من أعلام منطقة طولقة: حليمة السعدية بنت مصطفى بن عزوز (1270- 1335هـ/ 1854-1918م)

بقلم: مواقي عبد الحق-

تعد منطقة طولقة والزيبان ككل حلقة بارزة وقوية في تاريخ الجزائر، حيث تعاقبت عليها العديد من الحضارات على امتداد تاريخها الموغل في القدم، ورافدا من أهم الروافد التي ساهمت بفاعلية في صناعة تاريخ الجزائر، ومجدها الحضاري عبر العصور، وقد أرسى دعائم هذا الامتداد العريق ثلة من رجالاتها، وعظمائها، ومثقفيها، الذين نبغوا فيها، منهم من ذاع صيته في الجزائر، وثلة منهم أناروا بعطائهم الإنسانية جمعاء؛ ولعل ما يميز منطقة طولقة وفرة الأعلام البشرية النابهة فيها بالنظر إلى عراقة المنطقة وامتدادها في التاريخ منذ بداية الإنسان الأول على الأرض، واستمرار تلك الحضارات إلى اليوم، إلا أن المنطقة لم تلق الاهتمام اللازم من لدن الباحثين والمؤرخين.

ولعل من بين الأعلام الذين سطرت بفكرها وفقهها وعلمها تاريخ منطقة طولقة محمد الخضر بن حسين (1293هـ- 1378هـ/1873م- 1958م) الذي تبوأ مقعد مشيخة الأزهر بكل جدارة واستحقاق، والإمام العلامة المحقق الفهامة المقرئ الفلكي الفرضي، الصوفي محمد المكي بن عزوز (1270هـ-1334هـ/1854م- 1916م)؛ ومن المعاصرين العالم والمصلح والمدرس الشيخ محمد خير الدين (1902-1993م/1319هـ-1413هـ)، والشاعر والمصلح الشيخ أحمد سحنون(1907م- 2003م)، دون أن ننسى الشيخ علي مغربي الفقيه المصلح، العالم والإمام الخطيب. ومن الأحياء الشيخ العلامة الفقية المربي العالم المفتي المدرس المؤلف المفسر المناضل شيخ زاوية سيدي على بن عمر العامرة، والقلعة العلمية الشامخة.

كما أضاءت سماء المنطقة والعالم أسماء أخرى لم تزل مغمورة، وقليل أولئك الذين تطرقوا لها، منهم السيدة الفاضلة حليمة السعدية بنت مصطفى بن عزوز، الفقيهة وعالمة دين(1)، ومن الشهيرات بالعلم والتقى والصلاح(2) أصلها من بلدة برج بن عزوز (طولقة)، ولدت في نفطة التونسية في بيت علم ودين ونسب وصلاح وتقوى(3)، وهي رابطة النسب بين عائلة الشيخ الخضر بن حسين وعائلة بن عزوز(4).

نشأت السيدة حليمة السعدية في حجر والدها المربي الكبير والمعلم العظيم الشيخ مصطفى بن عزوز، وتعلمت القرآن وعلومه على يديه.

السيدة حليمة السعدية هي والدة الإمام حسين الخضر، وكانت أول من لقن أولادها العلوم الدينية واللغوية، فأخذوا عنها كتاب الكفراوي في النحو، وكتاب الصفطي في الفقه المالكي(5) وكانت ترفع وليدها الإمام حسين الخضر بين يديها في سنيه الأولى، وتداعبه وهي تنشد: إن شاء الله يا أخضر تكبر وتروح الأزهر". توفيت السيدة حليمة بدمشق وبها دفنت، ورثاها نجلها الشيخ الإمام محمد الخضر بقصيدة بديوانه "خواطر الحياة"(6) قائلا:

قطب الدهر فأبديت ابتساما * وانتضى الخطب فما قلت سلاما

لست أدري أن في كفيك يا * دهر رزءا يملأ العين ظلامــا

لست أدري أنك القاذف في * مهجتي نارا ومذكيها ضرامـا

فإذا العين ترى من كثـب * كيف تلقى نفسي الأخرى حماما

كيف تخفيها أكف في الثرى * كيف تحثو الترب فوقها ركاما

أودعوها قعر لحد ضربـوا * فوقه من لازب الطين ختامـا

يا سقاة الترب ماءها كــم * عبراتي أن في الجفن جمامـا

أفلا يبكي الفتى نازحـــة * سهرت من أجله الليل ونامـا

وانثنت ترشفه مــن أدب * مذلها عن لبن الثدي فطامــا

"بنت عزوز" لقد لقنتنـــا * خشية الله وأن نرعى الذمام

 
الهوامش:

(1) هذه النبذة بعث لي بها مشكورا الأستاذ الفاضل علي الرضا الحسيني بن زين العابدين.

(2)محمد الخضر حسين: ديوان خواطر الحياة، دار النوادر، 2010م، ص200.

(3) مفتاح عبد الباقي: أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية، دار الكتب العلمية،2009م .

(4) حسين بن عزوز: زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز وأشهر أعلامها، دار الكتب العلمية، ص83.

(5)محمد الخضر حسين: دراسات في اللغة.

(6)محمد الخضر حسين: ديوان خواطر الحياة، دار النوادر، 2010م، ص200.

آخر التغريدات: