المرأة المسلمة في الجزائر

بقلم: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي-

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أيها الإخوان المسلمون، أيتها الأخوات المسلمات:

مواضيع الحديث عن المسلمين كثيرة لأن أمراضهم كثيرة، ومن قضى الله عليه بأن يتحدث في شؤون المسلمين اليوم أو يكتب عنهم، فقد ساق له نوعًا من الغنى لا يعرفه الناس ولا تعرفه القواميس، أما الناس فإنهم يعدّونه غنى خير منه الافلاس، أما القواميس فإنها لا تعرف من الغنى إلّا ما عرفته العرب، والعرب- وإن اتسعت لغتهم وتشقّقت ألفاظها عن بحر زاخر من المعاني- لم يكونوا مسلمين، وإنما كانوا مسوقين بفطرة الله في أول أمرهم، وبهداية الدين في آخره، وكانوا مخلصين للإثنين كل في دولته، كانوا مشركين فوحّدوا، ومشتّتين فاتحدوا، وكانوا رعاء غنم فأصبحوا رعاة أمم، وكانوا مجدبين فأمرعوا، ومدلجين فأصبحوا، وكانوا شجعانًا فثبّت الإسلام فيهم الشجاعة، وأجوادًا فحثّهم الإسلام على السماحة، وتمّم بنبيّه مكارم الأخلاق فيهم، فرجعت خيالاتهم إلى الحقيقة.

أما المسلمون اليوم فليسوا من ذلك في شيء، بل ليسوا من معنى الأمة في شيء إلّا بضرب من التجوز والتساهل، هم جسد يثبت وجود الواسطة بين الموت والحياة كما أثبتها القرآن لأهل جهنّم، هم جسد بعض أجزائه أشل معطل، وبعضه مصاب بعاهة تمنعه العمل فهو كالأشل المعطل، وبعضه مستعمل في غير ما خُلق له فهو كالكلمة المحرفة عن وضعها في اللفظ أو المنحرفة عن موضعها في الجملة، فهي لا تحدث إلّا التشويش والالتباس وفساد المعنى.
لذلك كثرت المواضيع أمام المتحدث عليهم أو الكاتب عنهم وتعدّدت إلى غير حدّ، وتكاثرت عليه الضباب حتى لا يدري ما يصيد، ولا يدري بأيها يبدأ ولا بأيها يختم، وهو لذلك كله لا يطمع في ضبط ولا إحاطة إلّا كما يطمع الغريق في بحر جياش القوارب في الدنو من الساحل.

المرأة المسلمة موضوع ذو شعب: جهلها، تربيتها، تعليمها، حجابها، وظيفتها في البيت، والرجل المسلم موضوع أكثر تشعبًا، والشاب المسلم موضوع، والطفل كذلك، والعرب موضوع والعجم موضوع، والمغرب موضوع والمشرق موضوع، والغني موضوع والفقير موضوع، والملوك موضوع، والسوق موضوع، ونسبة الجميع إلى الإسلام هي موضوع المواضيع، وهنالك تتشعّب المذاهب كتشعّب المذاهب، وتنطمس المسالك على السالك، والأمراض إذا كثرت ولدت الضُّعف، وولد الضعف أمراضًا أخرى.

وإن مما زاد المواضيع كثرة وتوعّرًا على المتكلم في شؤون المسلمين هذا التفاوت الفاحش بين أطراف الشعب الواحد منهم، فتجد الغني الواسع الغنى والفقير الواسع الفقر وتجد المثقف الواسع الثقافة يقابله الأميّ الجاهل بما تحت مواقع سمعه وبصره، وإن أمم هذا الزمان قد تقاربت خصوصًا في باب الثقافة فنجد جميع الأفراد مشتركين في القراءة والكتابة وفي البدائيات من المعارف العامة، فإذا قفز منهم أفراد إلى ذروة العلم بقي الحبل متصلًا بينهم بمبادئ العلم والمعرفة، خلافًا لما عندنا فإن الحبال مقطوعة بين الطبقات، ولذلك نجد الموضوعات عندهم قليلة ومحصورة، فإذا تحدث المتحدث أو كتب الكاتب فإنما يتحدث أو يكتب عن شيء مضبوط محدود أو عن شيء ناقص يفتقر إلى الكمال.

هم لا يتحدثون عن الحرية لأنها حاصلة، ولا عن التعليم لأنه مضمون، ولا عن العمل لأنه مكفول، ولا يتحدثون كثيرًا- إلى ما قبل سنوات- عن الطبقات لأنها متقاربة ولها حدود تقف عندها، ولا عن المرأة لأنها استقرّت في الموضع الذي حدّدته لها حضارتهم.

أيها الإخوان: أهمّ الموضوعات- وإن كثرت وتشعبت- ما يتعلق بالأحياء الناطقين، بل هي أصل الموضوعات كلها، وعليها يتوقف كل شيء، وعلى إصلاحها يتوقف كل إصلاح، وإن لهؤلاء الأحياء حدودًا رسمتها الطبيعة والواقع، فمَن تحدث عنها فهو مُتحدث عن أصل الخير والسعادة، أو عن أصل البلاء والشقاء، فالواجب على خطبائنا وشعرائنا وكتّابنا أن يديروا الألسنة والأقلام في هذا المدار الضيّق، وليناولوه بالتحقيق وليعالجوه بالإصلاح، وإن أركانه لأربعة فلا يزيدون الخامس ولا ينقص الرابع: هي الرجل والمرأة والشاب والطفل.

كانت المرأة المسلمة في الجزائر إلى عهد قريب، لا يجاوز أربعين سنة، محرومة من كل ما يسمّى تعليمًا إلّا شيئًا من القرآن يؤدي إلى معرفة القراءة والكتابة البسيطة، وهذا النوع على تفاهته خاص ببعض بيوت العلم، ولا يجاوزون بالبنت فيه الثانية عشرة من عمرها.

هذه هي الحالة السائدة في الجزائر منذ قرون وتشاركها فيها جميع الأقطار الإسلامية على تفاوت بسيط بينها، والسبب في هذه الحالة نزعة قديمة خاطئة راجت بين المسلمين وهي أن تعليم البنت مفسدة لها، ويلوك أصحاب هذه النزعة آثارًا مقطوعة الأسانيد، مخالفة لمقاصد الشريعة العامة وتربية محمد - صلى الله عليه وسلم - العملية لنسائه ونساء المسلمين العالمات، ثم يؤيّدون تلك الآثار الضعيفة الإسناد بأقوال الشعراء الذين يستمدّون شعورهم من شريعة العواطف المتباينة، لا من شريعة الله الجامعة، ومتى كان الشعراء مصدر فتوى في الدين؟

هذه هي علة العلل في الحالة التي أفضت بالمرأة المسلمة إلى هذه الدرجة التي ما زالت عقابيلها سارية في المجتمع الإسلامي، وما زالت لطخة عار فيه، وان المرأة إذا تعطلت عطّلت الرجل وإذا تأخرت أخّرته، ولا سبب لانحطاط المرأة عندنا إلا هذا الضلال الذي شوّه الدين وقضى على المرأة بالخمول فقضت على الرجل بالفشل، وكانت نكبة على المسلمين. وما المرأة المسلمة الجزائرية إلا جزءًا من المجموعة الإسلامية.

بعد تلك السنوات التي جعلناها حدًا لقديم المرأة الجزائرية، جاء طورها الجديد ويبدأ من نحو أربعين سنة، وقد يستقيم للباحث أن يسمّيه الفجر الكاذب ليوم تعليم المرأة المسلمة الجزائرية، ويصدق هذه التسمية أمران، الأول: أنه بدأ بتعلّم اللغة الفرنسية وهي لغة ليست من روحها ولا من تقاليدها، واللغة الأجنبية إن حسنت فإنما تحسن بعد اللغة المتصلة بالروح والتاريخ والمقوّمات الأصيلة فهي بالنسبة للجزائرية ربح، أما رأس المال فهو اللغة العربية، والثاني: أنها بدأت في المدن الحديثة الحضارة، ونعني المدن التي عمرت في عهد الاستعمار الفرنسي مثل سكيكدة وسطيف وسيدي أبي العبّاس.

ونقصد بكونها حديثة الحضارة أن عمارها طارئون وليست فيها بيوتات عريقة تمثّل حضارتها الإسلامية وتحفظ تاريخها العلمي. ثم سرى هذا التعليم الفرنسي بعد سنوات قليلة إلى المدن التاريخية ذات التقاليد الموروثة والماضي العلمي العتيد، وهي تلمسان وبجاية وقسنطينة والجزائر وما هو من نوعها، وانساق أولياء الفتيات المسلمات إلى هذا التعليم الأجنبي انسياقا غريبًا بعد أن كانوا معرضين عنه بضع سنوات حتى إنك لتجد للواحد منهم بنتًا كبيرة حرمها من هذا التعليم وفوّته عليها ثم سمح به طائعًا مختارًا لأختها الصغيرة أو لأخواتها الصغيرات، وما تغيّر الشخص ولكن تغيّرت فكرته وشعوره، وليس هذا من أثر الدعاية للتعليم الفرنسي، فإن الدعاية قديمة العهد وأبو البنت هو أبو الولد، وقد سمح لولده بالتعليم الفرنسي قبل سماحه لبنته بعشرات السنين، وقد رأى في ولده حسنات هذا التعليم وسيئاته، وإنما السبب الأول لهذا الإقبال على تعليم البنت باللغة الفرنسية هو تقليد من أغرب أنواع التقليد (يصح أن نسمّيه تقليد المنافسة) وغرابته أنه تقليد من الأعلى للأدون، وهو في موضوعنا تقليد الحضري العريق للمتحضر الجديد، ومن أمثلته تقليد الغني الأصيل لغني الحرب، فهو منافسة في صورة تقليد، ومن أمثلته البارزة شعور بعض المسيحيين في الشرق بضرورة وطن قومي مسيحي، فإن هذه الفكرة ما نبتت إلا بعد وجود الوطن القومي اليهودي، والمسيحي أعز من اليهودي نفرًا وأكثر نفيرًا.

إذن فإقدام البنت المسلمة على العلم باللغة الفرنسية بدأ من العهد الذي حدّدناه تقريبًا، ونرجّح أن لإقبالها على هذا النوع من التعليم المخالف لبيئتها وتقاليدها سببًا آخر ظاهريًا غير ما ذكرنا من تقليد المنافسة، وهو أنه لا يوجد إذ ذاك تعليم رسمي ولا حر باللغة العربية يسبق هذا التعليم، ولا تنسَ أن للتطوّر الفكري أثره في هذه المسألة.

فلننظر الآن ماذا أتى به هذا التعليم من النتائج في أمة تبلغ عشرة ملايين أو تزيد، ونصف هذه الملايين نساء.

إنه لم يأتِ بنتيجة تذكر، لأن معظم المتتبعات لهذا التعليم يقفن عند حد الشهادة الابتدائية ثم يلزمن بيوتهن، وفي الغالب يقبلن على الحرَف النسوية اليدوية وقليلات منهن ينتقلن إلى التعليم الثانوي، وأقلّ من القليل يجاوزنه إلى العالي. وكانت النتيجة إلى هذا العهد أن بضعة آلاف لا تجاوز جمع القلة من البنات المسلمات يحملن الشهادة الابتدائية الفرنسية، وعشرات يحملن شهادة الكفاءة للتعليم فهن معلّمات في المدارس الابتدائية الحكومية وعدد قليل منهن- فيما بلغت إليه تحرياتنا- يحملن ليسانس الآداب وإحداهن أستاذة في مدرسة ثانوية هي شريفة قزّال، وتوجد بالجزائر كلها دكتورة واحدة ممتازة في الطب هي علجية نور الدين ولها عيادة ناجحة في عاصمة الجزائر، واثنتان- فيما علمنا- صيدليتان، وواحدة محصلة على شهادة التبريز في الآداب الفرنسية (اقريقاسيون) بأطروحة قدمتها عن الغزالي وهي حليمة بن عابد، وهي الآن تعمل في الرباط أستاذة، والصنف الوحيد من أصناف العلم الذي كثرت حاملات شهادته من الجزائريات هو القبالة. فالقوابل المسلمات كثرن في العهد الأخير ولعلهن جاوزن المئة، وهذا النوع يرضى عنه حتى المحافظون لحاجتهم إليه ولعلاقته بالنساء والبيوت، فهم أكثر اطمئنانًا إليه دون غيره، ولعلّ هذا هو السبب في كثرة القوابل المسلمات وأعان على هذا الميل العام للتطبيب الفنّي.

ليست البنت الجزائرية مدفوعة عن الذكاء بل الأمر بالعكس، فقد شهد لها الرجال القائمون على التعليم الفرنسي بالذكاء الخارق، ولكن الذي أخّرها عن السبق عوامل اجتماعية ودينية ما زال لها شأن عظيم في المجتمع الجزائري.

هذا هو ما سمّيناه بالفجر الكاذب لتعليم المرأة الجزائرية، وقد أتى رغم ذلك هذه النتائج الطفيفة، ويقيننا أنه يأتي بنتائجه الكاملة بعد أن جاء الفجر الصادق.

أما الفجر الصادق لتعليم الفتاة الجزائرية فهو يبتدئ من سنة 1931، أي منذ اثنتين وعشرين سنة يوم تكوّنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لإحياء العروبة والإسلام بالقطر الجزائري ومغالبة الاستعمار عليهما، وخطت خطواتها المشكورة في التعليم العربي الإسلامي على نظم عصرية، وكانت خطوتها الأولى تحبيب العلم إلى الجماهير بواسطة الدروس الدينية والمحاضرات الاجتماعية ليساعدهم الجمهور على الغاية المقصودة وهي تعليم الناشئة وإحياء الدين في نفوسها والعربية في ألسنتها، وحارب الاستعمار رجالها فصمدوا له حتى قهروه ولهم اليوم نحو مئة وخمسون مدرسة عربية حرة تحتوي على نحو خمسين ألف تلميذ من بنين وبنات، ولهم معهد ثانوي يحتوي على ألف وخمسمئة تلميذ، وقد رأينا نتاجه في القاهرة فرأينا آثار الحزم والجرأة والإخلاص.


*من محاضرة عن "المرأة" أُلقيت في "جمعية الشبّان المسلمين" عام 1953م.

آخر التغريدات: