الإمام محمد بن علي السنوسي (1202- 1274هـ/1787-1859م)

هو الشيخ محمد بن علي بن السنوسي بن العربي، وهو من الشرفاء الحسنيين.
ولد سنة 1202 هـ صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عند طلوع الفجر، ولذلك سماه والده محمدا تيمنا باسم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت ولادته بضاحية (ميثاَ) الواقعة ضفة وادي شلف بمنطقة الواسطة التابعة لبلدة مستغانم بالجزائر.

توفي والده بعد عامين من ولادته، وتولت عمته فاطمة تربيته وتنشئته، وكانت من فضليات أهل زمانها، أخذ العلوم عن شيوخ مستغانم، وغيرها من البلاد المجاورة لها. ومن أشهر هم في تلك المرحلة، ممن أخذ عنهم القرآن الكريم مع القراءات السبع، محمد بن قمعش الطهراوي زوج عمته، وابنه عبد القادر، وكانا عالمين جليلين صالحين، وابن عمه الشيخ محمد السنوسي الذي تولاه بعد وفاة عمته عام 1209 ه. ، وأتم على ابن عمه حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع علم الرسم والضبط، وقرأ عليه الرسالات الآتية: مورد الظمآن، المصباح، العقيلية، الندى، الجزرية، الهداية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي، وغيرها.

وبعد إتمامه حفظ القرآن وإتقانه، شرع ابن عمه الشيخ محمد السنوسي في تعليمه العلوم العربية ثم الدينية بالتدريج، وتربيته على العمل بما تعلم، وكان يزوده بتراجم العلماء والقادة والفقهاء.
توفي ابن عمه سنة 1219 هـ، فجلس محمد بن علي عند شيوخ مستغانم وهم: محي الدين بن شهلبة، ومحمد بن أبي زوينة، وعبد القادر بن عمور، ومحمد القندوز، ومحمد بن عبد الله، وأحمد الطبولي الطرابلسي، وكلهم من جهابذة العلماء في زمانهم، ومكث يطلب العلم في مستغانم سنتين كاملتين.

وفي أوائل 1221هـ، خرج من مستغانم إلى بلدة مازونة ومكث بها سنة واحدة وتتلمذ على مجموعة من المشايخ هم: محمد بن علي بن أبي طالب، أبو رأس الـمعسكري، أبو المهل أبو زوينة.
وبعد ذلك رحل إلى مدينة تلمسان وأقام بها ما يقارب السنة، وأخذ عن كبار شيوخها.

رحلته إلى فاس:

كانت المرحلة الثانية في طلب العلم، حيث قصد مدينة فاس في المغرب الأقصى ومكث فيها سبع سنوات تقريبا، فأخذ العلم بالرواية عن أفاضل علماء فاس مثل: حمودة بن حاج، حمدون بن عبد الرحمن، الطيب الكيراني، محمد بن عامر المعواني، وأبي بكر الادريسي، وإدريس بن زيان العراقي، وغيرهم، وأصبح مدرسا بالجامع الكبير بفاس، ونال المشيخة الكبرى بها. وأقبل الناس عليه لما رأوا من صلاحه وتقواه وفهمه الدقيق لعلوم الشريعة، وروحه الفياضة، وعقله المتنور، وفكره الناضج.

رحلته إلى الـمشرق:

قرر الشيخ السفر إلى مكة المكرمة، لأداء فريضة الحج، فاغتنم الفرصة للقاء كبار علماء العالم الإسلامي، وفي طريقه مر بتونس وليبيا. وفي الطريق كان يتعرف على أحوال المسلمين في هذه المناطق، وكون فكرة عن أوضاهم، وكان من طبيعة الامام السنوسي أن بوطد العلاقات بمن يتعرف عليهم، ونجح في كسب قلوب الكثيرين.

ثم دخل الإمام السنوسي إلى مصر سنة 1239ه وكان الحكم آنذاك لمحمد علي باشا، وقد لا حظ أمورا جعلته لا يرتاح إلى نوع الحكم، وأنه يخدم أعداء الإسلام، وستؤدي بالمنطقة إلى أن تستعمر .
كما لاحظ أن العلوم الدينية في الأزهر قد أصيبت بالجمود والتحجر نتيجة لعدة عوامل منها:

الاهتمام بالـمختصرات.

انتشار الشروح والحواشي والتقريرات.

التساهل في منح الإجازات.

رفض فتح باب الاجتهاد.

التعصب المذهبي.

دخول الحجاز:

كان لزيارة مكة الأثر الكبير في قيام الدعوة السنوسية، وساعد على هذا عدة أسباب:

الاحتكاك بالوافدين على مكة من كل مكان، ومعرفة أحوال المسلمين.

الاحتكاك بعلماء وفقهاء ومفكري الأمة، وتبادل الأفكار في كيفية النهوض بالأمة.

نشر وتحصيل العلوم، الاجتهاد في دراسة المذاهب الإسلامية.

شرع الامام السنوسي في إلقاء الدروس في مكة، وتعليم من يجتمع من حوله من المريدين وطلاب العلم، وبنى أول زاوية في الحجاز (زاوية أبي قيس).

مكث في الحجاز خمسة عشر سنة استطاع ان يجمع خلالها من التلاميذ والإتباع والمريدين أعدادا كثيرة، مما حرك ضده عداوة شيوخ مكة، وزاد على ذلك أن السلطات الحكومية بدأت تشعر بخطورة حركته.

رحلته من الحجاز إلى الـمغرب:

دفعت عدة أسباب الامام السنوسي لمغادرة مكة ، إضافة إلى رغبته الشديدة في الجهاد في الجزائر ضد المستعمر الفرنسي، وقد رافقه في رحلته مجموعة من تلاميذه.
ومن مواقف الامام السنوسي العظيمة موقفه من مهمة الجاسوس الفرنسي "ليون روش" الذي أقنع علماء مكة بفتوى وجوب الكف عن محاربة الجزائريين للفرنسيين ما داموا سمحوا لهم بالعبادة، وقد اعترف "روش"، نفسه أن العالم الوحيد الذي عارض الفتوى في المجلس العلمي الذي دعا إليه "الشريف الغالب"، حاكم مكة هو السنوسي.

ومر أثناء رحلة العودة بمصر ، ثم ليببا، وكانت أعين المخابرات الفرنسية تتبعه لإلقاء القبض عليه، فلم يتمكن من دخول التراب الجزائري.

وقرر أن يعود إلى طرابلس ليببيا، وتبني دعم حركة الجهاد في الجزائر بالأموال والسلاح، حيث انه كانت تربطه علاقات بالأمير عبد القادر الجزائري.

استقراره بليبيا:

في سنة 1257ه ، عاد الإمام السنوسي إلى طرابلس، ثم انتقل إلى برقة، وبدأت شهرته تزيد وسط العلماء والأعيان والعامة، وأخذ يؤسس الزوايا، ويهيأها لتكون كالقلاع لصد المعتدين في الحروب.
وشرع من الزاوية البيضاء يعلم الناس ويذكرهم بالله، ويرشدهم إلى طريق النجاة في الدنيا والآخرة.
وأخذت القبائل تتوافد عليه وتطلب زيارته، وتطلب إقامة زوايا.

كما أن الشيخ كان ينتقل بين القبائل ويصلح ما بينها، ويزيل ما تأصل بينها من أحقاد ومشاجرات.

حقيقة الحركة السنوسية:

الحركة السنوسية كانت عبارة عن دعوة تكاملية لأن الإمام السنوسي كان من كبار علماء الشريعة، وكان صوفيا مربيا، وكان له اطلاع على التاريخ، واطلاع على علوم العصر ، وكان عارفا بواقع أمته، ومن خصائص هذه الدعوة، عدم مواجهة الحركات الإسلامية المخالفة لها.

كما أنه كان يرفض التقليد، وكان يدعوا إلى الاجتهاد بوسائله، من غير أن يرفض اجتهادات السابقين، وأكبر دليل كونه كان يفتي بمذهب الإمام مالك.

مؤلفات الشيخ محمد بن علي السنوسي:

للإمام السنوسي رحمه الله مؤلفات كثيرة في مجالات شتى ، حصرها الدكتور الدجاني على النحو التالي:

أولاً: المطبوع منها:

1- الـمسائل العشر المسماة: بغية المقاصد في خلاصة الراصد ، موضوعه عشر مسائل فقهية، خالف فيها السنوسي مشهور مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى ، بين أدلة مأخذه في هذه المسائل ، مناقشاً ومحرراً لمشهور المذهب في هذه المسائل .

2- السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين ، تكلم فيه عن سلسلة الطرق الصوفية الموجودة في وقته ، وبين طرق اتصالها إلى أصحابها .

3- إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن ، وهو في أصول الفقه ، بين فيه وجهة نظره في الاجتهاد .

4- المنهل الروي الرائق في أسانيد العلم وأصول الطرائق ، بين فيه أسانيد روايته للكتب الحديثية والفقهية ، كتبه استجابة لمن سأله بيان أسانيده في السنة .

5- الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية .

6- المسلسلات العشرة في الأحاديث النبوية .

7- رسالة مقدمة موطأ الإمام مالك رضي الله عنه ، مقدمة رائقة في بيان بعض تاريخ هذا الكتاب العظيم ، وذكر بعض شروحه ومنزلته من كتب السنة .

8- شفاء الصدر بأري المسائل العشر ، وهو مختصر بغية المراصد السابق ذكره .

ثانياً: الـمخطوط:

1- الشموس الشارقة في أسانيد شيوخنا المغاربة والمشارقة .

2- البدور السافرة في عوالي الأسانيد الفاخرة .

3- الكواكب الدرية في أوائل الكتب الأثرية .

4- سوابغ الأيد بمرويات أبي زيد .

5- رسالة جامعة في أقوال السنن وأفعالها .

6- هداية الوسيلة في إتباع صاحب الوسيلة .

7- طواعن الأسنة في طاعني أهل السنة .

8- رسالة شاملة في مسألتي القبض والتقليد .

9- رسالة السلوك .

10- شذور الذهب في محض محقق النسب .


المصدر: ملتقى الشيخين: الحركة التجديدية الإسلامية في الجزائر - السنوسيان ابن يوسف وابن علي مثالا – تلمسان جمادى الأولى 1439 هـ- يناير 2018

آخر التغريدات: