العلاّمة محمد الخضر حسين الجزائري ونضاله التحرّري من خلال (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)

بقلم: فوزي مصمودي-

شكّل العلامة الشيخ محمد الخضر حسين (1873-1958) الجزائري الأصل ، والتونسي المولد والنشأة ، والمصري الجنسية، وشيخ الأزهر الشريف بمصر (1952-1954) إحدى القامات السامقة والعلامات الفارقة في مسيرة الفكر الإسلامي والنضال التحرّري العربي ، فقد كان من المصلحين المجدّدين والمكافحين الوطنيين، ومن أصحاب المواقف الرصينة والثّابتة ، ومن الذين أثروا المكتبة العربية والإسلامية بكم هائل من المؤلفات والمقالات والمحاضرات والرسائل... وقد توزع نشاطه النضالي والتنويري بين تونس وألمانيا وسوريا ومصر .

ومن الجوانب التي لم يسلط عليها الذين أرّخوا لمسيرته الإصلاحية في العالم الاسلامي؛ فكره التحرري ونشاطه الوطني ونضاله الثوري ، ومقارعته الاحتلال الفرنسي لتحرير المغرب العربي، لاستعادة هويّته الوطنية وقيمه الروحية وأبعاده الحضارية.

وقد تجلّى ذلك في مشاركته وتأسيسه عديد الجمعيات ، التي كان هدفها الرئيس تحرير هذه الأقطار من براثن الاحتلال ،لاسيما في شمال إفريقيا (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب الأقصى)، كإسهامه في نشاط اللجنة التونسية الجزائرية لتحرير بلاد المغرب بألمانيا عام 1917، وتأسيسه لـ (جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية) في شهر جوان 1924، والتي سنّ لها بنفسه قانونها الخاص ، إلا أنها لم تعمّر طويلا ، بالرغم من ترحيب الصحافة آنذاك بهذا المولود الجديد ، خلافا لـ (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي استمرت في نشاطها الدؤوب طيلة أربعينيات القرن الماضي ، والتي تعد محطة هامة من محطات النضال الوطني التي خطّها الشيخ محمد الخضر حسين ( محمد الأخضر حسين ) وكانت غايتها ؛ الدفاع عن شعوب شمال إفريقيا وتحرير أوطانهم من المعتدين . وقد جمع حوله نخبة من المصلحين والعلماء والكُتّاب والأساتذة ، من مصر والجزائر وتونس وليبيا ... واختير الشيخ الخضر رئيسا لها .

وقد قامت هذه الجمعية في تلك الظروف الاستثنائية بنشاط متميّز من خلال : عقد المؤتمرات واللقاءات ، وتحرير البرقيات والرسائل والمذكرات والنداءات ، التي كان يدبّج أغلبها بنفسه ، أو رفقة سكرتير الجبهة المجاهد الأستاذ الفضيل الورتيلاني ، وكان يحرص على إرسالها إلى ساسة العالم والقوى المحبّة للسلام والمنظمات العربية والدولية ، وهذا في سبيل تحرير المغرب العربي.

لمحات من مسيرة العلامة محمد الخضر حسين…

ينتمي المصلح الشيخ محمد الخضر حسين إلى عائلة جزائرية (من ولاية بسكرة حاليا ) انتقلت إلى الجنوب الغربي التونسي غداة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وبالتحديد إلى قرية نفطة (بولاية توزر حاليا )، فوالده الشيخ حسين بن الشيخ علي بن عمر الطولقي ، هذا الأخير الذي أسس زاوية بطولقة عام 1780 م ، مازالت إلى اليوم تؤدّي دورها العلمي ، ووالدته السيدة دخّـة ابنة الشيخ مصطفى بن عزوز أحد أعلام بلدة برج بن عزوز بولاية بسكرة حاليا ، وقد هاجر والده الشيخ حسين إلى تونس في حدود عام 1837 رفقة شيخه العلامة مصطفى بن عزوز دفين نفطة ، حيث شيد زاوية هناك .

وفي رحاب هذه البلدة ولد الشيخ محمد الخضر عام 1873 م وبها أخذ تعليمه الأولي ، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس العاصمة ، حيث درس على مجموعة من العلماء ، كان من أبرزهم خاله العلامة المكي بن عزوز(1).

وتتوزع حياة ومسيرة الشيخ محمد الخضر حسين على أربع مراحل رئيسة، تشمل تونس وألمانيا وسوريا ومصر(2) حيث شهدت تونس نشأته ودراسته والإرهاصات الأولى لنشاطه العلمي والوطني من خلال محاضراته ومساجلاته وتأسيسه ( السعادة العظمى ) كأول مجلة تصدر بتونس عام 1904 م .

ونتيجة للحصار الذي فرضته إدارة الاحتلال الفرنسي عليه بتونس ، ومضايقات بعض العلماء له فقد اضطر للهجرة إلى سوريا ، حيث اختير عضوا بالمجمع العلمي العربي عام 1919 م ، ولم يلبث أن غادرها عام 1920 م بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا ، عقب معركة ميسلون الشهيرة .
وقد استقر به المقام بمصر التي شهدت معاركه الفكرية(3) ومساجلاته العلمية وتآليفه الجمّة ومقالاته الرصينة ، حيث شارك في الحياة العلمية هناك كمدرس ومؤلف وصحفي بارع ورئيس لجمعية الهداية الإسلامية ، كما تقلد مشيخة الأزهر الشريف من عام 1952 إلى 1954(4) إلى أن وافاه أجله يوم 02 فيفري 1958، ليدفن بمقبرة آل تيمور بالقاهرة.

وقد أغنى الشيخ محمد الخضر حسين المكتبة العربية والإسلامية بمجموعة ضخمة من الكتب والمصنفات والرسائل منها:

الحرية في الإسلام ، تونس (1909)

نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ، لعلي عبد الرازق ، القاهرة (1926)

نقض كتاب في الشعر الجاهلي ، لطه حسين ، القاهرة (1927)

الدعوة إلى الإصلاح ، القاهرة (1928)

علماء الإسلام في الأندلس ، القاهرة (1928)

القياس في اللغة العربية ، القاهرة (1935)

خواطر الحياة .. ديوان شعر ، القاهرة (1953)

دراسات في العربية وتاريخها ، دمشق (1961)

رسائل الإصلاح ، دمشق (1971)

الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان ، دمشق (1971)

بلاغة القرآن ، دمشق (1971).

تونس وجامع الزيتونة ، دمشق (1971)

الخيال في الشعر العربي ، دمشق (1971 )

محمد رسول الله وخاتم النبيين ، دمشق ( 1972 ) (5)

إضافة إلى العديد من المقالات والدراسات والمحاضرات (6)

كما برع في المجال الصحفي ، حيث أصدر عام 1904م مجلة ( السعادة العظمى ) بتونس ، وبمصر أصدر مجلة ( الهداية الإسلامية ) عام 1929 ومجلة ( نور الإسلام ) عام 1930 م ، وكذا مجلة ( لواء الإسلام )عام 1947 (7) .

من نشاطه ونضاله التحرري

صفحة أخرى من صفحات النضال الوطني لتحرير المغرب العربي ، التي نقرأها في سجل مسيرة العلامة المصلح الشيخ محمد الخضر حسين، ومن ذلك:

مشاركته في نشاط ) اللجنة التونسية الجزائرية لتحرير بلاد المغرب بألمانيا ( وهذا قبل نهاية الحرب العالمية الأولى 1917 ــ 1918، يوم كان مقيما بألمانيا، وخلالها كان يلقي المحاضرات على الجنود المغاربة ( تونس والجزائر والمغرب الأقصى ) الأسرى من جيوش الحلفاء، والعمل على إمالتهم ،وضمّهم إلى جانب الثورة من أجل الاستقلال والحرية لأوطانهم (8)

وكان من المحرّضين للثورة على فرنسا، وقد كلّفه ذلك حكما بالإعدام من قبل السلطات الفرنسية ، كما صدر الأمر المؤرخ في 15جوان 1917 ، والذي تضمن ما يلي « حجزت بقصد بيـعها أملاك الأخضـر بن الحسـين المدرس السـابق في الـجامع الأعظم ،الذي ثبت عصيانه »(9)

- تأسيسه جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية 1924

بعد خروجه من سوريا عقب معركة ميسلون عام 1920 ، وفشل المقاومة العربية السورية ، ودخول الفرنسيين إلى هذا البلد العربي ، لجأ الشيخ محمد الخضر حسين إلى مصر، التي اتّخذها ملاذا له ، ولم يلبث أن شرع في نشاطه الثقافي والفكري والأدبي والسياسي ، من خلال المشاركة في المنتديات واللقاءات وتدبيج المقالات وتأليف الكتب …

كما أسّس جمعية جديدة أطلق عليها اسم ( جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية ) عام 1342هـ الموافق جوان 1924 م ، ووضع لها قانونا ، ضم توطئة وعشرين مادة ، وفي مادتها الأولى كتب « تألفت في مدينة القاهرة جمعية خيرية إصلاحية تسمى : جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية : طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش « ( 10 )

ومن مقاصدها وأهدافها الرئيسة ، تنوير أفكار أبناء هذه الأقطار، وبثّ الأخلاق الفاضلة بينهم والدفاع عن حقوقهم بالطرق الحكمية السليمة.

وقَدّر قيمة اشتراك أعضاء الجمعية بـ ( خمسة قروش مصرية) ، وبيّن واجباتهم وحقوقهم ، بعد أن قسّمهم إلـى أعضاء : عاملين ، ومساعدين ، وأعضاء شرف .

وقد تشكلت الهيئة الإدارية لهذا الفضاء النضالي الوطني من السّادة :

الإمام محمد الخضر حسين ـ تونس ( رئيسا )

الأستاذ طاهر محمد التّونسي ــ تونس ( عضوا )

المحامي محمد عبد الوهاب ــ المغرب (عضوا )

الدكتور عبد العزيز قاسم ــ المغرب ( عضوا )

الأستاذ محمد الرّزقي ــ الجزائر ( عضوا )

الدكتور محمد عبد السلام العيادي ــ الجزائر ( عضوا )

الأستاذ محمد التهامي نصر ـ ليبيا ( عضوا )

الأستاذ عبد الله الكافي ــ ليبيا(عضوا ) (11)

وقد كان لهذه الجمعية نشاط لم يدم طويلا ، بعد أن حلت محلها ( جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية ).

وقد استبشرت الصحافة المصرية الصادرة في ذلك الحين بتأسيس هذه الجمعية ، وما انبثق عنها من لجان ، حيث كتبت مجلة ( الزهراء ) للأستاذ محبّ الدين الخطيب « أسّست جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا في القاهرة لجنة لنشر آداب إفريقيا الشمالية العربية وحضارتها ، برئاسة الأستاذ السيد محمد الخضر التونسي ، للبحث عن الكتب التي تعرضت لهذا الموضوع ، وإلقاء المحاضرات فيه ، وتـرجمة ما ورد عن ذلك في الصـحف والكتب الأجنبية، وقررت نشر ما يحرّره أعضاؤها في الزهراء » (12).

وقد استمرت هذه الجمعية في نشاطها إلى غاية الحرب العالمية الثانية، حيث توقّف نشاطها في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي .

- جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية 1944

بعد توقف جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية ، وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية ، بادر العلاّمة محمد الخضر حسين ، رفقة مجموعة من الوطنيين والمناضلين المخلصين من شمال إفريقيا بتأسيس جبهة جديدة ، تجمع شتات جاليات أقطار المغرب العربي المقيمة بالقاهرة ، لتكون أشدّ وطأة على المحتل الفرنسي ، الذي عبث بتراث وقيم ومبادئ وثروات الجزائر وتونس والمغرب الأقصى ، إلى جانب الجزء الأكبر من ليبيا ( فزّان ) وكان ذلك بتاريخ 01 ربيع الأول 1364 هـ الموافق 18 فبراير 1944 م ( 13) .

ولذلك فقد عمل على جمع شرائح واسعة من الجالية المغاربية في مصر حول مشروعه التحرري الجديد (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية ) وقد كتب المجاهد الجزائري الأستاذ الفضيل الورتيلاني ــ أحد مؤسّسي الجبهة ــ يقول : « ولما جاء عام 1944 تألفت هيئة عامة لجمع الشمل ، وتوحيد الرأي والكفاح ، سميت (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) تحت رئاسة العلامة الجليل شيخ الأزهر سابقا الأستاذ الأكبر محمد الخضر حسين وسكرتارية الأستاذ الفضيل الورتيلاني ، وضمت أعضاء من جميع أقطار المغرب العربي ، ومن جميع الهيئات والأحزاب، ووضعت لها قانونا أساسيا استهدفت فيه بالدرجة الأولى ؛ استقلال هذه البلاد ، استقلالاً تاما لا زَيْف فيه ، ووحدة كاملة شاملة لانقص فيها ، فأبلت هذه الجبهة بلاءً عظيما في سبيل تنمية روح الاستقلال والوحدة في نفوس أبناء المغرب العربي » (14)
وقد اتخذت هذه الجبهة من دار جمعية الهداية الإسلامية في القاهرة مقرا لها ، والتي كان الخضر الحسين رئيسا لها ورئيسا لتحرير مجلتها (الهداية الإسلامية). وفي الاجتماع التأسيسي الأول الذي عقد في ذي الحجة 1363هـ 1944 ، تمّ انتخاب الشيخ محمد الخضر حسين رئيسا لها.

وقد تشكل المكتب من السادة :

- الشيخ محمد الخضر حسين ، عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية ( رئيسا ) .
- الأمير مختار الجزائري ، من عائلة الأمير عبد القادر الجزائري ورئيس لجنة الدفاع العليا عن الجزائر ( نائبا للرئيس )

- نجيب بك برادة ، عضو مجلس الشيوخ المصري (نائبا للرئيس)

- الأستاذ الفضيل الورتيلاني ، سكرتير لجنة الدفاع عن الجزائر ( سكرتير عام)

- الأستاذ أحمد بن المليح (سكرتير مساعد)

- الأستاذ محسن مصطفى بيرم (سكرتير مساعد)

- السيد السعيد أفندي عمر فايد ، من كبار التجار ( أمين المال)

- السيد أفندي السعدي ، من التجار ( سكرتير مالي )

- السيد مصطفى بك بيرم ، مستشار بالمحكمة المختلطة سابقا ( مستشار )

- السيد محمود بك الطوير(مستشار)

- الدكتور محمد عبد السلام العيادي ( مستشار )

ومن أعضائها المستشارين:

- الشيخ إسماعيل علي، المدرس بمعهد القاهرة- الشيخ السعدي محمد، المدرس بمعهد القاهرة
- الشيخ إبراهيم اطفيش الجزائري ، موظف بدار الكتب المصرية

ـ الحاج حسن التلمساني ، تاجر .

وبعد تأسيس الجامعة العربية عام 1945، انتَخَب أعضاء الجبهة بالإجماع للتمثيل والاستشارة في هذا التنظيم العربي الآتية أسماؤهم :

- فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين

- الأستاذ الفضيل الورتيلاني

- الأستاذ نجيب بك برادة

ــ الدكتور محمد عبد السلام العيادي

وقد أصدرت الجبهة نـداءها الأول فبيّنت من خلاله جرائم فرنسا الاستعمارية في الأقطار الأربعة : ( الجزائر ، تونس ، المغرب الأقصى ، ليبيا) . ومما ورد في هذا النداء « .. وما ارتكبته ــ أي فرنسا ــ من فظائع التنكيل والتقتيل ، مما زاد الوطنيين حماسة لقضيتهم وقوّى اتجاههم إلى العمل لتحرير أوطانهم، وقد عَرَفَ صدق عزيمتهم جاليات في مصر من أبناء تلك البلاد ، فانشؤوا جبهة تدعى (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) لتكون عونا لتلك الشعوب على بسط قضيتهم للعالم الإسلامي، وتتولى الدفاع عنها بيقظة وحزم ، وتعمل لهزّ العواطف النبيلة في نفوس الأمم الإسلامية، حتى يشدّوا أزرها في العمل لتحرير وإسعاد خمسة وعشرين مليونا من العرب المسلمين، وإنقاذهم من الاندماج في الجنسية الفرنسية، وانقلابهم إلى الديانة النصرانية وهما الغرضان اللذان تعمل لهما فرنسا ليلها ونهارها » (15)

وقد انظم إلى هذه الجبهة العديد من السياسيين والمصلحين المقيمين في مصر ، على غرار المناضلين في الحزب الحر الدستوري التونسي ، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب الشعب الجزائري ، إضافة إلى العديد من السياسيين ، كـ : مُحي الدين القُليبي ، وأحمد تيمور باشا (16)

من انجازات جبهة الدفاع من إفريقيا الشمالية :

من أبرز الأعمال والإنجازات التي قامت بها جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية ؛ تحرير العديد من البرقيات ، والمذكرات والرسائل والنداءات ، التي كان العلامة الخضر حسين يوقّعها باسمه ، وفي أحايين كثيرة تكون مقرونة بإمضاء سكرتير الجبهة الأستاذ الفضيل الورتيلاني ، وقد وثّقت لنا مجلة (الهـداية الإسلامية) التـي كان الشـيخ الخضر يصدرها بالقاهرة ، العديد من هذه المذكرات ، ومن ذلك :

ــ برقية أرسلت إلى كل وزراء خارجية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، عام 1364 الموافق 1945.

ــ نداء وبيان حول الحالة المزرية التي كانت تعيشها أقطار المغرب العربي بسبب الاحتلال الفرنسي ، وكذا الإسباني بشمال المغرب الأقصى .

ومما جاء في البيان : » فالفرنسيون بشمال إفريقيا كالإسبانيين ــ طبعا المتواجدين بشمال المغرب الأقصى ومازالوا إلى اليوم بمدينتي سبتة ومليلية ــ يسيؤون إلى الإنسانية والعروبة والإسلام بالاعتداء على أموال تلك الشعوب وأعراضهم ودينهم ، وتقتيل عشرات الآلاف منهم واعتقال عشرات الآلاف من الذين قاموا يطالبون بحقوقهم » (17)

ــ مذكرة إلى مؤتمر الجامعة العربية والتي أرسلت إلى سعادة عبد الرحمن عزام بك الأمين العام للجامعة ، وقد عرضـت المذكرة ما يعانيه سكان تونس والجزائر والمغرب الأقصى (مراكش) من ألوان الاعتداء على الأنفس والأعراض والدين والأموال، وهنا يتضح جليا غلبة الجانب الشرعي الأصولي على فكر العلامة الخضر حسين ، مستنبطا من مقاصد الشريعة الإسلامية كلياتها الخمس ، وهي حفظ : ( الدين ، النفس ، العقل ، النسل ، المال ) .

لم تكتف جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بالمذكرات والنداءات التي توجهها إلى الجمعيات والمنظمات المحلية والعربية، بل عمدت كذلك إلى إرسال برقية إلى هيئة الأمم المتحدة ، وبالرغم من قصر هذه البرقية التي لم تتعد صفحة واحدة إلا أنها استطاعت أن تصور بشاعة الاحتلال الفرنسي ، آملة من هذه الهيئة تخليص أقطاره من الاعتداء الفرنسي ومما جاء في هذه البرقية التي وقّعها رئيس الجبهة الشيخ محمد الخضر حسين : » احتلت فرنسا تونس والجزائر ومراكش منذ عشرات السنين وجرت إلى احتلالها على أفظع ما يُتخيل من الاستبداد ، ومازال سكانها وهم وارثو الحضارة العربية الأندلسية يطالبون بحريتهم فتزداد فرنسا إمعانا في اضطهادهم وتلجئهم إلى الثورة عقب الثورة » (18)

ــ بيان حول مجازر08 ماي 1945 بالجزائر ، وقّعه سكرتير الجبهة الأستاذ الفضيل الورتيلاني معتبرا هذه المظاهرات العارمة بمثابة ( ثورة الجزائر العربية ) (19)

ــ وفي نفس السياق أرسلت الجبهة برقية إلى الجامعة العربية ودول الأمم المتحدة حول هذه المجازر الرهيبة وقّعها معا الشيخ محمد الخضر حسين والأستاذ الفضيل الورتيلاني ، ومما جاء في البرقية »في بلاد الجزائر ثورة دموية واسعة النطاق ، إنما هي وليدة العسف والاضطهاد الذي تصبُّه الحكومة الفرنسية على الوطنيين في غير رحمة ، وإنّ مثل هذه الثورة لشهادة صدق على أن السلام العام الذي تلهج به الدول الديمقراطية، وتعقد له المؤتمرات وتبذل في سبيله ما تستطيع من المجهودات ، لا ينتظم في شمال إفريقيا إلا أن تتخلص شعوبه من ذلك الاحتلال » (20)

ــ مذكرة مرفوعة من الجبهة إلى حضرة الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، عند زيارته إلى القاهرة، وقد افتتح العلامة محمد الخضر الحسين هذه المذكرة بقوله » إن فرنسا ــ يا صاحب الجلالة ــ هجمت على بلاد الجزائر منذ مئة وسبعة عشر سنة ، ودافعها أهلها بحروب نظامية استمرت نحو سبع عشرة سنة ، ولما تغلبت عليهم بكثرة الجند ووفرة السلاح بسطت عليهم سلطانها ، وانتزعت منهم جميع حقوقهم الحيوية والسياسية ، بل اعتبرت ذلك القطر قطعة من فرنسا » (21) ليواصل في تشريح أوضاع بقية الأقطار.
ــ مذكرة إلى جامعة الدول العربية في بداية عام 1946 .

ــ نداء إلى كل من سلطان المغرب الأقصى ، وملك شرق الأردن .

ــ رسالة في سبيل طرابلس ، في 05 جوان 1946، وقّعها الأستاذ الفضيل الورتيلاني .

كما نشر المجاهد الفضيل الورتيلاني سكرتير للجبهة العديد من المقالات التي نشرت في الصحافة المصرية ، ضمّنها كتابه ( الجزائر الثائرة ) المشار إليه آنفا (22) ومن ذلك مقال:

- سيتّحد أبناء إفريقيا الشمالية رغم أنوف المستعمرين، رداً على مقال لموريس فير نشر بيومية ( لوموند) الفرنسية في 12/10/1946.

- إفريقيا الشمالية باستيل القرن العشرين ، دولة الحرية والإخاء والمساواة تحارب الحريّة والإخاء والمساواة وتعتدي على الأديان والأعراض والأموال ، في 28 سبتمبر 1946.

- يوم إفريقيا الشمالية بعد يوم فلسطين.

من نشريات الجبهة:

كما أصدرت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية العديد من المطبوعات والنّشريات المختلفة ، إلا أنها كانت صغيرة الحجم على غرار :

- نشـرة صغيـرة أبـرزت السيّـاسة الإجرامـية في تـونس ، مـن خـلال حديث السفير الفرنسي بتونس ( 23)

ــ إصدار مذكرة في شكل رسالة صغيرة الحجم عام 1948 تحت عنوان ( تونس 67 عاما تحت الاحتلال الفرنسي 1881ــ 1948) وقد صدرت عن مكتب الدعاية والنشر التابع للجبهة ، وهذا في ذكرى احتلال تونس .

لقاءات جوارية وحفلات :

لم تكتف الجبهة بالنداءات والمذكرات والرسائل والمطبوعات ، بل كانت تعقد اللقاءات والحفلات بالقاهرة وبغيرها لشرح مبادئها وأهدافها ، ومن أبرز هذه الحفلات :

ــ حفل بفندق الكونتنتال بالقاهرة عام 1365هـ الموافق أواخر 1945 ، ألقى فيه العلامة الخضر حسين خطابا مطوّلا ، استطاع من خلاله إبراز الأساليب الخبيثة للاحتلال الفرنسي، وتشريع الأوضاع المزرية التي تعيشها شعوب بلاد المغرب ، في ظل احتلال استيطاني ، مذكرا » أنّ شعوب إفريقيا الشمالية قد نفد صبرها، ولم تتمالك أن أصبحت تلح في طلب استقلالها وتتحفز للجهاد في سبيله ما استطاعت » (24).

ــ حفل تكريم جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية للتونسيين اللاجئين إلى مصر في بداية 1946.

ــ حفل بدار الاتحاد العربي بالقاهرة في بداية 1946.

ــ حفل أقامته بتاريخ 05 أفريل 1946 تكريما للوفود العربية، وقد ألقى السيد عبد الرحمن عزّام باشا الأمين العام للجامعة العربية خطابا استجابة للأستاذ الفضيل الورتيلاني سكرتير جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية .


الهوامش

ـ فوزي مصمودي ، تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها، الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية ، بسكرة ، الجزائر ، 2006 ، ص 183 .

ــ محمد مواعدة ، محمد الخضر حسين .. حياته وآثاره ، ط 2 ، الدار الحسينية للكتاب ، دمشق ، سوريا ، 1412هـ / 1992 ، ص . ص 10-11 .

ــ مجاهد توفيق الجندي ، العلامة الشيخ محمد الخضر حسين ، حياته في مصر ومشيخته للأزهر الشريف ، المجلة الخلدونية ، بسكرة ، الجزائر ،ع 08 ، ديسمبر 2010 ، ص 34 .

ــ فوزي مصمودي ، تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها ، مرجع سابق ، ص 183.
ــ فوزي مصمودي ، أعلام من بسكرة ، ج1 ، الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية ،

بسكرة ، الجزائر ، 2001 ، ص . ص 49 - 50 .

ــ وجب التنويه بالمجهودات الجبارة التي قام بها ابن أخيه المحامي الأستاذ علي الرضا الحسيني ( السوري الجنسية ) في جمع الأعمال الكاملة لعمّه العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، وطباعتها في (15 مجلداً) فاخراً. وبالمناسبة قمنا بالجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية ببسكرة بتكريمه أثناء الافتتاح الرسمي للملتقى الوطني السادس (بسكرة عبر التاريخ) الذي خُصص لمسيرة العلامة محمد الخضر حسين ، أيام 25 ، 26 ، 27 ديسمبر 2007 . يوم كنتُ رئيسا لهذه الجمعية الموقرة .

ـــ للاستزادة أكثر في المسيرة الصحفية للشيخ محمد الخضر حسين يمكن الاطلاع على العمل المستقل الذي أنجزه الأستاذ محمد مواعدة التونسي (محمد الخضر حسين .. حياته وآثاره) وكذا كتابنا ( تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها ) الذي صدّر له المؤرخ الجزائري الدكتور أبو القاسم سعد الله - رحمه الله - ...

ــ محمد الخضر حسين ، موسوعة الأعمال الكاملة ، جمع وضبط المحامي علي الرضا الحسيني ، المجلد التاسع ، دار النوادر ، دمشق ، سوريا ، 1431هـ / 2010م ، ص4322 .
9 ــ الرائد التونسي ، النسخة الفرنسية 20 جوان 1917، عن موسوعة الأعمال الكاملة ، مصدر سابق ، ص 4323.

10 ــ محمد الخضر حسين ، موسوعة الأعمال الكاملة ، مصدر سابق ، ص . ص 4401 -4402 .
ــ المصدر نفسه ، ص 4325 .

12- مجلة الزهراء ، القاهرة، الجزء الثالث ، المجلد الأول ، 15 ربيع الأول 1343 هـ / 1924م ، عن موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين ، مصدر سابق ، ص 4325.
13- وثّـق لنا الأمير مختار الجزائري بدقة تاريخ تأسيس جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بالهجري والميلادي ، حسب ما جاء في مقال له نشر ضمن كتاب ( الجزائر الثائرة ) للمجاهد الأستاذ الفضيل الورتيلاني، دار الهدى ، عين امليلة ، أم البواقي ، الجزائر ( طبعة خاصة بوزارة المجاهدين ) 2008 ، ص 280.

14 ـ الفضيل الورتيلاني ، الجزائر الثائرة ، ( طبعة خاصة بوزارة المجاهدين ) دارالهدى ، عين امليلة ، أم البواقي، الجزائر ، 2008 ، ص 276 .

محمد الخضر حسين ، موسوعة الأعمال الكاملة ، مصدر سابق ، ص . ص 4330 – 4331.
ــ المصدر نفسه ، ص 4333.

ــ المصدر نفسه ، ص 4348 .

ــ المصدر نفسه ، ص 4364 .

ــ الفضيل الورتيلاني ، الجزائر الثائرة ، مصدر سابق ، ص 291 .

ــ المصدر نفسه ، ص 294 .

21 - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين ، مصدر سابق ، ص 4364 .

22 – الفضيل الورتيلاني ، مصدر سابق .

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين ، مصدر سابق ، ص 4364.

المصدر نفسه ، ص 4362 .


الأستاذ فوزي مصمودي: باحث في التاريخ ومدير المجاهدين لولاية بشار

محاضرة ضمن فعاليات الملتقى الدولي: دور ومساهمة الجزائريين في حركة التحرر العربي خلال القرنين 19 و20 م ، المنظم من قبل المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 ، بفندق الأوراسي بالجزائر العاصمة ، يومي 19 ــ 20 أفريل 2015 ).

آخر التغريدات: