الشيخ الإبراهيمي.. الرّحّالة الماهر الذي عرّف بالجزائر

بقلم: أبو القاسم العباسي-

الكتابة عن أعلام الدّعوة ورجال الفكر والتربية من الصّعوبة بمكان، فقد ينبري للكتابة عنهم من لا يستقصي تاريخهم ونشاطاتهم الفكرية والعلمية والتربوية والخيرية فيسيء إليهم أكثر ممّا يحسن، خصوصا إذا كان من يترجم له عالما موسوعيا طاف المشارق والمغارب، أو كانت نشاطاته بعدد أنفاسه، أو بعدد حركاته، ذهابا وإيابا…

ومن هؤلاء العلماء الأعلام الذين ذاع صيتهم في البلدان، وطارت شهرتهم في آفاق الدّنيا أمير البيان في الجزائر، الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى..

إنّ الحديث عن الشيخ الإبراهيمي يستنفد أوقاتًا ويستهلك مجلّدات تفوق العشرات، بل ربما تتجاوز المئات، لا لشيء إلاّ لأنّه أعجوبة زمانه، ودرّةُ عصره، ونجم دهره دلّ على كل ذلك موسوعيته في اللّغة والآداب والتّاريخ والشريعة الإسلامية – تفسيرا وفقها واجتهادا -وفقهًا للواقع الذي اكتسبه من رحلاته داخل الوطن العربي وخارجه، والتي كانت مفاتيح للتعريف بالشّأن الجزائري وما يعانيه الجزائريون في وطنهم من ظلم الاحتلال الفرنسي.. إلخ  …

وفي هذه الإطلالة النورانية من حياة الشيخ الإبراهيمي أقف على أهم ما ينبغي الالتفات إليه من حياته وسيرته رحمه الله تعالى.

مولده ونشأته: هو محمّد البشير بن محمّد السّعدي بن عمر الإبراهيمي، مجاهد جزائري من كبار العلماء.. ولد يوم الخميس 13/10/1306 هـ الموافق لــ: 12/06/1889 م في بلدة سطيف، ونشأ فيها وينتسب إلى قبيلة (ريغة) الشهيرة بأولاد إبراهيم بن يحي بن مساهل..

الولادةُ العلمية للشيخ الإبراهيمي: ابتدأت حين بلغ من العمر ثلاث سنوات حيث دخل الكتّاب الشّائع في بيتهم، وقد تلقّى القرآن الكريم تلقينا عن جماعة من أقاربه الحافظين لكتاب الله تحت إشراف عمّه عالم الوطن كلّه في ذلك الزّمان، الشّيخ محمّد مكّي الإبراهيمي رحمه الله الذي كان حاملا لواء الفنون العربية من نحوها وصرفها واشتقاقها ولغتها… ولـمّا بلغ سبع سنين استلمه عمّه من معلّمي القرآن ليتولّى تربيته وتعليمه بنفسه، فكان معه لا يفارقه لحظةً حتّى في ساعات النّوم، مرتّبا له نظاما عجيبا في النّوم والأكل والدّراسة.. وحتّى في وقت المشي معه للفسحة لا يخليه من تلقين علمي، حتّى أتقن حفظ القرآن – في سنّ التاسعة – مع فهم مفرداته وغريبه، وكذا ألفية ابن مالك ومعظم الكافية له، وألفية ابن معطي الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، وجمع الجوامع في الأصول، وتلخيص المفتاح للقاضي القزويني، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب.. وحفظ الكثير من شعر أبي عبد الله التلمساني شاعر المغرب والأندلس في المائة السّابعة، وحفظ معظم رسائل بلغاء الأندلس، بالإضافة إلى دواوين فحول المشارقة ورسائل بلغائهم، منهم المتنبّي، وصدرا من شعر الطّائيين، كما حفظ ديوان الحماسة، وغير ذلك كثير التي كانت كلّها بإشارة من عمّه العالم الجهبذ ..

ومن الكتب التي حفظها عن ظهر قلب بين يدي عمّه مكّي الإبراهيمي والتي كوّنت لدية ملكةً لغوية أربعة كتب هي:

كتاب “كفاية المتحفظ” للأجدابي الطّرابلسي

كتاب  “الألفاظ الكتابية” للهمداني

كتاب ” الفصيح” لثعلب

كتاب “إصلاح المنطق” ليعقوب السّكّيت

ولمّا بلغ الشيخ الإبراهيمي الحادية عشرة من عمره تدرّج معه عمّه الشيخ مكي في درس ألفية ابن مالك دراسة بحث وتدقيق، وقبلها أخذ كتب ابن هشام الصّغيرة قراءة تفهّم وبحث.. وحين بلغ أربع عشرة سنة وبعد إجازة عمّه له، ومباشرة بعد وفاته صار يدرّس العلوم التي اكتسبها من عمّه في زاويتهم ببيتهم، حيث انثال عليه طلبة العلم من البلدان القريبة منهم، وبقي هكذا حتّى بلغ عشرين سنة من عمره حيث تاقت نفسه (1911 م) إلى الهجرة إلى الشّرق فشدّ رحاله –متخفّيًا– إلى المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام ليلتحق بوالده الذي فرّ من ظلم فرنسا إلى بلاد الحجاز سنة 1908 م.

بين علماء الأزهر وأدباء مصر وشعرائها: ثلاثة أشهرٍ هي مدّة قصيرةٌ قضاها في مصر، ولكنّها كانت مباركة ومفيدة للشيخ البشير الإبراهيمي، فما إن وصل إلى القاهرة حتّى اتّخذ سبيله إلى جامع الأزهر الشّريف، حيث كان حريصًا على حضور دروس العلم التي كان يلقيها كبار علماء الأزهر.. فممّن عرفهم وحضر دروسهم واستفاد منهم:

الشّيخ سليم البشري

الشيخ محمّد بخيت حضر  درسه في صحيح البخاري في الرّواق العبّاسي.

الشّيخ يوسف الدّجوي، حضر درسه في البلاغة.

الشيخ عبد الغني محمود

الشّيخ السّمالوطي، حضر لكليهما درسا في المسجد الحسيني .

الشّيخ سعيد الموجي، روى عنه الموطّأ بالسّند العالي، وحضر مجالسه بجامع الفاكهاني مع جمهور من الطّلبة، كما تولّى قراءة بعض الموطّأ عليه من حفظه.

كما كان له حضور في دار الدّعوة والإرشاد التي أسّسها الشّيخ رشيد رضا في منيل الرّوضة.

كانت له زيارة إلى أمير الشّعراء وشاعر العربية الأكبر أحمد شوقي، حيث أسمعه عدّة قصائد من شعره كان يحفظها له فتهلّل رحمه الله واهتزّ..

كما اجتمع بشاعر النّيل حافظ إبراهيم في بعض أندية القاهرة وأسمعه من حفظه شيئا من شعره كذلك..

في المدينة المنورة.. بركة العلم: في مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان للشيخ الإبراهيمي نشاط علميٌّ مكثّفٌ استفادة وتحصيلا وتقصيًّا ومجالسةً للعلماء.. فقد كان يطوف باحثا عن مجالس العلم التي يستفيد من علمائها .. من ذلك أنّه أخذ علم التّفسير عن الشيخ الجليل إبراهيم الأسكوبي، كما أخذ علم الجرح والتّعديل وأسماء الرّجال عن الشيخ أحمد البرزنجي الشهرزوري في داره أيام انقطاعه عن التّدريس في الحرم النّبوي، وكان من أعلام المحدّثين، ومن بقاياهم الصّالحة .. كما له حظ كبير في أخذ أنساب العرب وأدبهم الجاهلي، والسّيرة النّبوية عن أعجوبة الزّمان – حفظا للغة العربية ومعرفة بأنساب العرب وحوادث السّيرة – الشيخ محمّد عبد الله زيدان الشّنقيطي.. وأتمّ معلوماته في علم المنطق عن الشيخ عبد الباقي الأفغاني بمنزله.. حيث قرأ عليه الحكمة المشرقية التي كان قيّما عليها بصيرا بدقائقها.

بالإضافة إلى هذه الاستفادة العلمية المتخصّصة في مختلف العلوم والتي كانت المدينة المنورة سببا في نزول غيوث البركة والخير عليه، كان ينفق أوقاته الزّائدة في ألقاء دروس في العلوم التي لا يحتاج فيها إلى مزيد كالنّحو والصّرف والعقائد والأدب…

وبالجملة كانت له مذاكرات مع الشيخ أحمد خيرات الشّنقيطي سنين عديدة في اللغة والشعر والأدب الجاهلي، ومنه المعلّقات العشر، ومع الشيخ محمد العمري الجزائري في أمّهات الأدب المشهورة كالكامل للمبرّد و البيان والتبيين للجاحظ…

في المكتبات بين رفوف الكتب المطبوعة والمخطوطة: من دلائل التواضع العلمي عند الشيخ الإبراهيمي أنّه كان متّصلا بمصادر العلم من خلال المكتبات وما يظفر فيها من كتب خاصّة المخطوطة منها، حيث يمكث في المكتبات يطالع ويقرأ حتى استوعب معظم كتبها النّادرة قراءة.. ولشدّة حرصه على المخطوطات كان يستعير كثيرا من المخطوطات الغريبة من عند أصدقائه وتلامذته الشّناقطة..

يتعلّم ويعلّم ويقرأ ويستقرئ : حياة الشيخ الإبراهيمي حافلةٌ بالتميّز العلمي… فبين أورقة الأزهر الشريف، وفي مسجد الحسين رضي الله عنه، وفي مدينة رسول الله عليه الصّلاة والسّلام عند الرّوضة النبوية الشريفة، وفي بلاد الشّام التي احتضنته عالما ومربّيا ومدرّسا في مساجدها ومدارسها ومعاهدها، تناسلت المعرفة، وازداد العطاء الربّاني، ونمت عالمية الشيخ، الذي صار محلّ إعجاب من كثير من العلماء في العالم الإسلامي  الذين عاصروه وعايشوه عن قرب واستفادوا من علمه.

رحلات الإبراهيمي ودوافعها: كانت للشيخ البشير الإبراهيمي رحلتان خارجيتان، إحداهما إلى (باريس) والثانية داخل الوطن العربي والعالم الإسلامي(مصر) و(باكستان)، وذلك في مطلع 1952م ، والذي يهمّنا في هذه السّانحة الوجيزة رحلته إلى الداخل العربي والإسلامي خصوصا في مصر وباكستان.. ففي القاهرة التي أقام فيها في المرة الأولى من بداية الخمسينيات تسعة أيام، وهي فترة قصيرة جدّا التقى الشيخ خلالها كثيرا من الشخصيات السياسية الفكرية والعلمية، منهم عبد الرحمن عزّام الأمين العام لجامعة الدّول العربية الذي بادر بزيارته اعترافا منهم بمكانة الشّيخ.. والتقى كذلك ببعض أساتذة الجامعة الأزهرية ومديرها محمّد عبد اللّطيف درّاز، وقد بادل هو الآخر الزيارة لإدارة الجامعة الأزهرية ردّا على زياراتهم التي كانت تقديرا له ولمكانته في جمعية العلماء.. وعلى العموم كانت للزيارات المتبادلة بينه وبين الشخصيات الطبيعية والاعتبارية في مصر فوائد علمية جمّة، خاصّة لما عرف عنه أنّه نادرة الزّمان علما وفقها وسياسةً بإجماع كل من التقى به وحضر مجالسه العلمية..

أمّا رحلته إلى باكستان فقد كانت استجابة لدعوة وصلته من هنالك للمشاركة في مؤتمر الشّعوب الإسلامية في كراتشي باسم “مؤتمر العالم الإسلامي القديم” حيث كانت بداية هذه الرّحلة في العشرين من شهر مارس 1952م، وقد كان في استقباله في مطار كراتشي كل من مفتي فلسطين الشيخ (الحاج محمّد أمين الحسيني) والدّاعية الثّائر الشيخ (الفضيل الورتلاني) وبإقامته بالفندق حظي بزيارات استقبال الذين لم يحضروا في المطار، منهم (أبو بكر حليم) مدير الجامعة في كراتشي، وهو نفسه رئيس مؤتمر العالم الإسلامي، وغيره من العلماء والمسئولين والسّفراء والمفوّضين والوزراء، حتّى شعر الشيخ في نفسه أنّه بين أهله وفي وطنه الجزائر وذلك لما وجده التحام بين جموع الحاضرين من الشخصيات العلمية والسياسية والدبلوماسية البارزة التي كان وجودها في المؤتمر حسّا ومعنى له أكثر من دلالة دينية وقومية ووطنية وإنسانية.

هذا وقد كانت دوافع رحلته كثيرة وهي في مجموعها ترجع إلى أصل واحد من أربعة عناصر :

أولها: دراسة أحوال المسلمين

ثانيها: الاتّصال المباشر بعلماء الدّين الذين يقودون المسلمين إلى السّعادة وجمع كلمتهم على الحق والخير .

ثالثها: دراسة الوضع في الحكومات الإسلامية.

رابعها: الاطّلاع على اهتمامات الشّباب في هذه البلدان الإسلامية

ووراء هذا كلّه نوافل كثيرة أهمّها: التّعريف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأعمالها للإسلام والعربية والتعريف بالجزائر والشمال الإفريقي.

إذن رحلات الشيخ الإبراهيمي سواء كانت لمصر أو لباكستان فتحت نوافذ فكرية وثقافية وسياسية ودينية لم تكن موجودة في وقت من الأوقات لولا هذا الوجود المثير منه رحمه الله في رحلاته، والتي أكسبته احترام وتقدير كل من التقى بهم، علماء دين كانوا، أو سياسيين، أو دبلوماسيين. كما كانت سببا في إدراج اسم الجزائر والتّعريف بقضيتها في مختلف البلاد التي طاف بها الشيخ رحمه .

رحلته إلى أوروبا (فرنسا) وأبعادها

كثيرٌ من النّاس تستهويهم الرّحلات إلى أوروبا للاستجمام والتّرفيه عن النّفس، لكن من يحملون هموم دينهم وشعوبهم وأوطانهم على عكس ذلك تماما، فهم يرحلون ويركبون البر والبحر من أجل قضاياهم الجوهرية، يستثمرون أوقات وجودهم في بلاد الغرب فيما ينفع العباد والبلاد. والشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله كان من الطّراز الذي جعل من رحلته إلى فرنسا خصوصا استجماما من نوع خاص يختلف عن غيره من الذين يتّخذون من رحلاتهم وسيلة لقضاء شهواتهم أو تحقيق مآربهم الشّخصية..

لقد كانت رحلة الشيخ البشير الإبراهيمي إلى فرنسا – في شهر أكتوبر سنة 1950م – من أجل هدف واحدٍ متفرّعٍ إلى قضيّتين ، باريس هي مركزهما، وهي ميدان الأعمال لهما ..

أمّا القضيّةُ الأولى فهي: فصل الحكومة الجزائرية عن الدّين الإسلامي، وحرّيّة التّعليم الإسلامي.

لقد كان للشيخ الإبراهيمي وزميله العربي التّبسّي اتصالات مع السّلطات الحكومية والبرلمانيين ورجال الصّحافة، حيث قاما بشرح القضية على أكمل وجه، في غاية من الإبداع والإتقان والعرض الحسن، رغبة في إقناع سلطة الاحتلال للابتعاد عن شؤون المسلمين الدّينية ورفع القيود عن لغتهم العربية..

إذن الملاحظ في نشاط الإبراهيمي أثناء وجوده في فرنسا أنّه عمل أثناء رحلته إلى باريس على الاتصال مباشرة بالسّلطات الفرنسية المحتلّة لأرض الجزائر، والحال كذلك كان له مع البرلمانيين ورجال الصّحافة حتّى يعطي دفعا أكثر فعاليةً، ومقاومةً عقدية وفكرية وقومية ووطنية تلفت انتباه سلطات المحل وتجعله يفكّر بجدّية في مطالب الشعب الجزائري، ذلك أنّ تطوير المعارضة والمقاومة ارتقى من الدّاخل إلى الخارج في الداخل الفرنسي وهو ما عبّر عنه الشيخ الإبراهيمي بقوله: ” حكومة الجزائر متصاممة عن صوت الأمّة فيها،  نخاطبها بالكلام الفصيح والحقّ الصّريح فكأنّما نخاطب صخرة صمّاء، ونجلو الحقائق الواضحة عليها، فكأنّما نعرضها على مقلة عمياء، فلمّا عيينا بالأمر ذهبنا إلى باريس لعلمنا أنّ الأمر منها بدأ وإليها يعود.” 

أما القضيّةُ الثانية فهي: قضية الاهتمام بالمغتربين الجزائريين في فرنسا

وهذا هو الشّقُّ الثاني من الهدف العام من رحلته رحمه الله تعالى، وهو يعبّر عن اهتمام العالم الدّاعية الذي يفرض عليه دينه أن يسعى جاهدًا لتحصين بني وطنه دينيا ووطنيا حتّى يبقى على صلة – وهو موجود بفرنسا – بوطنه، فلا ينسى دينه ولا لغته.. فكانت المهمّةُ هنا لوعظ النّاس ودعوتهم إلى تأسيس مدارس لتعليمهم وتعليم أبنائهم العربية ودينهم الإسلامي، وهو ما جسّدته شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في باريس منذ الثلاثينيات خاصة حين انتدب الشيخ الفضيل الورتلاني إلى هنالك للتّعريف بها حيث كان واعظا بليغا مؤثّرا غرس في نفوس المغتربين الاهتمام بشؤون دينهم، والحرص على وطنهم، كما حثّهم – وهو حق إيماني – على ربط علاقاتهم بإخوانهم المسلمين الآخرين.. وقد كان لهذا التّأثير القوي إقبال شديد واستعداد منقطع النّظير من الجالية الجزائرية المغتربة شجّعهم على المضي في العمل وقوّى الأمل في النّجاح.

إنّ الاهتمام بالمغتربين يهدف -في مسعى الشيخ البشير الإبراهيمي- إلى المحافظة على الهوية الإسلامية والوطنية والقومية، وتحصينهم بالتشبّع بعقيدتهم الإسلامية، وقيمهم الأخلاقية الأساسية والفرعية حتّى لا يذوبوا في المجتمع الفرنسي الذي لا يعرف للأخلاق والمثل والفضائل قيمةً أو اعتباراً أو اعترافًا..

لقد كان الاهتمام بالمغتربين متضمّنًا عدّة جوانب مهمّة في حياتهم خارج ديارهم:

(1) التشبّث بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا في وسط الظلام الفرنسي الغربي.

(2) المحافظة على اللّغة العربية وفتح مدارس لها يتعلّم فيها أولادهم لغة وطنهم الجزائري العربي.

(3) رفض الاندماج في أوساط المجتمع الفرنسي فيما يتعلّق بالزواج بالفرنسيات أو الرّضا بتقاليدهم وأعرافهم الاجتماعية البهيمية التي جعلت من أهدافها السياسية إذابة الجالية الجزائرية المغتربة في فرنسا ومحوها في الهوية والعقيدة الفرنسية.

(4) ربط الجالية الجزائرية المغتربة بوطنها الجزائري وتهيئة الأجواء المناسبة لذلك من خلال المواقف العملية في الواقع، بما هو واجب عليهم تجاه وطنهم من الناحية الشرعية والوطنية والإنسانية.

وهكذا كانت لرحلة الشيخ البشير الإبراهيمي التي استمرّت أكثر من خمسين يوما مكاسبُها التي يعجز عنها كثير من الحكومات الرسمية في تحقيقها، كما يعجز عنها كثير من أهل التصوّرات والنّظريات التي تملأ الدنيا ضجيجا دون أن تحقّق شيئا يذكر في ميدان الواقع وهو ما نراه ونشاهده ونلاحظه في زماننا الذي نعيشه.

إنّ من يتأمّل في مسار الرّحلة للشيخ البشير الإبراهيمي يدرك أبعادها الدّعوية والقومية والوطنية والتي تبني بمجموعها الشّخصية الجزائرية المتشبّعة بالإسلام والعروبة.. لقد كان الشيخ رحمه الله حريصا على إحياء الضّمير الدّيني العقائدي والسّلوكي والأخلاقي في نفوس المهاجرين الجزائريين الذين كان يخشى عليهم الانغماس في ثالوث العقيدة المسيحية التي كانت ترغب –وتعمل جاهدة من أجل ذلك– في تحقيق أهدافها الاستعمارية من خلال من تبنيهم –من الجالية الجزائرية– على عينها بناء يوافق تطلّعاتها التّبشيرية من أجل إبعاد الإسلام من أرض الجزائر، وفرض عقيدتها القائمة على الأحقاد والأطماع…

آخر التغريدات: