فلسفة ابن باديس في الإصلاح.. المفهوم، المجالات والوسائل

بقلم: أ.د. عليوان اسعيد-

يعد عبد الحميد بن باديس (1889-1940 م) في تصورنا من مجددي القرن العشرين، وذلك بالنظر إلى شخصيته الفذة، وظروف مجتمعه وواقعه، فقد امتاز مجتمعه بخضوعه كرها لاستعمار استيطاني طاغ، صب سوط العذاب على العباد والبلاد، وسيطرة أدعياء التصوف على أرواح سكانه فزادوه تخلفا وجهلا وركونا إلى غيبية رهيبة، كما امتاز بفقر مدقع فاستغله المبشرون للتنصير والتدمير، فتعاون على هذا المجتمع الاستعمار ومبشروه، والفقر وأمراضه، والطرقية وشيوخها. في هذه الظروف الحالكة ظهر رجل ينشد الإصلاح ويفني نفسه في تحقيقه، فيسخر حياته كلها سوادها وبياضها لإرجاع مجتمعه لوعيه بذاته وتحريره، وقد استطاع -في تصورنا- أن يعيد للأمة وعيها بذاتها، ويوقظها من سباتها، فيحررها من قيود الجهل والتخلف والاستعمار وذلك بإصلاح شامل لكل جوانب الحياة، وقد حللنا الموضوع وفقا للخطة الآتية:

أولا: مفهوم الإصلاح وعلاقته بالنهضة.

ثانيا: مجالات الإصلاح ووسائله، وهي: المجال التربوي، الصحفي، الجمعوي، العقدي، الاقتصادي، مقاومة التبشير والاستشراق، التفرقة العنصرية، المجال السياسي، إحياء تاريخ الجزائر، مقاومة الإلحاد وبقية الآفات، المجال الفني والرياضي.

أولا: مفهوم الإصلاح وعلاقته بالنهضة

الإصلاح: مصدر أصلح، ج. إصلاحات، ويقصد به التقويم والتحسين والتغيير، ويقابله الفساد، قال تعالى:« وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ »(1)(2)، وهو مصطلح قرآني، قال تعالى: « إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ »(3)، والمصلح هو الذي يقوم بالإصلاح مجردا عن الهوى والمنفعة الشخصية الخاصة به(4) تشبها بالأنبياء عليهم السلام. وهو تغيير جذري شامل لكل جوانب الحياة إلى حد انبعاث ولادة جديدة للفرد والمجتمع والأمة، وهو ما يقودنا إلى مفهوم النهضة (Renaissance) لأنها نتيجته وغايته.

مفهوم النهضة: لقد أطلق مفهوم النهضة دلالة على التغيير الجذري الشامل مما يؤدي إلى ظهور كائن جديد في هذه العملية(5)، وقد ظهر في إيطاليا ابتداء من منتصف القرن الرابع عشر إلى بداية القرن السابع عشر(6)، وانتقل إلى الشرق في نهاية القرن التاسع عشر(7) نتيجة الاتصال بالغرب وانقسم المفكرون حياله إلى قسمين:

القسم الأول: ويمثله النصارى الذين كانوا يهدفون إلى التخلص من الخلافة العثمانية وكذا العلمانيون، ويرون أن النهضة العربية بدأت باحتلال نابليون لمصر في سنة 1798 م وتعززت بالبعثات إلى أوربا ومنها(8). ويرى أصحاب هذا الموقف أن النهضة تتمثل في التنصل كليا من الماضي الشرقي وتبني الحضارة الغربية برمتها بحجة العصرنة والتحديث (9).

ولقد وصل الأمر ببعض دعاة هذا التصور. دعوة الشرقيين لاستبضاع نسائهم من الفرنجة ليحسنوا نسلهم(10)، وإذا كان ما سبق في المشرق العربي فإن الجزائر أيضا لم تخل من دعاة هذا الاتجاه في الفترة التي وجد فيها ابن باديس وسموا أنفسهم بالنخبة التي تبنت نمط الحياة الغربي(11) وانتهوا إلى الدعوة إلى الاندماج والتجنيس وسيكون لابن باديس معهم مواقف حاسمة.

ولكنه في تصورنا "ما سمي بعصر النهضة وهم زرعه الغرب في عقول العرب ليحصدوا الخيبة فيما بعد... فأين هي النهضة؟ وأين نتائجها ونتاجها"(12)، ومن هنا فإن تصور ابن باديس للنهضة يختلف عن هذا كليا، ويندرج ضمن القسم الثاني.

القسم الثاني: يرى أصحابه أن النهضة تتحقق بالربط بين الأصالة والمعاصرة، ويتمثل تصور ابن باديس لها فيما يأتي:

المجتمع كان في مرحلة ما غير فعال، وغير قادر على تطبيق قدراته الكامنة لحل ما يواجهه من مشكلات، وذلك بسبب انفصال المسلم عن الحقيقة القرآنية وعدم تطبيقه للإسلام، ولما كانت الحقيقة القرآنية متكاملة تشمل الحياة الأخلاقية والسياسية والفكرية والاجتماعية والعلمية ناهيك عن العقيدة (الدين والدنيا) فإن التدهور والتخلف الناتج عن البعد عنها متعدد الجوانب(13)، ومن هنا فلا قيام لأي نهضة إلا بجعل الإسلام أساسها، بمعنى أن النهضة تتحقق ببعث الإسلام من جديد، أي الانطلاق من الأصالة، ولقد بين هذا التصور صحته في مجال الواقع، حيث إن جميع ثورات المسلمين على الاستعمار وتحرير بلدانهم منه، إنما انطلقت من الإسلام رافعة لواء الجهاد، وبناء على هذا فلا يمكن لأي إصلاح أن ينجح عندنا ما لم يكن هذا منطلقه، ولكن هذا المنطلق لا يمكنه أن يحقق أهدافه الحضارية كاملة ما لم يأخذ بالعصرنة، وهو ما جعل ابن باديس لا يكتفي بالدعوة إليها، بل يجعلها ضرورة حتمية لأي إقلاع حضاري حقيقي، مخاطبا المسلم الجزائري قائلا: "حافظ على حياتك، ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميل عاداتك -هذه الأصالة- وإذا أردت الحياة لهذا كله، فكن ابن وقتك، تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل. كن عصريا في فكرك، وفي عملك، وفي تجارتك، وفي فلاحتك، وفي عدتك ورقيك..." (14)

وهذه هي العصرنة، وتتحقق بما يأتي:

أ. استيعاب كل علوم العصر تجريبية وعقلية، كل العلوم، من علوم الفلاحة والصناعة والتجارة وعلوم الأكوان، ولقد بين بأنه لا يمكننا إحداث أي نهضة ما لم نتبحر في علوم الأكوان وهي كل ما في السماوات، وكل ما في الأرض(15) ونأخذ هذه العلوم من أي ملة، وقد حذر ابن باديس المسلم الجزائري من رفض هذه الدعوة قائلا: "فاحذر كل (متعيلم) يزهدك في علم من العلوم، فالعلوم كلها أثمرتها العقول لخدمة الإنسانية –تراث إنساني- ودعا إليها القرآن بالآيات الصريحة وخدم علماء الإسلام بالتحسين والاستنباط ما عرف منها في عهد مدنيتهم الشرقية والغربية حتى اعترف بأستاذيتهم علماء أوربا اليوم" (16). وقد برهن على هذا بثلاثة أنواع من البراهين، هي:

1. القرآن الكريم: ونكتفي فيه باستدلال ابن باديس على استحالة إقامة أي نهضة ما لم نتبحر في علم الأكون، أي العالمين العلوي والسفلى وهو قوله تعالى: « أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ »(17)، وكتب عنوانا حول هذه الآية هو: "تشويق القرآن إلى علوم الأكوان" (18).

2. التاريخ الإسلامي: وقد بيَّن ابن باديس كيف استفاد المسلمون من علوم السابقين ومكتشفاتهم فبنوا عليها وأبدعوا حضارة الإسلام، وبين بأنه كلما زادت التراكمية المعرفية تبعتها كثرة المكتشفات فتتطور الحضارة وتزدهر.

3. تفاعل الحضارات: فكل حضارة تستفيد من سابقيها، ويبني على آثارها اللاحقون.

ب. إرسال البعثات العلمية إلى الغرب، وذلك لأنه لا يمكن الاستفادة من المدنية الغربية واستثمار ما أنتجته كما ينبغي إلا بإرسال بعثات كثيرة لتخالط الغربيين في ديارهم حيث مظاهر مدنيتهم الفخمة في المؤسسات العلمية والصناعية والتجارية وفي أحزابهم وجمعياتهم ومخالطة كبار المفكرين من ساسة وعلماء وغيرهم، هذا الابتعاث تقوم به الدول المتقدمة نفسها فأحرى بنا إرسال بعثات إلى فرنسا بحكم العلاقة معها.

ويأسف على أنه بعد قرن من الاحتلال لا يزال الجزائريون محرومين من معاهد العلم الكبرى بفرنسا (19).

ج. تعلم اللغات الأجنبية: اعتبر ابن باديس تعلمها من الدين، مستندا إلى حديث زيد بن ثابت المتعلق بتعلم كتاب يهود، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم زيدا بتعلم السريانية كما ورد في البخاري وذلك ليتسنى لنا دراسة العلوم العصرية والاستفادة من المدنية الغربية، وألح بالنسبة الجزائريين على تعلم اللغة الفرنسية بحكم العلاقة بيننا وبين فرنسا(20).

نتوصل مما سبق إلى أن الإصلاح المنشود المؤدي إلى النهضة الفعلية لا يكون فعالا، ما لم يجمع بين الأصالة والمعاصرة. وهنا نتساءل: متى بدأ ابن باديس يفكر في الإصلاح النهضوي ؟

بداية تفكير ابن باديس في الإصلاح النهضوي

بعد رجوع ابن باديس من الزيتونة شرع في التدريس بالجامع الكبير بقسنطينة فحيكت ضده مؤامرة، من مفتي قسنطينة المولود بن الموهوب بإيعاز من فرنسا، فقرر السفر إلى الحج، وهناك اقترح عليه أستاذة حمدان لونيسي نزيل المدينة المنورة أن يمكث بجوار بيت الله الحرام، ولكن الشيخ حسين أحمد الهندي اقترح عليه العودة إلى الجزائر لحاجتها لعلمه وعمله، فعمل بنصيحته وعاد إلى قسنطينة في سنة 1913 م وشرع لتوه في العمل التربوي حيث اتخذه وسيلة للإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي لأن أهداف التربية عنده تشمل كل هذا(21).

ويهمنا هنا أن نذكر أنه عاد إلى الجزائر برفقة الشيخ الإبراهيمي، ولكنهما قبل عودتهما ما خططا من هناك من المدينة المنورة لما يجب عمله، يقول الإبراهيمي مصورا لقاءه بابن باديس في المدينة المنورة:

"كان من تدابير القدرة الإلهية للجزائر، ومن مخبآت الغيوب لها أن يرد علي بعد استقراري في المدينة المنورة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك، الشيخ عبد الحميد بن باديس، أعلم علماء الشماء الإفريقي ولا أغالي، وباني النهضة العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية في الجزائر- وهذه الشهادة من الشيخ الإبراهيمي لها وزنها الذي لا يضاهى- كنا نؤدي صلاة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي فنستمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد، فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح ثم نفترق إلى الليلة الثانية إلى نهااية الثلاثة أشهر التي أقامها الشيخ في المدينة، كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورا ذهنية تتراءى في مخيلتنا، وصحبها مع حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من عام1913 م هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين في الجزائر التي لم تبرز إلى الوجود إلا في عام 1931 م"(22)*.

ثانيا مجالات الإصلاح النهضوي ووسائله

مجالات الإصلاح هي كل جوانب الحياة التي يتمخض عنها في النهاية نهضة الشعب الجزائري وتحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي وعودته إلى سلم الحضارة الإسلامية من جديد، وهنا نستطيع القول بأن ابن باديس صاحب مذهب فلسفي كبير من حيث إن طبيعة المذهب الشمول، وكلما كان أكثر شمولا، كان أشد قوة وأكثر أثرا.

ويجب أن نذكر هنا أن مجالات التغيير أو الإصلاح ووسائله مرتبطة بظروف المجتمع الجزائري آنذاك وطبيعته، فطبيعته العروبة والإسلام، ولكنه كان مستعمرا جعله الاستعمار في فقر مدقع، وجهل مروع، وضلالات بلغت عنان السماء باسم الدين وهو منها بريء و(مستقورون) أنشأهم الاستعمار على عينيه ليحقق بهم أغراضه، وهنا نبدأ الإشارة بإيجاز شديد إلى مجالات التغيير الإصلاحي ووسائله.

1. المجال التربوي

يعد المجال التربوي من أهم ما اهتم به ابن باديس، ويكفي أن نعرف بأنه سخر 27 سنة كاملة للتربية والتعليم، حيث شرع فيه بعد رجوعه إلى قسنطينة من رحلته المشرقية في سنة 1913 م إلى وفاته في 16 أفريل 1940 م، فاتخذ التربية وسيلة للإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي، لأن أهداف التربية عنده تشمل كل هذا، والإصلاح في نظره يبدأ من تطهير القلوب وتغيير النفوس بالتقوى مما يؤدي إلى تغيير المؤسسات الاجتماعية، وعامل التغيير الداخلي هو التربية، وهو ما جعله يكتب مقالا يبين فيه أنه لن يصلح المسلمون إلا إذا صلح علماؤهم، لأنهم بمثابة القلب للأمة، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، ولن يصلح التعليم في نظره إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله ومضمونه، ومن أهداف التربية عنده:

- كمال الحياة الفردية والاجتماعية، والمثال الكامل لذلك هو محمدصلى الله عليه وسلم.

- النهضة الحضارية الشاملة التي تبدأ بتكوين الإنسان وربط أفراد المجتمع في شبكة من العلاقات الاجتماعية لتحقيق هدف مشترك: "إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر"مما يعني أن العمل التربوي يهدف إلى إعداد هؤلاء الرجال، ويحدد هدفه في ذلك بدقة فيقول: "فإننا نربي -والحمد لله- تلامذتنا على القرآن، ونوجه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها" (23)، ولما كانت المناهج التربوية لعهده لا تحقق ما سبق، فقد نقدها، ومن ذلك فإن الزيتونة مثلا كان التفسير يركز فيه على الجانب اللغوي للقرآن الكريم دون التعمق في فهمه مما يجعل المتخرج جاهلا بأحكامه وشرائعه، وهذا في نظره هجر للقرآن الذي كرس ربع قرن من حياته لتفسيره. كما كانت المناهج تقتصر على الفروع دون الأصول. وإذا كان قد نقد مناهج عصره، فإنه شارك في محاولة إصلاحها، ومن ذلك مشاركته في محاولة إصلاح التعليم بالزيتونة حيث أرسل اقتراحاته إلى لجنة الإصلاح التي شكلها الباي سنة 1931 م.

والمنهج الذي يراه صالحا هو التعمق في القرآن والسنة ثم دراسة الأصول قبل الفروع، والاستناد إلى علم النفس لفهم نفسيات المتعلمين، ومعرفة مدى إدراكهم، والتوسع في مختلف العلوم الشرعية والعصرية (24). والحرف والصنائع، ونسجل هنا أن ابن باديس أول من شرع في تعليم الكبار بقسنطينة حيث كان التعليم يقتصر على الصغار، ولما كان التعليم لا يمكنه أن يحقق أهدافه إلا من خلال مؤسسات تربوية، فقد عمل ابن باديس على إنشائها، ولنشر إليها بإيجاز.

* المؤسسات التربوية: درّس ابن باديس في مساجد كثيرة بقسنطينة كالجامع الكبير والأخضر وسيدي عبد المؤمن ومدرسة جمعية التربية التعليم، وأول عمل تربوي لابن باديس في قسنطينة كان في سنة 1332 هـ 1913 /م، حيث أسس مع جماعة من الفضلاء مكتبا للتعليم الابتدائي في مسجد سيدي بومعزة ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست في 1917 م وفي 1930 م تطور هذا المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي حرر ابن باديس قانونها الأساسي وقدمه باسمها إلى الحكومة فصادقت عليه في مارس 1931 م، واعترفت بالجمعية في الجريدة الرسمية (25).

وما إن تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 5 ماي 1931 م حتى أخذت تؤسس المدارس في مختلف جهات القطر، وعزم ابن باديس على تأسيس كلية. وقد وصل عدد تلاميذ الجمعية إلى أكثر من 50 ألف تلميذ، فيهم أكثر من 13 ألف بنت، ونسجل هنا أن جمعية العلماء أول من اهتم بتعليم المرأة وفتح لها أبواب التعليم، وليست السلطات الاستعمارية ولا التبشيرية، ولا اللائكيون الجزائريون الذين بدل أن يفكروا في تعليمها عزفوا حتى عن الزواج منها احتقارا لها وتزوجوا بفرنسيات ظنا منهم أن ذلك سيرفعهم إلى مستوى الفرنسيين.وعلى ذكر تعليم المرأة يجب أن نذكر أن فرنسا أعلنت حربا شعواء على تعليم البنات في مدارس الجمعية، وأوحت إلى أبواقها في الجزائر وتونس بتنفيذ ذلك فنفذوا، مدعين أن تعليمها خطر على عفتها (26). كما نسجل أن ابن باديس أول من فكر في الجزائر في إرسال بعثة من الفتيات إلى الخارج للتعلم، وكانت موجهة إلى المدرسة التي أنشأتها حفيدة الأمير عبد القادر بدمشق لتعليم البنات. وقد اتخذت جميع الإجراءات بما في ذلك إجراءات الاستقبال والإيواء، ولكن قيام الحرب العالمية الثانية حال دون ذلك، وتوجد رسالة خطية إلى اليوم من ابن باديس إلى حفيدة الأمير عبد القادر، بهذا الشأن عند هذه الأميرة، ويملك أستاذنا د/طالبي نسخة منها(27).

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى موقف فرنسا من هذا العمل العظيم الذي أحدث نهضة معتبرة كانت هي اللبنة الروحية للثورة المباركة.

موقف فرنسا: اتخذت فرنسا جميع التدابير والإجراءات لإيقاف العمل التربوي السابق، ومن ذلك:

- قانون الرخصة: حيث اشترطت على كل من يفتح مدرسة أو يدرس أن يحصل مسبقا على ترخيص من السلطات الاستعمارية، وجعلت للرخصة شروطا مستحيلة التحقيق (28). وابن باديس نفسه استدعي من طرف الجهات المختصة بعد 20 سنة من التعليم ليسأل: هل يملك رخصة، وذلك بأمر من الحاكم العام للجزائر(28).

- الزج بالعلماء في السجون مع المجرمين والقتلة في مختلف جهات الوطن(29)، ويكفي أن نعرف أن علماء من وادي سوف ظلوا في سجن الكدية أكثر من 16 شهرا دون محاكمة بتهمة تدريس القرآن ولغته حيث اعتبرت فرنسا ذلك تآمرا على أمن الدولة وثورة عليها واتصالا بأعدائها (30).

- قانون شوطان (وزير الداخلية) الصادر في 8 مارس 1938 م الذي يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، ولذلك لا يجوز تدريسها إلا على هذا الأساس، وأن عملية تدريسها للجزائريين يعد محاولة عدائية لصبغ الجزائر بالصبغة العربية (31).

- غلق المدارس: ومن ذلك مدرسة دار الحديث بتلمسان ومدرسة القلعة وغيرهما(32).

ورغم كل ما سبق وغيره فقد ظل ابن باديس وجمعية العلماء يجاهدون من أجل القرآن الكريم ولغته لتحقيق التغيير المنشود. وكيف لا، وقد سخر ابن باديس كل حياته لهذا الغرض، كما بين بنفسه بهذه العبارات الذهبية الخالدة: "إني أعاهدكم على أن أقضي بياضي على العربية والإسلام. كما قضيت سوادي عليهما وإنها لواجبات.. وإنني سأقضي حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن وهذا عهدي لكم" ... "أطلب منكم شيئًا واحدًا وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن"(33)، ولقد صدق فيما وعد، ووفى بما عهد، وأخلص فيما طلب.

2. المجال الصحفي

أدرك ابن باديس أن العمل التربوي المتخذ من القرآن قاعدته الأساسية كما بينا قبلا: - "فإننا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم" (34)- لا يؤتي أكله في تكوين رجال قرآنيين يوجهون التاريخ ويغيرون الأمة ويحررون البلاد من الاستعمار إلا بإكماله بالعمل الصحفي.

وذلك لما للصحافة من أهمية في إصلاح المجتمع والتوعية بالواقع ورفع المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي وصناعة الرأي العام. فشرع فيه مبكرا وجعله -وهو ما فعلته أيضا جمعية العلماء- يسير جنبا إلى جنب مع التربية والتعليم، فأسس جريدته الأولى وسماها:

*المنتقد: وهو مصطلح مناقض لشعار "اعتقد ولا تنتقد" وهو ما كان يخشاه الاستعمار وصنائعه من الطرقيين، وجعل عنوان أول مقال في الصفحة الأولى "خطتنا: مبادئنا وغايتنا وشعارنا" افتتح بهذه العبارة "باسم الله ثم باسم الحق والوطن ندخل عالم الصحافة العظيم شاعرين بعظمة المسئولية التي نتحملها فيه مستهلين كل صعب في سبيل الغاية التي نحن إليها ساعون، والمبدأ الذي نحن عليه عاملون"، وبين أن النقد يتوجه إلى السلوك الذي يمس شئون الأمة من الطبقات الآتية: "فننقد الحكام والمد يرين،والنواب والقضاة والعلماء والمقاديم، وكل من يتولى شأنا عاما من أكبر كبير إلى أصغر صغير، من الفرنسيين والوطنيين(35) ونناهض المفسدين والمستبدين من الناس أجمعين، وننصر الضعيف والمظلوم بنشر شكواه والتنديد بظالمه (36) كائنا من كان" (37)، وجعل شعار هذه الجريدة: "الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شيء" وكلمتا الحق والوطن كانتا أبغض الأشياء إلى الاستعمار الفرنسي، ولا ننسى بأن الحق اسم من أسماء الله عز وجل، ولما كان هذا العدد مزامنا لثورة الأمير عبد الكريم الخطابي في المغرب فقد كتب عنها ابن باديس في الصفحة الثانية وبين أن الأمير عبد الكريم هو صاحب الحق الشرعي في الريف(38).

والواقع أن جريدة بهذه اللهجة الصادقة المقاومة للطغيان والفساد تجعل الاستعمار يتذمر منها فأوقفتها فرنسا بعد صدور 18 عددا(39)، فأصدر ابن باديس جريدة الشهاب.

* الشهاب: ظلت هي هي مع تغيير العنوان، وهو مصطلح قرآني، فهي الشهب التي تحرق الشياطين، ويقصد بها إحراق الظلم والبدع، وكل ما يفعل بالمجتمع من تدمير، واستمرت إلى رمضان 1347 هـ فيفري 1929 م، حيث حولت في هذه السنة إلى مجلة شهرية مبدأها في الإصلاح "لا يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها" واستمرت إلى شعبان 1358 هـ/سبتمبر 1939 م(40)، ويجب أن نذكر بأنه خلال هذه المدة التي كانت تصدر فيها "الشهاب" كانت جمعية العلماء تصدر جرائد أسبوعية أخرى، هي:

- السنة: صدرت في 8 ذي الحجة 1351 هـ 1933/م، أوقفتها فرنسا في 10 ربيع الأول 1352 هـ/03-07-1933 م.

- الشريعة: صدرت في 24 ربيع الأول 1352 هـ1933/م، أوقفتها فرنسا في 07 جمادى الأولى 1352 هـ/28-08-1933 م.

- الصراط: صدرت في 21 جمادى الأولى 1352 هـ/11-09-1933م، أوقفتها فرنسا في 22 رمضان 1352 هـ/جانفي 1934 م.

- البصائر: صدرت في غرة شوال 1354 هـ/27-12-1935 م، أوقفتها جمعية العلماء خلال الحرب العالمية الثانية، ثم استؤنفت في 1947 م وتوقفت أثناء الثورة.

نتوصل مما سبق إلى أن ابن باديس يجمع بين النهضة الثقافية الاجتماعية وبين النهضة السياسية، فاتخذ النشاط الصحفي وسيلة للسياسة والتهذيب، كما اتخذ المؤسسات التربوية للتربية والتعليم وتكوين القادة مما يجعل النشاطين متكاملين(41)، وهو الأمر ذاته الذي واصلته جمعية العلماء إلى غاية الثورة التحريرية الكبرى، ولا أحد يجهل ثماره في التغيير.

3. المجال الجمعوي: ونقصد به:

تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: بدأ التفكير في تأسيس جمعية العلماء في 1913 م في المدينة المنورة بيْن ابن باديس والإبراهيمي كما ذكرنا قبلا، وكان هذا التأسيس ضرورة ملحة حتمتها ظروف الجزائر التي أشرنا إليها في بداية حديثنا عن مجالات الإصلاح النهضوي أو التغيير، كما يحتمها بُعد النظر، ذلك أن الملاحظ الحصيف يدرك أن الصراع بين المسلمين وبين الغرب إنما هو صراع مرير عبر تاريخنا كله، ولكن الغرب أسس المؤسسات لمحاربتنا بينما نجد مواجهتنا لعدوانه اتخذت في كثير من الأحيان طابعا فرديا، ولا أدل على هذا مما هو واقع اليوم في العالم الإسلامي، فلا نجد فيه مؤسسات كثيرة تعمل على الحماية من الغرب، عكس ما هو الحال في الغرب الذي يمتاز بكثرة المؤسسات المتخصصة في دراستنا سياسيا واجتماعيا ونفسيا وحضاريا، ولقد أدرك ابن باديس بحق أن فرنسا خاصة، والغرب عامة أكبر من أن تتصدى لعدوانه جهود الفرد، فعمل على تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد سبق تأسيسها حدث كبير يعد ذا دلالة عظمى، هو:

احتفال فرنسا بمرور قرن على احتلال الجزائر: أقامت فرنسا بهذه المناسبة احتفالات ضخمة في أنحاء الجزائر، استمرت 6 أشهر كاملة من جانفي 1930 م إلى 5 جويلية وهو يوم احتلال الجزائر العاصمة، دعت فرنسا الدنيا كلها للمشاركة في هذه الاحتفالات، وعمدت أثناء استعراض جيوشها في الاحتفالات إلى جعلها على نمط فرق جيوشها الأولى التي احتلت بها الجزائر في 1830 م من حيث الملابس والأسلحة(42) والتنظيم والموسيقى والأناشيد ووسائل النقل...إلخ، وذلك بهدف إذلال الجزائريين وتحطيم معنوياتهم بتذكيرهم بما أحله ذلك الجيش من هزائم بأجدادهم لكي لا يفكروا في الثورة يوما ما.

ولقد كانت هذه الاحتفالات وما جرى خلالها من تصريحات وخطب انصب معظمه على إهانة الإسلام ومنع تدريسه ولغته، وقمع الذين يخالفون ذلك (43).

وبهذا يعد تأسيس الجمعية في 5 ماي 1931 م رد فعل حضاري لتحطيم مقولات المحتفلين بانتهاء الإسلام ولغته من الجزائر، وكانت الجمعية في تصورنا في مستوى التحدي، ويعود إليها الفضل الأكبر في بقاء الإسلام ولغته في الجزائر رغم ما حل بأصحابها في سبيل ذلك من ويلات ونكبات، ونستطيع القول بأن ما قامت به الجمعية في سبيل الحفاظ على الشخصية الوطنية لم تقم به أية حركة إسلامية أخرى في العالم الإسلامي كله آنذاك، وذلك بالنسبة إلى ظروف الجزائر، ويجب أن نذكر هنا بأن نشاط الجمعية وابن باديس كان شاملا لكل جوانب الحياة من تربية وتعليم وسياسة واقتصاد ومحاربة البدع... إلخ وهو ما جعلها أهم الوسائل لتحقيق المشروع الباديسي في النهضة والإصلاح (44)

4. المجال العقدي (مقاومة الطرقية المنحرفة): اتسم عصر ابن باديس بسيطرة الطرقية على الفكر الإسلامي سيطرة مذهلة فأدت إلى تعطيله وشل جميع الطاقات الاجتماعية الأخرى -ولا نقصد هنا جميع الطرق الصوفية- بل نقصد أصحاب الطروحات المشلة للفكر (45)، المخدرة للعقل، الخادمة للاستعمار، ولنشر إلى بعض طروحاتهم التي كانت متغلغلة وسط المجتمع بمختلف فئاته:

- الآخرة لنا والدنيا للكفار "ناكل القوت ونستنى الموت".

- الله قدر علينا الاستعمار الفرنسي فلا تجوز مقاومته، ولقد أفتى بهذا منذ زمن الأمير عبد القادر الذي كانت فتوى تحريم الجهاد من أهم عوامل تحطيمه (46).

- صلاة الفاتح أتى بها الملك صاحب إحدى الطرق (التجانية) مكتوبة في صحيفة من نور(47) وهي من كلام الله القديم، والمرة الواحدة من ذكرها تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن الكريم(48) ومن كل تسبيح في الكون، بل هي أفضل من مجموع جميع الأذكار والأدعية والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لمدة مائة ألف عام بعدد مائة ألف مرة في اليوم، وخاصيتها أمر إلهي لا دخل للعقول فيه (49).

- جوهرة الكمال: من خواصها أن المرة الواحدة منها تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات، ولا تجوز قراءتها بالتيمم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين الأربعة يحضرون قراءتها عند المرة السابعة وما بعدها(50)، وأن صاحب هذه الطريقة (التجاني) أفضل جميع الأولياء وأن قدماه على رقبة كل ولي لله من آدم إلى النفخ في الصور!(51). ولقد وصل الأمر بهذه الطريقة في بدايات الاحتلال الفرنسي أن تحالفت عسكريا مع فرنسا ضد الأمير عبد القادر وأصدرت فتوى تحريم (52) الجهاد كما ذكرنا، بل وتحريم التعليم! (53). ولقد بلغ الأمر ببعض رجال إحدى الطرق الصوفية محاولة اغتيال الشيخ عبد الحميد بن باديس.

نتوصل مما سبق إلى أن هذه النماذج من الطروحات الطرقية إن هي إلا تخدير للعقل المسلم وتجهيله وجعل المسلمين وبلدانهم مطية للاستعمار وإبعاد للإنسان المسلم عن الإسلام وعن الحقيقة القرآنية، وهو ما جعل ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين ينورون العقول بخطورة هذا ويدعون الناس إلى الإسلام الحقيقي بواسطة التعليم والصحافة والدروس المسجدية والخطب في الأندية والتأليف، ومناظرة رجال تلك الطرق مما جعل بعضهم يتبنى الإصلاح، وقد خصص الشيخ العقبي لمحاربة طروحاتهم وتبصير الناس بخطرهم كما ألف الشيخ الميلي كتابه القيم "رسالة الشرك ومظاهره" ناهيك عن مقالات ابن باديس في نقدهم، وقد تمكن ابن باديس وجمعية العلماء من إحداث نهضة علمية ودينية، وعملوا على توحيد الفكر في مختلف أرجاء الجزائر بعد أن مزقته تلك الطرق بالصراعات بين أتباع شيوخها المتصارعين.

5. المجال الاقتصادي: أدرك ابن باديس وجمعيته أهمية العامل الاقتصادي في بناء المجتمعات والخروج من الفقر وسيطرة الاستعمار فشرع في العمل على تغيير الواقع الاقتصادي، وذلك بما يأتي:

أ. تغيير نمط الاستهلاك: وذلك بالدعوة إلى التقشف ومحاربة التبذير وترشيد الاستهلاك، ومن ذلك فإن الجمعية كلفت الشيخ مبارك الميلي بتقديم بحث في موضوع "السرف (التبذير) المالي ووجوهه ووجوب مقاومتها وكيف تقاوم"، وقد ألقى هذا البحث على أعضاء الجمعية في اجتماعها المنعقد بناي الترقي بالعاصمة في 17 جمادى الأخرى 1354 هـ 17 /شتنبر 1935 م فبين فيه ما حل بالأمة بسبب التبذير من إخراج الأموال من أيدي الجزائريين إلى الفرنسيين والقعود بالأمة عن تعمير المساجد وإنشاء المدارس وملاجئ الفقراء والعجزة.

أما وجوه التبذير فكثيرة، منها السرف في الخمر والقمار والزنا والرشوة وسائر المنهيات، وفي الفلاحة والتجارة والقهوة والشاي والدخان والشمة وفي الزردة والزيارة إلخ.

وكذلك السرف في الصداق والوليمة والهضيمة (طعام النعي)، وبين الأضرار الناتجة عن كل واحد من هذه الأنواع(54)، ومن الأمثلة على هذا فإن ما ينفق يوميا -آنذاك- في الشمة والدخان وحدهما مليون فرنك، وما ينفق في القهوة والشاي مليون آخر يوميا، فلو استبدل بهذه الأشياء مشاريع خيرية مقبوضها كل يوم مليونان لكانت مشاريع المسلمين أقوى المشاريع، ولكان المسلمون أعز الناس(55).

أما كيفية المقاومة فتقوم على ذكر ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الحكماء من دعوة لنبذه وهي ناحية نقلية، وبيان مضار السرف ومفاسده، وهو جانب عقلي، وإيراد أمثلة من اقتصاد السلف وهو جانب عملي تطبيقي.

ولكي تثمر هذه المقاومة يجب تعميمها بين طبقات الأمة بواسطة التعليم المسجدي والمكتبي والخطابة والمقالات والقصائد بالصحف والأشعار بالعامية لتصل إلى كل جزائري، وكذا التأليف في محاربة التبذير والأسوة الحسنة(56).

ب. إنشاء شركات الاستثمار: وذلك أن الجمعية عهدت إلى الشيخ الإبراهيمي في سنة 1942 م بالعمل على توجيه جهود المسلمين لإنشاء مؤسسة اقتصادية يساهم فيها المسلمون من تجار وغيرهم برؤوس أموال إسلامية تكون نواة لانطلاق اقتصاد إسلامي كبير في الجزائر يصير بديلا عن الاقتصاد الاستعماري الذي يسيطر عليه كبار التجار من نصارى ويهود.

وقد لبى الدعوة جمهور كبير من كبار التجار المسلمين يمثلون عمالات الجزائر الثلاث آنذاك، وتمخض عن ذلك تأسيس "شركة آمال للشمال الإفريقي" لتكون لبنة لإقامة جوانب أخرى في الاقتصاد.

وقد أسست الشركة بالفعل وسجلت لدى الموثق الرسمي في 3 ديسمبر 1942 م، وكان عدد مساهميها100 ، قيمة السهم نصف مليون فرنك وقد اجتمع مساهموها وانتخبوا مجلسا لإدارتها يرأسه الحاج محمد طيار وعباس بن حسن التركي، كما وضعوا قانونها الأساسي الذي صادقت عليه الجمعية العامة المشكّلة من كل المساهمين، كما صادقت أيضا على مكتب التسيير وشرعوا بالفعل بعد ذلك في تهيئة المقرات والموظفين من الكتاب والعمال، وكان مساهموها من مختلف جهات الوطن ومنهم الشيخ أحمد التجاني شيخ الطريقة التيجانية آنذاك بتماسين وبعض المهاجرين في فرنسا (57).

نتوصل من هذا إلى أن جمعية العلماء سبقت في هذا المجال مختلف الحركات الإسلامية التي لم تنتبه إلى أهمية العامل الاقتصادي إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

6. مجال مقاومة التبشير: التبشير دخل الجزائر مع الاستعمار الفرنسي حيث إنه أحد وجهيه، ووضع أسسه فيها الكاردينال لافيجري ((Lavigerie 1892 –1825 وأسس مراكزه المهمة، ثم أتمت الجمعيات التبشيرية مشروعه، وهي تقوم على دعائم ثلاث: يمدها أغنياء النصارى بالمال، ورجال الإيكليروس بالأعمال والحكومات الفرنسية (اللائكية) بالمعونة والحماية، وقد أقامت هذه الجمعيات مراكز التنصير بناء على دراس دقيقة لنفسية السكان وظروف المعيشة، ومن مراكزها آنذاك: مركز ورقلة، وبني اسماعيل قرب بجاية وإيغيل علي، ومراكز زواوة.

وقد أدركت الجمعية خطورة التبشير والمبشرين فجعلت من برنامجها مقاومته رغم قلة الإمكانات التي أهمها المال، ومن أهم السبل التي قرر ا لمقاومته ما يأتي:

- التوعية بخطورته في المحاضرات والصحف(58)

- تأسيس المدارس لنشر العلم والمعرفة: وذلك في المناطق التي تنتشر بها مدارس المبشرين والمدارس الرسمية الفرنسية كمنطقة القبائل، ونعتقد أن هذا النشاط يعد أهم نشاط يواجه به المبشرون، ومن الأمثلة على هذا فإنه كان يوجد لجمعية العلماء بمنطقة القبائل 31 مدرسة و 33زاوية إصلاحية استجابت لدعوة الجمعية، مقابل 30 كنيسة تمارس التنصير وتنشر الفرنسة (59)

- مناظرة كبار المبشرين وإفحامهم: وهو ما يؤدي إلى تزهيد الناس فيهم، ومن هذا القبيل ما وقع في 1932 م بين الشيخ خير الدين ورئيس المركز الثقافي للمبشرين بورقلة الأب شارل دوفوكو(60)؛ حيث زار الشيخ خير الدين في مكتبه بمدرسة الإخاء ببسكرة عدة مرات تناظرا خلالها حول بعض الآيات القرآنية وما يعارضها حسب زعم دوفوكو من الأناجيل، ولما طال الجدال بينهما اقترح عليه خير الدين أن يقدم كل منهما أسئلة مكتوبة ويجيب عنها الآخر مكتوبة؛ لأن الكتابة تبقى شاهد عدل بين المتناظرين عكس المشافهة، فاقتنع دوفوكو بذلك وقدم للشيخ خير الدين كراسة تتضمن شبهاته، فأجابه عنها خير الدين بكراسة تنقض تلك الشبهات، وكان آخر سؤال وجهه إليه خير الدين وطلب منه الإجابة عنه كتابة ما نصه: "أعرض عليك قائمة بأسماء شخصيات كبيرة من العلماء والفلاسفة والمفكرين من جنسيات مختلفة تخلوا عن عقيدتهم المسيحية واعتنقوا الإسلام اختيارا عن عقيدة واقتناع بعد تأمل ودراسة، فهل لك أن تقدم لي نظير ذلك بأسماء بعض الشخصيات الهامة من علماء المسلمين ومفكريهم الذين تخلوا عن دينهم ودخلوا المسيحية اقتناعا واختيارا؟ ولكن لا تذكر لي أسماء المسلمين المستضعفين الفقراء الجهلاء من النساء والمرضى واليتامى الذين جمعهم المبشرون في دور الحضانة وحاولوا تنصيرهم تحت هذه الظروف الطارئة" وقال له: إنني أنتظر الجواب كتابة عن السؤال فلم. يجبه ولم يتصل به بعد ذلك اليوم (61).

7. مجال الرد على افتراءات المستشرقين: ومنهم المستشرق الفرنسي الاستعماري المتطرف "آشيل" الذي كتب عدة مقالات في الجرائد المتعصبة تحامل فيها على الإسلام والمسلمين وزعم أن القرآن كتاب مثير للحروب وعنوان على الهمجية والحقد والكراهية، مهاجما آيات الجهاد معتبرا الإسلام دين الفوضى والهمجية. فرد عليه ابن باديس بسبع مقالات كاملة متسلسلة نشرت بالشهاب الأسبوعي وخلد هذا الرد متمما له محمد العيد آل خليفة بقصيدة عصماء، عنوانها "هذيان آشيل" (61). ومما قاله فيها:

هيهات لا يعتري القرآن تبديل …*… وان تبدل توراة وانجيل

....

ماذا تقولون في آي مفصلة …*… يزينها من فم الأيام ترتيل؟
ماذا تقولون في سفرصحائفه …*… هدي من الله ممض فيه جبريل؟
آياته بهدى الإسلام ما برحت …*… تهدي الممالك جيلا بعده جيل
....

فليس فيه لأعلى الناس منزلة …*… (عدن) وفيه لأدنى الناس (سجيل)
ولا احتيال ولا غمص ولا مطل …*… ولا اغتيال ولا نغص وتنكيل
....

ما بال "آشيل" في "الديبش" يسخر من …*… ءايات محكمه لا كان آشيل!؟
ما بال آشيل يهذي في مقالته …*… كحاكم راعه في النوم تخييل؟

....

هذا (ابن باديس) يحمي الحق متئدا …*… كذاك يتئذ الشم الأماثيل

....

عبد الحميد رعاك الله من بطل …*… ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل
دمغت أقوال آشيل كما دمغت …*… أبطال أبرهة الطير الأبابيل
عليك مني وإن قصرت في كلمي …*… تحية ملؤها بشر وتهليل(62)

8. مجال مقاومة سياسة التفرقة العنصرية بين العرب والبربر

سياسة التفريق بين الأهالي إنما هي سياسة استعمارية بغرض فرق تسد، فكانت جمعية العلماء سباقة إلى إدراك خطورتها فشرعت في مقاومتها، وهو ما يظهر بجلاء من الخطبة القيمة التي ألقاها الشيخ حمودي مخلوف -من جمعية العلماء- بالقبائلية ليلة مأدبة النادي للجمعية في شوال 1354 هـ/جانفي 1936 م فاهتز لها الحفل ودوت القاعة بالهتاف والتصفيق وقد أعجب بها ابن باديس كثيرا فختمها بكلمة رائعة تحت عنوان: "ما جمعته يد الرحمن لا تفرقه يد الشيطان"(63) ومما قاله فيها: "إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام... فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم" (64).

وقد كتب ابن باديس عدة مقالات في الفترة 1936 م– 1939 م يفضح فيها فرنسا ويكشف أغراضها من هذه السياسة ويبين كيفية توحد الشعب الجزائري وامتزاج عربه وبربره ليصبحوا أمة واحدة أمها الجزائر وأبوها الإسلام، من تلك المقالات، مقال:

"كيف صارت الجزائر عربية" (65) (فيفري 1938) ومقال: "ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان"(66) (فيفري 1939 م).

وقد حارب ابن باديس هذه النزعة أيضا أثناء الزيارات التي كان يقوم بها أو يقود فيها وفود الجمعية إلى جهة القبائل لنشر الوعي الديني والوطني، وقد أثمرت هذه الجهود حيث كان كثير من تلاميذ الجمعية التجباء من هذه المنطقة كالفضيل الورثيلاني والسعيد صالحي وباعزيز بن عمر وغيرهم، وقد حارب العلماء هذه السياسة بكل الوسائل كالمؤلفات والصحافة وغيرها: بل وكشفوا مغالطات الاستعمار التاريخية بادعاء الأصل الغالي أو الآري للبربر(67) وبينوا -كما فعل أحمد توفيق المدني- أن أصول العرب والبربر واحدة (68). ويجب أن نذكر هنا بأنه عندما أسست فرنسا جمعية القبائل في الجزائر في سنة 1936 م لم يكتف العلماء بمهاجمتها، بل دسوا عناصر منهم في عضويتها مما مكن . جمعية العلماء من أخذ زمام القيادة وجعل مجهودات فرنسا تذهب أدراج الرياح (69).

وإذا كان ابن باديس وجمعيته قد تفطنت إلى خطورة سياسة التفرقة العنصرية وقاومتها، فإنهم جعلوا من ضمن مقاومتها، مقاومة وسائل تحقيقها في الواقع، وهو ما جعل الشيخ الإبراهيمي يقاوم إنشاء فرنسا للإذاعة القبائلية، حيث أنشأتها بعد حوادث ماي 1945 م وأثناء ظهور ما يسمى بحزب الشعب البربري، ومما قاله في ذلك: " أكل هذا إنصاف للقبائلية وإكرام لأهلها واعتراف بحقها في الحياة وبأصالتها في الوطن؟ كلا.

إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمة، ومكر استعماري بطائفة أخرى، وتفرقة شنيعة بينهما. وسخرية عميقة بهما" (70)، وقد حلل الإبراهيمي قضية هذه الإذاعة -التي أنشئت في وقت لم يكن أي قبائلي يملك مذياعا- في عدة مقالات وبين أهدافها وخطورتها(71). وقد بين تطور الأحداث صحة تصوره ودقة بعد نظره.

9. المجال السياسي

سبب اهتمام ابن باديس وجمعيته بالسياسة

جمعية العلماء في أصلها تربوية وليست سياسية، ومع ذلك خاضت غمار السياسة ويعود ذلك في تصورنا إلى سببين هما:

1. شمولية الإسلام لكل جوانب الحياة مما يجعل السياسية جزءا لا يتجزأ منه.

2. تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي.

والملاحظ لفكر ابن باديس السياسي يجد أنه فكر تدريجي مرحلي، كل مرحلة تمهد للتي تليها، هكذا.

- المطالبة بحقوق الجزائريين كأمة باعتبار الجزائر مستعمرة فرنسية.

- الهجوم على حكام الجزائر الفرنسيين باعتبارهم تفننوا في حرمان الأمة الجزائرية من حقها الديني، وهذا مخالف لما تريده الحكومة الفرنسية، وبرهن على هذا بأن المجالس النيابية الكبرى والصغرى في فرنسا لم تخل من رجال الدين، ومنهم القسيس رشليو، فلماذا يحرم المسلم فقط من حقه السياسي؟! مع أن جمعية العلماء لا تهتم بالسياسة وكل ما في الأمر تطالب أن تكون حرة في تعليم الإسلام وتطبيقه (72)، وفي هذا السياق

ناضلت جمعية العلماء لفصل الحكومة عن الدين، وتمثل ذلك في سبع قضايا، هي:

1. تحرير الأوقاف الإسلامية بإرجاعها إلى المسلمين.

2. تحرير القضاء الإسلامي بإرجاعه إلى المسلمين ورفع يد الحكومة عنه.

3. تحرير التعليم العربي من الحكومة ورفع يدها عنه.

4. تحرير رجال الدين الإسلامي من الحكومة.

5. تحرير المساجد برفع يد الحكومة عنها.

6. تحرير الحج بعدم تدخل الحكومة في أي شأن من شئونه.

7. تحرير الصوم والأعياد الدينية الإسلامية بإبعاد الحكومة عن جميع شؤونها(73)

- نقد الصحافة الفرنسية من حيث إنها لا تقدم الحقيقة إلى الأمة الفرنسية عن الشعب الجزائري، بل تشوه الحقائق.

- محاربة الاستعمار لكونه استعمارا، واعتبار الجزائر أمة قائمة بذاتها وبلدا له حدوده ومقوماته، يختلف كليا عن فرنسا، وظهر هذا بجلاء في رده على دعاة الاندماج والتجنيس.

دعاة الاندماج والتجنيس

هم إحدى نتائج السياسات التي اتبعتها فرنسا في الجزائر كالتنصير والفرنسة لسلخ الجزائريين من هويتهم وجعلهم يذوبون ويتلاشون في المجتمع الفرنسي لتستقر في الجزائر إلى الأبد، ويتشكلون من بعض النواب المحليين وبعض الأعيان، ومن كبار الموظفين بالجزائر ومن خريجي المدرسة الفرنسية بشقيها التبشيري والرسمي. طالب هؤلاء بإدماج الشعب الجزائري في فرنسا وإعطائه الجنسية الفرنسية ومساومته بالفرنسيين، وهذا يعني انتهاء الجزائر باعتبارها أمةً وكيانًا مستعمرا يجب تحريره، وذهب بعض هؤلاء إلى لمطالبة بالتجنيس الكامل للجزائريين بحيث يصيرون فرنسيين في كل شيء بما في ذلك التخلي عن الشخصية الجزائرية وقانون الأحوال الشخصية الإسلامي(74)

وقد ظهر دعاة الاندماج والتجنيس في 1930 أي بعد الاحتفال المئوي بمرور قرن على استعمار الجزائر (75) وهذا له دلالته في السياق ذاته.

تصدى ابن باديس وجمعيته لهذه القضية الخطيرة التي وصل الأمر بأحد دعاتها هو فرحات عباس أن كتب مقالا جعل عنوانه "فرنسا هي أنا"، أنكر فيه وجود وطن يسمى الجزائر، وقد رد عليه ابن باديس ردا ملتهبا. ومما قاله هذه الجمل الخالدة: " "الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة، والذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية"(76). ولقد أحدثت هذه الجمل دويا عظيما في الإدارة الفرنسية في أعلى مستوياتها، ويهمنا أن نذكر بأن فكرة الإدماج فرنسية محضة أبطلتها جمعية العلماء بالوعي عن طريق الصحافة والدروس وبفتوى تكفر المجنسين وبالعمل على نشر الثقافة الإسلامية العربية، وبث روح الاعتزاز بالتراث العربي الإسلامي في نفوس الجزائريين(77)، ثم بعقد المؤتمر الإسلامي في سنة 1936م الذي نجح في تصورنا عكس ما قيل عنه، لأنه أثبت بعد ذهاب وفد المؤتمر إلى فرنسا للمطالبة بالحقوق، أن فرنسا هي فرنسا فأسقط بذلك آخر ورقة في يد دعاة الاندماج والتجنيس.

10. مجال إحياء تاريخ الجزائر

إحياء تاريخ الجزائر يعد من الأهمية بمكان؛ لأنه تحطيم لمقولات الفرنسيين وأغاليطهم التاريخية، فكان ابن باديس يُذكِّر في دروسه بأبطال الجزائر ويعمل على تحطيم ما أشاعه الاستعمار من أن أجدادنا هم الغاليون كما كان يدرس في المدارس الرسمية، وكان تدريس تاريخ الجزائر وإحياؤه يعد من الجرائم الكبرى في نظر فرنسا، إلى حد أن الذي كانت تمنح له رخصة التدريس يشترط عليه أن لا يدرس تاريخ الجزائر.

ومما يتمثل فيه هذا الإحياء تأليف الشيخ مبارك الميلي كتاب: "تاريخ الجزائر" فكتب له ابن باديس هذه المقولة الرائعة: "إن من أحيا نفسا فقد أحيا الناس جميعا، فكيف بك أحييت أمة".

11. مجال مقاومة الإلحاد وبقية الآفات

الإلحاد في الجزائر دخيل وليس أصيلا، فهو أحد أسلحة الاستعمار في تحطيم عامل المقاومة في نفوس الأمة، وتعود أسباب نشوئه إلى ما يأتي:

- التعليم اللائكي الفرنسي بشقيه الإكليروسي والحكومي، وقد ساعده على ذلك الجهل والفهم السيء للإسلام الناتج عن خلطه بالدروشة والخرافات فانطبع في أذهان المتعلمين في تلك المدارس تناقض الدين مع العلم.

- إهمال الأولياء في تربية أبنائهم على الفضيلة من حب للدين وتطبيق شعائره.

- نفور علماء الدين الجامدين من الشباب.

- جهل المرأة المسلمة وعدم تعلمها (78)

ما سبق جعل الإلحاد ينتشر، وهو ما جعل المؤرخ الجزائري إسماعيل حامت يبين أن الإلحاد صار ذا تأثير معتبر في عدد من الجزائريين الذين أصبح الإسلام عندهم مجرد تقليد يتوارث وهو ما يعني بداية تلاشيه، وبداية ازدهار الإلحاد (79)، وهو ما جعل جمعية علماء تأخذ هذه القضية بعين الاعتبار فقاومته بتبيين حقيقة الإسلام وعدم تناقضه مع العلم، وذلك بالدروس والمحاضرات ومناقشة تلاميذ المدارس الفرنسية فتمكنت من إرجاعهم إلى حظيرة الإسلام وتحبيب لغة القرآن إلى نفوسهم، كما قامت بإرشاد الآباء إلى ضرورة رعاية أبنائهم وجعل أنفسهم قدوة لهم (80)، وإذا كانت جمعية العلماء قد واجهت الإلحاد فإنها عملت أيضا على تخليص المجتمع من بقية الرذائل كالخمور والفجور وشهادة الزور وترك الصلاة وغير ذلك من الرذائل، وقد تركت في كل هذا أثرا محمودا (81)

12. المجال الفني والرياضي

أسس ابن باديس جمعيات كثيرة، موسيقية وفنية ومسرحية ورياضية، وكان هو المرشد الأساسي لجميعة الكشافة الإسلامية، وأسس نادي الترقي في الجزائر العاصمة في سنة 1927 م(82).

خاتمة

بعد هذه الرحلة في الفكر الباديسي الإصلاحي النهضوي تبين لنا أن ابن باديس صاحب تصور فلسفي عميق، فهو يفكر بعقلية الفيلسوف المحنك المحترق على أمته وليس بعقلية رجل دين دوغماتي لا يتجاوز نظره سطور سفره. ولذلك جاء مشروعه الإصلاحي النهضوي شاملا لكل ما من شأنه تحرير الجزائر وتحقيق الإقلاع الحضاري ولا سيما أن هذا المشروع لم يكن مجرد تصور نظري بل نتج عنه تطبيق عملي وهو ما جعلنا نستخدم مصطلح "فلسفة" في العنوان ولكن ليس بالمفهوم الخاص، وإنما بمعنى تصور نظري شمولي لكل ما من شأنه تحقيق المراد، وقد توصلنا إلى نتائج منها:

- ضبط مفهومي الإصلاح والنهضة، والربط بين الإصلاح وبين التصور الإسلامي للنهضة وإدراج التصور الباديسي ضمن هذا المنظور.

- تحليل مجالات الإصلاح النهضوي ووسائله المختلفة.

- ثمرة المشروع الباديسي النهضوي تتمثل في جوانب متعددة منها:

- استطاع ابن باديس أن يقوم بتربية جيل، وتكوين أمة متبصرة بشخصيتها ومقوماتها، وأن يضع أصول نهضتها الفكرية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والدينية.

وأن الثورة الجزائرية العظيمة في جوانبها النفسية وقوتها المعنوية التي تتمثل في كلمة "الجهاد" تعود إلى عمله التربوي الخاص والعام؛ تربية الجيل في المدارس، والأمة في المساجد، وبرحلاته في مختلف أنحاء القطر الجزائري، ويكفيه أنه بنى الإنسان، وهو أصعب الأشياء.

امتاز إصلاح ابن باديس بشموله لكل جوانب الحياة الدينية والسياسية والفكرية والاجتماعية وغيرها وذلك وفقا للحقيقة القرآنية.


الهوامش:

1- سورة البقرة، الآية 11

2- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، المعجم العربي الأساسي، لاروس، 1989 م، ص ص 744، 934

3- سورة هود، الآية 88

4- محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ط 2، دار المعرفة، بيروت، (د.ت.م 12 )، ص 145

5- إسماعيل الفاروقي، النهضة الإسلامية في المجتمع المعاصر، مجلة المسلم المعاصر، أكتوبر، ديسمبر، 1981 ك، ع 28 ، ص 5

6. Larousse universel en 2 volume. Tome second. Paris, librairie Larousse, 1923, p.766.

7- سلامة موسى، ماهية النهضة ومختارات أخرى، ط 2، موضع للنشر، الجزائر، 1990 م، ص XI

8- وهيض نظمي، ملامح من الفكر الغربي في عصر النهضة، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1984 م، هاش، ص 105

9- محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ط 11 ، مكتبة وهبة، القاهرة،. 1985 م، ص 7

10- يوسف القرضاوي، الحلول المستورة، ط 12 ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1987 م، ص ص 133-132

11- أبو القاسم يعد الله، الحركة الوطنية 1900-1930 ، ط 3، شون ت، الجزائر، 1983 ، ج 2، ص167-170

12- عبد الحميد جيدة، الأصالة والحداثة في تكوين الفكر الغربي النقدي الحديث، د ط، دار الشمال، طرابلس، لبنان، 1985 م، ص87.

13- فضيلة أستاذنا عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983 م،. ج 2، ص 100

14- ابن باديس، الشهاب، 23 أوت 1926 م، عن عمار طالبي، آثار ابن باديس، ج 3، ص ص 177-.178

15- ابن باديس، الشهاب، غرة جمادى الثانية 1358 هـ/ جويلية 1939 م، ج 6، م 15 ، ص ص 252- .253

16- ابن باديس، الشهاب، 23 أوت 1926 ، عن وزارة الشؤون الدينية، آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، .43- ط 1، دار البعث قسنطينة، 1985 م، ج 4، ص ص 42

17- سورة النمل، الآية 11

18- ابن باديس، الشهاب، غرة رجب 1358 هـ/أوت 1939 م، ج 7، م 15 ، ص ص 315-.316

19- ابن باديس، الشهاب، 25/2/1926 م، عن وزارة الشؤون الدينية آثار ابن باديس، ج 5، ص ص 429-430.

20- المصدر نفسه، ج 4، ص 40

21- عمار طالبي، المرجع السابق، ص80, 81, 100.

22- محمد البشير الإبراهيمي، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1964 م، ع 21 ، ص 140-141-.

* التفكير في تأسيس الجمعية بدأ في 1913 ونفذ في 1931 ولذلك ولدت الجمعية ناضجة.

23- أستاذنا د/ عمار طالبي، المرجع السابق، ص 101 107-.

24- أستاذنا د/ عمار طالبي، المرجع نفسه، ص 111-115.

25- المرجع نفسه، ص 114.

26- محمد البشير الإبراهيمي، فصل الدين عن الحكومة (9) قضية حرية المرأة ودور فرنسا فيها، البصائر،1950 م، ع 108 عن (محمد البشير الإبراهيمي، آثار محمد البشبر الإبراهيمي جمع وترتيب أحمد طالب الإبراهيمي، ط 1، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1978 م، ج 2، ص424 .(429-

27- ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى رسالتنا "التنصير وموقفه من النهضة الحضارية المعاصرة في الجزائر" (دكتوراه دولة)، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، 2001 ، ق 2، هاش ص 915

28- رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر، ط 3، ش.و.ن.ت، الجزائر،. 1985 م، ص 155

28- وذلك مساء الخميس 26 /10/ 1933م حيث استدعي إلى دار عمالة قسنطينة وأطلعه كاتبها العام على مراسلة الحاكم العام في الجزائر التي تأخر بالتحقيق معه لأنه يدرس بدون رخصة والقانون يمنع من ذلك (ابن باديس، الصراط السوي، قسنطينة، 30/10/1933، س 1، ع 7، ص 6 .

29- ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى بن باديس، احتجاج جمعية العلماء على انتهاك حرمة الدين بغرداية، البصائر، قسنطينة، 03 /09/ 1937 م، س 2، ع 80 ، ص 5. أيضا ابن باديس احتجاج رئيس جمعية العلماء على حادث مسجد قنزات، البصائر، قسنطينة، 05 /11/ 1937 م، س 2، ع 85 ، ص 7.

30- عبد الحميد بن باديس، حول مساجين العلماء، هل في سجن الكدية ما يذكرنا بـ(الباستيل)؟... البصائر، قسنطينة، 11 /08/ 1939 م، ع 178 ، ص 1

31- رابح تركي، التعليم القومي والشخصية الوطنية، د ط، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1975 م، ص 128 ، أيضا رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص 157.

32- ابن باديس، البصائر، قسنطينة، 18 /11/ 1938 م، س 3، ع 140 ، ص 1

33- ابن باديس، البصائر، 7، م 15 ، ص 346 ، رجب 1358 هـ/أوت 1939 م، عن أستاذنا عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج 1، ص 121.

34- ابن باديس، البصائر، قسنطينة، 2 صفر 1355 هـ / 244/1936 م، س 1، ع 16 ، عن أستاذنا عمار طالبي، المرجع السابق، ص 80

35- يلاحظ التمييز بين الفرنسيين والوطنيين، وهو تمييز له دلالته.

36- أكبر ظالم هو فرنسا.

37- عبد الحميد بن باديس، المنتقد، ع 1، ص 1، عن أستاذنا عمار طالبي، المرجع السابق، ص82.

38- عبد الحميد بن باديس، المنتقد، ع 1، ص 2، عن عمار طالبي، المرجع السابق، ص 83

39- عمار طالبي، المرجع السابق، ص 84

40- المرجع نفسه، ص87.

41- المرجع السابق، ص 87

42- فرحات عباس، ليل الاستعمار، ترجمة أبو بكر رحال، الرباط، دت، ص 148-149.

43- رابح تركي، التعليم القومي، ص ص 63-64.

44- لن نتعرض هنا إلى تفاصيل تأسيس الجمعية ومبادئها وكيد الاستعمار لها، ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى كتاب أستاذنا د/عمار طالبي ابن باديس حياته وآثاره، وكذا رسالة ماجستير أستاذنا د/ عبد الكريم بوصفصاف عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

45- عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج 1، ص18.

46- أبو القاسم يعد الله، الحركة الوطنية، ط 1، م.و.ك الجزائر، 1992 م، ق 1، ج 1، ص 276

47- أحمد التجاني الشنقيطي، الفتوحات الربانية في الطريقة الأحمدية التجانية، د ط، دار الكتاب، المغرب، دت، ص 79

48- 3. محمد بن عبد الله التجاني، الفتح الرباني فيما يحتاج إليه المريد التجاني، د ط، دار الكتاب المغرب، د ت، ص 16

49- أحمد التيجاني الشنقيطي، المصدر السابق، ص 91

50- محمد علوان الجوسقي، النفحة القدسية في السيرة الأحمدية التجانية، د ط، دار الكتاب، المغرب، دت،.ص ص 87-95.

51- محمد عبد الله التجاني، المصدر السابق، ص 15

52- ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى أبي القاسم سعد الله، الحركة الوطنية، ق 1، ج 1، ص 373

53- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ط 1، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1981 م، ج 1، ص 519

54- ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى مبارك الميلي، محاضرة السرف المالي، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بمركزها العام، نادي الترقي بالجزائر، د ط، دار الكتاب، الجزائر، 1982 م، ص 157 172 –

55- المصدر نفسه، ص 170

56- المصدر نفسه، ص ص 171-172.

57- محمد خير الدين، مذكرات، د ط، م و ك، الجزائر، د ت، ص 105، 107.

58- محمد البشير الإبراهيمي، نشوء الحركة الإصلاحية في الجزائر، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بمركزها العام نادي الترقي بالجزائر، د ط، دار الكتاب، الجزائر، 1982 م، ص ص 72-73.

59- علي مرحوم، حديث المتجول، جريدة البصائر، قسنطينة، 27 جانفي 1938 م، ع 97 ، ص 4

60- هو غير شارل دوفوكو الفرنسي، لبناني الأصل، يتقن العربية، مطلع على شبهات أبناء ملته تجاه الإسلام (محمد خير الدين، المصدر السابق، ج 1، ص ص 98-99)

61- المصدر نفسه، ج 2، ص ص98-99.

62- الشيطان هنا هو فرنسا، وبذلك حدد ابن باديس بدقة منشأ المشكلة.

63- ابن باديس، الشهاب، ج 11 ، فيفري 1936 ، ص 605 ، أيضا : البصائر، 17 جانفي 1936 ، س 1 ، ع 3، ص 2، كما نشرها أيضا خير الدين في مذكرات، ج 1، ص ص 356- 357.

64- عبد الكريم بو صفصاف، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، د ط، المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر،

. 1996 م، ص 131

65- المرجع نفسه، ص 132

66- المرجع نفسه، ص 133

67- أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، ط 2، دار المعارف، القاهرة، 1963 م، ص 97

68- عبد الكريم بو صفصاف، المرجع السابق، ص 134

69- محمد البشير الإبراهيمي، اللغة العربية في الجزائر عقيلة حرة ليس لها ضرة، جريدة البصائر، 1948 م، ع 41

70- ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى الإبراهيمي، موجة جديدة، البصائر، 1948 م، ع 42 ، وقد نشرت في آثار الإبراهيمي، ج 2، ص 445

71- عمار طالبي، آثار ابن باديس.

72- ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى: محمد البشير الإبراهيمي، آثار.... ج 2، 3، وكذا تركي رابح، التعليم القومي والشخصية الجزائرية.

73- ابن باديس، سياسة وخز الدبابيس، الشهاب، غرة ذي الحجة 1354 ه/ 1936 م، ج 12 ، م 11 ، عن عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج 3، ص 301

74- رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس، ط 3، س و ن ت، الجزائر، 1985 م، ص 64

75- ابن باديس، الشهاب، كلمة صريحة، غرة محرم، 1355 ه/أبريل 1936 م، ج 1، م 12 ، ص50

76- رابح تركي المرجع السابق، ص ص 74-75.

77- محمد البشير الإبراهيمي، موقف الجمعية من الإلحاد، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ص ص 69-71.

78-عمار طالبي، آثار ابن باديس، ج 1، ص ص 47-48.

79- محمد البشير الإبراهيمي، سجل مؤتمر جمعية العلماء، ص 70

80- المصدر نفسه، ص 74

81- تركي رابح ملتقى ابن باديس، قسنطينة.


أ.د. عليوان اسعيد: جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة

آخر التغريدات: