الإصلاح في فكر الشيخ محمد السعيد الزّاهري الجزائري (1900- 1956م)

بقلم: أحمد بالعجال -

مقابل الإستراتيجية الاستعمارية، التي حاولت طمس الهوية القومية للجزائريين، رأت النخب الجزائرية الفاعلة أن تستجيب للتحديات التي استهدفت المس بهذه الهوية، وعملت على الحط من قيمة تاريخ البلاد ولغة أهلها ودينهم واستقلالها، اتسم هذا الفعل الاستعماري تارة بالعنف وطورا باستعمال القوانين لأجل إضفاء الشرعية على فعل غير مشروع، قابله الجزائريون بفعل آخر يحاول أن يحفظ للجزائري هويته ويعيد له استقلاله، من هذا المنطلق الذي حدد نظر النخبة الجزائرية، وحدد طبيعة استجابتها للتحدي الوضع الاستعماري وتجاوزه. رأت هذه النخب كذلك أن تعمل على تأكيد هذه الأسس وذلك بإصلاح عقائد المسلمين بالعودة إلى سير "السلف الصالح"، وهو ما عرف في الكاتبات التاريخية المعاصرة بـ "حركة الإصلاح".

وقد ارتبط الإصلاح بالفترة ما بين الحربين العالميتين في الجزائر، وأطلق على هذه الفترة تسمية: "النهضة" أو "الإصلاح الديني"، وهو إصلاح يجد مرجعيته في قوله صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي ».(1) فالإصلاح بهذا المعنى لا يزيد عن كونه محاولة تطبيق الإسلام الصحيح، والعودة بالمسلمين إلى منابعه الصافية،(2) أي إلى إسلام الوحي، إسلام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وهذا هو مطمح التيار الذي أصطلح عليه بالسلفي.

كما كان للتيار الوهابي دور في ظهور الحركة الإصلاحية الجزائرية، فقد تعرف بعض الجزائريين إلى الحركة الوهابية عن طريق الصحافة، وزيارات الحج، وكانت الحجاز قبلة أنظار العلماء والمشايخ، ودار هجرة للجزائريين خلال فترة للاحتلال هربا من البطش والظلم، والحجاز إذاك مهد الدعوة الوهابية الرامية إلى إحياء الإسلام وتنقيته من الشوائب، وقد انعكس ذلك أيضا في تفكير رجال الحركة الإصلاحية الجزائرية، خصوصا أولئك الذين زاروا الحجاز لطلب العلم، من أمثال الطيب العقبي، والشيخ البشير الإبراهيمي،(3) بذلك ارتبطت حركة الإصلاح في الجزائر بدعوة السلفية، أو على الأقل في فصيل هام منها.

لقد انشدت النخبة الجزائرية التقليدية، خصوصا تلك المتخرجة من الجامعات الإسلامية في المغرب والمشرق، كالزيتونة، والقرويين، والأزهر، والحجاز وبلاد الشام... إلى النموذج المشرقي، بالإضافة إلى خصوصية التجربة الجزائرية واتصالها بالفكر والواقع السياسي الأوروبي (الاستعماري) في الجزائر، هذا المزيج، أدى بلا شك إلى ثراء التجربة الإصلاحية الجزائرية، التي كان الشيخ الزّاهري أبرز المساهمين فيها، وهو أحد علماء الإصلاح الجزائريين الذين كانت لهم آراء إصلاحية مميزة خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهذا ما سنتعرف عليه في هذه الورقة.

أولا: التعريف بشخصية محمد السعيد الزّاهري.

ولد محمد السعيد الزّاهري "بليانة" (بولاية بسكرة حاليا)، يوم 21/12/1900. وهو سليل أسرة عريقة. انخرطت في سلك الطرقية، إذ كانت ممثلة لإحدى كبريات الطرق في الجزائر، وهي الطريقة القادرية، فأحد أعمام الزّاهري كان مقدما لهذه الطريقة في " ليانة ".(4) التي كانت تعج بجو علمي وثقافي معتبر، من خلال مدارسها ومساجدها، كمسجد سيدي الوردي بن سيدي محمود بن سيدي عبد الحفيظ الذي شُيد نهاية القرن التاسع عشر، والذي تخرج فيه الكثير من العلماء والمشايخ، وقد كان لهذا المعهد مكتبة غنية بالكتب والمخطوطات المتنوعة والنادرة.(5) في هذا الجو الثقافي والعلمي الذي ساهمت فيه وتأثرت به الأسرة الزّاهرية، نشأ محمد السعيد وفتح عينيه على حياة مشبعة بروح علمية وثقافية، كانت تفتقدها مناطق كثيرة من الجزائر المستعمرة.

وبعد أن حفظ الزّاهري القرآن الكريم في كتاتيب القرية وأخذ مبادئ العلوم، تاقت نفسه إلى الاستزادة والتوسع في طلب العلم، فلم يكن أمامه – في ذلك الوقت – غير مدرسة ابن باديس في قسنطينة فيمم وجهه نحوها. ولا نعلم بالضبط تاريخ التحاق الزّاهري بالتعليم الباديسي، لكن الذي نعرفه هو أنه قد أقام زهاء أربعة عشر شهرا طالبا بالجامع الأخضر ينهل العلوم ومعارف حلقات الدرس الباديسية، التي يقول عنها: « رأيت فيها منه العلم العريض والاطلاع المحيط واللسان العربي المبين فما شعرت إلا وقد دخلت في دور من القراءة جديدة لا عهد لي به من قبل».(6)

وبعد عودته من قسنطينة انتقل الزّاهري رفقة عمه رشيد (مقدم الطريقة القادرية) إلى وادي سوف، وهنالك اتصل بالشيخ الهاشمي زعيم الطريقة المذكورة، حيث أوكل إليه هذا الأخير مهمة تعليم أبنائه مقابل جراية معينة، ونظرا للعلاقة التي كانت تربطه بشيخ هذه الطريقة، فقد عرض عليه هذا الأخير سنة 1917 أن يرافق أبنائه في رحلة طلب العلم إلى تونس حيث جامع الزيتونة الشهير،(7) فكانت هذه فرصة له لينهل من معين هذا الصرح العلمي الذي كان قبلة لطلاب العلم من الجزائريين وحلم كل راغب.

ومهما يكن، فقد عرفت شخصية الزّاهري في الزيتونة أكثر وأهم انقلاباتها الفكرية والثقافية، حيث التقى بأبرز الشخصيات الأدبية والفكرية التي كانت تفد إلى هذه القلعة من الأقاصي، كما انضم إلى حلق الدرس التي كانت تلتف حول أمهات الكتب، فكان الجامع بذلك بمثابة التفاتة للتاريخ والتراث العربيين لأقطار ثلاثة تعاني غزو الدخيل الواحد،(8) ومن هنا أخذ مترجمنا منطلقات فكره الإصلاحي والوحدوي. وفي جويلية سنة 1924 خضع محمد السعيد لامتحان نهاية المرحلة التعليمية في جامع الزيتونة لينال بعدها شهادة التطويع في سائر العلوم برتبة متوسطة، وقد تخرج معه في هذه الدفعة أيضا من الجزائريين كل من مبارك الميلي وعبد السلام بن السلطاني القسنطيني.(9)

كانت هذه الرحلة العلمية إلى الخضراء تونس، والتي تراوحت بين حقول العلم والمعرفة، بحق مرحلة شيقة وأساسية في حياة الزّاهري العلمية، فهناك صقل مواهبه واكتسب شخصية ثقافية، فلا غرابة إذن أن نراه بعد تسع سنوات من تخرجه يصرح بأنه مدين لكلية الزيتونة بتونس قائلا:« فقد تخرجت فيها وأحرزت على شهادتها (شهادة التطويع) وما تراه في الجزائر من حركة العلم والأدب والإصلاح والدين، هي أيضا مدينة لجامع الزيتونة، فكثير من رجال هذه الحركة قد تخرجوا في الزيتونة وأحرزوا على شهادتها العلمية، ومنزلة جامع الزيتونة في قلوبنا، وقلوب الأمة الجزائرية كلها هي منزلة عالية جدا فكلنا نحبه ونرضاه، ونهفوا إليه ونتمنى له الخير وزيادة العمران ».(10)

أ - الزّاهري والحركة الوطنية.

عاد الزّاهري من تونس إلى أرض الوطن سنة 1925، فاستقر بالجزائر العاصمة، وانضم إلى جماعة الإصلاح، فأخذ مكانه بين أعضائها، ومضى على هدي منهجها، ينهض بأعباء الجهاد في السّاحة الوطنية على أكثر من صعيد. وعندما تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، كان الزّاهري من أبرز أعضائها المؤسسين، فقد عينته ليكون ممثلا عنها في الغرب الجزائري كله، حيث كان ينشر في ربوعها الفكرة الإصلاحية. وفي سنة 1933 عهدت إليه الجمعية بتحرير جرائدها: السنة والصراط والشريعة على التوالي.(11)

وبعد أربعة سنوات من العمل الدءوب في إطار هذه الجمعية آثر سنة 1936 أن ينفصل عنها تدريجيا،(12) مفضلا التركيز على النشاط السياسي ضمن هيئات أخرى. مثل الجبهة الشعبية (1936- 1938).وبعد الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد سنة 1946، انضم الزّاهري إلى الجهاز الدعائي لحزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية (MTLD)، كمحرر لجريدة المغرب العربي.(13) وقد استمر الزّاهري يناصر هذا الحزب ويدافع عن مبادئه حتى قيام الثورة التحريرية،(14) فحينها كان ينشر المقالات في مصالي وحركته التي أنشأها بعد انقسام حزبه سنة (1953) باسم "الحركة الوطنية الجزائرية" المصالية (MNA).(15) التي كانت تنشط أثناء الثورة، وهذا الأمر أثار حفيظة قادة الثورة ضده فأمروا بتصفيته في 19/05/1956 بأحد شوارع العاصمة.

جـ- الأعمال والأنشطة التي مارسها الزّاهري.

في المجال الصحفي، عندما تخرج من الزيتونة سنة 1924 عاد إلى الجزائر وواصل نشاطه في الصحف العربية والجزائرية، كما شرع في تأسيس عدة صحف أهمها:صحيفة الجزائر (1925)جريدة سياسية تناصر الاتجاه الوطني الإصلاحي الذي يتزعمه الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر.(16) وصحيفة البرق (1927). ذات الاتجاه الإصلاحي الديني.(17) وصحف: السنة النبوية،(18) والشريعة المحمدية،(19) والصراط السوي(20) (1933) لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،كان يديرها الشيخ ابن باديس، ويرأس تحريرها الزّاهري بمعية الشيخ الطيب العقبي. وفي نفس الوقت كان مساهما في تحرير صحيفة الجحيم (1933)(21) وجريدة الوفاق (1938)،(22) وجريدة المغرب العربي (1947) الناطقة باسم حركة الانتصار للحريات الديمقراطية (MTLD).(23) وصحيفة عصا موسى (1950).(24)

زيادة على هذا كان الزّاهري ينشر مقالات في صحف جزائرية أخرى مثل: الإقدام،(25) الشهاب،(26) والبصائر، والإصلاح،(27) وكانت تترجم له مقالات في الكفاح الاجتماعي (La Lutte Social)، ووهران الجمهورية (Oran Républicain) الناطقتين باللسان الفرنسي...(28) كما ظل يراسل الصحف التونسية، كالوزير والزمان والنهضة... وكان يراسل صحف المشرق المشهورة في ذلك الوقت، مثل:القلم الحديدي، والفتح القاهرية (لمحب الدين الخطيب)، التي كان يكتب فيها شكيب أرسلان، ومصطفى صادق الرافعي... والمقتطف (للدكتور يعقوب صروف)، والرسالة المصرية، التي تعد في وقتها بأنها لسان الأدب المتألق...(29) والكتابة في هذه الصحف تعد شهادة على براعة الزّاهري الأدبية والصحفية.

وفي مجال التربية والتعليم، كانت مساهمات الزّاهري الذي يعتقد أن تعليم الأطفال وإنشاء المدارس والكتاتيب القرآنية أهم هذه الوسائل،(30) مساهمة رائدة، لذلك نجده يراهن على هذه الوسيلة وجدواها، ونلمس ذلك في ممارسته المباشرة لهذا الميدان أو من خلال خطاباته التي تتناول العلم والتعليم، فكان أستاذا في أكثر من مدينة من مدن البلاد، فقد درّس بمدينة (تلمسان ووهران) غربا، وبـ(الجزائر العاصمة) شمالا. وأسس مدرسة الشبيبة القرآنية بالأغواط 1926،(31) التي خلفه عليها زميله مبارك الميلي، ثم رجع إلى بسكرة بعد عراقيل واجهته في أداء مهمته في هذه المدرسة. وهناك في سنة 1927 دعا إلى تأسيس مدرسة للتربية والتعليم، والتي يبدو أنها لم ترى النور إلا سنة 1931.(32) وفي وهران التي استقر فيها منذ سنة 1928 أنشأ جمعية "الإصلاحية" سنة 1934،التي كانت تعمل على تعليم العربية، وبعث العروبة في الأنفس، بين أبناء الجزائريين.(33)

ولكي لا نطيل الكلام في هذا المقام، يمكن أن نقول أن الزّاهري كان معلما أينما حل وارتحل، يقترح وينشئ ويشجع على فتح المدارس العربية، التي كانت مضطهدة في ذلك الوقت، أي عندما كانت المدرسة لا تختلف في شيء " عن قفص الاتهام " في حساب المستعمر، وصفة " المعلم الحر " تؤلب على صاحبها أكثر من عدو، وتضع على كاهله ما لا يطيق.

د- أثار الزّاهري الأدبية:

كان الزّاهري كثير الكتابة؛ وهذا ما تعكسه كتاباته الصحفية، لكنه كان قليل التأليف شأنه شأن غيره من الجزائريين. وأهم ما ترك الزّاهري من مؤلفات مطبوعة كتاب: "الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير" وهو الكتاب الوحيد الذي وصلنا من كتبه، إذ ضمنه مواقفه من التوجهات التي كانت رائجة في عصره، مثل: الفكر التغريبي، والتجديدي، الفرنسة، تحرير المرأة، النهضة، التبشير المسيحي، الإلحاد، الحياة الحديثة...(34) وللزاهري مؤلفات أخرى غير مطبوعة، لعلها قد ضاعت لأسباب نجهلها، ومن هذه المؤلفات:حاضرة تلمسان - بين النخيل والرمال - حديث خرافة - شؤون وشجون. لم يطبع الزّاهري هذه الكتب، بسبب لصعوبة وارتفاع تكاليف الطبع في الجزائر في ذلك الحين.(35)

ثانيا: الإصلاح عند الشيخ الزّاهري.

لقد فهم الزّاهري معنى الإصلاح شموليته وعمومه، أي الدعوة إلى الإصلاح – بمفهومها القرآني الواسع – وعدم الاقتصار على نوع من الإصلاح بعينه دون آخر، فجاءت دعوته إلى الإصلاح تمس جوانب عديدة من الدين والحياة، تدعو إلى نبذ الفاسد من العقائد والعوائد، وإرشاد إلى ما هو صالح ليؤخذ به، وغايته ترقية المجتمع في سلم السعادة الدنيوية والأخروية.(36) لكن، كيف نصلح؟، وبماذا نصلح؟. بمعنى آخر ما هو النموذج الذي نطمئن إليه في مثل هذه الحال. للتحقيق الهدف الإصلاحي كان أقرب خيار أمام العلماء الجزائريين وهو النهل من معين المدرسة السلفية، مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما سار عليه صحابته رضي الله عنهم.

- الزّاهري والفكر السلفي، "جدل حول تحديد المفهوم وضبط البدايات ".

السلفية، دعوة دينية وأسلوب حياة، تعتمد حياةَ المجتمع الإسلامي الأول، والعصرَ الذهبي الذي يتكون من عصر النبي صلى الله عليه و سلم، و عهد الخلفاء الراشدين، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، كما أخذ الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وشاهِد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ».(37) بعبارة أخرى السلفية هي ملاقاة الإسلام الصحيح الخالي من الخرافات والبدع، والمحدثات، وبهذا يتضح أن السلفية عبارة عن ربط الخَلَف بالسلف في العقيدة والمذهب، أي إلى السير في درب الإسلام، والقيام على جادته وصراطه المستقيم، فإذا ما أحس القادة المصلحون، والعلماءُ المخلصون أن المسلمين غيّروا عقائدهم، وخلَطوا عملا صالحا وآخر سيئا، بادروهم بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح، حتى لا يَخرِقوا سياجَ الشريعة، ولا يخرُجوا عن دائرة العقيدة، و هذا ما جعل الدعوة السلفية تظهر في زمن معين، ومن حين لآخر.

إذن، السلفية ما هي إلا دعوة إلى العودة إلى الأخذ بما في كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست شيئا آخر غير هذا، فإذا رأى العلماء، القائمون على هُدًى من الله وتقوى، أن المسلمين زاغوا، عن طريق الإسلام، ونادوا عليهم بالرجوع إلى مكان الدعوة الإسلامية حتى لا يمزقوا إطار الشريعة، ولا يخرجوه عن دائرة الامتثال.(38) بهذا تكون عبارة عن منهج إصلاح ومراقبة، مراقبة العلماء المصلحون للناس والدين والحياة، ومن ثم يمكنهم من رؤية حال الفساد والتدخل لإصلاحه، على هذا الأساس قامت السلفية أخيرا في الجزائر، وكان أبرزُ معتنقيها الشيخ ابن باديس، فقد سلك هذا المسلك، وأرسى العقيدةَ السلفيةَ، وأبطل ما ألصق بالشريعة الإسلامية.(39)

تأسيسا على ما سبق، يكون السلفيون في الجزائر قد استلهموا إن كثيرا أو قليلا أفكارهم الإصلاحية من السلفية المشرقية، هناك حيث منبع الإسلام الأول الصافي النقي، وقد تكون هذه الأفكار قد وصلتهم بطريقة مباشرة عن طريق الدعوات والمراسلات التي كانت يرسل بها وهابيو الحجاز إلى المغاربة، ككتاب ابن سعود إلى تونس والمغرب (وهو ما سنتناوله فيما بعد)، أو عن طريق الرحلات الحجازية (رحلة الحج)، أو قد تكون هذه الدعوة قد تسامع بها الجزائريون بشكل غير مباشر عن طريق سلفية المغرب الأقصى، نظرا للقرب والجوار، وقد ساعد على ذلك مجال الحرية الذي كان متاحا في المغرب الأقصى بالنظر إلى ما هو عليه في الجزائر العثمانية في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي عرقل انتشار هذه الدعوة في تلك الفترة.

وقد ارتبط مفهوم السلفية المشرقية بالحركة الوهابية، وأصبح أتباعها يسمون بالوهابيين، وهو لقب استهجنه الكثير من علماء الجزائر،(40) لأن لفظ وهابي أصبح في - نظر خصوم الإصلاح - يحيل إلى ذلك الشخص المعادي للمذهب المالكي والمتعصب للمذهب الحنبلي، كما ألصقت بهذا المذهب الكثير من قصص الهرطقة والكفر في محاولة لإظهاره بمظهر المذهب الفاسد، (41) فقد كتب الزّاهري في معرض تعليقه على مقال لمحمد الحجوي المغربي، ينفي فيه التبعية لهذا المذهب ويردّ فيه على تكفير أتباعه، فقال: « ونحن ننشر هذا الفصل كردّ على لغط هؤلاء المشاغبين المغرضين [ يقصد أهل الطرق ] الذين لا يزالون يرموننا بأننا وهابية، ويرمون الوهابية بالكفر والمروق من الدين ».(42)

ويردّ الزّاهري على هذا الزعم، بأن تعاليم ابن عبد الوهاب هي من محض السنة، « فقد اشتهر بالتقوى وصدق التدين، عقيدته السنة الخالصة على مذهب السلف المتمسكين بمحض القرآن والسنة، لا يخوض في التأويل والفلسفة، ولا يدخلهما في عقيدته، وفي الفروع مذهبه حنبلي غير جامد...».(43) وانتمائه للمذهب الحنبلي يعني أنه لم يخرج عن مذهب أهل السنة.

ومعنى هذا الكلام أيضا – حسبما يريد الزّاهري قوله – أن الوهابية منهج سني وليس مذهبا كما يدعيه الخصوم، وفي هذا الصدد يرى أنه « لا يوجد أدنى خلاف بين الوهابيين وبين أهل السنة إلا ما هو موجود بين أهل السنة أنفسهم فالوهابيون حنابلة سنيون بأتمِّ معنى الكلمة، وحسبك أنه ليس لهم كتب مذهبية للمذهب الوهابي مثلا، بل كتبهم هي كتب الحنابلة نفسها، وهم حينما نظموا القضاء الإسلامي في الحجاز لم يجعلوا في محاكمه الشرعية قضاة وهابيين ولكنهم نصبوا فيها قضاة حنابلة وشوافع وحنفية ومالكية... ».(44) وهذا ما تثبته مراجع الوهابين المذهبية، فكتبهم في المذهب هي كتب حنبلية، ومؤلفاتهم سائرة على نهجهم، وهي التأليف في الحديث والسنة.

ويرى الزّاهري أن الخلاف بين الوهابيين وبين أتباع المذاهب السنية الأخرى سياسي لا ديني، إذ الأتراك العثمانيين هم الذين نشروا الدعاية الكاذبة ضدّ ابن سعود الأول الذي افتك منهم الحرمين الشريفين بداية القرن التاسع عشر، وهم الذين استنجدوا بأمير مصر محمد علي باشا الذي استطاع أن يحرز انتصارات على ابن سعود وتمكن من طرد الوهابيين من الحرمين. فالأتراك هم من سموا الحنابلة النجديين باسم "الوهابية" وهم الذين نشروا عنهم التهم. (45) من أجل إخضاع تلك الإمارة الوهابية- السعودية الناشئة، لكن ذلك لم يتحقق إلا مرحليا فقط.

أما عن تعاليم ابن عبد الوهاب فهي تعاليم أهل السنة والجماعة، فهو لم يزد أن أمر أتباعه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهاهم عن التعلق بالقبور وعدم نسبة التأثير في الكون للقبور، كما منعهم من التوسل بالمخلوق، وهدم الأضرحة التي هي سبب قيام واستمرار هذه الأفكار الباطلة.(46)

وهذه أمور كلها تشير إلى صحة العقيدة، عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي سنته صلى الله عليه وسلم. لهذا كان الزّاهري يرى في الوهابية دعوة ومنهجا لا مذهبا، وكثيرا ما كان يردّها إلى منبعها الأول قائلا: « والواقع أنّ مُؤسّس هذا المذهب ليس هو ابن تيميّة ولا ابن عبد الوهّاب ولا الإمام أحمد ولا غيرهم من الأئمّة والعلماء، وإنّما مُؤسّسه خاتم النّبيّين سيّدنا محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، على أنّه في الحقيقة ليس مذهبا، بل هو دعوة إلى الرّجوع إلى السّنّة النّبويّة الشّريفة وإلى التّمسّك بالقُرآن الكريم ».(47)

وكون الوهابية دعوة إلى الرجوع إلى السنة الشريفة ومنهجا الإسلام الصحيح، هو ما جعل علماء الجزائر ينهلون من هذا الفكر الإصلاحي المشرقي ويعجبون به، لكنهم لم يرتضوا أن يسموا باسمه، لأنهم كانوا يعتقدون جازمين بأن منبعه الأصلي ليس ابن عبد الوهاب ولا ابن تيمية ولا غيرهما، بل جاء به معلم الخلق صلى الله عليه وسلم، وهو أحق بالاقتداء والإتباع من أي مخلوق آخر.

أما عن مسألة التواصل بين الجزائريين والمنهج السلفي، فيؤكد الزّاهري على أن الاتصال الأول كان عن طريق العلائق مع المغرب – حسب الزّاهري – وفي فترة متقدمة نوعا ما، يمكن تحديدها ببدايات القرن التاسع عشر، وبالضبط عن طريق أتباع الثائر أحمد التجاني (1737- 1814م)، مؤسس الطريقة التجانية، الذي كان لاجئا في المغرب آنذاك.

ورغم أن الكثير من علماء الإسلام يبدعون هذا الطريقة، ويضعون أتباعها في منزلة المبتدعة، ويصفونها بالانحراف الخطر على العقيدة الإسلامية الصحيحة،(48) غير أن الشيخ الزّاهري الذي لا يختلف مع غيره من العلماء في وصف أتباعها بالمبتدعة، إلا أن له موقفا مختلفا عن مؤسسها ونظرة مغايرة عن أصل هذه الطريقة، ويحاول أن يبرهن أن مؤسسها من دعاة السلفية على المذهب الوهابي، فها هو في إحدى مقالاته يتساءل: "هل كان الشيخ التجاني وهابيا؟"،(49) ويحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءته للموقف الرسمي للسلطة المغربية من الوهابية، ثم يتطرق إلى موقف هذا الشيخ منها، باعتباره أحد رعايا تلك السلطة، وباعتبار طريقته هي الطريقة الرسمية للدولة.

وقد كان أول اتصال لهذه السلطة المتمثلة في السلطان سليمان بالوهابية سنة 1811م، وذلك من خلال مبادرة هذا السلطان بتحرير رد على المذهب الوهابي بعد توصله بنسخة كان وجهها ابن سعود ابن عبد العزيز إلى علماء تونس، وقبل أن يحرر سليمان رده هذا حاول أن يخلق مناخا نفسيا في أوساط العلماء يمهد به لإحداث انعطافة في علاقة الدولة المغربية بالوهابية، فقرر استشارة العلماء في فريضة الحج التي انقطعت بسبب ما أشيع عن العنف الوهابي، ولدفع العلماء إلى إبداء موقف إيجابي من المسألة التي عرضها عليهم. فإن السؤال الموجه إليهم "صيغ بكيفية لم تدع مجالا كبيرا لاعتراض العلماء" إذ حرص السلطان في سؤاله أن يؤكد استقرار الأوضاع بالحجاز، وأن ينفي الشائعات التي تروج حول الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها الحجاج من طرف الوهابيين، وقد جاءت فتوى العلماء موافقة لما أراده السلطان، وفتحت بادرة تجاوب العلماء مع دعوة السلطان سليمان أمام إقدامه على إرسال ابنه إلى الحجاز على رأس وفد من العلماء، لتبليغ عبد الله بن سعود بن عبد العزيز رسالة سلطانية في شأن الموقف من الوهابية.(50) وقد اجتهد الزّاهري للحصول على نص هذه الرسالة أو الجواب فلم يظفر بهما، ولكنه حصل على ما ذكر لنا خلاصته(51) فيما يلي:

« في سنة 1226هـ، أرسل المولى سليمان صاحب المغرب الأقصى، نجله المولى إبراهيم بجوابه إلى الأمير عبد الله بن سعود صاحب الحجاز ونجد، وكان في معية المولى إبراهيم كثير من العلماء والأعيان فلما حجوا البيت الحرام وقضوا مناسكهم... اجتمعوا بالأمير ابن سعود، فقابلهم بالحفاوة والبشر ووجدوه كواحد من الناس لا يتميز بزي ولا مركوب ولا ملبوس، وتباحثوا معه فقال لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية، فهل رأيتمونا خالفنا السنة في شيء، فجاء رد الوفد المغربي بالنفي، وتأكيد أن لا تنافي بين ما تدعوا إليه الوهابية وما تقرره الأصول المالكية ».(52) وكان ذلك بعدما دار بين ابن سعود والوفد المغربي الذي يرأسه الفقيه القاضي المغربي أبو إسحاق إبراهيم الزداغي حوارا، عرض الزّاهري أهم محاوره وحصرها فيما يلي:

مسألة الاستواء والجسمية: كان جواب ابن سعود في هذه المسألة بأن اعتقادهم لا يخرج عن فهم السلف الصالح، وأئمة المذاهب، وخلاصة قوله فيها: "بل نقول كما قال الإمام مالك، الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، فهل هذا مخالفة ؟" وكان هذا الردّ مقنعا للوفد المغربي الذي لم يرى فيه خروجا عن السنة.

حياة الأنبياء بعد الموت: سأل الوفد المغربي ابن سعود: "بأنكم تقولون بعدم حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره"، وهذا الأمر الذي نفاه ابن سعود وأنكره، وقال: " إنما نقول أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة فوق حياة الشهداء ".

زيارة القبور: ثمسأل المغاربة ابن سعود عن منع الوهابية الناس عن زيارته صلى الله عليه وسلم وزيارة سائر الأموات؟ وهي ثابتة في الصحاح، فقال الأمير: " معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا، وهل منعناكم من الزيارة؟ " وأجابه بأنهم يمنعون العامة ممن يخلطون العبودية والربوبية، وسبيل الزيارة أن يعتبر بحال الموتى وأن يدعوا ويستغفر لهم، ويسأل الله تعالى المنفرد بالمنع والعطاء بجاه ذلك الميت، إذا كان ممن يليق أن يستشفع به.(53)

وخلاصة قول الزّاهري أن العلماء المغاربة لم يشاهدوا من ابن سعود أدنى شيء يخالف الشريعة، وإنما شاهدوا منه، ومن أتباعه الاستقامة، والقيام بشعائر الإسلام، والنهي عن المنكر الحرام، وتطهير الحرمين الشريفين مما يرتكب فيهما من القذرات والآثام جهارا من غير نكير.(54)

وعند رجوع أعضاء الوفد إلى المغرب الأقصى، وحدثوا المولى سليمان بما شاهدوا في الحجاز من الأمن الشامل والعمل بالقرآن الكريم، والسنة المحمدية، فأثر فيه ذلك أحسن تأثير، حتى أنه ألف كتابا في الرد على متصوفة زمانه، حاثا على التمسك بالسنة وترك البدعة، وشنع فيه بالمبتدعين وتكلم عن زيارة القبور، وعن دعاء غير الله، بما يوافق الوهابيين، ولا يخالفهم، وهذا القول هو ما رآه الشيخ الفقيه الصوفي أبو العباس أحمد التيجاني، حتى أنه نهى أصحابه عن زيارة الأولياء، وهنا ينقل الزّاهري هذا الرأي عن صاحب كتاب الاستقصاء،(55) ومقتضى عبارة الاستقصاء أن الشيخ التيجاني، لم يقل بمنع زيارة الأولياء من تلقاء نفسه، إنما كان في هذه المسألة تابعا للحنابلة (أي وهابيين).(56)

وزعم الزّاهري أنه نقل عن كتب الطريقة التيجانية كذلك، كثيرا من الحوادث والوقائع التي نهى فيها الشيخ أتباعه من زيارة الأولياء، ومع أنهم قد نفوا أن يكون الشيخ قد منعهم من الزيارة أنانية أو استئثارا، فقد جاءوا بتأويلات كثيرة، لكنها لا توافق لا التاريخ ولا المنطق، وزعم زاعم منهم أن الشيخ قد منعهم من زيارة الأولياء خوفا على أتباعه ومريديه من معاصره ومنافسه القوي الشيخ الفقيه الصوفي، أبي عبد الله محمد العربي الدرقاوي، الذي كان يجذب إليه قلوب الذين يستمعون إلى وعظه وإرشاده ويعتقد الزّاهري أن هذا التأويل مجانب للحقيقة لأن:

1- الشيخ التجاني ليس في حاجة إلى أن يمسك عليه أتباعه ومريديه بمثل هذا الأمر، فأحبابه لا يؤثر فيهم الشيخ الدرقاوي ولا غيره، لأن أتباع كل طريقة لا يزورون من عند أنفسهم.

2- هذه المنافسة الشديدة بين الشيخين: التجاني والدرقاوي، وعلى حدتها فهي منافسة دينية، لا تدفع الشيخ التجاني إلى التعلق بالسفاسف وهو الذي عرف منه الناس الهمة التي لا تتعلق إلا بمعالي الأمور.(57)

وقد استغل المولى سليمان هذه المنافسة الدينية، وألبسها لبوس السياسة، حيث وقف بجانب الشيخ التجاني، وأكرم وفادته؛ لأنه كان يرى في الدرقاوية، والطيبية، وغيرها من الطرق، أحزابا سياسية مناهضة تعمل لإسقاط سلطانه وقلب نظام الحكم لأن هذه الطرق كانت تعمل لفائدة فرع "الأدارسة" الذين لازالوا حتى ذلك العهد، يتطلعون إلى عرش المغرب الأقصى، وقد كان نظره صائبا أثبتته الحوادث السياسية ووقائع التآمر كتلك التي قام بها الدرقاوي في فاس، أين ألقي عليه القبض حيث سجن حتى وفاته.(58)

ومن هنا أصبحت التيجانية الطريقة الرسمية للدولة، فتكاثر أتباعها – رغبة ورهبة – فالناس على دين ملوكهم – كما قيل – وقد تبارى في مدح التيجاني وفي إظهار كراماته ومناقبه ومعجزاته، كل أولئك الذين يبتغون عند السلطان التقرب والحظوة، إلا أن التيجاني بعد أن ترك الجزائر مكرها، وبعد أن ترك فيها أشياعه ومريديه، وضاعت آماله هناك، ومطامحه وأمانيه، لم يعد يعنيه أن يجتمع إليه الناس أو أن ينفضوا من حوله، فقد كان لا يبالي بحظوة السلطان، كأنه قد تفطن إلى مقصده وعلم أن وراء الأكمة ما وراءها.(59)

ولهذا فقد نهى الشيخ التيجاني أتباعه عن زيارة الأولياء ونهاهم عن التشيخ قائلا: « إن دعوى المشيخة من سوء الابتداع ».(60) وترك المشيخة فعلا، وأغلق بابه دون أحبابه ومريديه فيما رواه عنه بعض التيجانيين، لأنه لم يريد أن يكون سلاحا في يد السلطان أو معول هدم لبقية الطرق الأخرى، فترك المشيخة وكان من أمره ما كان، إلا أن الزّاهري – نظرا لكل هذه المعطيات – يرى أنه ترك المشيخة ونهى أتباعه عن زيارة الأولياء اقتداء بابن عبد الوهاب، ورجوعا إلى الكتاب والسنة.(61)

فالزّاهري لا يستبعد اتصال التيجاني وتسامعه بحركة ابن سعود الذي أحي السنة وعمل بالقرآن الكريم، وطهر الحرمين الشريفين من الآثام والموبقات، فقد كان الشيخ معاصرا للأمير عبد الله ابن سعود الذي استولى على الحجاز وطرد منه الأتراك العثمانيين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه قد حج إلى بيت الله، ومن هنا لا يستبعد كذلك أن يكون قد التقى بالفكر الوهابي عن طريق لقاءه بالعلماء الحنابلة هناك، وتباحثه معهم في بعض الآراء (كالزيارة والمشيخة، وعلم التصوف...) ولما وجد أن الخير كله في السنة النبوية، ترك المشيخة والتصوف، وتمسك بكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم.(62)

كما يتحدث الزّاهري عن رسول بعث به التيجاني إلى الحجاز في مهمة سرية مجهولة الموضوع، إلا أن هذا الرسول لم يتم مهمته، فقد وافاه أجله في الطريق، وهنا يطلق الزّاهري العنان إلى افتراضاته، ويرجح أن تكون هذه المهمة كتابا أرسله التيجاني إلى الأمير ابن سعود ليتفق معه على نشر الكتاب والسنة والدعوة إليهما في هذه الديار، مستندا في فرضه على نقاط الالتقاء بين الرجلين: فكلاهما كان عدوا للأتراك، فابن سعود قد افتك منهم الحجاز، ودارت بينه وبينهم الدوائر، وكذلك الشيخ التيجاني فقد اضطره الأتراك في الجزائر إلى مغادرة وطنه إلى المغرب الأقصى، فهذا الأمر في رأيه كان كفيلا لخلق تقارب بينهما.(63)

قد يتعجب المرء من هذه البرهنة، ومن إيراد هذه الحوادث وتسلسلها المنطقي، ومن حقه هنا أن يطلق العنان لتساؤلاته، كالسؤال عن المصادر التي استقى منها الزّاهري هذه الآراء، فالمصدر الوحيد الذي أثبته هو كتاب الاستقصاء للناصري؟ كما أنه لم يذكر عناوين وأصحاب الكتب التي أشار إليها بأنها تيجانية؟... وعن نسبة توافق هذه الأفكار وتماثلها مع واقع هذه الطريقة، فهل هذا الواقع هو انحراف تاريخي في مسارها؟

ورغم أن الزّاهري يرى هذه الأفكار صالحة لتعليل منع التيجاني لأحبابه من الزيارة وتركه للمشيخة، إلا أنه لا يريد أن يفرضها فرضا على غيره، كما نعجب منه قوله أنه لم تقم عنده الشواهد والبيّنات القاطعة حتى يجزم أن الشيخ التيجاني كان وهابيا بأتم معنى الكلمة لكنه لا يتردد أن يقول – بكل حزم -: « أنه كان يحبذ الدعوة الوهابية، ويوافق عليها، وينظر إليها بعين الرضا».(64)

لكن ما معنى أن يعتنق المرء أفكارا، ويرضاها ويحبذها، ثم لا يتسمى بها؟ الجواب عن السؤال غير مهم بقدر أهمية قصد الزّاهري من هذا كله، وهو محاولة تبرئة الشيخ التيجاني من بدعة الطريقة التي ألصقت به، لإثبات صحة فرضيته القائلة بتواصل العلماء المغاربة والجزائريين بالدعوة الوهابية وارتضائهم بها، كما كان يهدف إلى حض أتباع هذه الطريقة إلى الإسلام الصحيح، فكأن لسان حاله يقول لهم: هذا شيخكم، وهذه حاله، مع الوهابية (=الكتاب والسنة) فلماذا لا تكونوا مثله.

ثالثا: أسس ومبادئ الإصلاح عند الشيخ الزّاهري.

يعدّ الفهم الصحيح للدين من الشروط الأساسية لتحرير الفكر والعقل من قيود الجمود والتقليد، وتنقية العقيدة من أدواء التمذهب والولاء لغير الله ورسوله، عكس ما جاء به الدين الحنيف من إطلاق لحرية الفرد ضمن ضوابط حددتها نصوصه واجتهادات علمائه، وأهم تلك الضوابط هي الخضوع لله وتوحيد ربوبيته وعبوديته، وبيان دور الإنسان في هذه الحياة، وتنفيذ الأوامر الشرعية الدينية في مختلف مناحي الحياة، أخلاقية كانت أو سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية... كل هذه المعاني الرفيعة والفهم الصحيح للدين قد فهمها الزّاهري وحاول تطبيقها ودعوى الناس على أساسها وفق منهج قويم،(65) وهو منهج اعتمد على عدة مبادئ وأسس، يمكن أن نجملها فيما يلي:

أ- مبدأ أولوية البدء بالإصلاح الديني قبل غيره.

يرى الزّاهري بأن إصلاح العقائد الفاسدة، ومحاربة البدع والخرافات، هي المهمة الأساس التي على العلماء الجزائريين الاشتغال بها، أما ما يدعو إليه بعض المتنورين (المتفرنسين) من الاهتمام بترجمة العلوم والآداب الغربية، ووضع القواميس فهو غير مجد وغير نافع « في أمة كأمتنا لا تزال في حاجة إلى تعلم حروف الهجاء ؟ ».(66) كما يقول الزّاهري.

كما ينبه الزّاهري من النتائج السلبية للترجمة، فالمبالغة في الاهتمام بترجمة الكتب الغربية قد ينجر عنه نقل مساوئ المجتمعات المنقول عنها، فيضرب مثالا على ذلك حركة الترجمة التي ظهرت في تركيا الكمالية التي كانت نتيجتها أن ترجمت «... أمة مسلمة شرقية إلى أمة غربية، وكادوا يسلخونها طوعا أو كرها عن دينها الإسلام ».(67) لهذا السبب - الذي هو الحفاظ على هوية الأمة الدينية - رأى الزّاهري أن أي اهتمام بعيد عن إصلاح عقيدة الأمة هو مؤجل حتى تكون الأمة مهيأة للأخذ به، وفي رأيه أن ذلك لا يتهيأ إلا إذا صلحت العقائد، ولسان حاله يقول كما قال الأول: « لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أوّلها ».(68)

ب- مبدأ اعتماد الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح.

تؤكد مدرسة الإصلاح الجزائرية كغيرها من المدارس الإصلاحية الإسلامية على جعل منهج الدعوة إلى الله والطريق إلى الإصلاح، وإعادة الأمة إلى مجدها وتمكينها مستمداً من مصادر الشرعية المعروفة، الكتاب والسنة النبوية، وما كان عليه السلف الصالح، وعدم الاحتكام إلى سيرة الأفراد إلا بعد وضعها على محك القرآن والسنة،(69) فالقرآن كما جاء في آياته وعرفه الزّاهري، هو أساس إصلاح الذات والمجتمع، إذ « يتناول... إصلاح هذه الإنسانية من ناحية التربية والتهذيب فيضع لها المثل الأعلى للفضيلة والخلق الكريم. ويدعوك القرآن إلى هذا المثل الأعلى من الفضيلة والخلق الكريم، ويشوقك إليه، ويغريك به إغراء كثيرا، حتى يصل بك- إذا أنت تخلقت بخلقه- إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه امرؤ من الكمال. وليس في الكلام ما ترى فيه الفضيلة رائعة مغرية على أتم ما يكون فتنة وجمالا، ويريك الرذيلة قبيحة شوهاء على أشد ما تكون قبحاً وبشاعة، مثل كلام الله الذي يعلم ما تكن الأنفس، وما تخفي الصدور.ولو أن هذه الإنسانية قد توفقت إلى أن نتربى بتربية القرآن، وتتأدب بآدابه، لاستراحت مما هي فيه من إثم وفساد، ومما تعانيه من شرور وموبقات ».(70) وهذا ما لا يستطيع أحد أن يجادل فيه.

ركز الزّاهري على هذا المبدأ –أي الاعتماد على القرآن والسنة - وجعل منه أسّ الفصل بين دعوى رجال الإصلاح ودعاوى غيرهم التحديثية، وقد رأى أن: « عز الإسلام لا يمكن إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة رجوعا خالصا من شوائب الغش والتدليس».(71) والزّاهري لما قام باستقراء التاريخ وجد «فإن العرب قبل القرآن كانوا في جاهلية عمياء وفي ضلال مبين وفي توحش كثير فلما نزل القرآن وتأدبوا بآدابه وتربوا بتربيته، أصبحوا في لمحة البصر كأنهم ملائكة وتفوقوا على سائر البشر في أيامهم، فبالقرآن وبما فيه من خلق وفضيلة بلغ المسلمون الأولون ما بلغوا من العزّة والسلطان».(72)

وقد أكد الزاهري على أن إتباع القرآن يعتمد على الفهم الصحيح البعيد عن التأويل والسفسطة والجدل.(73) وكان في اعتقاده أن الدين لا يكون صحيحا إلا إذا فهم القرآن، وأقتدي بسنة الرسلو صلى الله عليه وسلم مستندا في ذلك على جملة من اللآيات الكريمة الحاثة على ذلك، منها قول تعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا"(74) وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ"(75) وقوله تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ "(76) وكل هذه الآيات تجمع على وجوب طاعته والاقتداء بسنته، وإتباع أوامره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أصل من أصول الدين يبني عليه الشرع وتقامعليه الأحكام.

جـ- مبدأ الإقرار بقصور العقل في مجال الدين.

يمنح الزّاهري للعقل الإنساني واسع الحرية في التفكير وإبداء الرأي، لكنه يقيد هذه الحرية ببعض الضوابط والمعايير، إذ من الواجب عنده أن: « على كل عاقل [مستخدم العقل] أن يفحص الأشياء فحصا مجردا من العوارض والميول، غير غافل عن الزمن والمكان والبيئة التي هو فيها، وإذا توصل إلى شيء يسمى عقلا ومنطقا فله الحق في إبدائه، ثم إذا خوطب في شأنه يكون الجواب على قدر الخطاب، لا جفاء فيه ولا تهكم ولا سفسطة ولا مراوغة... ».(77)

ويستثني الزّاهري الخوض في الدين من هذه الحرية الفكرية، فهو يرى أنه: « لا يهم أن يتكلم أحد بما يدخل في منطقة معلوماته، وإنما المؤلم أن يحسب أن الشرع مائدة الفلاسفة، وهو لا يفهم منه إلا ما يفهم الرضيع من مص أصبعه ثم هو يمد يده إليه فيتناول تارة إحكاما هي محل اتفاق بين علماء المسلمين، ويجعلها نقطة النزاع وأوانه يعمد إلى آية فيقتصر من تفسيرها على ما يوافق هواه، ويعرض عما قاله العلماء في أمثالها ثم يحكم نفسه في عقول الرجال ».(78) بهذا يقطع الزّاهري الطريق على الذين يخوضون في الدين بغير علم ليضلوا به عن سبيل الله.

د - مبدأ تطابق الدين والدنيا وصلاحية الدين لكل الأزمنة.

من أصول العقيدة الإسلامية المستصحبة في كل أبواب الدنيا اعتقاد شمولية الشريعة الإسلامية لكل ما يحتاج إليه الناس لصلاح دنياهم وأخراهم، فلا يوجد ميدان من ميادين الحياة يمكن فصله عن الشريعة، لا السياسة وقضايا الحكم ولا الاقتصاد والأمور التجارية، ولا قضايا التربية وعلم الاجتماع ولا الطب ولا الصحافة ولا الرياضة، إلخ... وليس الدين مقصورا على العبادات فحسب، أو العبادات أو أحكام الأسرة كما يدعيه الملاحدة ويظنه كثير من جهله المسلمين والسلفيون، يدافعون عن هذه العقيدة ويقفون في وجه من أنكرها بمقاله، وكذا من تنكر لها بحاله ممن يدعي الإسلام والدعوة إليه..

وقد ردّ الزّاهري على من حاولوا أن يفصلوا بين الدين والدنيا، مؤولين قول الرسول : « قال أنتم أعلم بأمور دنياكم » بأنه فرق بين الحياتين. غير محتكمين إلى ما نصت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومعتبرين مسائل كثيرة أنها ليست من الدين في شيء كالحجاب، وخروج النساءسافرات... وقد رأى هؤلاء أنه يجب التقيد بروح العصر في مثل هذه المسائل التي هي في رأيهم مسائل اجتهادية لا أكثر لأن فيه تحررا من الجمود والتخلف.(79)

وقد حاول الزّاهري مجاراة هؤلاء والتسليم معهم – جدلا - بأن هذه المسائل لا علاقة لها بالدين، بل هي من أمور الدنيا، التي تتكيف بحسب الأزمنة والأمكنة وأن ما نقل عن السلف صحيح. ويطرح عليهم سؤالا خطيرا بنبرة المتحدي يريد منهم المقارنة والحكم على فساد رأيهم، قائلا: « أمن العقل وسداد الرأي أن نتخيل أننا في زمن كزمان عمر، تحت حكومة إسلامية كحكومة عمر، أميرها كالإمام عمر، وإذا لم يكن كذلك بل نحن في زمن من أجلъ مميزاته الفسق والفجور. وتحت حكومة البغاء مقرر في قانونها رسميا، وشبان المسلم؀ن كادوا أن يكونون إباحيين بأتم معنى الكلمة. أيصح مع هذا أن نقول يجب على المرأة أن تخرج سافرة لأن المدينة العصرية تقتضي هذا والدين لا يمنع ذلك وسيدنا عمر حكي عنه أنه أمر به فهذا والله عين الجمود ».(80) وهو بهذا يحاول أن يبرهن على أن الدين والدنيا في زمن الإسلام الأول زمن عمر وصحابته من السلف الصالح يكاد يكون متطابقا عكس مما هو عليه في العصور الأخيرة، وهو ما يستوجب العودة إلى الدين وعدم الفصل بينه وبين أمور الدنيا.

هـ- نبذ الخلافات المذهبية والخوض في المسائل الكلامية.

من منهج أهل السنة عدم الخوض في المسائل الكلامية ولا في آراء المتكلمين، ما كان مخالفا للكتاب والسنة، وكذلك المسائل التي لا تفيد علما ولا عملا، والتي هي من شكليات الفلاسفة وفرضيات المتكلمين في مجال الاعتقاد، ويظهر هذا في كتب تقرير العقيدة التي يكتبها علماء أهل السنة، حيث يكون بناؤها على العقائد التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة خالية من الشبهات والتشكيك، ولم يرد به نص شرعي.(81)

وعلى هذا المنهج سار الزّاهري لكن ليس بسبب إقراره بطلان هذه المذاهب وفسادها، بل لأنه يرى فيها سببا للفرقة والشقاق بين أبناء الدين الواحد، فهاهو يقول عن هدف وضعه لكتاب الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير: « ... أنا لم أضع للتبشير بالإسلام في الخارج إلا خطة واحدة، هي أن يكون المسلمون مسلمين مؤمنين حقاً، وسبيل ذلك أن يترك الفقهاء وعلماء الدين عنهم الغفلة والجمود، ويزودون الناس بالهداية الإسلامية الحقّة وبتعاليم القرآن الكريم، ثم ينبغي لعلمائنا أن يجمعوا المطاعن والمفتريات التي رمي بها الإسلام ويتبعونها بالنقض والتزييف، بالحق وبالآيات البيّنات. فذلك خير للناس وأجدى عليهم من كثير من مسائل "علم الكلام"، الذي لا يزال المسلمون يدرسونه على صورة يؤيدون فيها مذهبا إسلاميا على مذهب إسلاميا آخر، وينصرون فيها طائفة على أخرى أختها، وبدلا من أن يربوا ناشئتنا الإسلامية على أخوة الدين ورابطة الإسلام، فإنهم يربونها على الخلاف والشقاق...».(82) وهذا خلافا لما يذهب له علماء السنة الذين يقرون بفساد المذاهب الغير سنية، وأظن الزّاهري هنا كان يستحضر المذهب الإباضي، الذي رغم اعتداله كان بعض الجزائريين يناصبون أهله العداء.

و- مبدأ مخالطة الناس لمعرفة الأمراض الاجتماعية.

يؤكد الزّاهري على أن نجاح عملية الإصلاح مرهون بالمصلح في حدّ ذاته، فعلى المصلح أو من يهتم بالمصلحة العامة، أن يختلط بجميع شرائح المجتمع، حتى يتمكن من جسّ الجسم الاجتماعي، كي يتسنى له وصف الدواء اللازم لكل داء حتى تتم معالجته.(83)

على العموم هذه هي أهم مبادئ الإصلاح التي بنى عليها الزّاهري منظومته الإصلاحية، وهي في معظمها المبادئ التي يقوم عليها منهج أهل السنة والجماعة، أي المنهج السلفي. إلا أن الشيء الذي يعاب على الزّاهري، أنه لم يكن يتقيد بمذهب ديني أو فكري معين في الكثير من كتاباته، بل كان معروفا بالهجاء وسلاطة اللسان، واشتهر على أنه صحفي أكثر منه مصلحا لهذا السبب.

ثانيا: الإسلام الصحيح "حرب ضدَ البدعة ".

اتخذت مقاومة البدع عند رجال الإصلاح في الجزائر، شكل الصراع والمواجهة بينهم وبين الزوايا والطرق، التي حادت عن وظيفتها التقليدية التي عرفت بها منذ ظهورها، وهي الوظيفة الدينية الإرشادية والتعليمية، للتحول إلى أجهزة تعيد تركيب عناصر العقيدة على قوام محدث، تصوغه أفكار شوها، ومصالح وغايات خاصة، ولم يحدث هذا التنافي بين رجال الإصلاح وشيوخ الطرق، إلا بعد أن أسس هؤلاء الشيوخ الفعل الديني في شكله الإبتداعي المنحرف، وأمدوه بالقوة المادية، وبذلوا الجهود بغية انتشاره.

ومن هنا لا يمكن فهم علاقة التنافي بين المصلحين ورجال الطرق، إلا من خلال عرض صورة الفعل الديني المقدس من المنظور الطرقي، لأن فيه مكمن استهجان الإصلاحيين واستنكارهم، وقد تطلع الزّاهري، وقبله عبد الحميد بن باديس – طبعا – إلى محاولة تحرير العقيدة من البدع والخرافات الخرافات التي لصقت بها، وذلك بنقده للفكر الطرقي وملاحقة زعمائه ورموز.

أ- الطريقة كنظام ابتداعي.

الطريقة، في معناها الاصطلاحي هي المنهج أو السبيل، فهي نهج القوم الذي عليه سلوكهم وسيرهم إلى حضرة الله تعالى الكريمة، وأهلها مطالبون بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله العادية والعبادية، ويحرص سالك الطريقة على هذا، ومن حصل له الاقتداء في هذا كله فهو الكامل، فالطريقة حسب هذا المفهوم منهج كامل وشامل لكل الممارسات الحياتية.(84)

كما تعتبر الشكل المذهبي الذي يؤطر الفعل الديني – نظريا – داخل الطائفة ومؤسستها (الزاوية) وهي عبارة عن رسم متميز للطقوس التي تجري بواسطتها عملية الاتصال الروحي لمريدي الطريقة بالله، وتعد تلك الطقوس والشعائر عنوان يميز كل طريقة عن غيرها وهو تميز يتغذى برموز وشارات تتخذها كل طريقة لنفسها لحفظ كيانها المادي والمعنوي.

ويعد الشيخ المتصوف، أو من يرث عنه الزعامة، صاحب الطريقة ومرجعها، وصانع ضوابطها،(85) وتأتي سلطته باتصاله بالرسول صلى الله عليه وسلم إما بحلم ديني حصل فيه المرابط من محمد صلى الله عليه وسلم شخصيا على وحي الطريقة الذي يجب إتباعه والصورة المثلى في العبادة للتقرب من الله، وهذا ما تدعيه الطريقة التجانية،(86) أو عن طريق سلسلة من الصالحين والأعلام تتصل دائما بالرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي بدوره – حسب أغلب الطرق – تلقى أوراد الطريقة وأذكارها وتعاليمها عن جبريل عليه السلام، عن رب العزة جل جلاله، والرسول صلى الله عليه وسلم بدوره لقنها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وعلي لقنها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه... إلخ. وهو ما تذهب إليه الطريقة القادرية.(87)

وتعمل كل طريقة(88) على تربية اتباعها تربية خاصة، تعتمد الاجتماع للذكر، والقيام بوظائف دينية، إلا أنها لا تشمل المجتمع كله وهذه من سمات الباطل، إذ تخص أفرادا دون آخرين بعبادات ووظائف ومميزات رهبانية ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تتناول الحياة العامة تناولا مباشرا.(89) فكل طريقة نسجت لنفسها منوالا بعيدا عن تعاليم الإسلام الصحيح الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ومشى عليه صحابته الكرام  رصي الله عنهم وسائر أئمة الدين. وهكذا كفرت كل طائفة أختها. فهل هذا من الإسلام في شيء؟.

لهذا انتقد الزّاهري وغيره من علماء الجزائر الإسلام الطرقي، ووضعوه في خانة البدعة والضلال والابتعاد عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فالزّاهري يرى بأن الطرقية" أصلها بدعة وضلال"، والطرقيون مهما كانوا على سنة ثابتة وبررة أخيارا فإنهم « ماداموا طرقيين فهم مبتدعون من هذه الناحية، فالشرط الأساسي للمؤمن السني أن لا يؤمن بخرافة ولا طريق... ».(90) لأن هذه الطرق في اعتقاد الزّاهري هي من المحدثات التي لم تكن موجودة في عهد رسول صلى الله عليه وسلم ، ولا عهد خلفائه الراشدين".(91) ولو كان في استحداث الطرق زيادة في الثواب وتقوية للإيمان لكان جدير بهؤلاء أن تكون لكل منهم طريقته، وهنا يتساءل الزّاهري عن عدم وجود مثل هذه طرق في عهد الإسلام الأول، قائلا: « ... أين طريقة سيدنا أبي بكر و... طريقة سيدنا عمر و... طريقة سيدنا عثمان و... طريقة سيدنا علي، وأين هي زواياهم إن كنتم تزعمون أنهم كانوا أصحاب طرق وزوايا... ».(92)

ويرد الزّاهري أيضا على من يرى في الطريقة زيادة في الخير وتعظيم للأجر – على لسان إحدى شخصياته القصصية – بنبرة فيها تعنيف « ويحك يا هذا ألا يكفيك ما كان يكفي الخلفاء الراشدين؟، أما وسعك ما وسع الرسول صلى الله عليه وسلم ؟، وهل تستطيع أن تكون أكثر فعل للخير من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه المطهرين ».(93)

مما سبق نلمس تشدد الزّاهري تجاه الطرق التي اعتبرها كلها ضالة ومارقة يجب محاربتها، بالعودة بالإسلام إلى صفائه الأول، إسلام الوحي، زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه المطهرين رضي الله عنهم، الذين لم يتخذوا طريقا غير سنته صلى الله عليه وسلم.

ب‌-   نقد المفاهيم الأساسية في الإسلام الطرقي:

يهاجم العلماء الإصلاحيون البدعة في تجليها الطرقي على جملة مستويات: على مستوى الإدعاء بولاية شيوخ الطرق وخصوصيتهم، وعلى مستوى تأليههم (الاستغاثة) بهؤلاء الشيوخ، وعلى مستوى إجرائهم طقوس " التعبد " على مقتضى التبديع، مثل: " الحضرة "، و" الذكر "، وعلى مستوى جهل المنخرطين في الطرق واستلاب وعيهم، وأخيرا على مستوى الاجتماعي، بإحداثهم الفرقة في وحدة الجماعة الإسلامي بخلقهم مجموعات شكل الطائفي. 

إذا أردنا تحديدا أكثر لهذه المستويات، لقلنا عنها أنها تلخص منظومة المفاهيم التي تبدعها الطريقة، ويلتزم بها المريدون للوصول إلى الحقيقة المطلقة، عبر مراحل ومقامات محددة، تجتهد كل طريقة في استقائها من منابع ومصادر يعتقد أنها يقينية، وهذه المفاهيم المنظمة والمحددة قد ورثها الإسلام الطرقي، عن الإسلام الصوفي، إذ هي المرتكزات الأساسية في هذا النمط الإسلامي، ومن أهمها:

الولاية: من مادة " ولاية " التي تعني الدنو والقرب، وولي كل شيء القريب منه، وإن كان القرب من الله بالمكان والجهة محال، فولي الله من كان قريبا منه بالصفة التي وصفها هو، وهي الإيمان والتقوى، ويحصل هذا القرب بالطاعات وكثرة الإخلاص.(94)

وفي كثير من كتاباته نرى الزاهري يحاول إبراز وتصحيح مفهوم الولاية الشرعية كما أقرها الله تعالى في كتابه الكريم، لا كما ألصقها بعض الأاشياخ بأنفسهم، أو ألصقها بهم غيرهم ظلما وتعديا لحدود الله. في هذه المسألة يؤكد على ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم الذي يفصلها تفصيلا بينا، فالقرآن يقر بأن أولياء، وأن للشيطان أولياء ايضا، في قوله تعلى: " أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ{ (95). وقال أيضا: } إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{ (96).

ثم يبين معنى " أولياء الشيطان " بأنها تلك الأصنام والأرباب التي كانت تعبدها العرب المشركون، وسماها الله تعالى " أولياء " وقال تعالى عنها: " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربون من الله زلفى".(97) فهذه الآية الكريمة – في رأي الزّاهري – تنطبق على كثير من العامة، الذين يعبدون من في القبور من أولياء وصالحين يرجون منهم ما يرجون من الله تعالى، أو أن يقربوهم إلى الله زلفى!.(98)

فقد استنكر هذه الولاية التي تعتقد الإلوهية في الصلحاء، وتتخذهم أربابا وأولياء من دون الله.(99) وفي مقابل هذه الولاية التي ينكرها خصوم الإصلاح بل " هم يحجرونها تحجيرا " على البعض، فهذه الولاية الشرعية تجيز أن يكون التاجر وليا وهو في تجارته، وتجيز أن يكون الفلاح وليا في فلاحته، والموظف والعامل والفقيه والزّاهد، وكل مسلم من المسلمين يجوز أن يكون وليا من أولياء الله، بل ينبغي أن يكون وليا لله، وذلك بأن يستقيم كما أمره الله.

فهذه الولاية شرطها الأساسي التقوى والاستقامة، وهي جائزة لكل مسلم، غير محصورة في أشخاص مخصوصين يجعلونها وقفا عليهم ويرثها أبناؤهم من بعدهم ولو لم يكونوا يعبدون الله مخلصين، وتجاهروا بالفسوق، وشرب الخمور، وضلوا سواء السبيل.(100)

وهؤلاء الشيوخ الذين ادعوا الولاية كانوا محل انتقاد شديد من طرف الزّاهري، فقد رأى فيهم أشخاص تركوا أركان الإسلام، وتحللوا من أحكام الشريعة باعتبارهم أصحاب حقيقة، فهم إن سئلوا عن ترك الصلاة – وهي عماد الدين – أجابوا بأنهم يصلونها بمكة، أو " بأنهم يصلون بقلوبهم وبأنهم أولياء الله وأحباؤه يحبهم ويحبونه، وإذا استوى الحب سقط الأدب. [والأدب هنا عندهم تلك التكاليف الشرعية من صيام] وصلاة، وسائر الفروض الدينية، وهذا أمر شائع عند سائر الطرقيين في كتبهم".(101)

كرامات الأولياء: والكرامة هي درجة من التسامي، والدنو من الله، يعتقد الناس توفرها في الأولياء، حيث يستطيع الولي صاحب الكرامة الإتيان بخوارق العادات، كاختراع الأجسام وقلب الأعيان، وجميع إحالة الطبائع، حتى الإطلاع على الغيب، وحسب أكثر الصوفية فإن ظهور الكرامات جائزة، وهي أمور ناقضة للعادة، وهي عون للولي على طاعاته ومقوية ليقينه، ودالة على صدق دعواه.(102) لكن الذي حدث في العهد الأخير، زمن مدعي التصوف، هو أن هذه الكرامة أصبحت غير دالة على معناها الحقيقي، وأصبح معناها قريبا إلى الخرافات والدجل، لأنها لم تعد تراعي القواعد الدينية والأحكام الشرعية، فقد ورد هذا المعنى في الكلام "النووي" في "بستان العارفين" حين قرر: « أن ما يخرم قاعدة شرعية، أو حكما شرعيا، ليس يحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم وإما من إلقاء الشيطان ».(103)

ومن بين كرامات الأولياء، - حسب ما يزعمه مدعو الولاية وأتباعهم – الرؤيا، التي هي من أساسيات الفكر الطرقي، والرؤيا هي مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم  يقظة أو مناما، والرؤيا تعد أمرا أساسيا لكسب شرعية الوجود أو أسطورة التأسيس التي تعتمد عليها كل طريقة، فلا نجد طريقة أو ولي صالح، إلا وتروى عنه رؤياه للرسول صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما، وهو أمر تستهجنه العقيدة الصحيحة والعقل السليم، إذ تجعل هذه الروايات الرسول  خادما مسخرا للشيخ أو مساويا له في المكانة، لا سيدا للبشر.

وهنا يقدم لنا الزّاهري تفسيرا لحقيقة هذه الرؤيا، والتي لا تكون في رأيه إلا " على ضرب من التأويل، فيقال أنهم تعلقوا برسول الله، وملئت قلوبهم حبا له، وأفئدتهم وجدا به، وجوانحهم شوقا إليه، فلا يزالوا يستحضرونه في أذهانهم ومخيلاتهم، ولا تزال ألسنتهم تلهج باسمه الكريم، فربما ذهل الواحد منهم عن نفسه ذهولا عميقا، وربما غشيته غيبوبة لا يعي معها مما حوله شيئا وهنالك قد يرى الرسول صلى الله عليه وسلم  أو يخيل إليه أنه يراه، حتى إذا انجلت عنه غيبوبته، وسكت عنه ذهوله، ورجع على نفسه وثاب إليه وعيه، ظن أنه رأى بعينه رسول الله صلى الله عليه وسلم  في اليقظة لا في المنام، وقام ذلك في نفسه حتى لا تستطيع أن تناقشه فيه، إن المسألة ليست من الحقيقة في شيء ولكنها كلها خيال في خيال ".(104)

ويستدل الزّاهري في نفيه لمسألة الرؤيا يقظة بأن صحابته صلى الله عليه وسلم  وهم أشد الناس حبا له، وأكثرهم إيمانا وتصديقا به، ومع ذلك لم يؤثر عن أحدهم، أنه قد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم  يقظة، وكذلك ابنته فاطمة – رضي الله عنها – التي كانت لوعتها شديدة على فراقه، ورزؤها عظيم وهي التي أقامت على تربته الزكية ستة أشهر كاملة تبكيه، ولم يؤثر عنها أنها قد رأته.(105) صحيح إذا كان هذا حاله مع ابنته، وصحابته، وهم أشد الناس تعلقا به وأكثرهم حبا له – صلى الله عليه وسلم – فكيف يكون مع غيرهم من الأباعد.

ومن بين الكرامات التي سخر منها الزّاهري وسخر قلمه كي ينسفها ويسفهها، هي نسبة المريد الخوارق واللامعقول لشيخه وللأشخاص الذين يعتقد فيهم الولاية والصلاح، ومن بين تلك الادعاءات، التي هي من الكفر الصراح أقرب، ما كان ينسب لولي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كثيرا ما كان يزوره في بلدته"، ويروى كذلك أن الولي الفلاني " كان لما أراد أن يتوضأ للصلاة أو همّ بدخول الحمام جاءه صلى الله عليه وسلم  يقظة لا مناما وناوله بيده الشريفة الماء والقبقاب!...".(106) وهناك من زعم أن شيخه " أحيا بغلة بعد موتها"، وآخر يروي أن شيخه "عرّج به إلى السماء"...(107) وهذه الروايات التي جعلت من الخادم مخدوما والسيد مسودا كانت منتشرة في الجزائر المستعمرة وكان الجمهور الذي يعتقد بصحتها كثيرون.

هذه المزاعم جلبت انتباه الزّاهري الذي لم يكن يرى فيها كرامات، بل وصفها "بالمزاعم"، كما لم يكن يرى فيها إلا نوعا من التطرف والغلو من قبل الطرقيين، الذين أعماهم تعصبهم للطرق التي ينتمون إليها إلى درجة إيذاء شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، لهذا كان الزّاهري شديدا مع هؤلاء، ينهاهم ويزجرهم لاعتقادهم بهذا النوع من الكرامات، وينبههم إلى لكل وأحد أن: « يعظم الأولياء والصالحين بما يبدو له من أوجه التعظيم، ولكن بشرط أن لا يؤذي الله، وأن لا يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم  ، فلا يجعل الأولياء شركاء مع الله، ولا يجعل لواحد من الأولياء مقاما أو منزلة فوق منازل الأنبياء والمرسلين ».(108) بهذا الشرط تكون الكرامات الجائزة الوقوع، ومعقولة شرعا وواقعا، لا تخترق حكما ولا نصّا.

الذكر ( الورد ): تتحدد سمات وصفات كل طريقة عن غيرها من الطرق باختلاف الأوراد والأذكار التي تؤديها، باعتبار هذه الأوراد التعبير الديني الخاص بكل طريقة، وهي الحامل لسرّ الطريقة، وهي التي تشكل المظهر الذي يرى فيه مريدو كل طريقة أنه يتحقق فيه الاتصال الروحي بالعالم الإلهي. وتتم تلك الأذكار عن طريق السماع والطرب، وحتى الرقص عند آخرين، وهذا ما جعل بعض العلماء يستهجنون تلك الأذكار التي عادة ما تؤدى جماعيا، وما يقع فيها من تجاوزات تطعن في العقيدة وتخرج عن الملة.(109)

وبلغ الجهل ببعض الطرق إلى ابتداع رموز وأسرار خاصة بطرقهم، سموها أورادا وذكرا، بل أسرف آخرون مثل: العليويين والعساويين إلى اعتبار الترانيم وضرب الدفّ من الذكر، كما اعتبر بعض الطرقيين، أن الدواوين الذكر التي نظمها مؤسسو بها يتحقق الاتصال بين عالم الشهادة بعوالم الغيب، هذا الفعل قد لقي استهجانا من قبل العلماء لأنهم رأوا فيه تجنيا على الدين، واستخفافا بما ورد في القرآن والسنة.(110) ومن خلال هذه البدع، حكم الزّاهري بجهل الطرقيين بأصول الدين وزيغ الطرق وضلالها، لأنهم أحدثوا تلك الأوراد وعدوها من الدين، وتلك الأدعية التي ابتدعوها وتلك الأحزاب التي شغلوا بها عبد الله عن الذكر الصحيح.

وذكر الله كما يراه الزاهي، وجاء به القرآن، وفصلت فيه السنة، هو تلاوة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تصديقا لقوله تعالى: { أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ عَلَى رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِركُمْ } (111) والذكر هما جاء بمعنى القرآن والتعبد به، والذكر كلك الدلعوة إلى الله وروسوله، بما جاء به من البينات والهدى، لا تلك الأوراد المملوءة بالوثنية والضلال.(112)

وعلى هذا الأساس، فإن الزّاهري وإخوانه من العلماء كان هدفهم الرئيس هو العمل بكل ما أتوا من الجهد لنسخ تلك الأوراد بالرجوع إلى القرآن الكريم، جريا على سنته صلى الله عليه وسلم، الذي لبث طويلا يدعوا قومه إلى الله وإلى تزكية النفوس، ثم أن هذه الأوراد التي أحدثها شيوخ الطرق كان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى أن يأمر بها، وكان على صحابته أن يلتزموا بها، لكن كل هذا لم يكن من سنته صلى الله عليه وسلم التي كانت تدعوا إلى تلاوة القرآن والتعبد به، وتدعوا إلى العمل والجهاد في سبيل الله بالأموال والنفس، والدعوة إلى دين الله،(113) وهذا أولى للمسلمين من شطحات الطرقيين وترانيمهم.  

التوسل (الاستغاثة): يقرّ الزّاهري بوجود نوعان من التوسل، هناك: توسل شرعي لا يكفر من قام به. وهناك توسل ثاني، وهو توسل الذي يقوم به الجامدين من المسلمين، ومعناه أن يدعو المتوسل من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره!، وفي هذه الحال يحمل الدعاء معنى الشرك بالله أكثر مما يحمل معنى التوسل. (114)

الزيارة والوعدة: كما أن الإسلام الطرقي قد ارتبط ببعض الممارسات الشعبية المتمثلة في تلك الاحتفالات الجماعية التي يطلق عليها الوعدة وأحيانا الزيارة أو الزردة، والوعدة تقام اعترافا بمكانة أحد الأولياء، ومن هنا يمتلك هذا الاحتفال دلالة خاصة يمتزج فيها الديني بالدنيوي، والجسدي بالروحي، والخارق بالعادي.(114)

الزيارة فعل مستهجن شرعا ارتبطت بالممارس الطرقي، وهي تعني التوجه إلى شخص مقدس، أو مكانا عظيما، وقد تكون هذه الزيارة للأضرحة، وعادة ما تكون مرفقة بعطايا من دارهم أو غيرها، وقد ارتبطت الزيارة بالدراهم، حتى أصبحت هذه لا تذكر صراحة، وإن كانت تعد رمزا للإخلاص والطاعة.(116)

وقد ارتبطت الزيارة في المخيال الشعبي بالمقدس، حتى أصبح يطلق عليها الحج الأصغر" المتمم للحج الأكبر – وهو الركن الخامس من أركان الإسلام – وبدونه يعد الحج ناقصا، ويتمثل الحج الأصغر في زيارة " قبر من قبور الأولياء الصالحين مثل قبر سيدي أبي مدين الغوث في تلمسان... ".(117) وهناك من عدَ الزيارة" من مناسك الحج".(118) أو هي مكملة له، وتكون قبله أو بعد العودة منه وفي هذا أكبر تجني على الدين وتعدّ لحدود الله.(119)

وتجد هذه العقيدة سندا لها في تلك الروايات المنسوبة إلى بعض الأولياء، ومن ذلك ما روي عن سيدي أبي مدين الغوث أنه قال: " من زار قبري فقد حج الحج الصغير. " وروي عن شيخ آخر أنه قال: " من زار ضريحي وزاويتي فكأنما حج واعتمر وزار ضريح المصطفى صلى الله عليه وسلم". وهنا يكثر التنافس حول هذه المزية المترتبة عن الزيارة فكل يدعيها لشيخه، وكل يزعم أن شيخه يضمن الجنة لأتباعه ومريديه دون حساب ولا عقاب، وأنه من مات على محبة الشيخ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.(120) لقد كان من البديهي أن ينتقد الزّاهري، هذا الضلال الصراح، الذي يتنافى وحكمة التكليف ويضع كل شيء بإرادة بشر ميت أو حي، يرفع نفسه أو يُرفع إلى مقام النبوءة والإلوهية لتكون إرادته هي الشرع والدين.

ولهذا أيضا نجد الزّاهري يهتم اهتماما بالغا بفضح ما يجري في تلك الزيارات، وانعكس ذلك الاهتمام من خلال تلك السلسلة من المقالات التي وضع لها عنوانا واحدا، وهو " إلى زيارة سيدي عابد!!...". وقد جاءت هذه المقالات في خمس حلقات،(121) وجدت من الناس استحسانا جعل الزّاهري يواصل في نشرها إلى أن تم تعطيل جريدة الصراط. وقد صور الزّاهري الزيارة على انها مكانا يصلح لكل الموبقات والانحرافات دون أن يكون له أدنى رابط يربطه بالدين الصحيح، ففي هذا الموعد (المقدس) تتم ممارسة ما يلي:

-السفور والاختلاط بين النساء والرجال، وتنظم فيه حلق للرقص الماجن.

-تنظم سهرات للهو ولتعاطي الخمور.

-تعد الزيارة فرصة لممارسة الدعارة ولتلاقي العشاق، ضنا من بعضهم ببركة المكان والشيخ.

- ثم إن أيام هذه الزيارة أيام بطالة تهدر فيها أموالا كثيرة طمعا في نيل بركة الولي المزار.

-كما أنه في أيام الزيارة يتحلل الزوار من التكاليف والنواهي الشرعية كالصلاة مثلا. 

كل هذا يتم بمباركة أشياخ الطرق، وطمعا في بركة الأولياء الصالحين الذين وضعوا في مكانة لا يستحقونها، وأشركوهم فيما هو لله، من نفع وضرّ، ومنح وإمساك... لذلك كان من المعقول أن تشغل الزيارة حيزا مهما في كتابات الزّاهري، باعتبارها فعل مستهجن.

هذه بعض المفاهيم الأساسية في الإسلام الطرقي، أردنا من خلالها إبراز بعض الانحراف الذي رفع بعض الإصلاحيين إلى إعلان الحرب على معتنقيها، وهذا قليل من كثير، فبعض الطرق توهم أتباعها بأن تلاوة أورادها أفضل من قراءة القرآن والبعض الآخر يدعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخدم شيخها بالغدو والآصال... وهي كلها انحرافات أصيب بها العالم الإسلامي، والجزائر على وجه الخصوص، وهو الأمر الذي دفع بالأشخاص الذين تعهدوا بحمل فكرة الإصلاح، على محاربتها، وكان من هؤلاء الشيخ الزّاهري الذي وقف لأصحاب الطرق فوق كل كثيب ووراء كل ثنية يتعقبهم ويكشف دعواهم ويحبط أعمالهم على جميع المستويات.

ج- نقد العلاقة التبعية بين المريد والشيخ. 

يتم دخول المريد في الطريقة عبر طقوس رمزية، هي بمثابة عقد أو عهد بين المريد وشيخه، وبموجبه يصبح المريد عبدا مطيعا لهذا الشيخ،(122) ومن مبادئ طاعة المريد لشيخه أن على المريد: أن يجل شيخه ويقدسه يعظم محبته، بحيث يؤثره على جميع شهواته ورغباته، وعليه طاعة الشيخ والتمسك الأعمى به، لأنه العارف بحسن السبيل، ولا يكتمل هذا العهد إلا بالتصديق الكامل للشيخ فيما يصدر عنه، والتسليم المطلق له.(123)

وكان المريدون يعتقدون أن طاعة الولي من طاعة الله،(124) بهذا أصبحوا عبّادا لشيوخهم الطرقيين، وهو الأمر الذي أوقعهم في حبائل الشرك، حيث أصبح توكلهم، واستغاثتهم وتوسلهم بهؤلاء الشيوخ، فكان إذا دعا شخص – والدعاء عبادة – قال: " يا رب والشيخ " و" أطلب ربي والشيخ " و" يا ربي والشيخ "... فكثير منهم من يتوسل إلى إعانة الله من غير طريق الأسباب التي أقرها في شرعه، فقد ترك بعضهم أو قصر في أسباب العمل الدنيوي اتكالا على بركة الشيخ.(125)

وتسليم المريد بسلطة فوقية روحية للشيخ الولي، بصفته العارف بأسرار الحق، مما يدفعه إلى التعبير الطقوسي عن ذلك الاعتقاد بالسجود للشيخ، وقد يرفع بعض الناس الأولياء – حتى الذين هم في قبورهم – إلى درجة أرفع من الله عز وجل فهم لا يحلفون إلا بهم، ويعتقدون فيهم النفع والضرر، فهم يخافونهم أكثر من خوفهم الله عز وجل.(126)

وهم بهذا يقعون في الشرك، بوضعه الولب في منزلة الإله، الرزاق الواهب، بل تجد الواحد منهم أشد حبا لشيخه من حبه لله كما ذكر الزاهري، مستدلا بقوله تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ "(127). وكثيرة هي الدلالات التي استوحى الزاهري وقوع الكثير من الناس في كبيرة الشرك، سواء أكانوا يعلمون ذلك أم كانوا يجهلون.(128)

وفي كل فرصة تسنح، يحاول الزاهري زعزعة مفاهيم الإسلام الطرقي، فها هو يريد ضرب أحمد مبادئه، وهي الوثوقية أو تسليم المريد للشيخ بالطاعة المطلة العمياء، والإيمان بما يصدر عنه، وإحلاله محل العصمة والتنزيه، وقد انجر عن تلك العقيدة الفاسدة في تفضيل كل مريد وتعصبه لطريقته وشيخه، على إحداث شرخ كبير في النشيج المجتمعي، والثقافي والمذهبي... فاصبح الانتماء لنفس الطريقة أفضل من رابطة القرابة والنسب، فقد يصل الأخ مع أخيه إلى القطيعة بمجرد مونهما لا ينتميان إلى نفس الطريقة، وبالعكس تعظم عندهم الأخوة فطريقة، وعلى هذا الأساس كانت تتم المصاهرات، فلا يتم الزواج إلا داخل نفس الطريقة. وعليه أيضا كان يقاطع مريدو الطرق المختلفة بعضهم البعض حتى في المعاملات التجارية، إلى درجة تفضيل المعاملة مع التجار اليهود على المخالف في الطريقة. والأمثلة التي أوردها الزاهري في هذا الشأن كثيرة تؤكد على أن العلاقات الاجتماعية عند أهل الطرق أصبح يحددها الانتماء لنفس الطريقة، لا لشيء إلا لأن الشيخ كان يوصي بذلك.(129) وتمادى أتباع إلى أن بلغ الأمر ببعضهم إلى تكفير أتباع الطرق الأخرى لمجرد أنهم يختلفون في الطريقة، مستدلين بقوله تعالى: "وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"(130) مؤولين هذه الآية تفسيرا خاطئا وكحرفا عن موضعه، على أن المقصود بمن لا يتبع دينكم هم أهل الكتاب وليس أهل الطرق كما أراد بعض الطرقيين تفسيره للحث عن التعصب لطرقهم.(131)

وهذه العقيدة العميقة عن بعض الناس في الأأولياء، د انجرت عنها ظاهرة شديدة الخطر، وهي ظاهرة التواكل على الأولياء، وهي انعكاس خاطئ لمهوم التصوف، أو لخداع مدعي التصوف، حيث ترك الناس الأسباب، وأهملوا دنياهم وأخرتهم طمعا واتكالا على بركة الشيخ، فهو الواهب عندهم وهو المعطي والمانع، وهذه ظاهرة تتغذى من جهل الجاهلين وعامل الاستعمار المشجع لها.(132) وقد انتقد الزاهري وفضح هذه العقيدة الفاسدة وهذا السلوك المنحرف على لسان ذلك الطرقي الذي ثاب واصلح عندما يروي أن تعاليم الطريقة التي كان يعتنقها كانت ترمي إلى أسقاط التكاليف الشرعية فهي تدعو المريد أن يحسن النية في الشيخ وأن يعبده مخلصا له الدين وله أن يتكل على هذا الشيخ كي يغفر له جميع السئات والآثام، وأن يجادل الله عنه يوم القيامة/ وهذه العقيدة ربما أغرت المريد باغتراف الفحشاء والمنكر اتكالا على الشيخ.(133) مع أن الله تعالى يقول: ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )(134).

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ينتقد تلك العقيدة التي تنسب للشيخ العطاء والمنع والنفع والضرر، وهي قمة التواكل فالرجل " إذا بسط الله له في الرزق فربحت تجارته، أو صلحت ذريته، أو بارك الله له في عمل من أعماله فليس معنى ذلك أن العناية الربانية قد حفت به، بل معنى ذلك أن معه همة الشيخ ".(135) وعلى هذا الأساس ما كان عليه " أن يحسن ظنه بالله، بل أن يحسن ظنه بالشيخ ".(136)

فهذه العقيدة ربما كانت هي أخطر ما واجهه المجتمع الجزائري في تلك الظروف، إذ كانت لها آثارا سيئة على جميع مناحي حياة هذه الأمة التي اكتفت برد كل ما أصابها من خير أو شر إلى بركة أو لعنة (دعوة) هذا الشيخ أو ذاك، حتى تركت رسالتها الحقيقية التي هي الدفاع عن الدين والوطن.

خلاصة.

تناولنا في هذا المقال الفكر الإصلاحي لمحمد السعيد الزّاهري، محاولين البحث على المحددات المنهجية للإصلاح في فكر هذا الرجل، والتعرفعلى أهم معالم فكره الإصلاحي الديني، ومن خلال هذه الصفحات حاولنا إعطاء تصور عام لهذا الفكر، ورأينا أنه يتركز حول:

- ضرورة الإصلاح الديني الذي هو أولوية الأولويات.

-العودة بالإسلام ( الإسلام التاريخي= إسلام الأفراد) إلى منابعه الأولى وإلى نقائه.

-لا تتم هذه العودة إلا بالفهم الصحيح للدين، وذلك بالابتعاد عن الأهواء والتفلسف وتأويل النصوص الدينية.

-الإقرار بقصور العقل في فهم النصوص الشرعية.

-محاولة الابتعاد عن المسائل الخلافية، كالتعصب للمذهب، الشيء الذي يدعو إلى الفرقة والتباغض.

-لا يتم الإصلاح إلا بفهم المجتمع، ولا يتم هذا الفهم إلا بالمخالطة التي تشخص الأدواء وتسهل وصف الدواء.

وقد لاحظ الزّاهري أن أعظم داء أصاب مجمعه، هو تلك الطرق التي أشاعت في الناس البدع والخرافات، وقد لاحقها في مواضع مختلفة، سلوكية وعقدية، مستهدفا أساسيات هذا الفكر لدحضها وتبيان الفاسد منها، وذلك على ضوء ما جاء به الدين الصحيح. 

لكننا –ونحن نعترف للزاهري ببسالته في هذا المجال - إلا أننا نرى أن مواقفه من هذا الفكر والأساليب التي استعملها ضدّه هي التي ساهمت في توسيع الهوة بين الفكرتين الإصلاحية والطرقية، الشيء الذي غيّب الفكرة الوطنية والطرح التحرري، والمسألة الوطنية التي ستدفع بالزّاهري إلى مراجعة حساباته، ويبدأ في التقرب من جميع الطوائف الجزائرية، الدينية والسياسية.


 

الهوامش:

1- رواه مالك في الموطأ، كتاب القدر، 1594.

2- عبد الكريم بوصفصاف، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى، (1931-1945)، "دراسة تاريخية وإيديولوجية مقارنة" منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، 1996، ص 55.

3- نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير، ط 1، دار العلم للملايين، بيروت، 1981، ص 83، ص 149.

4- بشأن ترجمة شخصية محمد السعيد الزّاهري، ينظر:

- أحمد بالعجال، الخطاب الإصلاحي عند الشيخ محمد السعيد الزّاهري(1900-1956م)،مذكرة مقدمة لنيل درجة الماجستير في تاريخ وحضارات البحر الأبيض المتوسط، بإشراف الدكتور الجمعي خمري، جامعة قسنطينة، 2006، ص ص 13- 25.

- عبد السلام ضيف، محمد السعيد الزّاهري "كاتبا"، ( ماجستير في الأدب الجزائري)، بإشراف، عبد القادر هني، جامعة باتنة، 1994، ص 5.

- فوزي مصمودي، أعلام من بسكرة " تراجم لشخصيات علمية وثقافية ونضالية وثورية "، بسكرة، الجزائر، 2001، ص 10 وما بعدها.

فوزي مصمودي، الشيخ زهير الزّاهري اللياني " صفحات من حياته ونضاله ومواقفه وآثاره "، ط 1، بسكرة، الجزائر، 2004، ص 15.

-    محمد الهادي الزّاهري، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ط1، المطبعة التونسية، تونس، 1926، ص ص 184، وما بعدها.

-   CAOM, cote 93/4294, Notice Individuelle sur Mohamed said Zahiri. 

5- فوزي مصمودي، الشيخ زهير الزّاهري، المرجع السابق، ص ص 23- 24.

6- محمد الهادي الزّاهري، المصدر السابق، ص 65.

7- عبد السلام ضيف، المرجع السابق، ص ص 5-6.

8- صالح خرفي، محمد السعيد الزّاهري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص 24.

9- كان طلبة الزيتونة في نهاية المرحلة يمتحنون في تخصصين هما: علم القراءات، وسائر العلوم فقد امتحنالزّاهريوالميلي والسلطاني في امتحان سائر العلوم. فكان الميلي على رأس طلبة المرتبة الأولى ويليه مباشرةالسلطاني، أما الزّاهري فقد كان من طلبة المرتبة المتوسطة، والثالث في الترتيب، أنظر جريدة بأسماءالناجحين في، النهضة، ع 279، س 1، 28/7/ 1924، ص 2.

10- الزّاهري، داء دفين في جامع الزيتونة، الشهاب. المصدر السابق، ص 525.

11- عبد المالك مرتاض، فنون النثر الأدبي في الجزائر، 1931-1954، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص 509.

12- لم يترشح الزّاهري لعضوية المجلس الإداري للجمعية سنة 1936. عكس ما أذاعت البصائر من أنه سقط في هذهالانتخابات. أنظر: الزّاهري، حول استعفاء الشيخ العقبي وأكاذيب البصائر، ووقاحتها، الرشاد، ع 22، س 1، 13/11/1938، ص 2.

13- كانت الجبهة الشعبية تمثل تجمعا لأحزاب اليسار الفرنسية في انتخابات 3 ماي 1936، ينظر: جيلالي صاري، محفوظ قداش، المقاومة السياسية 1900-1954، الطريق الإصلاحي والطريق الثوري، تر، عبدالقادر بن حراث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1987، ص 89. وينظر أيضا، حربي محمد، الثورة الجزائرية، سنوات المخاض، تر، نجيب عياد، موفم للنشر، الجزائر، 1994، ص 11.

14- سياسي مستقبل، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، المغرب العربي، ع 6، س 1، 8/8/1947، ص 1.

15- ظهرت هذه الحركة بزعامة مصالي الحاج في ديسمبر 1954. بعد أن انشق حزبه "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية في هذه السنة، إلى جبهتين: إحداهما تناصره، وهم المصاليون ومنهم تكونت (MNA) والأخرى معارضة له، وهم أعضاء اللجنة المركزية، وفئة منهم قامت بتفجير الثورة رفقة مناضلينآخرين. ينظر: بنيامين سطورا، مصالي الحاج، رائد الوطنية الجزائرية، 1898-1974، منشورات الذكرى الأربعين للاستقلال، الجزائر، 1998، ص 228.

16- عن هذه الجريدة، ينظر:

- ابن باديس، الجزائر، المنتقد، ع 5، س 1، 30/7/1925، ص 3.

- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي 1830-1954، ج 5، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1998، ص 258.

- محمد ناص، الصحف العربية في الجزائر من 1847 إلى 1939، المرجع السابق، ص 55.

- مرتاض عبد المالك، أدب المقاومة الوطنية في الجزائر (1830-1962)، ج2، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية، وثورة أول نوفمبر، الجزائر، 2003، ص 92.

- Ihaddaden Zohir, Histoire de la presse indigène en Algérie des origines jusqu'en 1930, 2ème, les édition Ihddaden, Alger, 2003, P 322.

- C.A.O.M, cote 15H/ 13, journal "EL-DJAZAIR".

17- صدر العدد الأول من البرق في 7 مارس 1927، وقد بشرت بها النجاح، فقالت عنها " اسم جريدة في الصحافة الأسبوعية، تبحث في مسائل الترقي والعمران، والمصلحة العامة، تمتاز باشتغالها بشؤون الواردات والصادرات منأنواع البضائع، والنتائج الجزائرية "، عطلت الحكومة العامة البرق، وهي ما تزال في عمر الزهور إذ لم يسحب منها أكثر من 23 عددا. حول هذه الصحيفة ينظر:

- عبد المجيد الرحموني، إلى القراء، البرق، ع 17، س 1، /4/7/1927، ص 1.

- النجاح، ع 15، س 1، /4/3/1927، ص 2.

- ناصر محمد، المقالة الصحفية الجزائرية، نشأتها، تطورها، أعلامها، من 1903 إلى 1931، مج 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978، ص 237.

18- كان صدور العدد الأول من صحيفة السنة أما الأخير منها كان في 3/7/1933، حول هذه الصحيفة، ينظر: عبد الحميد بن باديس، "بواعثنا، خطتنا، غايتنا"، السنة، ع 1، س 1، 3/4/1933، ص 8.

19- صدر العدد الأول من صحيفة الشريعة أما العدد الأخير فكان بتاريخ حول هذه الصحيفة، ينظر: عبد الحميد بن باديس، تعطيل «السنة» وإصدار «الشريعة»، الشريعة، ع 1، س 1، 17 جويلية 1933، ص 1.

20- حول صحيفة الصراط، ينظر: عبد المالك مرتاض، أدب المقاومة الوطنية في الجزائر، ج 2، المرجع السابق، ص 233.

21- صدر العدد الأول من الجحيم بتاريخ 30/3/1933، حول هذه الصحيفة ينظر: سليمان الصيد، محمد السعيد الزّاهري، الحلقة الثانية، النصر، ع 4213، 31/5/1987، ص 7.

22- حول صحيفة الوفاق، ينظر: الزّاهري، الفاتحة، المغرب العربي، ع 1، س 1، 13/6/1947، ص 1.

- C.A.O.M 15H23, Alger, la presse indigènes, journal "El Ouifak, n° 1, 23/3/1938", daté 25/3/1938.

23- حول صحيفة المغرب الغربي، ينظر:

- الزّاهري، الفاتحة، المغرب العربي، مصدر سابق، ص 1.

- زهير احدادن، الصحافة المكتوبة في الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991، ص 108.

- Houcine Aït Ahmed, Memoires d'un combatant, L'esprit d'indépendnce 1942- 1952, Ed bochène, Alger, 1990, p 108.

24- وحول صحيفة عصا موسى، ينظر:

- مفدي زكرياء، تاريخ الصحافة العربية في الجزائر، جم وتح، أحمد حمدي، مؤسسة مفدي زكرياء، الجزائر، 2003، ص 188.

- الطاهر بن عيشة، شيخ الأدب والصحفيين، المحقق، ع 8، 1- 8/5/2006، ص 32.

25- كان يحررها الأمير خالد، كانت المعادية للاستعمار واللامساواة، وداعية للوطنية. ينظر: عبد المالك مرتاض، أدب المقاومة الوطنية، ج 2، المرجع السابق، ص ص 204- 205.   

26- جريدة إصلاحية لأبن باديس ( 1925-1939)، ينظر أعداد الشهاب كاملة في ستة عشر مجلدا، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.

27- جريدة إصلاحية للطيب العقبي، ظلت تصدر متقطعة، (1927- 1948).

28- C.A.O.M, cote 93/4294, Op.cit, p 2.

- CAOM 15H23,Alger,presse indigènes, journal "El Ouifak, n° 1, 23/3/1938", daté 25/3/1938.

29- أحمد حماني، صراع البدعة والسنة، ج 2، ط 1، دار البعث، قسنطينة، ص 133. وأنظر أيضا: الزبيري العربي، المثقفون الجزائريون والثورة، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، (الجزائر)، 1995، ص 66.

30- الزّاهري، في الموقف الحاضر، الشهاب، مصدر سابق، ص 363.

31- حول هذه المدرسة، ينظر:

- محمود علالي، الحركة الإصلاحية في الأغواط "1916- 1958"، تق، بوعزة بوضرساية، منشورات بلوتو، الجزائر، 2008، ص 101.

- الزّاهري، إلى بني الأغواط، الشهاب، ع 103، س 3، 30/1/1927، ص ص 14.

32- سليمان الصيد، مدرسة الإخاء في بسكرة، 1931، ودورها في نشر الثقافة العربية والإسلامية، في منطقة الزيبانوغيرها، تق، دبابش عبد الحميد وعبد الحليم الصيد، المركز الثقافي في بسكرة، 2003، ص ص 09- 14.

-      محمد الحسن فضلاء، المسيرة الرائدة للتعليم العربي الحر بالجزائر، ج 1، ط 1، دار الأمة، الجزائر، 1999، ص 64.

-      مخبر، حول تأسيس مدرسة عربية يديرها الأديب الزّاهري، النجاح، ع 412، س 7، 25/02/927، ص 2.

33-C.A.O.M, cote 93/4294, Op.cit, p 2.

34- الزّاهري، الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، دار الكتب، الجزائر، (د.ت)، ص 5 وما بعدها.

35- سليمان الصيد، محمد السعيد الزّاهري، (الحلقة الأولى)، النصر، مرجع سابق، ص 7.

36- مبارك الميلي، الإصلاح "حاجتنا إليه، أبوابه، وسائله، أسلوبه"، الإصلاح ع 5، س 3، 17/10/1929، ص 1.

37- محمد ناصر الدين الألباني، السلسلة الصحيحة، مج 4، ص 456.

38- أبو عبد الله يوسف الزاكوري، تعليق على مقال "السلفية و الطرقية" للشيخ الرحالي الفاروقي،www.akssa.inf، متاح بتاريخ،15/09/2010، ص 8.

39- محمد دراجي، الشيخ عبد الحميد بن باديس "السلفية والتجديد"، دار الهدى عين مليلة، الجزائر، 2012، ص 100، وما بعدها.

40- ينظر مجموعة من المقالات كتبت في هذا الصدد:

-   الزواوي أبو يعلي، وهابي، " ولا تنابزوا بالألقاب..." الصراط، ع 6، س 1، 23/10/1933، ص4.

-   الزّاهري، ( بتصرف )، محمد الحجوي، الوهابيون سنيون حنابلة،الصراط، ع 3، س 1، 25/9/1933، ص 3.

41-   الزّاهري، هل كان الشيخ التجاني "وهابيا"؟؟. حقائق من التاريخ لا يعلمهن كثير من الناس،الصراط، ع 7، س 1،30/10/1933، ص 4.

43- Ali Merad, Le réformisme musulman en Algérie de 1925 à 1940, 2ème ed, les éditions El Hikma, Alger, 1999, p 192.

42- الزّاهري، ( بتصرف )، محمد الحجوي، الوهابيون سنيون حنابلة، المصدر السابق.

'43- الزّاهري، « الوهابيون سنيون حنابلة»، إيضاح وتعليق،الصراط، ع 5، س 1، 16/10/1933، ص 4.

44- الزّاهري، « الوهابيون سنيون حنابلة»، المصدر السابق.

45- المصدر نفسه، ص 5.

46- الزّاهري، ( بتصرف )، محمد الحجوي، الوهابيون...، المصدر السابق، ص ص 3- 4.

47- الزّاهري، « الوهابيون سنيون حنابلة»...، المصدر السابق.

48- حول الطريقة التجانية، ينظر: محمد مرغيث، موقف الشهاب من قضايا معاصرة "1925- 1939"، (ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر)، بإشراف حميدة عميراوي، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، 2003، ص 125.

49- الزّاهري، هل كان الشيخ التجاني "وهابيا"؟؟.، المصدر السابق.

50- عبد الإله بلقزيز،الخطاب الإصلاحي في المغرب " التكوين والمصادر "، 1844-1918، ط 1، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1997، ص ص 50-51.

51- يستقي الزّاهري معلوماته حول هذه البعثة من مصدر واحد تقريبا، وهو كتاب الاستقصا للناصري، ينظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تح وتع، جعفر الناصري ومحمد الناصري، ج 8، دار الكتاب، الدار البيضاء، المغرب، 1997، ص ص 118 وما بعدها.

52- الزّاهري، هل كان الشيخ التجاني " وهابيا "؟؟...، المصدر السابق، ص 4.

53- المصدر نفسه.

54- المصدر نفسه.

55- المصدر نفسه.

56- الناصري، المصدر السابق، ص ص 22- 23.

57- الزّاهري، هل كان الشيخ التجاني " وهابيا "؟؟...، المصدر السابق، ص 4.

58- المصدر نفسه.

59- المصدر نفسه، ص 5.

60- المصدر نفسه.

61- المصدر نفسه.

62- المصدر نفسه.

63- المصدر نفسه.

64- المصدر نفسه،ص 6.

65- ضيف عبد السلام، المرجع السابق، ص 24.

66- الزّاهري، ما هو العلاج؟، الصراط، ع 11، س 1، 2/11/1933، ص 6.

67- المصدر نفسه، ص 7.

68- المصدر نفسه.

69- محمد حاج عيسى، الردَ النفيس في الطاعن على العلامة ابن باديس، مكتبة الإمام مالك، الجزائر، 2008، ص 90.

72- ينظر تفسير هذه الآيات في: عبد الرحمان السعيدي،

71- تأبط...، أردنا نصيحة فأراد فضيحة (6)، وادي ميزاب، المصدر السابق، ص 3.

72- محمد السعيد الزّاهري، «للنشر الحرّ»، الشهاب، ع 154، س 4، 5/7/1928، ص 9.

73- الزّاهري، الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، دار الكتب، الجزائر، (د.ت)، ص ص 70، وما بعدها.

74- سورة الحشر، الآية 7.

75- سورة النساء، الآية 59.

76- سورة الأحزاب، الآية 21.

79- تأبط...، أردنا نصيحة فأراد فضيحة، وادي ميزاب، ع 70، المصدر السابق، ص 3.

78- المصدر نفسه.

79- تأبط...، أردنا نصيحة فأراد فضيحة (6)...، المصدر السابق، ص 3.

80- المصدر نفسه.

81- محمد حاج عيسى الجزائري، المرجع السابق، ص 29.

82- الزّاهري، الإسلام في حاجة إلى دعوة وتبشير، النور، ع 33، س 1، 17/5/1933، ص 3.

83- جساس، الرسائل الخاصة، البرق، ع 18، س 1، 11/7/1927، ص 3.

84- سالم لبيض، الإسلام الطرقي في المغرب العربي بين الاضمحلال والتجدد، مثال " البلاد التونسية "، روافد، ع 6، جامعة منوبة، تونس، 2001، ص 142.

85- عبد الإله بلقزيز، المرجع السابق، ص 143.

86- إدوارد دونوفو، الإخوان دراسة إثنولوجية حول الجماعات الدينية عند مسلمي الجزائر، تر، فيلالي كمال، دار الهدى، عين مليلة، ص 24.

87- سالم لبيض، المرجع السابق، ص 142.

88- حول الطرق الصوفية المنتشرة في الجزائر ينظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، 1830- 1954، ج 4، ط 1، دار الغرب الإسلامي بيروت، لبنان، 1998، ص 28.

98- أبو عبد الله يوسف الزاكوري، المرجع السابق، ص ص 13- 14.

90- الزّاهري، في مجلس حجاج، الشريعة، ع5، س1، 14/8/1933، ص ص 4- 5.

91- المصدر نفسه، ص 5.

92- الزّاهري، في مجلس حجاج، الشريعة، ع5، س1، 14/8/1933، ص 5.

93- المصدر نفسه.

94- مصطفى عبد الرازق، مادة تصوف، دائرة المعارف الإسلامية، تر، إبراهيم زكي خورشيد وآخرين، مج 5، أكتوبر،1933، ص 285.

95- سورة يونس، الآية 62.

96- سورة آل عمران، الآية 175.

97- سورة يونس، الآية 62.

98- الزّاهري، في مجلس حجاج، المصدر السابق، ص5.

99- المصدر نفسه.

100- الزّاهري، نحن لا ننكر الولاية، الشهاب، مج 8، ج 1، جانفي 1932، ص ص 23-24.

101- الزّاهري، للنشر الحر (2)، الشهاب، ع 155، س 4، 12/7/1928، ص ص 108- 109.

102- مصطفى عبد الرازق، المرجع السابق، ص ص 225- 286.

103- النووي، بستان العارفين، نقلا عن: مبارك الميلي، رسالة الشرك ومظاهره، تق، العربي التبسي، الشهاب، باتنة، الجزائر، (د.ت.ط)، ص 129.

104- الزّاهري، إلى " زيارة سيدي عابد " أحاديثنا في القطار (2)، الصراط، ع 8، س 1، 6/11/1933، ص 4.

105- المصدر نفسه، ص ص 4- 5.

106- الزّاهري، إلى " زيارة سيدي عابد " أحاديثنا في القطار (2)، المصدر السابق، ص 4.

107- الزّاهري، الحكومة وأبناء الزوايا، الشهاب، ع 68، س 2، 15/11/1926، ص 12.

108- الزّاهري، إلى " زيارة سيدي عابد " أحاديثنا في القطار (2)، المصدر السابق، ص 6.

109- عبد الإله بلقزيز، المرجع السابق، ص 143.

110- طلاع الثنايا، صلاة العلويين، البرق، ع 3، س 1، 21/3/1927، ص 2.

111- سورة الأعراف، الآية 63.

112- الزّاهري، " للنشر الحرّ "، المصدر السابق، ص 6.

113- المصدر نفسه.

114- الزّاهري، " الوهابيون سنيون حنابلة " إيضاح وتعليق، الصراط، ع 5، س 1، 16/10/ 1933، ص 5.

115- عدي الهواري، الاستعمار الفرنسي في الجزائر، سياسة التفكيك الاقتصادي الاجتماعي 1830- 1960، تر، جوزيف العبد الله، ط 1، دار الحداثة، بيروت، 1982، ص ص 127- 128.

116- أبو القاسم سعد الله، أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج 4، المرجع السابق، ص 20.

117- الزّاهري، في مجلس الحجاج، المصدر السابق، ص 2.

118- الزّاهري، في مجلس الحجاج، المصدر السابق، ص 3.

119- المصدر نفسه.

120- الزّاهري، في مجلس الحجاج، المصدر السابق، ص 2.

121- صدر الجزء الأول من هذه السلسلة بدء من العدد الثامن (8)، 6/11/1934.

122- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج 4، المرجع السابق، ص ص 12- 18.

123- سالم لبيض، المرجع السابق، ص 144.

124- الزّاهري، " زيارة سيدي عابد!!..."، الصراط، ع 16، س 1، 1/1/1934، ص 3.

125- ينظر: بين حنيف وطرقي، الشهاب، ع 152، س 4، 21/06/1928، ص ص 62- 63.

126- أبو يعلي الزواوي، التصوف!!؟؟، البصائر، ع 7، س 1، 14/02/1936، ص 4.

127- سورة البقرة، الآية 165.

128- الزّاهري، في مجلس حجاج، المصدر السابق، ص 1.

129- الزّاهري، اعترافات طرقي قديم، الشريعة، ع 7، س 1، 28 أوت 1933، ص 3.

130- سورة آل عمران، الآية 73.

131- الزّاهري، اعترافات طرقي قديم، المصدر السابق، ص 4.

132- مرتاض عبد المالك، أدب المقاومة الوطنية، ج 1، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية، وثورة أول نوفمبر، الجزائر، 2003، ص 352.

133- الزّاهري، اعترافات طرقي قديم، المصدر السابق، ص المصدر 5.

134- سورة فاطر، الآية 18.

135- الزّاهري، اعترافات طرقي قديم، المصدر السابق، ص 5.

136- المصدر نفسه.

آخر التغريدات: