مشكلة العروبة في الجزائر

بقلم: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي-

طلب إليَّ أخي الأستاذ محمد علي الحوماني مقرر ندوة الأصفياء(1) إلقاء كلمة في الندوة. عن مشكلة العروبة في الجزائر، فالقيتها ارتجالًا، لأن موضوع العروبة أو العربية في الجزائر هو الموضوع الذي قسمه الله لي، وجعله ميدان أعمالي وأحاديثي، ومجال قلمي عشرات السنين، وقد توسعت في الكلمة الارتجالية وجر شيء إلى أشياء لما تقتضيه طبيعة الارتجال من عدم الضبط وصعوبة الحصر، ثم كلفني الأخ الحوماني تلخيصًا لمعاني تلك الكلمة بالكتابة لأن الندوة عاملة على إخراج هذه الكلمات التي تلقى فيها -في كتاب- وأن هذا لبناء جليل، تتقاضانا الغيرة أن نعين القائمين عليه ولو بلبنة.

وهذا المركب الإضافي (مشكلة العروبة) هو العنوان الذي اختاره رجال الندوة لهذه الكلمات التي يلقيها الاخوان الأعضاء في اجتماعاتهم المنظمة. ولعمري لقد سددوا وقاربوا في اختيار هذا العنوان، وفي قصر أحاديثهم على موضوعه، فإن قومنا العرب انعكست معهم القاعدة، فبعد أن كانوا يذودون عن حقيقتهم بمعناها المعروف عندهم، أصبحوا يذودون عن حقائقهم الواقعية، ويصرفون حتى عن التفكير فيها، فتراهم يهتمّون بشؤون غيرهم حديثًا عنها وجدالًا فيها، وعملًا لها ويعرضون عن شؤونهم إعراض الخلي الفارغ، مما لا ينقضي منه العجب من خصائص قومنا العرب، ومن ورائهم المسلمون كلهم. ان معظم مشكلاتهم الدينية والاجتماعية قديمة العهد، مرت على بعضها القرون بل مر على بعضها تاريخ الإسلام.

كله، وهي على حالها من الاشكال، وشأن القدم أنه يعفي الآثار وينسي الأخبار، ويميت الادِّكار، ولكن مشكلاتنا غالبت الدهر كما غالبت عقولنا، فلم يستطع مر الزمن انساءها، ولم تستطع عقولنا حلها، وما زالت فرعيات الاحكام مشكلات قائمة بين علماء الدين في كل مطلع شمس تحدث مشكلات اجتماعية وسياسية جديدة تضاف إلى تلك المشكلات القديمة، ومنها ما يحتاج إلى الحل السريع الحاسم، فلا تجد المشكلات الجديدة حلًا من عقولهم وأفكارهم لاشتغالها بالمشكلات القديمة.

كأنّ عقولنا ألفت الاشكال فاطمأنت إليه فأصبحت لا تستطيع حل إشكال، وكأن الاشكال أصبح لنا عادة فأصبح هو القاعدة، وأصبح حله هو الشذوذ، والعقول كهذه الآلات المعروفة، إذا لم تتصرف أصابها الصدأ ثم الكلول ثم التلف.

وأضرب لنا مثلًا قضية اللحية وإعفاءها أو إحفاءها، وقضية الصوم والإفطار، وهل يناطان برؤية العين أو بالحساب، وأمثالًا أخرى كثيرة مما يتعاقب على حياتنا الدينية والدنيوية ويدخل في تصرفاتنا اليومية، وقد مر عليها بضعة عشر قرنًا وهي مشكلات قائمة تناولتها ملايين الأقلام بالكتابة، وملايين الألسنة بالكلام، وملايين العقول بالبحث، وانظر، فإذا كنا لم نستطع حل مشكلة الصوم والإفطار مثلًا- في أربعة عشر قرنًا ونحن وحدنا في الميدان لم يدخل معنا في الجدال يهودي ولا نصراني ولا وثني- فكم تقدر من القرون لحل مشاكلنا العصرية الدنيوية التي يجاذبنا حبلها اليهودي والنصراني، الخ. وأين تقديرك على اعتبار السرعة (بأربعة عشر قرنًا في اللحية)؟

أما الأمم الجارية مع الحياة فإنها تحل مشكلاتها القديمة، لتتفرغ للمشكلات الجديدة، ومن سلك هذا السبيل لم تبقَ له مشكلة، لأن المشكلات إذا وجدت العقول متهيئة لحلها قادرة عليه، متفرغة له- لم تعد مشكلة، وما صير قضايا العروبة مشكلات إلّا العرب وعقول العرب، فهم فيها بين حالات ثلاث: إما أن يسكتوا فتبقى إشكالًا، وإما أن يعتمدوا في حلها على غيرهم فيزيدها تعقيدًا أو يحلها لصالحه لا لصالحهم، وإما أن يعالجوها بأنفسهم ولكن بنيات مدخولة وضمائر مريضة وعقول ناقصة وغايات متباينة وإرادات مستعبدة، ومقاصد تافهة، فلا يكون العلاج علاجًا، وإنما يكون بلاء مضاعفًا.

ومشكلات العروبة صار لها هذا الإهمال الذي وصفناه لقاحًا، فصيّرها ولودًا، فكل مشكلة منها تلد مشاكل، ومن شاء أن يردّ كل مشكلة منها إلى أصلها، وينسب كل بنت إلى أمها، تهيأ له ذلك بأيسر تناول.

كل شؤوننا مشاكل، وكل شعب من شعوبنا مشكلة في نفسه، ومشكلة مع جاره وكل حكومة من حكوماتنا مشكلة في نفسها، ومشكلة مع جيرانها، وكل رئيس حكومة مشكلة، وكل زعيم ديني مشكلة، وكل زعيم سياسي مشكلة. الأمية مشكلة، والثقافة مشكلة، والمرأة مشكلة، والزواج مشكلة، والطلاق مشكلة، والعلم عندنا مشكلة، والجهل مشكلة، وما لا إشكال فيه عند جميع الناس، يصبح مشكلة حين يتصل بنا أو نتصل به، والعروبة نفسها مشكلة تنحل إلى مشكلات، فهي- جنسية- هدف لكل رام، وغرض لكل طاعن، ومدرجة لكل عاق من أبنائها العائشين على درتها يتسللون منها إلى فرعون أو فينيق أو بربر، ويتخذ بعضهم من شقرة شعره أو زرقة عينيه شهادة على نفسه، بأنه منها لغية، وأن هذه وما أشبهها لمشكلات ذات آثار سيئة عميقة في المجتمع العربي، وقد بزتها الجنسيات التي شرفها أبناؤها بالعلم والعمل والصناعة والحضارة، وأصبح أبناء العروبة يتضاءلون ويتصاغرون إذا جمعتهم الحياة بأبناء الجنسيات الأخرى، حتى ليكادون يتبرأون من العروبة.

والعروبة- لغة- غمرتها الرطانات الأعجمية، واللهجات العامية، واللغات الأجنبية، والرطانات الأعجمية أخذت منها ثم تعالت عنها، واللهجات العامية مزقتها، وأصبحت حجة عليها ومداخل ضيم لها، واللغات الأجنبية زاحمتها في ضعفاء الهمم والعزائم من أبنائها، وهذه كلها مشكلات ذات أثر سيئ وعميق في المجتمع العربي.

...
ومشكلة العروبة في الجزائر تتنوع وتتفرع، ولكنها في مجموعها أيسر حلا وأسهل علاجًا منها في بعض الأقطار العربية، لخلوها من كثير من عناصر الإشكال في الأقطار العربية الأخرى، ذلك أن مشكلات العروبة في غير الجزائر يصاحبها من الأوضاع ما يقلدها تعقيدًا وإشكالًا من تعدد الحكومات وتنوعها، واختلاف الأحكام وتضادها، ومن اختلاف الاتجاه السياسي لتلك الحكومات، ومن عدم وجود ما يسمى الرأي العام في معظم الشعوب العربية، وعدم نضج الموجود منه في بعضها، ومن التفاوت العظيم في الثقافة بين شعوب العرب، ومن اختلاف الثقافة الأجنبية على الجيل الجديد من العرب.

أما في الجزائر فإن مشكلة العروبة أساسها وسببها الاستعمار الفرنسي، وهو عدو سافر للعرب وعروبتهم ولغتهم ودينهم الإسلام، ووجود المشكلة منوط بوجوده، فإذا زال زال العنصر الأكبر منها، والسبب الأعظم فيها، وإذا بقي- ولو إلى حين- فمشكلة العروبة في الجزائر سائرة إلى واحد من اثنين: إما أن نغلب الاستعمار على عروبتنا ونعالج مشكلتنا بأيدينا - وهذا ما تفعله جمعية العلماء منذ قامت- ثم لا نجد عائقًا بعد الاستعمار الفرنسي لخلو الجزائر من العناصر العائقة كما ذكرنا، وإما أن يغلبنا الاستعمار على عروبتنا فتتطور المشكلة إلى شيءآخر وهو ما يقضّ مضاجعنا.

وبيان ذلك- مع الإيجاز- أن الاستعمار الفرنسي صليبي النزعة فهو- منذ احتل الجزائر- عامل على محو الإسلام لأنه الدين السماوي الذي فيه من القوّة ما يستطيع به أن يسود العالم، وعلى محو اللغة العربية لأنها لسان الإسلام، وعلى محو العروبة لأنها دعامة الإسلام، وقد استعمل جميع الوسائل المؤدية إلى ذلك ظاهرة وخفية، سريعة ومتأنية، وأوشك أن يبلغ غايته بعد قرن من الزمن متصل الأيام والليالي في أعمال المحو، لولا أن عاجلته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على رأس القرن بالمقاومة لأعماله، والعمل على تخييب آماله.
وما قامت هذه الجمعية إلا لإحياء الإسلام والعروبة والعربية التي صمم الاستعمار على محوها، وما نصرها الله في الجولات الأولى أضعف ما كانت، وأقوى ما كان خصومها، إلّا لأنها نصرت دينه وأحيت لغة كتابه، وما اشتد الاستعمار في مقاومة هذه الجمعية إلى يومنا هذا إلّا لعلمه بمقاصدها هذه، وأنها على النقيض من مقاصده.

فإذا قدر لهذا الاستعمار أن يبقى في الجزائر فإنه لا ينسى ما له من التِّرات عند جمعية العلماء، وسيوجه كل جهوده لمحوها من الوجود، وهو قادر على ذلك من الآن ولكنه يتربص بها الدوائر، ويتمنى أن تسقط وحدها، بسبب من الأسباب كالعجز المالي، حتى لا يبوء بجريمة أخرى يضيفها إلى جرائمه الكثيرة في حرب الإسلام والعربية والعلم، والجمعية تعمل لهذه الثلاث، وتتحصن بها، وتشنع على الاستعمار وتقيم الحجج الدامغة على أنه عدو للإسلام، عدو للعربية، عدو للعلم. وفي ظل هذا التشنيع الذي تنشره، وتحت النقع الذي تثيره على الاستعمار- متظلمة مستعدية صارخة بالحجج مهددة بإثارة المسلمين- تعمل جمعية العلماء أعمالها المدهشة في بناء العقول وفي بناء المدارس، وفي إثارة الأفكار.

والاستعمار الذي حاربته الجمعية وحاربها يعلم قوتها ورسوخ قدمها والتفاف الأمة حولها، ولكنه يعلم- أيضًا- أن قوتها المالية محدودة، وقوّة الأمة التي تسندها محدودة كذلك، وما دامت حركتها التعليمية في ازدياد، فحاجتها إلى المال في ازدياد وسيأتي يوم تقف فيه الحالة المالية، فينهار هذا البنيان الشامخ من المدارس والمعاهد.

هذا هو اليوم الذي يترقبه الاستعمار للعروبة في الجزائر، وهذه هي المشكلة الحقيقية للعروبة في الجزائر، وهذه هي العقبة القائمة في طريق جمعية العلماء الجزائريين حامية العروبة في الجزائر، وإذا كان الاستعمار يتوقع حل المشكلة على تلك الصورة التي يتمناها، فإن جمعية العلماء تتوقعها أيضًا وتخشاها.

وما زالت الجمعية تفكر في تلك العاقبة وتقدّر لها من الحلول كل ما يجول في الخاطر حتى رأت أخيرًا أن تتوجه إلى إخوانها العرب في الشرق شعوبًا وحكومات وأشخاصًا وهيئات، ليأخذوا بيدها ما دام في الأمر فسحة.

من أجل ذلك كانت وفادتي إلى هذا الشرق بقسميه العربي والإسلامي، فما هو موضوع هذه الوفادة؟ وماذا كانت نتائجها؟

يحسن، قبل شرح موضوع الوفادة ونتائجها، أن نعرفكم بهذه الجمعية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) تعريفًا موجزًا، وأن نبين لكم بعض أعمالها ومقاصدها، فلعل في الاخوان الحاضرين من يعرفها معرفة مجملة أو لا يعرف عنها شيئًا:

اسم الجمعية يفصح عن حقيقتها، فهي جمعية علماء، يخدمون الإسلام بتبيين حقائقه ونشر علومه بالجزائر، ومن كان له إلمام بحالة الجزائر، وما صنعه الاستعمار الفرنسي بها، يستشعر عند سماع اسمها كل ما رآه أو سمعه من آثار الاستعمار، ويستشعر مع ذلك أن طريق هذه الجمعية شاق، وأن أعمالها صعبة، وأن تبعاتها ثقيلة، والأمر في حقيقته كذلك.

تكونت هذه الجمعية سنة 1931 ميلادية، أي في السنة الأولى من القرن الثاني لوجود فرنسا في الجزائر، هذا القرن الذي كانت تعتقد فرنسا أنه قرن الاطمئنان والراحة والنعيم والاستغلال الهنيء لخيرات الجزائر، بما مهد له القرن الأول من أكنافها بالحديد والنار. فأراد الله لها غير ذلك، وطاش فألها، فلم تسترح يومًا واحدًا من بدء هذا القرن الجديد.

كان الداعي إلى تأسيسها عوامل الهية، هي سننه في التطورات البشرية، وفي مجيء نصره للصادقين حين يستيئسون منه، وفي إملائه للظالمين حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ولكن الظاهر من أمرها، الذي يكتب وتناله القوانين هو أنها جمعية إصلاح ديني تحارب ضلالات العقائد، وبدع العبادات، ومفسدات الأخلاق، وترجع بالمسلمين إلى ينبوع الدين، ومطلع هدايته من الكتاب والسنة.

إن هذه الكلمات لأثقل شيء على سمع فرنسا ورجالها الاستعماريين في ذلك الحين وهي كلمات، فكيف بها إذا صارت أعمالًا ودعوة إلى الحق! إن الاستعمار في الجزائر كان ينفر ويُنَفِّرُ من كلمات إصلاح، وفضيلة وهداية، وكتاب، وسنة، وتاريخ سلف، ويتخيل من كل واحدة منها: عمر وعليًّا، خالدًا وعقبة وطارقًا وصلاح الدين إلى جمال الدين ومحمد عبده، لا سيما وهو يعلم أن هذه الفئة التي جهرت بهذه الكلمات ليست من طراز العلماء الذين راضهم على الخنوع له والرضى بوظائفه والجري في عنانه. إنها فئة تجمع مع قوّة العلم قوّة الإيمان، ومع قوّة الحجة قوة البيان، ومع صلابة الإرادة صلابة العزيمة، ومع علمه بهذا كله فقد تظاهر بإرخاء العنان لها، وأعدّ لها من المكائد السرية ما لا يعلمه إلّا الشيطان.

والاستعمار يرى في مبدإ جمعية العلماء- الذي أعلنته في جمل قليلة متواضعة هينة لينة- خطرًا كل الخطر على سلطانه، لأنه ما ثبت أقدامه في الجزائر إلّا بتخدير العقول بواسطة المبتدعين والدجالين والمتجرين باسم الدين، وقد كان لهم سلطان على النفوس فإذا زال سلطانهم زال سلطانه.

بدأت جمعية العلماء أعمالها بالاتصال بالأمة عن طريق الدروس الدينية، والمحاضرات الاجتماعية والتاريخية، مبينة لها حقائقه وما جاء به من العزة والكرامة والشرف والمجد والسيادة، وكانت الحملة شديدة، وكان التأثير بليغًا، وكان التأثر عظيمًا، فكان فزع الاستعمار- تبعًا لذلك- شديدًا، ودام هذا الدور سبع سنوات تقريبًا توثق فيها الاتصال بين الجمعية والأمة، وتغلغل الإصلاح الديني في جميع الطبقات، وتفتح الشعور إلى ما وراء الإصلاح الدينى من إصلاح دنيوي، وانتقلت أحاديث الناس في ذلك من السرار إلى العلان، ومن الخبر إلى المطالبة، ومن ثم عمت المطالبة بالحقوق السياسية، ورأت فرنسا ورجالها بعينها ما كانت تحذر، فماذا صنعت؟ إنها صنعت كل شيء، ولم تصنع شيئًا، كادت ومكرت وسلطت جيوشًا من أئمة الابتداع والمرتزقة باسم الدين على الجمعية يحاربونها ويصدون الناس عنها، فلم يجدوا لكلامهم مساغًا، بل قابلوهم بالمقت والغضب، وخسروا المقام الذي كان لهم في الأمة وخسر الاستعمار عونهم وتأييدهم لأن الأمة انفضت من حولهم، وما انتهى الدور الأول بانتهاء سبع السنوات، حتى انهدم ركن من الأركان التي كان يعتمد عليها الاستعمار، وهو هذه الطائفة التي شهد عليها التاريخ بأنها "مطايا الاستعمار".

جاء الدور الثاني لجمعية العلماء، وهو دور التربية الإسلامية والتعليم العربي الابتدائي الحر، المشتمل على مبادئ العربية وآدابها ومبادئ التاريخ الإسلامي، والتربية الإسلامية الصالحة، وجاء معه الصراع العنيف مع السلطة الاستعمارية وقوانينها الجائرة، استعدت الجمعية بالإيمان والعزيمة وتجاهل القوانين الاستعمارية، وتوطين النفوس على المكروه الذي يصيبها في سبيل تعليم الدين والعربية، وآزرتها الأمة في ذلك، لأنها أدركت بواسطة تلك الدروس والمحاضرات ما يبيته الاستعمار لدينها ولغتها، وما كان يغالطها به أولئك الدجّالون المتجرون بالدين.

صممت الجمعية على تشييد مدارس فخمة بمال الأمة، لتحيي سنة البذل في سبيل العلم، وهي منقبة في المسلم نسيها بفعل التخدير الاستعماري فأحيتها جمعية العلماء في نفوس الجزائريين، فتباروا في البذل وتنافسوا في بناء المدارس، وقابلت الجمعية هذا الاتجاه بما يكمله من برامج وكتب ومدرسين، وارتاع الاستعمار لهذه النهضة التعليمية الخطيرة، وتربص بها اشتعال الحرب الأخيرة وقضى على معظمها- بالتعطيل والاستيلاء على كثير من المدارس لاستعمالها في المصالح الحربية- واعتقل كثيرًا من العلماء ورجال التعليم، ونفى قادتهم إلى الصحراء، منهم كاتب هذه السطور، فقد قضى ثلاثة السنوات الأولى للحرب منفيًا في صحراء وهران.

ولكن الجذوة لم تخمد في النفوس، بل زادت التهابًا ظهر أثره في أخريات الحرب وعند انتهائها، فقد اندفعت الأمة إلى تشييد المدارس، وأتت من ضروب التنافس ما بعد العهد بمثله، وما ذكرنا بما كان يأتيه السلف الكرام.

وللجمعية الآن- بل للأمة الجزائرية- أكثر من مائة وخمسين مدرسة ابتدائية حرة رغم الاستعمار الفرنسي، يتردد عليها أكثر من خمسين ألف تلميذ من أبناء الأمة الجزائرية، بنين وبنات، يدرسون مبادئ لغتهم وآدابها، وأصول دينهم وتاريخ قومهم على برنامج يجمع ضروريات العلم وإيجابيات التربية الإسلامية القومية الوطنية الصحيحة، وقد تخرج منها في هذه المدة عشرات الآلاف، يحملون علمًا قليلًا ومعه فكر صحيح، وعقيدة قومية، ونظرة إلى الحياة سديدة، وكل هذه المدارس على طراز ونظام عصريين، ومعظمها رائع فخم، وكلها ملك للأمة وبمال الأمة، وكل هذه المعاني مما يبعث القوة ويرغم الاستعمار الذي لا يحترم إلّا القوة.

ثم شيدت الجمعية معهدًا ثانويًا كخطوة أولى للتعليم الثانوي، أنفقت عليه ستين ألف جنيه مصري وعمرته بألف تلميذ وعشرين أستاذًا، وهنا تبرز مشكلة العروبة الكبرى في الجزائر متجلية في ناحيتين:

الأولى: كيف نحافظ على الموجود من هذه المدارس، وليس لنا مورد مالي قار نعتمد عليه، والموارد الحالية لا يعتمد عليها، إذ هي عبارة عن اشتراكات شهرية بسيطة من طبقات الأمة الفقيرة المؤمنة، ورسوم تعليم شهرية من آباء التلاميذ، وتبرعات غير مضبوطة، ومقادير من الزكوات الشرعية غير مضبوطة أيضًا. فهذه الأنواع من الموارد هي التي يقوم عليها هذا الجهاز العتيد من المدارس ومئات المعلمين فيها، وكلها موارد معرضة للانقطاع، والحكومة تحارب منذ السنوات الأولى لاختِلالِه، فكيف نرجو منها أن تعين، والأوقاف الإسلامية مفقودة في الجزائر لأن الاستعمار الفرنسي صادرها ولم يفرق بين أموال الله وأموال الحكومة التركية المغلوبة.
وقد كانت الجزائر أغنى الأوطان الإسلامية بالأوقاف، وكان في مدينة الجزائر وحدها ثمانية آلاف عقار لم يبق منها ولا واحد.

الناحية الثانية للمشكلة: كيف نستطيع الاستمرار في إنشاء المدارس الجديدة مسايرة لرغبة الأمة، ومراغمة لسياسة الاستعمار، وانقاذًا لما يمكن انقاذه من مليوني طفل عربي مسلم، لا يجدون مكانًا في المدارس الحكومية ولا في مدارس جمعية العلماء، فهم مشردون في الحاضر، بلاء على الأمة في المستقبل، والحكومة لا تعلمهم لأن تعليمهم مناف لمصلحتها، وجمعية العلماء عاجزة عن تعليمهم لقصر مواردها. وهذا العدد الهائل من الأطفال الضائعين تعترف الحكومة بوجوده وتسجله إحصاءاتها الرسمية، ولا تريد له أن يتعلم، لأنها تكتفي بإقناع الشرقيين بأنها "معلمة العالم" وأنها "قبلة العلم".

نقول الآن هذه هي مشكلة العروبة في الجزائر على الحقيقة، ويزيدها إشكالًا أن الحكومة الاستعمارية الفرنسية لا تريد حلها بعد أن كانت هي التي عقدتها، أتسفه نفسها؟ أتنسلخ عن طبيعتها؟ أيصبح إبليس ناهيًا عن المنكر يومًا ما؟ وإن جمعية العلماء لا تستطيع حلها، وإن كانت تريده، وتتمناه، لأنها لا تملك الوسائل اللازمة لحلها، وأم الوسائل المال.

...
فكر قادة جمعية العلماء في هذه النقطة وقدروا عواقبها، وأتبعوا الأيام نظرهم، وليسوا مدفوعين عن حسن النظر وبُعْده وصدقه، ووضعوا أيديهم على موضعها من سجل التفكير، وموقعها من جدول التقدير، وقالوا: "هنا المشكلة"، هنا المشكلة عند مَن يزن الأشياء بموازينها الصحيحة، لا ما سبق الحديث فيه، ولعب الخيال في مقارنته بمشكلات العروبة في الشرق، فخرج من المقارنة بأنّ مشكلتنا في الجزائر أيسر حلًّا وأسهل علاجًا، ولكن الدور الآن دور الحقائق والأرقام.
من الجائز أن تنضب الموارد الحالية بفعل الأحداث، ومن الأحداث ذهاب هذا الجيل المخضرم الذي يعتقد أن تعليم الولد كفارة ما فات أباه من العلم، ومنها توالي القحوط في أمة تعتمد في معيشتها على الزراعة، وقد شاهدنا أثرًا من ذلك في بعض الجهات.

فإذا وقع ذلك، وهو جائز قريب، كان من نتائجه سقوط المدارس، وضياع هذه الجهود.

وإذا أسقطت المدارس القديمة فكيف نطمع في اطّراد النهضة واستكمال الجهاز الكافل لتعليم مليوني طفل؟

وكانت نتيجة ذلك التفكير الطويل، والتقدير العميق اتفاق الكلمة على توجيه الوجه إلى الشرق العربي، وتنبيه الإخوان فيه- بعد تعريفهم بالحقيقة- على أنه قد وجب حق الأخ على أخيه.
اختارت جمعية العلماء للسفارة بينها وبين الشرق العربي رئيسها محمد البشير الإبراهيمي، كاتب هذه السطور، فطاف العراق والحجاز وسوريا والأردن ومصر ولبنان، وتردد على هذه الأقطار مرات في ثلاث سنوات، ولقي ملوك العرب ورؤساء حكوماتهم ووزراء معارفهم وجميع أهل الرأي فيهم، وأدى رسالته الخاصة والعامة أكمل تأدية.

أما ـ[الرسالة العامة]ـ فهي: تعريف الشرق العربي بالغرب العربي تعريفًا تاريخيًّا شاملًا وبيان أنه قطع متجاورات متصلة الأجزاء بالشرق، وأن سكان هذا القطع يشكلون نصف العرب تقريبًا، فإذا تمادت القطيعة وعدم التعاون بين شرق العرب وغربهم- كما هو واقع - التهمت أوروبا شمال أفريقيا العربي وهضمته إلى الأبد وضاع على العرب نصف عددهم، والأمم في هذا الزمان تتكتل وتتكاثر حتى بمن ليس منها في عرق ولا دين ولا صلة، فكيف لا يتكتل العرب ويتكثرون بمن هو من صميمهم في النسب واللغة والخصائص؟

ففي سبيل أداء هذه الرسالة العامة وشرحها قضى كاتب هذه السطور ثلاث سنوات، وألقى مئات الأحاديث والمحاضرات، واستصرخ واستنجد، ونصح ووعظ وسمى الأشياء بأسمائها، وقال كلمة الحق جهيرة، وشرح وعلل وانتقد، وصاحبه توفيق الله في أداء هذه الأمانة.

وأما ـ[الرسالة الخاصة]ـ، فهي استنجاد جمعية العلماء الجزائريين بالحكومات والهيئات العربية وطلب العون المادي والمعنوي منها، حتى تستطيع الجمعية الاستمرار في عملها العظيم وهو إنقاذ الجزائر العربية من البربرة والاستعجام، وقطع الطريق على الاستعمار الفرنسي ومقاصده السيئة التي بيّتها للجزائر، وقد أعلنها وأصبح يعمل لها في وضح النهار، بعد ما استيقن أن الهيكل العربي تقطعت أوصاله، وبعد ما سحر طائفة من إخواننا العرب الشرقيين بلغته وحضارته وتهاويله فأصبحوا يسبحون بحمده، وفي آذانهم وقر عن استغاثتنا، ومن بيننا وبينهم حجاب.
والعون الذي تريده جمعية العلماء الجزائريين من حكومات العرب وهيئاتهم نوعان:

ـ[النوع الأول]ـ: قبول طوائف من أبناء الجزائر ترسلهم الجمعية ليدرسوا في المعاهد العربية على اختلاف أصنافها، ثم يرجعون إلى وطنهم الجزائر، فيقومون بالتعليم في مدارس الجمعية الابتدائية والثانوية ويسدّون فراغًا بدأت الجمعية تشعر به من الآن، ويسيّر النوابغ منهم فروع الأعمال الأخرى للجمعية وهي كثيرة مقسمة على لجان منظمة، ولكنها تفتقر إلى رجال ذوي كفاءات. فهذا إجمال النوع الأول.

أما ـ[النوع الثاني]ـ من العون الذي تطلبه جمعية العلماء الجزائريين من الحكومات والهيئات العربية والشعوب العربية أيضًا، فهو: أن يمدوها بمبالغ من المال ناجزة أو مقسمة على السنين، لتستعين ببعضها على حفظ القديم من مدارسها ومشاريعها، ولننشئ ببعضها مدارس جديدة للمشردين من أبناء الأمة المحرومين من التعليم بجميع أصنافه.

فكيف كانت سفارتي؟ وماذا كانت نتائج سفارتي؟ أسلك الآن سبيل الالتفات، فأتحدث بضمير المتكلم، لأنني أنا الذي عرضت هذه المشكلة (مشكلة العروبة في الجزائر).

- بل مشكلة المشكلات في نهضة الجزائر الإصلاحية العلمية العربية- على الحكومات العربية، منفردة في عواصمها مجتمعة في مجلس الجامعة العربية، وممثلة في أمين الجامعة العام، وأنا الذي قدمت المذكرات المتتابعة في هذه المشكلة موضحًا شارحًا منذرًا بالعواقب، محذرًا من الإهمال والتقصير. بيّنت ذلك لجلالة الملك سعود، وولي عهده بجدة، ولحكومة العراق ببغداد مرات، ولحكومة سوريا ممثلة في الشيشكلي وفي وزارة المعارف بعده بدمشق، ولحكومة مصر في العهدين، ومعظم المسؤولين فيها، ولوزارة الأوقاف المصرية، ولحكومة الأردن بعمان، ولعدة سيوف من أمراء اليمن بالقاهرة، ووجهت عدة مذكرات إيضاحية عن هذه المشكلة لجميع الحكومات العربية بواسطة سفرائها في القاهرة، والمحور الذي تدور عليه تلك الأحاديث والمذكرات، بالنسبة إلى النوع الثاني، يدور على النقط الآتية:

أولًا: النهضة التعليمية العربية التي تضطلع بها جمعية العلماء الجزائريين معرضة لأخطار مالية تؤدي إلى انهيارها.

ثانيًا: هذه النهضة العلمية أصبحت حقيقة قوية يعترف بقوّتها وخطرها الإستعمار قبل غيره، والحق ما شهدت به الأعداء.

ثالثًا: النهضة العلمية يجب أن تكون مقدمة في الاعتبار على جميع أنواع النهضات، مقدمة في العون المالي لأنها هي الأصل وهي الطريق إلى الحرية والاستقلال، وما تحررت
أمة أمية.

رابعًا: لم تستطع هذه النهضة بعد جهاد عشرين سنة أن تعلم أكثر من عشرات الآلاف، من مليوني طفل محرومين من التعليم.

خامسًا: جمعية العلماء متدرجة في الانقاذ حسب استطاعتها، وهذه الاستطاعة محدودة لأن قدرة الأمة المالية محدودة.

سادسًا: جمعية العلماء في حاجة ملحة إلى الأنواع الآتية من المدارس:

(أ) مائة وخمسون مدرسة ابتدائية على الأقل في كل خمس سنين حتى ينتهي عدد المدارس إلى ألف مدرسة.

(ب) ثلاثة معاهد ثانوية على الأقل للذكور وإثنان للبنات في ظرف خمس سنوات، لترضي بها جزءًا من هذا الجيش المتكاثر من حَملة الشهادة الابتدائية.

(ج) معهدان كبيران على الأقل للمعلمين، ومعهد على الأقل للمعلمات، في أقرب زمن، لتسد بمن يتخرّج منها حاجة المدارس الابتدائية الجديدة إلى المعلمين.

أما رجال التعليم العالي فالجمعية معتمدة في تخريجهم على الكليات العربية والجامعات في الشرق العربي كما بيناه في النوع الأول.

والمعنى الصريح لهذا كله أننا نطلب من الحكومات العربية أن تبني للأمة الجزائرية، التي هي جزء منها، هذه الأنواع من المدارس كما تبني في أوطانها لشعوبها، ولها أن تباشر ذلك بنفسها إن سمحت لها الأوضاع السياسية، ولها أن توكل جمعية العلماء وتحاسبها الجمعية على الفلس، كما هو ديدنها في الماليات.

إن في هذه "العملية" التي دعوت إليها الحكومات العربية معان جليلة من ملك القلوب وتمتين الروابط وتثبيت الأخوة ومراغمة العدو الذي صمم على فصلنا وجعلنا شيعًا يلعن بعضها بعضًا، فأعنّاه على ذلك بسوء تدبيرنا. ومن المحزن أن هذه المعاني الجليلة يدركها عدونا ولا ندركها.

...
وبقي الآن أن أحدث إخواني الأصفياء عن نتائج هذه السفارة التي طالت ثلاث سنوات، وهجرت لأجلها وطني وداري وعائلتي الصغرى وعائلتي الكبرى التي هي الأمة الجزائرية، وضحيت لأجلها بمصالح جمعيتي في الداخل، وقد كانت تستغرق أوقاتي كلها.

تم في النوع الأول ما يأتي:

أولًا: قررت حكومة مصر الملكية قبول عشرة طلاب بعثة من جمعية العلماء في معاهدها على حسب استعدادهم، وخصصت للواحد منهم خمسة جنيهات مصرية للشهر، وتتقاضى من كل واحد منهم في أول كل سنة دراسية رسومًا ذات أنواع تتحيف المخصص الشهري إلى أربع جنيهات وأقل في بعض الأوقات.

وقررت حكومة الثورة لأول عهدها قبول أربعين طالبًا على نفقتها، عشرين على المعارف وعشرين على الأزهر، فثبت نصيب المعارف بكل سهولة وحزم، ولم يثبت شيء من نصيب الأزهر، وأعياني التردد سنتين فسكتّ.

وفي السنة الماضية صرح لنا الرئيس جمال عبد الناصر بقبول مائة طالب جزائري بعثة لجمعية العلماء وتمت الإجراءات، ولكن قيام الثورة في الجزائر عطل البعثة عن السفر، وما زلنا متمسكين بوعد الرئيس، فإذا تم الأمر من جهتنا يكون لنا بمصر مائة وخمسون طالبًا يدرسون على نفقة الحكومة المصرية، ولكن النقص في القضية أن المخصصات لا تكفي للضروريات، واستلزم ذلك أن نقوم لطلبة البعثة بالبقية وهي لا تقل عن مبلغ ما تدفعه الحكومة المصرية وقد تقلد في كثير من الأوقات.

ثانيًا: قررت حكومة سوريا قبول بعثة جمعية العلماء من عشرة تلاميذ لسنة 1953 - 1954، وعشرة لسنة 1954 - 1955.

ثالثًا: قررت حكومة العراق قبول عشرة طلاب لسنة 1952 - 1953، وقبول خمسة آخرين في سنة 1953 - 1954.

رابعًا: قررت حكومة الكويت قبول خمسة عشر طالبًا لجمعية العلماء الجزائريين من سنة 1953.
خامسًا: قرر إمام اليمن ببرقية رسمية الانفاق على طالبين من بعثة جمعية العلماء الجزائريين في مصر، من شهر مارس سنة 1953، ولكن لم يتحقق شيء من ذلك إلّا منذ ثلاثة أشهر.

سادسًا: قررت الحكومة السعودية من يناير الماضي قبول خمسة طلاب في المعهد العلمي بالرياض، على نية الزيادة في العام الدراسي الآتي.

فنتيجة هذه المساعي الجدية مني في ثلاث سنوات متوالية مع الحكومات العربية، باسم الأمة الجزائرية، أن أصبح لجمعية العلماء في الشرق العربي مائة تلميذ أنفق عليهم آلاف الجنيهات في السنة زيادة على ما تنفقه الحكومات.

أما أحوال هذه البعثات في كفاية المخصصات الحكومية وعدم كفايتها، فبعثة الرياض موسع عليها إلى ما فوق الكفاية، وتليها بعثة الكويت في التوسعة، وتليهما بعثة العراق، أما بعثة مصر وبعثة سوريا فأنا منهما في عذاب أليم، لعدم كفاية المخصصات الرسمية.

هذه هي نتيجة الناحية الأولى، وهي لا تحل شيئًا من مشكلة العروبة في الجزائر بل ربما تزيد المشكلة إشكالًا ببعض الآثار التي تترتب على الابتعاث، والأحوال التي تنشأ في المبعوثين، واختلاف المناهج في المدارس العربية، والاتجاهات واللهجات المختلفة في الأقطار العربية، وسيرجع إلينا أبناؤنا- يوم يرجعون- خليطًا من اللهجات والعوائد والتأثرات، وسيكون لهذا أسوأ الأثر في الجيل الذي يتولون تربيته وتعليمه، كما ظهرت آثار اختلاف الثقافات في الشرقيين الذين تعلم بعضهم في ألمانيا وبعضهم في انجلترا مثلًا.

وأما النتيجة التي حصلت عليها في الناحية الثانية، فهي بضعة عشر ألف جنيه مصري أرسلت من أقطار عربية مختلفة، وفي أزمنة متفاوتة إلى مركز جمعية العلماء بالجزائر، وأرسلت الإيصالات إلى أصحابها مقرونة بالشكر ومجموعها لا يبني للجزائر مدرسة ابتدائية ذات عشرة فصول، وعلى هذا فهي لا تحل "مشكلة العروبة في الجزائر".

وبقيت المشكلة بحالها بل ربما ازدادت إشكالًا بآثار الخيبة وقطع الرجاء، الذي تتركه هذه الأحوال في النفوس.

ولقد قال لي كبير عربي مسؤول وأنا أحاوره في كثرة المحرومين من التعليم في الجزائر، قال لي: إن مثل هذا العدد موجود حتى في الحكومات العربية المستقلة، فقلت له:

نعم، أعرف هذا، ولكن بإزائهم ملايين المتعلمين، فأعينونا على أن نصل بالجزائر إلى مستواكم في التعليم، وعلينا الباقي، ولا تذكر اليمن، فإن لها حكومة وميزانية وأوضاعًا مما لا يوجد في الجزائر، فإذا لم تتعلم فهي حجة على نفسها لا على غيرها.

...
يا حضرات الأصفياء:

أنا لم أصحح مرادكم بهذه الأحاديث في هذا الموضوع بالذات، هل أنتم تريدون تصوير المشكلات فقط؟ أم تريدون مع تصويرها تحليلها؟ أم تريدون مع ذلك بعض الوصفات لعلاجها؟

ولم أدرِ غايتكم من هذا الأحاديث: هل هي الاقتصار على جمعها، في كتاب؟ أم لكم قصد أعلى وأنفع؟ وهو أن تسعوا مجتمعين في علاجها مجتمعة.

إن كان الأول فما زدتم على أن تداعيتم واحتشدتم لعمل يضطلع به الفرد وإن كان الثاني وهو اعتقادي فيكم- فجندون، ولا تفندون.

وكيفما كنتم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



* محاضرة أُلقيت في منزل الأستاذ محمد مفيد الشوباشي أحد الأصفياء بضاحية المعادي بالقاهرة، يوم 5 جوان 1955.

(1) الأصفياء: مجموعة أصدقاء من العلماء والأدباء والمفكرين يجتمعون دوريًّا في ندوة يتولى خلالها أحدهم إلقاء محاضرة حول موضوع معين يتبعها تعقيب ومناقشة، وقد طبعت هذه المحاضرات في كتاب "الأصفياء"، دار مصر للطباعة، القاهرة، 1955.

آخر التغريدات: