، وهم يقصدون بذلك تلويث سمعة الشيخ الطيب العقبي وجماعة العلماء بالإجرام والفتك وسفك الدماء، ثم التضييق عليه وعليهم، وتنفير الناس منهم، وتفريق الجمع وصدع الشمل، لذلك التكتل وراء المؤتمر، وبالفعل انفصل النواب عن العلماء وعلى رأسهم الرئيس ابن جلول، ثم رفضت مطالب وفد المؤتمر الذي سافر إلى باريس وعاد بخفي حنين، وتشتت المؤتمر، وعكف الشيخ العقبي بعد ذلك الامتحان العسير في السجن وفي المحاكمة، ولما برأت ساحته العدالة وأفرجوا عنه لزم بيته مدة واعتدل في دعوته الدينية وتخلى عن السياسة وعن التعرض للسلطات الحاكمة، فلما جاءت الحرب العالمية الثانية سنة 1936 م رغب من جمعية العلماء أن تقدم برقية شواهد الولاء والإخلاص للحكومة تقية منه وحفاظا على الجمعية فيما يرى كما فعلت الهيئات والشخصيات لكي لا يقضى على الجمعية في الحرب، ولكن اقتراحه هذا لم يحض بالقبول ورفض من طرف الأغلبية، فاعتزل الشيخ الجمعية، وتقلصت حركته وسمعته، ولازم بيته وناديه إلى أن توفاه الله سنة 1960 م في خضم حرب التحرير المباركة .

رحمه الله رحمة واسعة

آخر التغريدات: