محمد بن علي السنوسي (1202- 1276هـ) ثقافته وأسلوبه الدعوي

بقلم : د. محمد أحمد عبدالهادي رمضان-

أصيبت الدولة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي بداء الأمم كالحسد والبغضاء، ونخرت في كيانها العصبيات القومية، فظهرت الدعوة إلى القومية الطورانية والعربية والكردية.. وبدأت الثورات تنفجر في بلدانها، والحركات الانفصالية تتكاثر مدعومة بالدول الأوروبية التي كانت تستعد لتقسيم تركة (الرجل المريض).

وأصبحت الأمة تعاني أمراضا اجتماعية متعددة منها تفشي الجهل، والمظالم بين الناس، وصراع الولاة على حطام الدنيا، وعاشت حقبة من الزمان في ظلام دامس وليل حالك. لقد جمد المسلمون في علوم دينهم فليس لديهم إلا ترديد بعض الكتب الفقهية والنحوية والصرفية ونحوها. وجمدوا على فقه المذاهب، وكان جل همهم حفظ المتون والتعمق في الحواشي.

وبدأت الدول الأوروبية تستقطع من عالمنا الإسلامي أجزاء كلما أتيحت لها الفرصة. لقد اهتز المسلمون لهذا الاحتلال الصليبي اهتزازا عنيفاً، كما أبرز احتكاكهم بالغرب، واطلاعهم على تقدمه، تخلف المسلمين وانحطاطهم.

ومن هنا برزت حركات الإصلاح التي كانت قد ظهرت جذورها في العالم الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر بتأثير طائفة من العوامل من بينها، سوء الأوضاع الداخلية في العالم الإسلامي، وتحدى العالم الصليبي المحتل.

فقامت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، وكانت البداية الحقيقية لما حدث في العالم الإسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل، وما نتج عنها من صحوة مباركة بدأت على أثرها الأمة تتلمس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتسير على هدى الإسلام الصحيح في حياتها.

وظهرت الحركة السنوسية على يد مؤسسها الإمام محمد بن علي السنوسي بعد وفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بعشرات السنين، وكان لدعوته أثر بالغ في مسيرة الأمة الإسلامية في الحجاز وشمال إفريقية وغربها ووسطها وغيرها من بلدان العالم الإسلامي. فمن هو محمد بن علي السنوسي، حياته، رحلاته، أعماله، وأسلوبه الدعوي؟

ابن السنوسي، حياته وثقافته:

ولد الإمام محمد بن علي السنوسي بضاحية قريبة من بلدة مستغانم بالجزائر عام 1202هـ صبيحة الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول، عند طلوع الفجر، ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم النبي (صلى الله عليه وسلم).

بعد وفاة والده تولت عمته فاطمة تربيته وتنشئته تنشئة صالحة، وكانت متبحرة في العلوم، ومنقطعة للتدريس والوعظ. وبعد وفاة عمته بسبب الطاعون عام 1209هـ تولى تربيته ابن عمه الشيخ محمد السنوسي الذي تولاه وأتم على ابن عمه حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع علم رسم الخط للمصحف، والضبط، وقرأ عليه الرسالات الآتية: مورد الظمآن، والمصباح، العقيلية، الندى، جزر الأماني للشاطبي، الهداية المرضية في القراءة المكية.

وبعد وفاة ابن عمه 1219هـ، جلس للأخذ عن علماء مستغانم لمدة سنتين كاملتين، ثم توجه إلى بلدة مازونة وظل بها عاما، ثم رحل إلى تلمسان وأقام بها ما يقرب من السنة وتتلمذ على كبار شيوخها.

كان تفكيره في هموم أمته مبكراً واجتهد في البحث عن الأسباب التي أدت إلى التدهور والضعف المخيف في أركان هذه الأمة، وتوصل إلى أن من أسباب هذا الضياع، غياب القيادة الحكيمة، وغياب العلماء الربانيين، وانعدام الغيرة الدينية، والانشغال بالخلافات...إلخ.

رأى ألا سبيل إلى إصلاح أمته إلا بالإيمان والعلم معاً، لأن العلم ظهير الإيمان وأساس العمل الصالح ودليل العبادة. وليزداد في طلب العلم توجه إلى فاس ومكث في المغرب الأقصى سبع سنوات متعاقبة، وكانت تجربته في فاس مثمرة. توجه نحو الشرق، فمر بتونس وليبيا ثم دخل القاهرة في عام 1239هـ/1824م. وفي القاهرة أدرك تماما ضعف دولة الخلافة وتأكد له ذلك بظهور حكومة محمد علي باشا المستبدة فوصل إلى الاقتناع بأنه لا مناص من الإصلاح والنهوض، وكان ابن السنوسي قد خبر مثل هذه الأوضاع في وطنه الأول (الجزائر).

دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م، ونزل مكة، وكانت زيارته لمكة ذات أثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور شأنها، فقد قام بإنشاء أول زاوية في الحجاز وهي زاوية أبي قبيس كوسيلة لنشر أفكاره.

ومكث في الحجاز خمسة عشر عاما استطاع خلالها جمع أعداد غفيرة من الأتباع والمريدين، توجه ابن السنوسي إلى برقة وكانت زاوية البيضاء في الجبل الأخضر أولى الزوايا التي أسسها، وشرع يعلم الناس فيها، ويذكرهم بالله ويرشدهم إلى طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وبدأت القبائل تتوافد إليه طلباً للزيارة والتبرك وتتسابق في إقامة الزوايا أسوة بالزاوية البيضاء. ظل ابن السنوسي خمس سنوات ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها عن طريق الزوايا.

عاد بعد هذه السنوات الخمس إلى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كان للدعوة مركزان رئيسيان، شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك، وأصبحت زاوية الجغبوب هي الزاوية الكبرى للسنوسية ومقر القيادة للحركة.

لقد ظهر البعد التنظيمي في شخصية ابن السنوسي في بناء الزوايا، فقد استطاع بعقليته أن يطور مفهوم الزوايا بحيث أصبحت تمثل النواة الأولى لمجتمع تحكمه سلطة وعليه واجبات اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، ودعوية. لقد أسس ابن السنوسي تنظيما هرمياً للحركة فكان تشكيله كالآتي:

1. شيخ الطريقة أو رئيس النظام وهو الرئيس الأعلى لها.

2. مجلس الشورى، ومهمته معاونه شيخ الحركة في تعيين شيوخ الزوايا.

3. شيوخ الزوايا.

4. الإخوان السنوسييون ومهمتهم كسب الأعضاء العاديين للحركة

وكانت الزاوية تبنى بالاتفاق بين إحدى القبائل التي ترغب في بنائها مع ابن السنوسي ويكون البناء وفق الأسلوب التالي:

1. تبنى الزاوية في قطعة من الأرض المختارة.

2. يعين ابن السنوسي شيخ الزاوية.

3. تكاليف بناء مسكن الشيخ والمسجد والمدرسة من الأهالي.

4. للزاوية حرم كبير يكون آمنا لمن دخله واستجار به.

كانت الزاوية عبارة عن قرية مصغرة تتمثل فيها كل مقومات المعيشة.

أما البعد السياسي عند ابن السنوسي فيظهر في تعامله الحكيم مع الدولة العثمانية، حيث رأى فيها كدولة للخلافة ضرورة لازمة لوحدة الأمة والدفاع عن كيانها، وأنه لا بد من مساندتها والوقوف إلى جانبها، ويظهر في حملة التوعية التي قام بها ضد الغزو القادم للأمة من قبل الأوربيين، وتنظيمه للزوايا، وتعبئة الأنصار، بغرس الثقة في عقيدتهم وقيادتهم وتأجيل الصدام مع الأوربيين حتى يكتمل تجهيزهم لهذا الصدام.

أسلوب ابن السنوسي الدعوي:

كان أسلوب ابن السنوسي في الدعوة إلى الله مستمدا من الكتاب والسنة، ومن خلال رسائله لأحد شيوخ الزوايا نلاحظ ذلك حيث قال: قال تعالى: "وقولوا للناس حسنا" وقال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..." وقال صلى الله عليه وسلم: "أزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في يد الناس يحبك الناس". ولذلك نجد دعاة الحركة السنوسية يتخذون الرفق واللين منهجاً، ونلاحظ ذلك في عدة أمور منها:

1. التعامل مع الطرق الصوفية:

تميز زعماء الحركة بالحلم والرفق ولذلك تحاشوا الاصطدام مع الطرق الصوفية في ليبيا ومصر والحجاز وغيرها، إذ عملوا على إسداء النصح لهم والتعاون معهم في أمور الخير، وتدريجيا دخل بعض زعماء هذه الطرق الصوفية في ليبيا في بوتقة الحركة السنوسية، أما البعض الآخر من أتباع هذه الطرق الصوفية فاقتصر نشاطهم على المدن كطرابلس وبنغازي وغيرهما.

2. عتق العبيد من الأفارقة:

كان ابن السنوسي مهتما بدعوة القبائل الوثنية في إفريقيا، فمن وسائله في ذلك، أنه اشترى مرة قافلة من العبيد، كان المستعمرون قد خطفوهم ليعرضوهم في سوق الرقيق، ولكن ابن السنوسي اعتقهم جميعا وعلمهم الإسلام، وبث فيهم حبه وتقديره، ثم تركهم ليعودا إلى قبائلهم وذويهم دعاة، فكانوا دعائم هامة لنشر الإسلام.

وكان يشتري العبيد من القبائل التي كانت تغير على القوافل ليعتقهم، وعمل على دعوة القبائل إلى الالتزام بالإسلام، وتخليص العبيد من العبودية وكان يشرف بنفسه على تربيتهم وتعليمهم ثم يرسلهم إلى قبائلهم، وبفضل هذا الأسلوب بعد فضل الله أصبحت قبائل واداي في تشاد ترسل أبناءها لتعلم الإسلام في الجغبوب وغيرها من الزوايا السنوسية.

3. التعامل مع القبائل وتوظيفها للدعوة:

اهتم ابن السنوسي في دعوته بزعماء القبائل، واستطاع أن يجعل من بعضهم دعاة إلى الله، واهتم بتوصيل الدعوة إلى الأحياء البدوية، ونظم أمر الدعاة المكلفين بهذه المهمة، وحرص على أن يضرب أروع الأمثلة في العفة، والاستغناء عما في أيدي الناس من متاع الدنيا، وقام بإرسال المرشدين والوعاظ إلى مواطن البدو البعيدة، فكان يرسل بعض إخوانه إلى جهات خاصة، ويحدد لهم مدة عملهم ثم يرسل بمن يخلفهم، ليعود الأوائل لأخذ الراحة.

وكانت إحدى البعثات مؤلفة من السيد مرتضى فركاش، وحسين الغرياني، فقاما بالدعوة إلى الله بين القبائل، ومن شدة فرح القبائل بهم أهدوا إليهم هدايا من الإبل والبقر والغنم، ورجعوا إلى ابن السنوسي، وعلم بما حدث وقال لهما مغاضباً: "ما جئت لأجمع مالا ولا لأرغب في الدنيا، ولم أرسلكما لتجمعا لي مالا ولكنني جئت لأنشر علماً وديناً، فارجعا بكل ما معكما لتسلمانه لأصحابه بالعدد". وبالفعل قام الشيخان بإرجاع الهدايا لأصحابها.

4. أسلوب ضرب الأمثال عند ابن السنوسي:

استخدم ابن السنوسي أسلوب ضرب الأمثال في دعوته، وقد استنتج هذه الوسيلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، قال تعالى: "إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..." البقرة 26

ولضرب الأمثال في القرآن والسنة منافع جمة منها:

1. تشويق السامع وترغيبه في الإيمان والخير والحق والفضيلة.

2. تقرير الحقائق تقريرا واضحاً.

3. تقريب المراد وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن المتلقي.

4. تنفير السامع وترهيبه من الكفر والشر والباطل.

5. تذكير المتلقي ووعظه ليعتبر وينزجر.

إن أسلوب ضرب الأمثال دعويا وتربويا يؤثر في القلوب والنفوس أثرا بالغ الأهمية في توصيل المفاهيم إلى الناس ومن أمثلة ذلك حديثه لإخوانه أثناء بناء الجغبوب حيث كان يخطط بناء السور على شكل مربع ثم يخاطب الحاضرين فيقول لهم: " الطير له عقل أم لا ؟ فقالوا: لا عقل له، فقال: هو لا يضع بيضة إلا فوق جبل شامخ حتى لا يلحقه ذئب ولا ثعلب ولا غيرهما. وقال اليربوع له عقل؟ فقالوا له: لا ، فقال: هو يجعل في جحره طريقة: وهى النفقاء، فإذا دخل الحنش الأسود عليها من هنا وقال "تلقونها أحسن المحلات إذا أتى الحنش الأسود من هنا" وأشار بأصبعه السبابة من المشرق إلى المغرب"

وبهذا الأسلوب استطاع ابن السنوسي أن يركز على بعض الحقائق لترسيخها في النفوس وتحذير إخوانه من الخطر الداهم على بلادهم، والدعوة إلى الاستعداد لمواجهة هذا الخطر. لقد أشار إلى مجيء الطليان في قوله إذا أتى الحنش الأسود عليها من هنا.

5. استخدام أسلوب القصة عند ابن السنوسي:

يعد أسلوب القصة من أنجع الأساليب التربوية للنصح والإرشاد، والغرض الأكبر من هذا الأسلوب للدعاة، أخذ العبرة والعظة، قال تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب..." يوسف 11 ولذلك كان ابن السنوسي يكثر من استخدام القصة لتفهيم أتباعه باعتبارها أسلوبا تربويا تعليماً مهماً، ومن ذلك قصة حكاها لابنه وإخوته يبين فيها أهمية القيادة في الجماعة، وضرورة المحافظة على القائد الذي بمثابة الرأس من الجسم، والقصة كما سردها محمد المهدي السنوسي: "كنت جالساً مع سيدي رضي الله عنه وتكلم معي طويلاً مقبلاً لجهة الجنوب ثم حكى لي حكاية بأنه كان كبير قوم ارتحل هو وقومه من مكان إلى مكان، فبينما هم في أثناء الطريق واذا بالعدو قد ظهر عليهم فالتفتوا إلى جميع الجهات ينظرون ملجأ يأوون إليه، فلما لم يروا شيئا قالوا لم يبق إلا القتال، وكبير القوم معه ولد، فصار الولد كلما رأى العدو آت من جهة حول أباه إلى جهة أخرى، فقال له بعض القوم: أنت ما شغلك إلا أبوك. قال لهم: نعم رجل كألف وألف خفاف كاف. فقال رضي الله عنه صدق الولد، متى كان الرأس موجوداً، فالذي يذهب يأتي الله بمن يكون مثله أو فوقه أو دونه".

6. أسلوب استخدام الشدة في مواقف الشدة:

كان ابن السنوسي ضابطا لأتباعه يحن توجيههم ولا يتهاون في معاقبة المنحرف منهم. فقد حكى أحمد الشريف في رحلته عن أحد شيوخ الحركة، أنه كان مقدمُ إحدى الزوايا في الصحراء، فثار فيها للجهاد في كافر وأمه جاءا سائحين، الكافر يداوى الرجال وأمه تداوى النساء، فلم يشعر إلا ومقدم الزاوية ومعاونه يهاجمانهما بالأسلحة، فصادفا حاكم البلاد وكان تركياً، فقال له مقدم الزاوية: اليوم يخرج النصراني من البلاد، فقال الحاكم له: أمهله اليوم وغداً يخرج فقال مقدم الزاوية لابد أن يخرج اليوم، فتلطف التركي معه فلم يفد. واشتد الخصام بين الحاكم التركي وبين الشيخ وحدثت فتنة كبيرة، فلما وصل الخبر إلى ابن السنوسي أرسل إليهما وعندما وصلا قال لهما: " أنا أرسلتكما للقراءة والدلالة على الخير أو أرسلتكما حاكمين؟" ولم يرجعا إلى محلهما لأن ابن السنوسي عزلهما عن عملهما، لأن تصرفهما كان يخالف بالكلية خطه في الدعوة إلى الله بالحكمة وعدم الاحتكاك بالسلطة.

خاتمة:

لقد اتصف ابن السنوسي بصفات الدعاة الربانيين، من الصدق والإخلاص، والدعوة على بصيرة، والتواضع والإرادة القوية. أما عن أفكاره فيمكننا الوصول إليها من خلال كتبه، ومن أهمها؛ كتاب المسائل العشر، السلسبيل المعين، إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، رسالة مقدمة "موطأ الإمام مالك" وغيرها.


المصدر: بوابة الشرق

آخر التغريدات: