البعد الديني في الفكر الإصلاحي لعبد الحميد بن باديس

بقلم: معط الله فتيحة -

إن الإصلاح عند عبد الحميد بن باديس معادل للبعث الحضاري الشامل فهو حركة إيجابية مقاومة للفساد، سواء فساد المبادئ والقيم، أم فساد السلوك والممارسات.

لقد شغل الإصلاح الديني في منظومة عبد الحميد الإصلاحية حيزا كبيرا، كون أن ابن باديس يعد بالدرجة الأولى مصلحا دينيا ومرشدا أخلاقيا، وفقيها مجتهدا في استنباط الأحكام والمقاصد الشرعية، ولهذا اخترت بقدر المستطاع الاهتمام بهذه الجوانب الدينية مبرزة آفاق مشروعه النهضوي القائم على جدلية الأصالة والمعاصرة، وأن أبرز ما انطوى عليه منهجه التجديدي من علاقات التقابل بين ثنائيات كبيرة، الإصلاح والطرقية العقل والنقل، العلم والأخلاق، التفكير والاجتهاد، وما إلى ذالك من ثنائيات كانت محور مسيرته الإصلاحية.

لقد اعتبر ابن باديس حرية العقيدة أساس الحريات كلها، فهي تقتضي تحرير النفس والفكر والضمير وبعدها تحرير البدن لإنجاز الأعمال الدنيوية والأخروية وأكد ذلك في قوله: "وإذا تحررت أرواحنا وعقولنا فقد حررنا كل شيئ"(1).

وحتى يقضي ابن باديس على فساد الممارسات والسلوك، بين معاني الحرية في الشريعة وبأنها تضُبط بأحكام وقواعد أخلاقية أساسها الأخوة والعدل والنظام والتسامح بين البشر، خلافا لما قامت عليه الأديان الأخرى.

مقدمة:

لقد أدرك ابن باديس أن للإصلاح الديني مكانة بالغة في النهوض بالأمة، وبعثها إلى مصاف الحضارة الحقيقية، فكان يجاهد في هذا المضمار جهادا كبيرا، امتد طوال حياته، يدافع عن الإسلام وأصوله، ملحا في الوقت ذاته على فتح أبواب الاجتهاد أمام العلماء والفقهاء، وبالفعل فقد سجل هو ورفقاؤه في هذا الميدان مواقف مشرفة، باتت خادمة الدين في الجزائر.

ولدراسة هذا الموضوع يمكننا طرح الإشكالية التالية: كيف استطاع ابن باديس أن يزاوج بين الأصالة بمفهومها الديني كقاعدة، وبين الحداثة والمعاصرة كهدف في منظومته التفكيرية؟

وقبل الإجابة على هذه الإشكالية وتحليل ما انطوت عليه من أبعاد وجوانب حضارية في مجال الإصلاح الديني الذي سعى ابن باديس إلى بنائه على أسس وثوابث، تجلت في الرجوع إلى الأصلين، القرآن والسنة والتنظير لمبدأ الاجتهاد، والتركيز على دروس التفسير واستنباط الأحكام الشرعية، كان لابد علينا من تحديد مفاهيم لها علاقة بالانسان الذي سعى ابن باديس إلى توجيه وإرشاده وبنائه بناء روحيا وفكريا يتماشى وحياته العاجلة والآجلة، وأعماله التي هي جارية في الإصلاح على حسب تفكيره، ومنجزاته التي ضمن بها الرقي والنهوض...، فما هو الفكر؟ وما هو الإصلاح؟

1- مفهوم الفكر:

مما لاشك فيه أن كل حضارة هي ثمرة للفكر الإنساني الذي يتطور ومتطلبات الحياة، فما هو تعريف الفكر في اللغة وفي الاطلاح؟

تعريف الفكر لغة: هو إعمال الخاطر في الشيء، يقال رجل فكير اي كثير التفكر أو كثير التفكير والتأمل(2).

وهو استعمال العقل لإدراك العلوم والمعارف، والتفريق بين الحق والباطل، إنما يعلم الفرق بين

هذا وذاك من له لبّ وهو العقل(3) وهذا ما تؤكده الآية ال كريمة: " قلُ هلَ يسَتوَي الَّذِّينَ يعَلمَوُنَ وَالَّذِّينَ لَا يعَلمَوُنَ إنَّماَ يتَذَكَّر أُّولوُ الْأَلبْاَبِ" الزمر::9.

تعريف الفكر اصطلاحا: أما عن معنى الفكر اصطلاحا، فنستخلصه من خلال ما جاء به ابن خلدون في مقدمته، فهو يقول "أن الفكر تميز به البشر عن الحيوانات، واهتدى به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه مع أبناء جنسه، والنظر في معبوده، وما جاء به الرسول من عنده، فصارت جميع الحيوانات في طاعته وملك قدرته، وفضله على كثير من خلقه"(4).

فابن خلدون جعل للعقل ميدانا وللشرع ميدانا آخر، فلا يمكن للعقل أن يستقل بالمعرفة المطلقة أو يصل إلى الهداية الصحيحة، دون أن يهتدي ويتصبر بنور الشرع، بل هو عاجز عن إدراك الحقيقة اذا لم يستعن بوحي الله تعالى، قال عزّوجل "وَاللَّهّ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بطُونِ أُّمّهاَتكِمْ لَا تعَلمَوُنَ شَيْئاً وَجَعَلَ لكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبصْارَ وَالْأَفْئدِةَ لعَلَّكُمْ تشَكرُوُنَ" النحل: 78.

لقد فصل ابن خلدون بين تفكيرين، هما العلوم العقلية وأداة تحصيلها هي الحواس والعقل، أما العلوم النقلية وسبيلها إلينا هو الوحي(5)، وينقسم الفكر إلى ثلاثة مراتب وهي:

الفكر العلمي: وهو الذي يستعمله الإنسان للضرب في الأرض للحصول على حاجياته ليومية، وهنا يقول ابن خلدون "ومنها السعي في المعاش، والإعتماد في تحصيله، واكتساب أسبابه، فهداه الله إلى التماسه وطلبه"(6)، وقوله تعالى: "قاَلَ رَبُّناَ الَّذِّي أَعْطَى كُلَّ شيَء خَلقْه ثُمَّ هدَى" طه: 50.

الفكر الإجتماعي: وهو ما ينظمه الانسان من علاقات اجتماعية على شكل ممارسات أخلاقية وسلوكية.

الفكر النظري: هو الذي يستعمله الفرد في إدراك العلوم وبه يتميز الإنسان عن الحيوان (7).

وبعد كل ما سبق نستنتج أن الفكر صفة سامية ميز الله بها بني البشر عن سائر المخلوقات الحية، للتدبر والتأمل ومعرفة الأسباب واستخلاص النتائج.

2- مفهوم الإصلاح:

تعد كلمة الإصلاح من أهم ما حوته الحضارة العربية الإسلامية وقد تفننت في شرحها وتحليلها كتب ومعاجم عديدة.

لغة: كلمة مشتقة من الفعل، صَلحَ، أصلحَ، صلَّحَّ، وهو تغيير حالة الفساد،أي إزالة الفساد عن الشئ، ويقال أيضا، "هذا يصلح لك أي يوافقك ويحسن بك"(8)، وجاء في لسان العرب: الإصلاح نقيض الفساد، وأصلح الشيئ بعد افساده، أقامه (9).

وأصلح في عمله أو أمره، أتى بما هو صالح ونافع أي أزال الإفساد(10).

وإصلاح الفساد يحتاج إلى عمل منظم ومدروس وقد أوصى القرآن في كثير من الآيات بالإصلاح ونشره بين الناس ومن الآيات التي اتخذها المصلحون شعارا لحركاتهم، قوله تعالى: "إِنْ أُّرِيدُ إلَّا الْإصْلاَحَ مَا اسْتطَعْتُ وَمَا توَفِيقِي إلَّا بِاللَّهِّ علَيَهِ توَكَلْتُ وَإليْهِ أُّنيِبُ" هود: 11.

والمعنى المقصود أن الفوز في أصابة الإصلاح، وتعميمه بين الناس يتوفق على التوفيق من الله وحده.

اصطلاحا: هوما طالبت به الحركة الإصلاحية في مشرقها، ومغربها،"إن الإصلاح حركة إيجابية، مضادة ومقاومة للفساد عامة، سواء في ذلك، فساد المبادئ والقيم، أم فساد السلوك، والممارسات"(11).

كلمة الإصلاح ترتبط بالموضوع المراد اصلاحه، فنقول إصلاح اجتماعي، سياسي، وديني، وثقافي... والإصلاح عند ابن باديس فهو أكثر شمولية، لأنه يربط بين الفكر والعقيدة، وبالواقع والمجتمع (12).

ونستنتج من أن الإصلاح، ينبع عن فكر سديد، ووعي كامل وشامل للحياة، ونقد أوضاعها وأحوالها، ثم إعادة بنائها من جديد ليعم الخير والفلاح.

الجوانب المميزة لفكر عبد الحميد بن باديس الإصلاحي:

إن العيشة التي عاش فيها ابن باديس، والتيارات الفكرية التي كان يصارعها، والضغوطات الاستعمارية التي نالت منه ومن شعبه صنعت منه شخصية قوية بإسلامها، متطورة في فكيرها، شخصية تجمع في تفكيرها بين الاهتمام بالماضي، والتطلع إلى المستقبل بين الأنكفاء على الذات والتفتح على الغير،... بين الإهتمام بالتراث والإقبال على العلوم المعاصرة وبكلمة جامعة بين . الأصالة والمعاصرة (13).

وسنحمل بعد هذا التمهيد بعض خصائص ومميزات فكر ابن باديس:

1- النزعة العلمية والمعرفية: ينطلق ابن باديس في نزعته العلمية من مرجعية أساسها الإسلام، الذي يجعل لكل شيئ سننا كونية لا تتبدل ولا تتأخر، " سُنَّةّ اللَّهِّ فيِ الَّذِّينَ خَلوَا مِنْ قبَلُ وَلنَتَجِدَ لسِنَّةِّ اللَّهِّ تبَدِيلاً "الأحزاب: 12.

والنزعة العلمية التي أسس عليها ابن باديس منهجه في الإصلاح، قائمة في مبناها وأصولها وكل قضاياها على العلم الحقيق، المحيط بالانسان والكون والحياة(14)، فقد كن يدرك ما يقول ويعي ما يفعل، "فكان يستشهد بالعقل ويعتضد بالعلم، ويستنصر بالوجدان و يحتج بأيام الله في الأمم الخالية"(15).

وبهذا فقد أدرك عبد الحميد التلازم والتوافق بين العلم والدعوة.

2- النزعة الواقعية: إن فكر ابن باديس تطبعه فلسفة واقعية، ملتزمة بحقائق دينية، و"الفلسفة العملية يستطيع أن يترجمها الانسان إلى واقع الحياة، ويعيش حقائقه الفلسفية التي يتطابق فيها القول مع الفعل، والاعتقاد مع السلوك، ويتكامل فيها التصور النظري مع الممارسات العملية...، ويكون . منطلقها واقع المجتمع وأساسها روح الإسلامي وأصوله"(16).

ويتبين لنا أن تفكير ابن باديس، تفكير عقلاني متفتح من جهة وسلفي ملتزم من جهة ثانية، والسلفية عنده تعني اتباع منهج، رسمه الإسلام، وسار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم والنهج الذي اتبعه الأئمة المجتهدون، الذين فهموا حقائق الإسلام واستلهموها في اجتهاداتهم وأحكامهم في معالجة الأمور الحياتية (17).

ونخلص إلى أن الطريقة المعتمدة هي المزاوجة بين التفتح العقلي على الحياة المعاصرة والالتزام بالأصول الدينية الصحيحة، وهذا تفكير إسلامي محض.

3- النزعة العملية: لقد أعطت هذه النزعة لحركة ابن باديس التجديدية بعدا حضاريا، فقد جسد فكرة المسؤولية في سلوكاته دعوة وعملا، "كانت عملا يقدم عليه قبل أن يذكره للناس كانت تطبيقا سلوكيا وفعليا، تلاشت خلالها مصلحته الشخصية، وبرزت مصلحة الأمة والوطن، كانت بانسبة . إليه واجبا لا مناص منه...، وهي مسؤولية سياسية إصلاحية، واجتماعية أخلاقية، ودينية" 18

والغاية من هذه المسؤلية، هي تغيير الواقع المؤلم والوصول إلى وضع يشعر فيه الفرد بقيمته وحريته.

اهتم ابن باديس بتأليف الرجال القادرين على الإصلاح والتغيير، قال: "ليس اليوم بحاجة إلى تأليف ال كتب بقدر ماهو بحاجة إلى تأيف الرجال...، هَب أني انصرفت إلى التأليف وانقطعة عما أنا اليوم بصدده من نشر العلم، وإعداد النشء، فمن يقرأ كتبي وتآليفي؟ مادام الشعب في ظلمات الجهل والأمية، إن إعداد معلم واحد كفء يتصدى لمحاربة الجهل الفاشي في ربوعنا لخير لمجتمعنا . من ألف كتاب...، تحفظ في خزائن إلى أن تبيد وتبلى"(19).

فهدف الشيخ هو تكوين بناة النهضة ودعاة الإسلام لترسيخ مقوماتنا الروحية والثقافية.

فعلى هذه الروح الإيمانية انطوى تفكير العلامة، واستطاع أن يغرسى معاني الإخاء والحب والتعاون في تلامذته.

إن الفائدة المرجوة، من معرفة هذه النزعات في منظومة ابن باديس الإصلاحية، تمكننا منتصور الأبعاد والآفاق، التي سطرها الشيخ في مشروعه النهضوي، ونرى أنها تعددت، وشملت كل مجالات الحياة، الاجتماعية، والتعليمية، والاقتصادية، إلا أننا، سنصب اهتمامنا على البعد الديني، الذي يبقى دائما محور التفاعل الحضاري، وعصبه الرئيسي.

كانت الجزائر في وضع، يهدد كيانها بالذوبان، والفناء لأن الاستعمار الصليبي، عمل على محو الإسلام لأنه دين القوة، والدافع إلى الحرية، والنجاة.

وكي يدافع الإمام عبد الحميد عن حركته الإصلاحية، ودعوته إلى الله، اضطر إلى إثبات شرعية القيام بها، واستنباط أحكامها، وأصولها، وأركانها، ومنهجها المبين في الأصلين القرآن والسنة.

لقد كان لثورة الإصلاح الديني أثر بالغ في "النفوس والعقول، أخرج الجزائر من سباتها الطويل، وما صاحبها من شلل عام للطاقات إلى نور الصحوة، الدافعة إلى الانطلاق والحياة (20).

إذ يقول مخاطبا الشعب الجزائري:"... وحورب فيكم الإسلام، حتى ظن قد طمست أمامكم معالمه، وانتزعت منكم عقائده، ومكارمه، فجئتم بعد قرن، ترفعون علم التوحيد، وتنشرون من الإصلاح لواء التجديد، وتدعون إلى الإسلام كما جاء به محمد –صلى الله عليه وسلم- لا كما حرفه الجاهلون، وشوهه الدجالون، ورضيه أعداؤه (21).

لقد دعا ابن باديس أئمة الإصلاح إلى التمسك بأصول الإسلام، وأخذ مبادئه، وحقائقه من مصادره الأولى بعيدا عن التشويه والتحريف، كما يقر بأن الدين منهج الحياة السعيدة، ويتضح في قول ابن باديس "الإسلام عقد اجتماعي عام فيه جميع ما يحتاج إليه الانسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه...، ولانجات للعالم مما هو فيه إلى بإصلاح عام على مبادئ الإسلام (22).

وبهذه النظرة الشاملة، استطاع ابن باديس أن يكشف عن عناصر القوة الحقيقية للأمة الجزائرية واضعا بذالك منهجه الذي يدعو إلى:

1- مبدأ التأصيل:

قامت دعامة الشيخ عبد الحميد على دعامتين أساسيتين هما: الكتاب والسنة وكان شعاره في ذلك "لايصلح آخر هذه الأمة إلى بما صلح أولها" وهو العودة إلى منهج السلف وطريقتهم لأن ذلك هو العاصم من الزلل والانحراف وبخاصة في العقائد(23).

فابن باديس يرى بأن كل ماحدث للمسلمين من انحراف وضلال إنما كان بسبب البعد عن منهج

السلف، وأصر على ضرورة الاعتماد فبالدعوة على مبدإ الجهاد بالقرآن ضد المنحرفين عن الحق

امتثالا لقوله تعالى: "فلَاَ تطُعِ الكْافِرِينَ وَجَاهِدْهمُ بهِ جِهَادًا كَبيِرًا" الفرقان52.

ويظهر من ذلك بأن الرجوع إلى الطريق الصحيح إنما يكون بتطبيق ما جاء به القرآن والسنة النبوية قال صلى الل هّ عليه وسلم "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"(24)، وقد حدد ابن باديس خصائص المنهج النبوي فقال "وكانت دعوته المبنية على الحجة والبرهان، مشتملة على الحجة والبرهان فكان يستشهد بالعقل، ويعتقد بالعلم ويستنصر بالوجدان . ويحتج لأيام في الأمم الخالية"(25).

وبعد تبيين هذه الأدلة وشرحها يكفي على المصلح الداعي ان يراعي أحوال الحاضر ونفسية المتلقين فيخاطبهم بما يحبون، ويتجنب ما يكرهون.

لقد ركز ابن باديس في قضية اصلاح العقيدة على مقاومة البدع والخرافات التي شوهت عقيدة المسلمين، ويرى أن الذين تسببوا في جمود الفكر الإسلامي هم رجال الطرقية، فكانت سهاما صوبها الاستعمار في صدر شعبنا ليشوهوا بها العقيدة الصحيحة بما تنشره من بدع وخرافات تؤثر بها في نفوس العامة والبسطاء وتقدم إسلاما زائفا لا ينهض بعزيمة مؤمن ولا يدعو إلى تربية الإرادة القوية، بل يدعو إلى التواكل والضعف والاستسلام(26).

ونجد مصلحنا الواعي عبد الحميد يهاجم هؤلاء، بواسطة تعليم ديني عصري بالعودة إلى مبادئ القرآن والسنة مدركا في عمق، أن العقيدة هي كل شيئ في الانسان فإذا قويت، هيمنت على العقل والقلب، وصحة العزيمة، واتضحت الرؤية، وكان التخطيط سليما حكيما(27)، ولهذا المطلب سعى الشيخ المصلح، ووقف مخاطبا المجتمع الجزائري يذكره بمكانته وتاريخه العظيم قائلا "أيها الجزائري التارخي، القديم، المسلم العظيم كلمته من كلمات الله، وإرادته من إرادة الله وقوته من قوة الله..."(28)

فابن باديس يؤكد في نداءاته على الإيمان الصحيح المبني على نبذ التقليد الأعمى وتطهير التوحيد من الخرافات والبدع.

2- الاجتهاد ودوره في البناء الحضاري:

لقد أدرك ابن باديس أهمية الاجتهاد في عملية التجديد الحضاري، وأكد على أنه الآلية الفاعلة التي يتم عن طريقها خوض معركة النهوض بالأمة، ويبين أن هذا الاجتهاد يعتمد على خاصية النقد والانتقاء، وتقدير المصالح الذي يجب أن يكون سلاح العلماء والمسلمين اليوم في تفاعلهم مع الحضارة الغربية، كما كان سلاح الأئمة المجتهدين الكبار في العهود الإسلامية الزاهرة(29).

يرى الشيخ أن الشريعة الإسلامية قادرة على مواجهة جميع التحديات الحضارية، التي تواج الأمة الإسلامية لأن الإسلام يراعي المصالح الزمنية ويبني أحكامه على تطوراتها، ويوكل إلى علمائه الراسخين في فقه الكتاب والسنة، أن يراعوا لكل وقت أحواله، وأن يقيموا الموازين على أساس جلب المصلحة ودرء المفسدة (30).

إن تفقه ابن باديس في القرآن والسنة، يدل على أنه لم يكن أقل شأن من أئمة الاجتهاد، ودعاة الانفتاح الحضاري على الحياة المعاصرة، فدعا إلى مسايرة العصر، والتفاعل مع منجزاته، والاستفادة منها من أجل المحافظة على الهوية الإسلامية المميزة للشخصية الجزائرية دون الوقوف في دائرة الجمود، والانغلاق على الذات 31 ، إلى أن يقول:" إذا أردت الحياة، فكن ابن وقتك، تسير مع العصر الذي أنت فيه، بما يناسبه من أسباب الحياة، وطرق المعاشرة والتعامل، كن عصريا في فكرك، وفي عملك، وفي تجارتك، وفي صناعتك، وفي فلاحتك، وفي تمدنك ورقيك (32).

لقد تميز ابن باديس بالتدبر والحكمة، وبتهذيب الأخلاق والروح، وتوجيه العقل إلى المعارف التي تنفع المجتمع.

-3مجالس التذكير:

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، وحديث البشير النذير، هو عنوان دروس في تفسير القرآن، وشرح الحديث النبوي الشريف، كان الشيخ ابن باديس يلقيها في المسجد للعامة والخاصة، واتخذها مصدرا لجيل الثورة الجزائرية، ومبعث نهضة للإسلام، والعروبة.

قسم ابن باديس دروسه في التفسير إلى قسم علمي، وقسم عملي داعيا فيهما إلى تدبر معاني القرآن لأنها أفضل الأعمال إلى القلب، فهو موعظة تلين القلوب القاسية، وشفاء للنفوس المريضة في عقائدها وأخلاقها وأعمالها، وهو هدي يوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة(33).

فنجده قد خالف المفسرين المقتصرين على شرح وتحليل الأليات اللغوية، واتخذ منهج محمد عبدو نموذجا في التفسير التربوي، والاجتماعي، والنقد الديني، وكان معجبا بطريقته في التأويل، واقتدى به في وضع تفسير عصري يراعي قضايا المجتمع، ومطالب النهضة، واتخذ الأية والحديث موضوعا للدرس ومادة للتفكير والتأمل والاعتبار، وكانت طريقته في تبليغ حقائق الوحي والإعجاز. تعليمه وظيفته بأسلوب تربوي، سهل ومباشر(34).

وبهذا فإن عبد الحميد المفسر، يتوخى التبسيط والتفهيم لإيصال الحقائق مع استخدام الشرح

والتحليل، والنقد والاستنتاج، ويعمر إلى تقريب المعاني بألفاظ ولغة سهلة وصريحة.

4- استنباط الأحكام والمقاصد:

إن غاية ابن باديس من درس التفسير هي استنباط الأحكام والقاصد الشرعية التي جعلها هدفا له في كل نص مفسر." فاعتمد التفسير بالرأي، والنظر، والاجتهاد في التأويل والقياس التعليل، وربط الفروع بالأصول، ومسالك العلة في الفقه المال كي، لقد التزم قواعد فقه المذهب كرعاية المصالح، ونبذ الذرائع ورفض الأحكام المبثورة والمنقطعة عن النص، والضعيفة الدليل والحجة، وكان منهجه الاستنباطي دائما في اتجاه التوفيق مع تطور العلم وقضايا العصر والمجتمع (35).

فانشغاله الدائم هو التذكير بحكمة القرآن وبيان مقاصده، وأحكامه والاقناع باتباع منهجه في الدعوة إلى التوحيد، وكان يخاطب العقول والأرواح، ويرشد الأمة للتفكير في القرآن وادراك قيمة ما ضيعت(36).

بهذه الطريقة التي اتبعها الامام في درس التفسير استطاع أن يجعل مجالس التذكير مناسبات

للاجتهاد في فهم أدلة العقيدة واستنباط أحكام الشريعة وأصول الحضارة، وأثبت تزاوج العقل والعقيدة وأبطل الزعم القائل أن القرآن ضد التطور وحرية التفكير.

خاتمة دروس التفسير:

كان الشيخ ينهي درسه غالبا بخاتمة ارشادية بحيث فيها تدبر القرآن والسنة، وتطبيق حكمتها

في الحياة إقتداء بالسلف الصالح، ويحثهم على تحصيل العلوم الدنيوية والإسراع إلى الثوبة وعدم اليأس والقنوط من رحمة الله وهذا هو حقا منهج الراسخين في العلم الديني.

خلاصة:

ونخلص من كل ما تقدم، أن الشيخ ابن باديس قد ركز في منظومته الإصلاحية على المجال الديني ورسم له في مشروعه النهضوي أبعادا وأفاقا.

لقد سطر برنامجا لتنظيم القيم الروحية والاجتماعية، معتمدا على المرجعية الصحيحة هي القرآن والسنة، فبهما تتبدد الطرقية الشركية الباطنية، التي شوهت عقيدة المسلمين.

كما يؤكد على نبذ التقليد الأعمى، ويعمل بالاجتهاد لأن القرآن صالح لكل زمان ومكان ويطرح التوفيق بين العقل والنقل والمزاوجة بين قيم الأصالة والمعاصرة، لأنه أدرك بعمق دور الاجتهاد في خوض معركة النهوض بالأمة والسير نحو محطات التحضر والرقي. ويحث العلماء المسلمين أن يتخذوه كسلاح في تفاعلهم مع الحضارة الغربية.

ومن المحاور الكبرى التي سعى إلى تحقيقها أيضا من خلال مجالس التذكير التمسك بالطريقة لسلفية التي تعتمد على الذكر القلبي، والذكر اللساني والذكر العملي، محاولا تجديد منهج التفسير ببيان السنن الإلهية في آيات خلق الأكوان والانفس والعمران، واستنباط أصول النظام الأخلاقي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي.

وبهذا أثبت الشيخ ابن باديس، بأن الإسلام دين علم، وقوة، وعزة، وسيادة، وحضارة.


الهوامش:

1- الشهاب،ج 20 ،م 22 ،ص 548.

-2ابن منظور ،لسان العرب"،م 1، دار صادر للطباعة والنشر،ط 2-بيروت- لبنان،ت،د،ص 210

-3ابن كثير، تفسير القرآن ال كريم"، دار ال كتب العلمية،م 4، بيروت- 1001 ، ص 44

-4عبد الرحمان بن خلدون،صالعبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، ج 2، دار الحزم للطباعة والنشر بيروت- ط 2، 1003 ،ص 319 .

المقدمة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت- 1000 ،ص 430

-5الصغير بن عمار،"الفكر العلمي عند ابن خلدون"، المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر- ط 3،2984 ،ص 15-16.

-6العبر، ص 33 ، والمقدمة، ص 55

-7عبد الله شريط،" الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون"،الشركة الوطنية للنشر والتوزيع –الجزائر- ط 1،1981 ،ص 65-67

-8 لويس معلوف،" المنجد في اللغة والأدب"، المطبعة الكاثوليكية،بيروت- ط 2،1927 ،ص 445

9- ابن منظور،ص 295

-10 المعجم الوسيط، مجمع اللغة الغربية،ج 2،ص 510

-11 مجلة الإرشاد، السنة الأولى، العدد الرابع، رمضان/شوال 2420 ه ، أبريل/ماي، 2990 ،ص 18

-12 عمار بن مزوز،"عبد الحميد بن باديس ومنهجه في الدعوة والإصلاح"، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع،تيزي وزو- 1020 ،ص 18

-13 الإمام العربي التبسي،"مقلات في الدعوة إلى النهضة الإسلامية في الجزائر"، جمع وتعليق ،شرفي أحمد الرفاعي، دار البعث للطباعة والنشر،الجزائر- ط 2، 1404 هـ-1981 م، ص188.

-14 عمار بن مزوز، المرجع السابق، ص 86.

-15 الإمام عبد الحميد بن باديس"مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" ص 123، 124.

16- عبد القادر فضيل،"إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس"، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع،ط 2،1998 ،ص144.

-17المرجع نفسه ص 145.

-18عمر بن قينة،"صوت الجزائر في الفكر العربي الحديث (أعلام وقضايا ومواقف(،ديوان المطبوعات الدامعية- الجزائر-، 1993 ، ص 152.

19- محمد الصالح الصديق،"الإمام ابن باديس من آرائه ومواقفه"،دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع –الجزائر- ط 2، 2007، ص71.

-20مجالس التذكير، ص 13

21- البصائر، السنة الثانية، العدد 83، رجب 1356 هـ- 1سبتمبر 1937 م، ص 261.

-22الشهاب، ج 3، م 12 ،ص 5

-23إبراهيم التهامي،"الجوانب العقدية في جهود الإمام عبد الحميد بن باديس الإصلاحية"، دار قرطبة للنشر والتوزيع ص 7

-24أخرجه مالك في موطئه، في كتاب"القدر")باب النهي عن القول بالقدر(، رقم 3 ص 899

-25الشهاب، ج1، م 11 ، ص 5

-26محمد خير الدين"مذكرات" ،ج 1، ص 105

-27مجلة الوعي، الإمام عبد الحميد بن باديس"، العدد 1،)رجب/شعبان، 1431 هـ / جويلية 2010 (، ص 14

-28 الشهاب،ج6،م 12 ، ص 315

-29 مجلة الموافقات، العدد 5، ص 143

-30 محمد البشير الإبراهيمي"آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي"،ج 1، ص 95

-31 الموافقات، ص 141

-32 عيون البصائر، العدد 71 ، ص 46

-33 مجالس التذكير، ص 9

-34 تركي رابح"الشيخ عبد الحميد بن باديس، جهوده في التربية والتعليم" ص 13

-35 الشهاب، ج 12 ، م 6، ص 719

-36 الإبراهيمي ،مقدمة لمجالس التذكير، ص13.

معط الله فتيحة جامعة تلمسان- الجزائر

مجلة الباحث / العدد 21 ص 522

آخر التغريدات: