البشير الابراهيمي فقيه المقاومة الجزائرية

لم توهَب أرضٌ في القارات الخمس مثلما وُهِبته الجزائر من الرجال والعظماء الذين أصبح كلّ واحدٍ منهم مدرسةً بل جامعةً في المعارف والعلوم. ولعلّ أبرز وأهمّ شخصيّةٍ إصلاحيّة، والتي لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ إسلامية الجزائر وعروبتها هو الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي، الذي ولِد بتاريخ 19 تموز يوليو 1889 في منطقة رأس الوادي في منطقة سطيف التي شهدت المجزرة الفرنسية المقيتة عقب انتصار فرنسا على النازية الألمانية، حيث كان سكان قالمة وسطيف وخراطة ينتظرون أن يرفرف علم بلادهم الجزائر على مباني السيادة، فإذا بالدبابات الفرنسية تحصد رؤوس الأحرار الذين طالبوا فرنسا بالإيفاء بوعدها الذي قطعته على نفسها بأنّ الجزائريين سيحصلون على استقلالهم إذا ساعدوا فرنسا الغازية على دحر النازية.

تعلّم الإبراهيمي في ولاية سطيف على يد والده وعمّه مبادئ الفقه والأصول والنحو والتفسير وهي مقدّمات العلوم الشرعية، وكان المحصّلون للعلوم الشرعية لا يكتفون بما يتعلمّونه في كنف الزوايا الجزائرية التي خرّجت آلاف العلماء الأجّلاء، وكانوا يشدّون الرِحال إلى حاضرة الزيتونة في تونس أو جامع القرويين في المغرب أو الأزهر في مصر وكان التوجّه إلى الحجاز أيضاً يمثّل الذروة بالنسبة إلى طالب العلم لأنه سيجاور خير البرية محمّد إبن عبد الله عليه الصلاة والسلام.

وفي سنة 1911 رحل الإبراهيمي إلى الحجاز واستقرّ في المدينة المنوّرة وفيها أبحر في كل المعارف الإسلامية، في اللغة والبلاغة والنحو والصرف والفقه والحديث والرجال والتفسير والقراءات، وكان يخزّن ما كان يسمعه من مشايخه في ذهنه لكي يعرض كلّ ما تحصّل عليه في الجزائر التي كانت تتعرّض لأكبر غزوة مسخٍ فرانكوفونية وفروكوفيلية ستحتاج إلى كل حرف عربي يتعلّمه، وإلى كلّ آية قرآنية يتفتّق ذهنه على إدراك معناها وفحواها وسبب نزولها.

وعندما قصد علامّة الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس المدينة المنوّرة، التقى بالشيخ البشير الإبراهيمي وتدارسا سويّة وضع الشعب الجزائري في ظلّ الهيمنة الفرنسية المقيتة، وتوافقا على أنّ السلاح الأول الذي يجب أن يتسلّح به الإنسان الجزائري هو العِلم والعِلم فقط وبعد ذلك يأتي الجهاد. وعندما شعر الإبراهيمي أنه تزوّد من أساسيات العلوم الشرعية واللغوية والنحوية والفقهية، ترك المدينة المنوّرة واستقرّ في العاصمة السورية دمشق في العام 1916، وهنالك وطّد علاقاته بعلماء الشام الذين يعرفون جيّداً من تكون الجزائر، ومن يكون علماء الجزائر، وقد استضافوا بالأمس القريب فارس وهران الأمير عبد القادر الجزائري والذي أصبح منارةً للعلوم والعرفان في بلاد الشام.

ساهم وهو في بلاد الشام في تأسيس المجمع اللغوي الذي حافظ على روعة اللغة العربية، والذي حاول ووفق مبدأ الاشتقاق أن يضع ألفاظاً للدخيل الأجنبي، وقد قدّم في سبيل ذلك اجتهاداتٍ اعترف له بالتفوّق لاحقاً طه حسين في المجمع اللغوي المصري، عندما قال إنّ من أراد أن يستمع إلى زلال اللغة العربية فلينصت إلى الشيخ البشير الإبراهيمي.

العلامة البشير الإبراهيمي فقيه المقاومة الجزائرية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الدكتور الأخضر رابحي الأستاذ في الشريعة الإسلامية والتراث في جامعة الجزائر، ومن تونس الحبيبة الدكتور والباحث علي العشي مدير قسم أصول الدين في معهد أصول الدين في جامعة الزيتونة. مرحباً بكم جميعاً.

(فيديو)

يا شباب الجزائر! ما قيمة الشباب وإن رقّت أنداؤه، وتجاوبت أصداؤه، وقضيت أوطاره؟ ما قيمة ذلك كله إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل عِلم، ونصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمّة، وخدمة وطن؟

يحيى أبو زكريا: أبدأ من الجزائر ومعك تحديداً دكتور رابحي. الشيخ البشير الإبراهيمي لم يكُ معادلةً عابرة في المشهد الثقافي الإصلاحي الإسلامي الوطني الجزائري، بل كان مدماكاً في تحصين الهوية الجزائرية.

من يكون تحديداً البشير الإبراهيمي رحمة الله تعالى عليه؟

الأخضر رابحي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

شاكر لكم هذا البرنامج وهذا العنوان الكبير، الإبراهيمي فقيه المقاومة، الذي سنعرّف به، رجل من رجالات الجزائر، الذي نبت في حضن بلد كان يحتضن العلماء والأولياء، في بلد كان في تاريخه القديم لا يعرف الأميّة، وفي كلّ شبرٍ من أشباره تنبت مدرسةٌ أو منارةٌ للعلم، بلدٌ تعرّض لمسخٍ وتدمير شامل من الاستعمار الفرنسي، بلد كان سيّداً في العلوم، كان منارة في البحر الأبيض المتوسّط، صدّر علومه ومعارفه إلى كل العالم من منارة بيجايا ومن منارة العاصمة ومن منارة وهران ومن منارة قسنطينة.

البشير الإبراهيمي علامة الجزائر، الأديب، أمير البيان هو أحد فرسان هذا البلد الطيّب، فقد هضم العلوم والمعارف من صغره عندما حفظ القرآن وتعلّم تفسيره على يديّ خاله المكّي الإبراهيمي، وحفظ ألفيّة ابن مالك وألفية ابن معطي الزواوي، وحفظ الكتب الكبرى، كجمع الجوامع وتلخيص المفتاح للقزويني، وحفظ ألفية العراقي في السير والأثر، وحفظ أشعار العرب، أشعار فرسان هذا البلد من مثل عبد الله ابن خميس التلمساني، أبرز شاعر للمغرب العربي والأندلس.

فالبشير الإبراهيمي، قبل أن يبلغ 17 سنة، بما وهبه الله من ذاكرةٍ وقّادة، كان قد هضم كلّ العلوم والمعارف، واستعدّ أن يتقدّم بعد ذلك إلى مقام التدريس، وكان أستاذاً ومعلّماً، ثم اتسعت معارفه وهو ينتقل من بلد إلى آخر، من الحجاز تعلّم مع العزيز التونسي وقرأ على يديه الفقه المالكيّ، والصحاح والكتب المعتمدة، وقرأ على يديّ حسين أحمد أبادي الهندي كذلك صحيح مسلم، ثمّ التقى بمحمّد بخيت المطيعي في مصر وقرأ على يديه البخاري، فتوسّعت معارف أمير البيان الجزائري وتوسّعت مداركه وهو يلتقي بالحركات المتعدّدة المشارب أو المتعدّدة التوجّهات، فصقلت فكره وتوجّهه ليكون إسلامياً ينطلق من مصادر الكتاب والسّنّة في فهم متميّز لا تعصّب فيه، منفتح على الوطن وعلى كل المذاهب والتيارات لكي يتحرّك في اتجاه واحد هو كما سماه تحرير العقول ثم تحرير الأبدان، وذلك هو الفعل الذي كان يتسلّى به البشير الإبراهيمي عن التأليف عندما قال "أتسلّى عن التأليف بأنني أعددت رجالاً وأعددت عقولاً نيّرة ستتحرّر بعدها الأجساد بإذن الله".

هذا هو البشير الإبراهيمي الذي عرفته الجزائر مجاهداً، منافحاً عن الحق.

يحيى أبو زكريا: ولله ذرّه، وسنغوص في كثير من تفاصيله، عِلماً أنّه ألّف الرجال وألّف كتباً كثيرة قد نتطرّق إليها في طيّات الحلقة.

الدكتور علي، من المفارقات أنّ فرنسا عندما وصلت إلى الجزائر في 5 تموز يوليو 1830، أول ما قامت به تحويل المساجد إلى إسطبلات وإلى كنائس، وألغت التعليم الأصليّ، وحظرت اللغة العربية وجرّمت من يدرّس اللغة العربية بأن يُسجَن بين ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وغيّرت حتى أسماء الجزائريين، ومن رحم هذا الاستئصال الثقافي والعربي والإسلامي، يطلّ علينا البشير الإبراهيمي وغيره حاملاً مشعلي العروبة والإسلام.

ما هي معالم الشخصية الإبراهيمية التي أثرت الهوية الجزائرية والثقافة الجزائرية وأيضاً الثقافة العربية والإسلامية؟

علي العشي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

شكراً للجزائري الحرّ الدكتور يحيى أبو زكريا.

يحيى أبو زكريا: حيّاك ربي.

علي العشي: شكراً على هذه الاستضافة، وشكراً على اللغة العربية الفيّاضة المنطلقة من حنجرتك، بارك الله فيك.

يحيى أبو زكريا: بوركت سيّدي.

علي العشي: اليوم هذه دعوة مباركة للسياحة في سياق شخصيّةٍ متفرّدة حقيقةً، مشكلتنا سيّدي العزيز في عالمنا العربي والإسلامي يمكن لخّصها بعبارة مختصرة المؤرّخ الجزائريّ أبو القاسم سعد الله، كان يقول "نحن نصنع التاريخ ولا نكتبه"، وإحدى مشكلات عالمنا العربي والإسلامي إننا لنا رجال عظام صنعوا فعلاً، صنعوا تاريخاً، لكن كثير من هذا التاريخ لم يُكتَب، الجزائر سيّدي العزيز لمّا دخل الاستعمار الفرنسي، الإحصاءات تقول أنه عام 1831 لم يكن يوجد في الجزائر أميّ واحد، لكن بعد 130 عاماً من الاحتلال الفرنسي الغاشم في الجزائر غادروها وفيها ما لا يقل عن أكثر من 90 بالمئة من الأمّيين.

هذه جريمة، جريمة التاريخ وجريمة العصر التي حدثت في الجزائر، الفرنسيّون لمّا دخلوا استولوا على الأوقاف، كانت الأوقاف، على الأقلّ في الجامع الكبير في الجزائر حسب دراساتي قريب من 6000 وقف باسم هذا الجامع فقط، الجامع الكبير، وقس على ذلك، لمّا استولى الفرنسيون حوّلوا كما تفضّلتم المساجد إلى كنائس وإلى اسطبلات للخيول، بل منعوا تحرّك العلماء الجزائريين حتى في داخل الجزائر، منعوهم في شكل إقامة جبرية اضطر معه الناس إلى الذهاب إلى هؤلاء العلماء، صار الناس يزورونهم فمنعوا العوام، عوام الناس حتى من زيارتهم.

إذاً نحن أيها الحبيب اليوم نقول في سياق للأسف محاضن للتربية في عالمنا العربي والإسلامي، للأسف اليوم تفعل فعل التغبية لا فعل التربية، أقول إننا محتاجون، محتاجون اليوم أن نميط اللثام وأن نخرج كثيراً من هذه الكنوز التي للأسف بقيت طيّ النسيان، منها هذه الشخصيات التي يمكن أن نطلق عليها وباعتزاز شخصيّات مُنصِفة. من هذه الشخصيات المنصِفة الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي، وهؤلاء نحن نقول علينا أن نقدّم هذه النماذج اليوم إذا أردنا فعلاً أن تحصل التربية لا التغبية في عالمنا العربي والإسلامي، محتاجون أن نقدّم نماذج من هذا الفكر المُستنير بنور الوحي ونور العقل، محتاجون أن نقدّم الفكر التجديدي لأمثال الشيخ البشير الإبراهيمي وغيره.

في الحقيقة، الشيخ البشير الإبراهيمي، قد قدّمتم حضرتكم نبذةً عن حياته وعن شخصه، يكفي أن نقول أنّ البشير الإبراهيمي لخّص مشكلة الأمّة ومشكلة العالم الإسلامي ومشكلة الجزائر إذا أردنا أن نصل من العموم إلى الخصوص. عبارته لا زالت مدوّية، يقول عن هذه الأمّة، الأمّة هذه أذلّها حُكّامها وأضلّها علماؤها، للأسف.

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أحسنت.

علي العشي: فما بين ذلّ الحكام لها وما بين تضليل العلماء لها، محتاجون اليوم فعلاً أن نعود إلى هذا الرجل، إلى هذه القامة العجيبة، في زمان البشير الإبراهيمي، لمّا حوّلت فرنسا المساجد إلى كنائس، كانت عبارة مبكية سمعتها قبل أيام، ليست بعيدة، كنت في مؤتمر في جامعة الأمير عبد القادر الجزائري، حضرت مؤتمراً علمياً، فهذه عبارة دوّنتها وأنا أستشعر إننا محتاجون أن نُبرِز مثل هذه الكلمات المتوهّجة. هذا كان مفتي الجزائر الشيخ محمّد القبابتي، كان مفتي الجزائر، ورفض أن يسلّم الأوقاف لفرنسا، ولمّا تمّ الاستيلاء على الأوقاف، وحُوّل هذا المسجد إلى كنيسة، كانت عبارته "فإذا خلا مسجدنا من عبادتنا فإن ربّنا في قلوبنا".

أنظر هذا الشيخ محمّد القبابتي قال كلمة لكن التاريخ دوّنها، محتاجون اليوم سيّدي العزيز كيف نكتب تاريخ هؤلاء الرجال، هؤلاء الرجال مضوا إلى ربّهم لكن تركوا رؤى، محتاجون أن نبرزها.

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، علماً أن استحضار الشخصيات العملاقة في تاريخنا العربي والإسلامي يشكّل ضمانة للأمن القومي أيضاً والأمن الثقافي، لأنه لا يمكن أن تواجه كوكبية ثقافية، عولمة ثقافية مهولة بأدواتٍ هشّة، لا بدّ من أن تستحضر العمالقة لتعيد تحصين الذات، وسوف نستكمل كل النقاط بُعيد الذهاب إلى الجزائر.

الدكتور الأخضر، طبعاً الشيخ البشير الإبراهيمي، دعنا نقسّم حياته إلى قسمين، مرحلة الإصلاح وإعادة بناء الشخصية الجزائرية، ثم المرحلة الثانية، دوره في مواجهة الاستعمار الفرنسي. أذكّر فقط أنّه ترك العديد من الآثار، على سبيل المثال عيون البصائر وهي مجموعة المقالات التي كان ينشرها في جريدة البصائر، أيضاً كتاب "في قلب المعركة"، "التسمية بالمصدر"، "الصفات التي جاءت على وزن فعل"، "الاضطراد والشذوذ في اللغة العربية أو ما يُسمّى بالأخطاء الشائعة" على وتيرة ما كتبه الدكتور مصطفى جواد "قل ولا تقل" ورواية "كاهنة الأوراس"، "حكمة ومشروعية الزكاة"، "شعب الإيمان في الأخلاق، والفضائل"، "الملحمة الرجزية"، و"فتاوى متناثرة".

ما هو الدور الذي اضطلع به الشيخ الإبراهيمي في مرحلة تكوين وإعادة بناء الشخصانية الجزائرية؟

الأخضر رابحي: المرحلة الأولى من الجهود التي بذلها العلاّمة البشير الإبراهيمي برفقة الشيخ إبن باديس وفي إطار جمعية العلماء كانت إعادة هوية الشعب الجزائري المسلوبة. لا ننسى أنّ فرنسا قامت بتدمير ممنهج للشخصية الجزائرية، واعتبرت عام 1938 اللغة العربية لغةً أجنبيّة، حاربت الأوقاف، حاربت الألقاب، وأصدرت قانوناً خاصاً بمنع الألقاب الجزائرية، حاربت كلّ ما يمتّ بصلة إلى الإسلام وإلى العربية وإلى التاريخ وإلى الهوية، وفي الثلاثينية من محاولة احتفالها بأنها استولت على الجزائر وأصبحت الجزائر رسمياً ضمن المحيط الفرنسي، كان التفكير الجاد لإحياء جهود جمعية العلماء سنة 1931، العلاّمة البشير الإبراهيمي برفقة الشيخ إبن باديس أدركوا الخلل وتحرّكوا لاستدراك هذا الخلل وهو إعادة الروح وإعادة النبض للشخصية الجزائرية التي حاول الاستعمار مسخها وحاول أن يسلب منها كلّ المقومات.

فكان المحور الأول في تحرّك حركة الإصلاح هو محور التعليم، وقد استطاع العلاّمة إبن باديس، وقد كُلّف بهذه المهمة الكبرى، أن يفتح 400 مدرسة وأن يؤسّس معهد إبن باديس وأن يتحرّك كذلك في المنطقة الثانية، وهي منطقة الإعلام، عن طريق الجرائد، وكانت البصائر لسان حال جمعية العلماء ترفع مستوى الوعي.

يحيى أبو زكريا: دكتور الأخضر، فقط دعني رجاءً أمضي إلى فاصل سريع جداً، وأعود إليك مباشرة، وتكمل الفكرة الأساسية من فضلك.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

المحور الثاني

البشير الإبراهيمي: يا شباب الجزائر! ما قيمة الشباب وإن رقّت أنداؤه، وتجاوبت أصداؤه، وقضيت أوطاره؟ ما قيمة ذلك كله إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل علم، ونصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمّة، وخدمة وطن؟

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج الشخصية الجزائرية الإسلامية العملاقة البشير الإبراهيمي رحمة الله تعالى.

دكتور الأخضر، كنت تتحدّث عن دور كبير للإبراهيمي في تحصين الشخصانية الجزائرية، وهنا أذكّرك بقضية وقعت في الجزائر بعد مرور مئة سنة على احتلال الجزائر سنة 1930، الجزائر احتلت سنة 1830، فاحتفلت فرنسا بالمئوية الاستعمارية المقيتة البغيضة، فاختاروا شابة جزائرية لتكون عرّيفة الحفل بحضور الحاكم الفرنسي في الجزائر، وتقدّمت هذه الفتاة الجزائرية، ونحيّي كلّ المجاهدات الجزائريات بالمناسبة، واستهلّت حديثها بالبسملة، فقالت بسم الله الرحمن الرحيم، هنا قال الحاكم الفرنسي لقد هُزِم مشروعنا الثقافي في الجزائر.

هلا أكملت الدور الذي لعبه الإبراهيمي في تحصين الهوية الجزائرية؟

الأخضر رابحي: بالإضافة إلى مركزية التعليم عند العلاّمة، والإعلام، كان الاهتمام بالمرأة كذلك أحد المحاور الأساسية للإصلاح، وكان الشيخ العلاّمة إبن باديس يدين الحركات التي تمنع تعليم المرأة، وبالمناسبة عندما حدث في الحجاز أنّ المرأة منعت، كتب قصيدة يتحدث فيها عن هذا المنع الأثيم، وعن هذا السلوك غير القويم، وقد سمّاه الفقه المنكوس، "أنظر هداك الله"، كان يقول أنظر هداك الله، كيف تتحقق أية حركة للأمم إذا شلّ نصفها الخدر، أصبحت نصف النساء في المنازل معزولات، لا تتحرّك في عمق المجتمع ولا في حركة الحياة.

فكانت المرأة كذلك أحد البرامج الأساسية في فقه الإصلاح عند العلاّمة إبن باديس، والمحور الآخر الذي اهتم به العلامة إبن باديس هو مواجهة منظومة فكر الدجل الذي كان يسميه العلاّمة أعراس الشيطان، أعراس الزردة والهردة كما سمّاها في بعض مقالاته أو كما سمّاهم علماء الدرهمية وعلماء الكسكسية، علماء البطون الذين كانوا أحد الأذرع التي تساهم في تخدير الشعب باسم الدين. وهذه أهم عوامل الإصلاح التي قام بها العلاّمة إبن باديس، فكان يواجه في الحقيقة مشروعاً متعاوناً مع الاستعمار، وهو مشروع تخدير وتنويم الشعب باسم الدين.

ولذلك كانت حركته تنطلق من هذه الأعمدة الكبرى، التعليم والإعلام، ومساهمة المرأة ومواجهة المنظومة، منظومة الفقه المنكوس، هذا الفقه الآثم الذي هو أحد أسباب الحال المتردية التي كان عليها الشعب الجزائري. فكان هذا البرنامج هو في الحقيقة أحد المحاور الكبرى للإصلاح، وكان يعتقد العلاّمة الإبراهيمي، وسجّل هذا في مقال تحت إسم لا يمكننا أن نحقّق الإصلاح الديني إلا بالإصلاح الاجتماعي، إصلاح الأوضاع الاجتماعية، ولذلك خصّصت جريدة البصائر فصولاً كثيرة لمواجهة الجريمة ومواجهة بيوت الخمر وبيوت الفساد، لأنّ فرنسا بالإضافة إلى مسخ الشخصية الجزائرية، كانت تستهدف كذلك نشر الفواحش والمنكرات حتى تنهار كل مقوّمات الأسرة الجزائرية ومقوّمات تماسك المجتمع الجزائري، فقد تصدّى العلاّمة إبن باديس لكل هذا المشروع بكلّ تفاصيله بالفهم المتجدّد للدين وبالفهم المتفتّح على علوم العصر وبالفهم الواعي كذلك لمنظومة الاستعمار وترابيتها وكيف تتحرّك في هذا المجتمع المُنهَك بالفقر والمُنهَك بالأمّية والجهل، والذي أحد الأدوات مع الأسف التي كانت تستعملها فرنسا هي العلماء والمشايخ، وقد خصّص لهم العلامة إبن البشير الإبراهيمي فصولاً طويلة لإدانة منهجهم، وكشف زيفهم وباطلهم، وأنهم في الحقيقة ينطلقون من سوء فهم القرآن الكريم ومن سوء تدبير، وهم الذين كانوا السبب في الفقه الجبري الذي انتشر في الجزائر، آكل القوت وأنتظر الموت، فحارب هذه العقلية، العقلية الجبرية التي تدعو إلى الاستسلام للقدر وتدعو الجزائرين إلى أن يأكلوا القوت وأن ينتظروا الموت، فكانت هذه أهم ركائز الإصلاح عند العلاّمة البشير الإبراهيمي في إطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

يحيى أبو زكريا: دكتور الأخضر، طبعاً ربما لا يسعنا في حلقة واحدة أن نسلّط الضوء على شخصيّةٍ عملاقة من الجزائر، والجزائر واقعاً أرض ولاّدة، معطاءة للرجال، هي أرض الرجال، مجرّد أن نعمل النظر في أعلام الجزائر لنويهض أو علماء بيجايا أو علماء الزوايا والمدارس الدينية الأصيلة في الجزائر، والله العظيم نكتشف عجباً، وأنا أدعو هنا الإعلام الجزائري، على وجه التحديد التلفزيون الجزائري، أن يخصّص حلقات وثائقية لعلماء الجزائر، فهؤلاء أولى من حفلات الراي وأغاني الراي، وبالمناسبة هؤلاء الرجال يصلحون أن يكونوا مدماكاً لتقويم الإعوجاج في خط طنجة جاكرتا وليس في الجزائر فقط.

دكتور علي العشي، طبعاً من الذين كتبوا قليلاً عن الشيخ الإبراهيمي، نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الذي كان وزير خارجية الجزائر، وزير التربية والتعليم، في كتابه "مذكرات جزائري"، معي الجزء الأول، الجزء الثاني في مكتبتي، يتحدّث في الفصل الأول عن نشاط أبيه الحثيث الذي لم يكُ يهدأ، يبدأ التدريس من بعد صلاة الصبح ويوصل الليل بالنهار في التدريس، في التكوين، في التأليف، كان البشير الإبراهيمي صحافياً أيضاً، يكتب مقالات في كثير من مجلات أو وسائل إعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

أيضاً الدكتور أشرت إليه أبو القاسم سعد الله الذي بذل مجهوداً كبيراً في الحفاظ على التراث الجزائريّ في كتابه الحركة الوطنية الجزائرية من سنة 1860 إلى 1900 يؤرّخ أيضاً إلى إرهاصات الإصلاح الجزائري.

في نظرك، هل نجح الشيخ البشير الإبرايهمي في التمكين للمشروع الثقافي الجزائري؟ وقبيل ذلك حتى أربط فكرك بفكر الدكتور الأخضر، الدكتور الأخضر قال أن فرنسا جاءت بمشروع ثقافي، لماذا دائماً الاستعمار سواء الإنغلو ساكسوني الإنكليزي أو الفرنسي يأتون بمشاريع ثقافية قوامها دكدكة الهوية الوطنية، نشر الإباحية والجنس والفساد والتخدير والتمكين لعلماء التيوس والنكوس كما سمّاهم الإبراهيمي؟

هل استطاع الإبراهيمي أن يواجه هذا المشروع الثقافي؟

علي العشي: شكراً دكتور يحيى وشكراً لضيفك الدكتور الأخضر. والحقيقة، استكمالاً لما بدأه، أقول أنّ واحدة من القضايا المركزية والمهمة في فكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنه كان واعياً تمام الوعي بتشخيص الواقع، تشخيص حال الجزائر، بل حال الأمّة.

أنظر سيّدي العزيز في الجزء الخامس صفحة 553، من آثاره، آثار الشيخ الإبراهيمي، أنظر هذه العبارة الجميلة، يقول "أمّة كاملة كانت نهباً مقسّماً بين استعمارين، متعاونين على إبادتها، مادي متسلّط على الأبدان وروحاني متسلّط على العقول"، فيقول صحّحت حركة الإصلاح الديني عقولها، فصحّ تفكيرها واتزن تقديرها واستقام اتجاهها للحياة، وأن تحرير العقول من الأوهام سبيل ممهّد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد.

الرجل كان واعياً تمام الوعي باللحظة وفقه اللحظة وواجب الوقت، ولهذا تداعى مع عدد من رموز النهضة في العصر الحديث في الجزائر، في الحقيقة، الشيخ الإبراهيمي، والشيخ عبد الحميد إبن باديس، الذي لديه عبارة جميلة، يقول عن اللغة العربية التي يعتبرها المدخل الحقيقي لكل إصلاح، قال إن اللغة العربية في عقيدتنا حرّة ليس لها ذرة. هذا كلام نفيس في ذلك الزمان يقوله الشيخ إبن باديس، لمّا نلمح هؤلاء الأعلام وتلميذه الشيخ محمّد مبارك الميلي الذي ممّا قرأته في سيرته، وأنا أقول هذا باعتزاز لأني إبن الزيتونة وأستاذ في الزيتونة، كان يفتخر الشيخ محمّد مبارك الميلي أنه يشترك مع أستاذه إبن باديس في التتلمذ على شيخين من شيوخ الزيتونة، الشيخ محمّد النخلي والشيخ محمّد الطاهر بن عاشور، فيفتخر أنه يشترك مع أستاذه بن باديس في التتلمذ على هذين العلمين.

أقول اللحظة كانت فارقة، ولهذا كانت عبارة إبن باديس لزميله ونائبه في جمعية العلماء المسلمين، وهو الشيخ الإبراهيمي، في لحظة ما قال إبن باديس للشيخ الإبراهيمي أن خروجي وخروجك من الجزائر يكتبه الله فراراً، ولهذا بدأوا وتعاونوا منذ لحظة قرارهم بتأسيس هذه الجمعية المباركة، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وانظر إلى الشيخ الإبراهيمي كيف يقول عن هذه الجمعية، يقول إنّ المهمة التي تقوم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأدائها هي السير بهذه الأمّة إلى الحياة، ليس السير إلى الموت، السير إلى الحياة، يتلو قول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ"، قال السير بهذه الأمّة إلى الحياة ولكن عن طريق ماذا؟ عن طريق العلم والدين، يقول هي أقوم الطرق وأمثلها وأوفقها لمزاج الأمّة، ويقول أشهد الله، الشيخ الإبراهيمي، على أن تلك الليالي من عام 1913 هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين والتي لم تبرز للوجود إلا عام 1931. كان إذاً تقييمه من خلال التشخيص للحظة الفارقة تستدعي أنّ العمل لا يمكن أن يؤتي أكله بشكلٍ فرديّ، فتداعوا لعمل جماعي ينبغي أن يثمر وأثمر، أثمر في الجزائر فكراً تجديدياً وتحريراً وتركيزاً على اللغة العربية وتركيزاً على الجهد والعمل.

أنت أستاذنا ذكرت قبل قليل نجله الدكتور محمّد طالب الإبراهيمي كيف يتحدّث عن يوميّات أبيه، كيف أعماله في اليوم، وهذا ليس غريباً، أنظر إلى هذه العبارة يقول أن التقصير في الواجب يُعَدّ جريمة من جميع الناس، ويضيف، ولكن في حقنا، في حق العلماء، يُضاعَف مرّتين، فيُعَدّ جريمتين، لأن المقصّر في غيرنا يقول لا يعدي مجادلاً أو عاذراً، ربما يعذره فقد يغطي تقصيره عمل قومه أو حكومته، أما نحن فحالنا حال اليتيم الضائع الجائع إذا لم يسعَ بنفسه مات وإذا قصّرنا في العمل لأنفسنا ولمّا ينفع أمّتنا ويرفعها فمن ذا يعمل لها.

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، نحن في الجزائر، في المغرب العربي الكبير، في العالم العربي والإسلامي، في خط طنجة جاكرتا مدينون لعلماء الجزائر الذين حافظوا على لساننا، على ثقافتنا، على هويتنا، وانظر فضل العلم عندما يكون لله، ما أكبر وما أعظم وما أجلّ العلم عندما يكون لله تعالى.

الإبراهيمي تعرّض لاعتقالات شتّى من قبل الاستعمار الفرنسي، ونُفِي إلى مدينة الأغواط، واعتُقِل أيضاً بعد أحداث سطيف وقالمة وخراطة، وظلّ يناصر الشعب الجزائري في جهاده حتى إذا اندلعت ثورة التحرير المقدّسة والمباركة في تشرين الثاني نوفمبر 1954، أطلق النداء بدعمها، وقال "أيها المسلمون الجزائريون السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حيّاكم الله وأحياكم وأحيا بكم الجزائر وجعل منكم نوراً يمشي من بين يديها ومن خلفها، هذا هو الصوت الذي يُسمِع الأذان الصمّ، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة، وهذه اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، و، و، و، حيّا جهاد الشعب الجزائري".

ومن هنا دكتور الأخضر، فقيه المقاومة الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي ما هو الدور الذي اضطلع به في تأجيج الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي؟

الأخضر رابحي: الشيخ العلاّمة البشير الإبراهيمي في عام 1948 كتب مقالاً يقول فيه الإسلام جهاد واجتهاد، وكان يحضّر للخطوات الأولى أنّ هذه الأمّة تتحرّر عندما تتحرّر العقول، وعندما تعود لهذه الأمّة عزّتها ويتحدّد الانتماء وتصبح هذه الأمّة فخورة بميراثها الحضاريّ، وكان يردّد ويقول ضد أولئك العلماء الذين أرادوا تكريس الانبطاح وتكريس موت الجزائر، يقول لهم يا ويحكم، يا ويحكم أتريدون من كلمة الإصلاح أن يقول المسلم لا إله إلا الله، ويصلّي ويحجّ، ثم يكن ما يشاء نهبة للناهب، أو غنيمةً للغاصب أو مركباً ذلولاً للراكب. هذه الكلمة قالها قبل انطلاق الثورة المباركة، كان التحضير الفعلي هو تحضير هذه الأنفس لتقوم برسالة الجهاد وتحرير البلد، لم يتوانَ العلاّمة إبن باديس عندما كتب مقالاً في أيام انطلاق الثورة المباركة، مقال تحت عنوان إنّ تأييد الاستعمار الفرنسي ردّة وكفر، وكتب مقالاً قبل انطلاق الثورة أن الجزائر وطن مستقل بذاته، عريق في انتمائه، فخور في دينه.

ولذلك كان العلاّمة ابن باديس عندما انطلقت الثورة وقد كتب أحد العقداء، عقداء الاستعمار الفرنسي رسالة قد أخرجناها في كتاب، يسمّى كاري، العقيد كاري يتحدّث عن الترتيبات التي قام بها العلاّمة إبن باديس في مصر من تحضير الضباط الجزائريين للانخراط في الثورة، هو ومحمّد خضر، وقد شاركا في توجيههم وتدريبهم وإعدادهم روحياً وتربوياً، والرسالة مطبوعة ومتوفرة وقد كان مُتابَعاً منذ سنة 1952 من أجهزة الاستخبارات الفرنسية ترصد هذا التحرّك الكثيف والحثيث للعلاّمة وهو يستقبل وفود الطلبة ويستقبل الجزائريين في مصر، ويتحرّك بهم في بعض الدورات التدريبية، وكان منهم العقيد الهواري بومدين كما تشهد بذلك الوثيقة التي طبعناها في كتاب جمعية العلماء، الرسالة التي ألفها العقيد كاري وترجمت إلى العربية.

فجهود العلامة البشير الإبراهيمي في تأجيج الثورة ودفع الأمّة إلى مساندة الثورة، ودفع الأمّة كذلك إلى مباركة هذه الثورة والتحرّك في كل الجبهات، للدعم المادي والدعم الأدبي والدعم الروحي، أمور لا تنكر بل كانت معروفة ومسرودة في كل رسائله، وفي كل كتبه، بل وفي الوثائق الجديدة التي ظهرت من أرشيف الاستعمار الفرنسيّ، كيف كان يتحرّك هذا الرجل بقوّة، متعاوناً مع الحركة الوطنية، متعاوناً مع كل السلطات العربية وما يتاح له من أية علاقة يوظّفها ويستخدمها لصالح إمداد الثورة بالقوّة وبالمال وبالعتاد وبكلّ ما يمتلك من قوّة. هذه أصبحت أموراً مسلّمة ومعروفة عن جهود العلاّمة البشير الإبراهيمي موصولة بجهود الإصلاح.

يحيى أبو زكريا: دكتور الأخضر، فقط إحقاقاً للحق، أنظر ماذا قال الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه "الحركة الوطنية"، لقد عبث الفرنسيون بالأسماء الجزائرية بطريقة تثير الأسف والتقزّز، فقد أجبر القانون المذكور ربّ العائلة على اختيار لقب العائلة، ويطلق عليها أيضاً النقلة والكنية وشعبياً النكوة، فإذا لم يفعل فإن الموظف الفرنسي هو الذي يسمّي الجزائري، حتى يدكدك الأسماء الأصيلة الحضارية والعربية.

لكن ما دمنا نروي تاريخاً للناس دكتور الأخضر، لماذا وُضِع الشيخ البشير الإبراهيمي تحت الإقامة الجبرية سنة 1965 أو قبلها من قبل الرئيس الجزائري أحمد بن بلة، وكلاهما صارا في عهدة الله تعالى وفي رحمة الله؟ رحم الله بن بلة ورحم الله الإبراهيمي، لكن حتى نروي تاريخاً للناس، هل يعقل أن أمّة تعاقب محرّريها، أمّة تعاقب مفكّريها؟ لماذا وضِع تحت الإقامة الجبرية بعد استقلال الجزائر؟

الأخضر رابحي: بعد استقلال الجزائر كان العلاّمة البشير الإبراهيمي هو أول من ألقى خطبة الجمعة في مسجد كيتشاوى، الخطبة التي رسم فيها في الحقيقة خطوط وملامح الدولة الجزائرية، وكان يأمل أو هو كان هكذا يعتقد، أن الثورة المباركة هيّأت أرضية مباركة لإقامة دولة في إطار مبادئ الإسلام كما جاء في البيان الأول له، لكنه لاحظ التوجّه نحو الخط الاشتراكي، وذلك التوجّه الذي بدأت تظهر كثير من الشعارات إلى البرامج إلى التربية إلى الإعلام، فاضطر أن يقوم بواجب النصح، وكتب بيان 16 نيسان أبريل 1965، ويندّد بهذه التوجّهات ويُدين هذا الخط الذي يعتبره منكوساً عن خط ثورة نوفمبر المباركة ويعتبر خروجاً عن بيان الأول من نوفمبر وخروجاً عن عهد الشهداء لأن هذا الشعب لا يعيش إلا بالإسلام ولا يحيا إلا بالإسلام ولا يحيا إلا متوافقاً مع تاريخه وهويته، وما بذل هذه الجهود الجبارة وهذه التضحيات الجسام، مليون ونصف أو أكثر إذا أحصينا عدد الشهداء من 1830، أكثر من سبعة ملايين جزائري ذهبوا فداء لهذا الوطن، تضحيات جسام، كان يتطلب أن هذا الشعب يُحترَم في هويته ويُحترَم في دينه ويُحترَم في توجّهاته ولا تبنى ثورته إلا على هذه الأسس.

يحيى أبو زكريا: دكتور الأخضر، إذاً ظل الشيخ الإبراهيمي وفياً لمبادئه حتى بعد استقلال الجزائر.

دكتور علي، نحن أمام نموذجين من العلماء، علماء قاوموا الاستعمار وقدّموا أرواحهم، وعلماء استقدموا الاستعمار وقدّموا فتاويهم الرخيصة، بين علماء قالوا الغرب، الاستعمار، الاستكبار بدعة بل شر بل نجاسة، وعلماء قالوا لو كان محمّد موجوداً لوضع يده في يد الناتو الذي أباد خط طنجة جاكرتا.

كيف انحرفت المسيرة العلمائية من النهضة الحقة إلى الانبطاح الشرير للأسف الشديد؟

علي العشي: والله أحسن من يجيب عن هذا التساؤل المهم هو الشيخ الإبراهيمي نفسه، هذا الرجل الذي هو، واستكمالاً لما بدأه الدكتور الأخضر، حتى تعيينه رئيساً للجمعية بعد أن كان نائباً للشيخ عبد الحميد بن باديس، تم وهو في المنفى، احتراماً لمقامه لم يتم تجاوز هذا الرجل، واختير رئيساً للجمعية وهو في المنفى، ثم بعد أن أطلق سراحه عام 1943 أعيد إلى السجن عام 45 ومكث تحت الأرض سنة كاملة ذاق فيها الأمرّين، يقول هذا الرجل عاش ما بين السجون وما بين طلب العِلم، عاش على المبادئ ومات على المبدأ ولهذا بقيت سيرته.

أنا أقول لعلّه ليس وحده الشيخ الإبراهيمي، وسأجيبك بمقولة الشيخ الإبراهيمي على سؤالك بعد قليل، بعد أن أشير إلى أن تلك المرحلة وبجهود هؤلاء الأعلام، هؤلاء الرجال، إبن باديس والإبراهيمي والعتبي واليلي وغيرهم من أعلام الجزائر، الحقيقة نجد هذا أو نلمحه في قصيدة حرصت على أن آتي بها في هذا البرنامج، سآتي منها على الأقل بأربعة أبيات من ديوان اللهب المقدّس، صفحة 225، يتحدّث عن قسنطينة التي كانت تسمّى سيرفا بالتسمية القديمة، وكيف كانت بين أحشائها العِلم وبين أحشائها وتحمل قامات علمية كبيرة، ويقول "انزل بدارات سيرتا مطرقاً أدبا فبين أضلعها آباؤنا الصيد وامش الهوينة ففي أحشائها أمم وفي جوانحها أسد معاميد وادي الهوى بالهوى نشوان خاصرها، فخاصرته كأن الأمر مقصود وكم ترقرق علم في مدارسها وكم تدفّق من أبوابها الجدد".

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، ذكّرتني برحلة لي إلى تلمسان، لمّا زرت زواياها، والشيخ بومدين الغيط رضوان الله عليه، قلت قد شربت في مقاهيك شاياً نعم الشاي ونعماك تلمسان.

دكتور علي وقتي انتهى، إن شاء الله في حلقات مقبلة سوف نستحضر عظماء تونس وعظماء ليبيا وعظماء المغرب وعظماء موريتانيا وعظماء العالم العربي والإسلامي، الذين يُراد تغييبهم وحجبهم واستئصالهم، يُراد التشكيك في ثقافتنا، في هويتنا، في لغتنا الرقراقة، ويقال لنا تفضلوا الغناء الغربي والرقص الغربي والعري الغربي والانبطاح الغربيّ، حتى نستقبل الاستكبار في دورنا.

الدكتور علي العشي الباحث والأستاذ الجامعي ورئيس قسم أصول الدين في جامعة الزيتونة المباركة، شكراً جزيلاً لك كنت معنا من تونس الحبيبة.

الدكتور الأخضر رابحي الدكتور في الشريعة الإسلامية والتراث في الجامعة الجزائرية المباركة شكراً جزيلاً لك، كنت معنا من الجزائر الحبيبة.

وما الإبراهيمي إلا عنوان من عناوين شتّى في الجزائر، الجزائر التي قدّمت للعالم العربي والإسلامي علماء حقيقة ما أحوجنا إلى إعادة قراءتهم.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

أ ل م : برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف. قناة الميادين.

آخر التغريدات: