معاملة ابن باديس للطرق الصوفية

بقلم: عماد بن عبد السلام-

الكل يعرف موقف ابن باديس من الصوفية وموقف سائر علماء الجمعية منها، وأنهم ضدها وضد خرافاتها وفهمها الفاسد للدين وأنه (لا صوفية في الإسلام) وقد تكلم وصرّح بهذا ابن باديس في غير ما موضع وصرحت بذلك حتى تقارير المخابرات الفرنسية يومها. يقول ابن باديس: ((لا يكون الإصلاح إلا بالانتقاد، فلذلك وجدنا أنفسنا مضطرين إليه وقد كانت منا انتقادات سياسية واجتماعية وأدبية ودينية وكانت وجهتنا الأولى في النقد الديني هي الاعتقادات ولقد كان همنا الأول تطهير عقيدة التوحيد من أوضار الشرك القولي والفعلي والإعتقادي فإن التوحيد هو أساس السلوك ولذلك ابتدئ "بإياك نعبد" قبل "اهدنا" في فاتحة القرآن العظيم هنا اصطدمنا بزعماء الطرق وشيوخ الزوايا الاصطدام المعروف لأنه إذا خلص التوحيد وتوجه الناس إلى ربهم الذي خلقهم وتركوهم واعتقدوا فيهم أنهم مخلوقون مثلهم لا يضرون ولا ينفعون إلى غير ذلك مما ينتجه التوحيد الصحيح من تحرير العقول والأرواح والقلوب والأبدان)). الآثار5/170

ثم يضيف ابن باديس موضحا ومبينا أن هدف هذا الانتقاد ليس باعثه الحقد أو الانتصار للنفس بقوله: ((إننا نصرح أمام الله والناس أن هؤلاء القوم إخواننا في الدين والوطن نحب لهم ما نحب لأنفسنا ونكره لهم ما نكره لها، ولهم عندنا من الحق والحرمة ما للأخ عند أخيه، وإننا –مع هذا- لا نقرهم على جميع ما هم عليه، وإننا إذا قلنا كلمة الحق فإننا نقولها على وجه النصح الذي فرضه الله على المسلمين غير رازين عليهم في شخصيتهم ولا قادحين في شأن من شؤونهم الخاصة بهم، والحكم فوق الجميع هو كتاب الله وسنة رسوله وعمل سلف الأمة الصالحين)) آثاره 5/170

لكن أود في كلمتي هذه أن أبين أن لابن باديس تعامل آخر مع الطرق الصوفية، هذا التعامل يجهله الكثير اليوم إلا القليل. فمنهم من جعل ابن باديس مقاطعا لكل ما هو طرقي والصنف الآخر جعله رغم النقد اللاذع متسامح معهم بدليل أنه في زيارته لجهات القطر الجزائري يزورهم ويجلس إليهم، وجلس وحتى مع كبير خصومه الشيخ أحمد بن عليوة المستغانمي صاحب الزاوية العليوية. وهذه مغالطة لأنه كان يجالسهم للمناصحة أو التعاون في إطار القضية العامة وهي الجزائر وطننا، والإسلام ديننا، والعربية وطننا.

فابن باديس –رحمه الله- إن صح تعبيري ووجهتُ نظري له طريقتين أو رؤيتين في التعامل مع الطرق الصوفية وهما:

= رؤية دينية : من خلالها يدعوا الى تصحيح العقائد والرد على أهل البدع؛

= ورؤية سياسية تسمح له التعامل مع كل المخالفين من الطرق الصوفية وأهل البدع من أجل القضية العامة. وهذا التعامل السياسي لم يكبحه يوما من مواصلة نقدها وتبين زلاتها وضلالها في العقيدة والسلوك..

فابن باديس لا يجعل الطرقيين المؤيدين والموالين للمستدمر الفرنسي كالطرقين الغير مؤيدين والغير موالين للمستدمر الفرنسي، ولا يجعلهم في نفس المستوى، حيث أنه يمد يده للتعاون مع الطرق الصوفية من أجل القضية الجزائرية العامة، والمتمثلة في الحفاظ على هوية الجزائر وشخصيتها العربية الإسلامية ولا يتسامح ويقاطع ويهجر وينفر من كل من يتعاون ويوالي فرنسا. وهذا عين السياسة الشرعية لحماية بيضة الإسلام.

وقد بين هذا بجلاء في رده على سؤال جريدة السردوك الفكاهية الأسبوعية التونسية العدد 25 الصادر يوم 29 ربيع الأنوار 1356هـ الموافق لـ: 08 جويلية 1937م لمّا طرحت عليه السؤال التالي: ما هو موقف جمعية العلماء بالجزائر نحو الطرق والزوايا ؟

فكان جوابه بـ: تأسست جمعية العلماء وغرضها تصحيح العقائد وتهذيب الأخلاق، وتقويم الأعمال، ومعلوم أنه لا يتم الغرض الأول إلا بارتكاز العقائد على المبادئ الإسلامية، ولا يكون تهذيب الأخلاق إلا بالرجوع الى الأخلاق المحمدية. ولا تستقيم الأعمال إلا بارتكازه على الأصول الشرعية. وقد صادمت الطرق والزوايا الجمعية لأن هذه المبادئ لا تتفق مع خرافاتها البعيدة عن جوهر الدين الإسلامي الحنيف. لكن الجمعية صمدت للمقاومة وبثت التعليم والإرشاد الى أن تفتحت عيون الأمة وأصبح الاتجاه لينبوع الدين الصحيح من أبسط مدارك الشعب الجزائري. على أن الطرق لم تكن مضرتها مقصورة على الجمعية وحدها بل هي خطر على الأمة جمعاء. لأن الطرق في يد الإدارة تضعها لعرقلة مطالب ورغائب ومشاريع الأمة، وفي هذه الظروف التي تؤكد إتحاد طبقات الأمة بأجمعها للعمل لفائدة القضية العامة، يمكن لجمعية العلماء أن تتحد مع الزوايا للعمل لفائدة الأمة، وأكبر دليل على رغبتنا في الإتحاد أني في الاجتماع الذي عقده المؤتمر الإسلامي بمستغانم في الصائفة الماضية كان يجلس الى جنبي أحد مشايخ الطرق، وعند انتهائي من الخطابة مددت يدي مصافحا هذا الشيخ رغم أني مصلح وهو طرقي كعنوان على التعاون في القضية العامة بدون النظر الى المشارب والمبادئ لأني رأيته يحضر معنا هذا الاجتماع الذي عقد لخدمة القضية العامة)).

(ابن باديس من خلال الإجازات والوثائق وتقارير المخابرات الفرنسية. عمار طالبي ومالك حداد ص: 295 )

ومما يزيد ويؤكد أنه هذا هو موقف ومنهج ابن باديس الذي توفي عليه هو ما دونه يراعه في كتابة: ((دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصولها)) بعدما بين سماحة دين الإسلام ومصدر التلقي التي هي كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة وفهوم أيمة السلف لهما ثم حذر من البدع والطرقية ختمها بقوله في الأصل 20: (( عند المصلحة العامة من مصالح الأمة، يجب تناسي كل خلاف يفرق الكلمة، ويصدع الوحدة، ويوجد للشر ثغرة، ويتحتم التآزر والتكاتف حتى تنفرج الأزمة، وتزول الشدة بإذن الله، ثم بقول الحق، وإدِّراع الصبر، وسلاح العلم والعمل والحكمة. (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين )). عبد الحميد بن باديس بقسنطينة بالجامع الأخضر إثر صلاة الجمعة 04 ربيع الأول 1356هـ أنظر آثاره 3/127

آخر التغريدات: